مرّت أيّامٌ ثقيلة على سوزان، كأنّ الزمن توقّف عند الكوخ، عند تلك اللحظة التي انطفأ فيها ضوءٌ في روحها ولم يعد.
لكنّ الجسد لا ينسى... ومع كل صباح، كانت تستفيق على صداعٍ مؤلم، وغثيانٍ متكرّر، وألمٍ غريب في أسفل بطنها.
كانت تشعر أن شيئًا ما يتغيّر بداخلها، شيئًا حيًّا... لا تريده، ولا تعرف كيف تتعامل معه.
سوزان (في نفسها، بخوف مكتوم):
– لا بدّ أن أقطع الشكّ باليقين... سأشتري جهاز كشف الحمل، عليّ أن أعرف.
خرجت، اختارت صيدلية بعيدة عن الحيّ، واشترت الجهاز وهي ترتجف من الداخل.
عادت إلى غرفتها وأغلقت الباب بإحكام. دقائق قليلة فقط... ثم ظهرت النتيجة، صادمة، صارخة، لا تحتمل التأويل.
نعم، كانت حاملاً.
لم يكن البكاء الذي تلا ذلك عادياً... بل كان انهيارًا، تشقّقت فيه روحها، كما تتصدّع الجدران القديمة في زلزالٍ مفاجئ.
ارتجفت أطرافها، وتسرّعت أنفاسها، وساد في الغرفة صوت نشيج مكتوم، يحمل معه الخوف، والعار، والغضب... والذنب.
لكن ذلك الانهيار لم يدم طويلاً، فقد سمعت خطواتٍ ثقيلة تقترب من غرفتها.
فتحت أمّها الباب فجأة، وقد شحب وجهها حين رأت ابنتها تبكي بتلك الطريقة.
أم سوزان، بدهشة وقلق:
– عزيزتي، ما الأمر؟ لماذا تبكين؟!
سوزان، وهي تمسح دموعها بسرعة:
– لا شيء... فقط اتركيني وحدي، أرجوكِ.
لكن عينا الأم لم تخلُ من الشكّ. وقبل أن تغادر، وقع بصرها على شيء تحت الوسادة.
مدّت يدها وسحبته. كانت أداة كشف الحمل، والنتيجة لا لبس فيها.
صمت قاتل خيّم على المكان. ثم قالت بصوتٍ متهدّج، فيه الصدمة والغضب:
– هل... هل هذا الجهاز لكِ؟! هل... أنتِ حامل؟!
لم تنتظر الإجابة. صاحت:
– ستجهضين! هذا ما سيكون، ولن يكون غيره، هل تسمعينني؟!
سوزان، صارخة باكية:
– لا! لن أفعل... هذا الطفل قطعة منّي، ولن أتخلّى عنه!
اقتربت الأم وصفعتها صفعةً مدوّية، انطفأ على إثرها صوت سوزان لثوانٍ.
أم سوزان، وهي تشير إلى الباب:
– إن كنتِ ترفضين، فغادري. لا مكان في هذا البيت لفضيحةٍ كهذه.
نظرت إليها سوزان نظرةً خرساء، لا تحمل دموعًا، بل قرارًا.
سوزان، بصوت حاسم:
– حسنًا... سأجمع أشيائي، وأرحل.
خرجت من البيت بلا رجعة. في يدها حقيبة صغيرة، وفي بطنها حياة لم تولد بعد، وفي صدرها ركام من الأسى.
راحت تبحث عن عمل، عن مأوى، عن بصيص أمل.
وقادها القدر، أو ربما المصادفة، إلى إعلان صغير في إحدى الجرائد:
"عائلة محترمة تبحث عن خادمة مقيمة. الإقامة والطعام مضمونان."
اتصلت فورًا:
سوزان، عبر الهاتف:
– مرحبًا، هل لا تزال الوظيفة شاغرة؟
امرأة بنبرة متعجلة:
– نعم. أنا كاثرين، وأحتاج فعلاً إلى من تبدأ فورًا. تعالي إلى هذا العنوان.
سوزان:
– لا مانع لدي... فقط عليّ أن أخبرك بشيء: أنا حامل، وقد أتعب في بعض الأيام.
كاثرين (في نفسها، بنبرة مشوبة بالخبث):
– ممتاز... تبدو فرصتي سانحة.
وصلت سوزان إلى منزلٍ واسع في أحد الأحياء الهادئة. استقبلتها امرأة خمسينية أنيقة، ببسمةٍ مصطنعة.
كاثرين:
– أهلاً بكِ يا عزيزتي. لا أصدّق أنّك بهذا العمر وحامل... ما أقسى الحياة، أليس كذلك؟
سوزان، بانكسار:
– قاسية... وأكثر ممّا يُحتمل.
تأمّلتها كاثرين طويلاً، ثم قالت:
– اسمعي، لديّ اقتراح. ما رأيك أن أتكفّل بابنك؟ أربيه، أطعمه، أعلّمه، وأسجّله باسم زوجي وأنا. ستعملين هنا، ولن تُحرمي من رؤيته. هو في بيتك، وتحت نظرك، لكني سأكون والدته من الناحية الرسمية... فأنتِ الآن بلا مأوى ولا مصدر دخل. الأمر لصالحه.
ثم أخرجت عقدًا ووضعته أمامها.
كاثرين، بنبرة مقنعة:
– فقط وقّعي، وسأهتم بكل شيء.
سوزان نظرت إلى الورقة، ثم إلى بطنها، ثم إلى الفراغ أمامها.
سوزان، بتردّد:
– لا أعلم... عليّ التفكير في مصلحة ابني... أشعر أنني لست مستعدّة لقرار كهذا.
كاثرين، بحدة مصطنعة:
– ومَن سيقبلك وأنت حامل؟! مَن يوظّف فتاة تتقيّأ كل صباح؟! ستُطردين، وستعيشين في الشارع، ومعك طفل! هل هذا ما تريدينه؟
اهتزّ كيان سوزان، واشتدّ ارتجاف يدها. التفكير في المستقبل جعل أنفاسها تتسارع.
كاثرين، بصوت أكثر ليونة:
– انظري... حين تلدين، تبدأين بالعمل هنا، وتبقين قريبة منه. ستحظين بمأوى، وعمل، وغذاء، وطفلك سيكبر أمامك... أليس هذا أفضل؟
نظرت سوزان إليها، بعينين تائهتين بين أمومتها المذبوحة، ويأسها من العالم.
ثم قالت، كمن يُوقّع على حياةٍ لم تكن يومًا ملكه:
– حسنًا... سأوقّع.
ابتسمت كاثرين ابتسامة صغيرة خفية، كأنها انتصرت في لعبة شطرنج لا يعلم الخصم أنه كان يلعبها.
كاثرين (في نفسها):
– فتاة مطيعة... تمامًا كما كنت أحتاج.
ملاحظة مهمة
سأعود الي الأحداث العادية في الجزء التالي
أنت تقرأ
أفسدني برغبته
Romanceلم يهتم لأمري أحد، ولم أعرف يومًا معنى الحضن الدافئ الخارج من أعماق القلب. ذلك الشعور النادر، الشعور بأن ينتمي قلبك إلى أحد، لم يلامسني قط. لطالما كنت أحدّق في عينيك بصمت، أراقب سكونهما المذهل، وما زلت، ولن أملّ منهما أبدًا. أتمنّى لو أُمنَح الخلود،...
