في صباح اليوم التالي، استيقظ دايفد قبل شروق الشمس بلحظات. شيء في داخله كان يضجّ بالحياة. نهض من فراشه وكأنّه انتُشل من حلم ثقيل، واتجه إلى الحمام. الماء البارد على وجهه أعاده إلى وعيه، وإلى واقعه: اليوم قد يكون اليوم الذي يرى فيه أدريان أخيرًا.
غسل أسنانه، أعاد ترتيب شعره، ثم خرج نحو المطبخ حيث كانت سوزان تحضّر الفطور.
سوزان (بابتسامة مرحة): صباح الخير، دايفد. يبدو أنك مستعد لفتح حرب اليوم، لا مجرد يوم عمل!
دايفد (يبتسم وهو يجلس): صباح النور… نعم، أنا متحمّس جدًا. أين أبي وأمي؟
سوزان: لا يزالان نائمين، على ما أظن… أعتقد أن المعكرونة أمس كانت قاتلة.
دايفد (ضاحكًا): نعم، أكثرا منها حتى بدت كأنها حفلة وداع للعقل.
بعد أن أنهى فطوره، غادر المنزل متوجهاً نحو الشركة.
في بهو الشركة، استقبلته السكرتيرة بابتسامتها المعتادة.
السكرتيرة: صباح الخير، سيد دايفد. وصلك ملف هذا الصباح من شخص يدعى بوبي. وضعته في مكتبك، وجهزت قهوتك كما تحب. وبالمناسبة، أرباح الشركة ارتفعت بنسبة 12% هذا الأسبوع.
دايفد (يبتسم بتقدير): ممتاز. استمري علي هذا النسق من العمل وستحصلين علي ترقية.
ظهرت علامات المفاجأة والامتنان على وجهها، بينما هو اتجه مباشرة إلى مكتبه.
أغلق الباب خلفه، جلس في كرسيه الجلدي، وسحب الملف الذي أرسله بوبي. قلبه ينبض بسرعة وهو يفتحه. الأوراق، الصور، التقارير… كل شيء بدا موثقًا بإحكام.
كان الملف يحتوي على عنوان الغابة التي يعيش فيها أدريان، ومعلومات مفصلة عن العصابة التي اختطفته عندما كان طفلًا. لكن ما جمد الدم في عروقه، هو ما وُجد في القسم الأخير من الملف:
العصابة أنشأها والده. نعم، والده. الرجل الذي عاش معه طوال هذه السنوات، وتناول معه الطعام، وكان يتحدث عن الشرف والنزاهة… هو من أنشأ العصابة.
والأدهى، أنه قدم رشوة للشرطة للتستّر على الجريمة.
صمت دايفد، وارتجفت أنامله.
دايفد (يحدث نفسه): هل والدي هو من أمر بخطفي؟ لماذا؟ ما الهدف؟ هل كان اختبارًا؟ تهديدًا؟ عقابًا؟
لكنّه سرعان ما أغلق الملف، وأبعده عن ناظريه.
دايفد (بصوت حاسم): ليس الآن… الآن علي أن أجد أدريان. كل شيء آخر يمكنه الانتظار.
خرج من مكتبه بخطوات ثابتة.
دايفد: أيتها السكرتيرة، سأخرج الآن. لدي أمر مهم. قومي بتأجيل مواعيدي اليوم.
السكرتيرة: حاضر، سيدي. بالتوفيق.
قاد دايفد سيارته الفاخرة، متجهًا إلى الغابة التي اختُطف فيها قبل عشر سنوات، حيث قيل له إن أدريان يعيش.
الطريق كان طويلاً، لكنه لم يشعر به. كانت ذاكرته تأخذه إلى تلك الليلة السوداء، حيث صرخ وبكى، وذُبح فيه جزء من طفولته.
وصل أخيرًا، أوقف سيارته قرب مدخل الغابة، ونزل منها ببطء.
دايفد (في نفسه): الغابة لم تتغير… الأشجار نفسها، والرائحة نفسها… وكأن الزمن تجمّد هنا.
بدأ يسير بين الأشجار، وكل خطوة كانت تنزع عنه قشرة من الماضي.
بعد وقت، وصل إلى مكان البحيرة… أو على الأقل، إلى ما كان يُفترض أن يكون بحيرة.
لكن الماء اختفى.
دايفد (مذهولًا): ماذا؟! أين الماء؟! تبخر؟ جفّ؟ من أفرغه ولماذا؟
حار في أمره، لكنه تذكّر:
دايفد (بهمس): لا بأس… إذا وجدت البحيرة، فسأجد الطريق إلى بيت أدريان.
سار على المسار القديم. الأشجار بدت أكثر كثافة، وكأنها أرادت أن تخفي عنه الحقيقة. لكنه لم يتوقف. وبعد نصف ساعة من المشي الحذر، ظهر أمامه منزل خشبي صغير، مهترئ، لكنه مألوف.
تسارعت دقات قلبه. هذا هو المكان.
اقترب، ويده ترتجف، ثم طرق الباب.
مرت ثوانٍ كأنها دهور، إلى أن فُتح الباب، وخرج منه رجل في الخمسينات من عمره.
الرجل (بلهجة حادة): من أنت؟
دايفد: صباح الخير… هل هذا منزل أدريان؟
الرجل: أدريان؟ آه، الشاب الذي كان هنا؟ نعم… لكنه انتقل منذ سنتين. أنا صاحب هذا المنزل الآن.
دايفد (بلهفة): هل تعرف كيف أتواصل معه؟ أرجوك، إنه أمر في غاية الأهمية.
الرجل (ببرود): للأسف، لا أملك وسيلة اتصال به…
تردّد دايفد للحظة، ثم أخرج ورقة نقدية من فئة 100 دولار، ومدّها للرجل دون أن ينطق.
نظر إليه، ثم أخذ المال، ودخل لدقائق، قبل أن يعود بورقة صغيرة.
الرجل (جافًا): هذا هو عنوانه الجديد. انتقل إلى طوكيو. والآن، لا تعد إلى هنا مجددًا.
أغلق الباب في وجهه، وتركه واقفًا في صمت.
أمسك دايفد الورقة بإحكام. نظر إلى العنوان، وقرأه مرارًا… طوكيو.
دايفد (في نفسه): طوكيو… حسنًا يا أدريان، اقترب موعد لقائنا.
عاد أدراجه عبر الغابة، لكن هذه المرة، كانت خطواته أكثر ثباتًا. العتمة بدأت تنقشع. أدريان لم يعُد شبحًا في ذاكرته… صار وجهًا يقود خطاه.
أنت تقرأ
أفسدني برغبته
Romanceلم يهتم لأمري أحد، ولم أعرف يومًا معنى الحضن الدافئ الخارج من أعماق القلب. ذلك الشعور النادر، الشعور بأن ينتمي قلبك إلى أحد، لم يلامسني قط. لطالما كنت أحدّق في عينيك بصمت، أراقب سكونهما المذهل، وما زلت، ولن أملّ منهما أبدًا. أتمنّى لو أُمنَح الخلود،...
