PART 30 (Flash Back)

1.5K 59 0
                                        

استيقظت مارلين على مواء قطتها الهزيلة، التي التصقت بها لتتدفأ من برودة جدران القبو الإسمنتية. عيناها الصغيرتان ما تزالان نصف مغمضتين من قسوة النوم، لكنها ما لبثت أن تذكّرت أين هي.

القبو. مكانها الدائم. ملاذها الجبري.

كان والدها لا يسمح لها بالنوم في غرفتها. تلك الغرفة التي تحوي سريرًا ورديًّا ومكتبة صغيرة كانت تحبها، تحوّلت إلى غرفة مغلقة بالقفل الحديدي. أحيانًا، عندما يكون مزاجه جيّدًا – وهو أمر نادر – يسمح لها بالنوم على أرضية غرفة الجلوس… بجانب المدفأة. لكنها اليوم، ككل يوم، نامت في القبو.
 
صوت صراخ يهزّ الجدران:

"مارليييييييين! أيتها الكلبة! تعالي فورًا!"

ارتعد جسدها الصغير، وركضت نحو الباب الحديدي، وفتحت القفل بصعوبة. صعدت درجات السلم بسرعة، ثم وقفت أمام والدها وهي ترتجف.

مارلين، بخوف: "م-مالأمر… أبي؟"

والدها، بوجه ملتهب وعيون كأنها تحمل جحيمًا: "اطبخي لي الفطور! أنا جائع!"

مارلين، بعينين دامعتين: "أبي… أنا عمري تسع سنوات فقط… لا أعرف كيف أطبخ."

لم يمهلها كثيرًا. صفعة نازلة نزلت على خدها الأيسر حتى ارتطم رأسها بالحائط.

"هل أبدو لكِ مهتمًا؟ إلى المطبخ، فورًا!"

بيدين مرتجفتين، بدأت بكسر البيض، فأسقطته على الأرض وعلى ملابسها. نظر إليها والدها وكأنها أهانت شرفه.

والدها، وهو يزمجر: "هل تظنين أني أشتري البيض مجانًا؟!"

أمسك بالعصا التي يضعها بجانب الطاولة دومًا، وبدأ يضرب جسدها النحيل بعنف. ضربة على الظهر. ضربة على الفخذ. ضربة على الذراع.

"ستتعلّمين أن الطعام لا يُهدر! فلتعلمي أن لا شيء يأتيكِ بلا ثمن، أيتها الكلبة الغبية!"

كان هذا المشهد يتكرر بشكل شبه يومي. في البداية كانت تبكي وتصرخ. لكن بمرور الوقت، لم تعد الدموع تكفي، ولم تعد الصرخات تُخرج شيئًا من قلبها سوى وجع أبكم.
 
بعد دقائق، عاد إلى مقعده وهو يلهث كوحش أنهكته ولائم العنف. فتح خزانة خشبية صغيرة، وأخرج منها كيسًا. كُتب عليه: "طعام للكلاب".

سكبه في صحن مخصص للكلاب، ووضعه أرضًا.

"مارلين! تعالي!"

مارلين، بخوف يتصاعد: "ن-نعم… أبي؟"

والدها، وهو يبتسم تلك الابتسامة المريضة: "هيا، تناولي هذا. مثل الكلاب."

مارلين، بانهيار: "أبي… لا أستطيع… هذا طعام كلاب. أنا ابنتك، أرجوك…"

صفعها مرة أخرى، وسقطت أرضًا، دمها يسيل من زاوية شفتيها.

"كلي، وإلا مزّقتك!"

اقتربت مارلين من الطبق، والدموع تختلط باللعاب، وهي تحاول ألا تشتم الرائحة الكريهة. بدأت تلتهمه… لقمة تلو الأخرى. طعمه كان مقززًا. مشوّهًا. لكنه في تلك اللحظة، كان أقل قسوة من وجه والدها.

وفجأة، وهو يراها تأكل، ضربها بركبته في بطنها.

"أسرعي! أسرعي قبل أن أصلبك على الجدار!"

أنهت الطبق في صمت. ثم تقيأت في ركن المطبخ. حاولت أن تمسح فمها، لكنها كانت مغطاة بالوحل، وقطع من طعام الكلاب المعلّق على خديها.

"اذهبي إلى القبو. ستأتي حبيبتي الآن… ولا أريد أن تُفسدي اللحظة."
 
نزلت إلى القبو، وجسدها يحمل كدمات من كل اتجاه. جلست على الأرض، فتحت دفترها السري. بدأت ترسم فتاة تحمل جناحين، تكتب على الغيوم. حلمها كان بسيطًا:

"أريد أبًا يحبني… لا يضربني. لا يجعلني آكل مثل الكلاب. أريد بيتًا فيه ضوء. فيه سرير… لا قبو."

بقيت هناك ساعات. تتكلّم مع نفسها. ترسم. تتخيّل. تهرب بخيالها من رعب الواقع.

لكن شيء غريب قطع هذه العزلة.

صوت طحن. سحق. تمزيق.

نهضت. زحفت إلى الباب بهدوء، ثم صعدت بخفّة كقطّتها الصغيرة. وما إن فتحت باب غرفة الجلوس حتى وقعت عيناها على الكابوس الأكبر.

كان والدها ينحني فوق ثلاث جثث. يطعنها بسكين حاد، مرة تلو الأخرى. يمزّق اللحم بأسنانه. يشرب الدماء. كان مغطى بالكامل بلون الموت.

صرخت مارلين. كانت تلك أول مرة تصرخ من الأعماق.

التفت نحوها، ووجهه مغطّى بالدم:

"قلت لكِ ألا تخرجي من القبو!"

ركضت. قلبها يكاد ينفجر. لم تعد تشعر بجسدها. الباب الخارجي كان مفتوحًا. منذ متى لم يكن مقفولًا؟

ركضت. ركضت بأقصى ما استطاعت قدماها الصغيرتان أن تحملها. وصلت إلى بيت والدتها. طرقت الباب كأنها ستهدمه.

مارلين، وهي تبكي وتصرخ: "أمييييي! أميييي أنقذيني! إنه… مجنون! أكلهم… رأيته!"

في اليوم التالي، غادرت الأم وابنتها المدينة، إلى مكان لا يعرفه أحد. غيّرت الأم اسم العائلة. أخفت مارلين عن العالم.

لكن ما لا يمكن إخفاؤه…

هو الظلام الذي زرعه والدها في قلبها.

منذ تلك اللحظة، أصبحت مارلين لا تثق بأحد. لا تقترب من أحد. تكره كلمة "أب"، ترفض كلمة "زوج". تخاف الحب. تخاف الحنان.

فكل من يقترب منها… يشبه في الظلّ ذاك الوحش الذي كان ينهش الجثث.

ملاحضة مهمة

البارت القادم سيكون "فلاش باك" عن سوزان

أفسدني برغبتهحيث تعيش القصص. اكتشف الآن