في مساء هادئ، جلست والدة دايفد في ركنها المعتاد، ترتشف من فنجان الشاي حين التقطت هاتفها واتصلت بابنها.
ــ "ألو، عزيزي دايفد، أين أنت الآن؟"
تردد صوته على الطرف الآخر، هادئًا كما اعتادت أن تسمعه حين يكذب:
ــ "في اجتماع عمل، ولن أعود إلا غدًا."
صمتت للحظة، ثم قالت بهدوء مصطنع:
ــ "حسنًا، حين تعود غدًا، لديّ موضوع مهم أود مناقشته معك."
وما إن أغلقت الخط حتى تمتمت بسخرية باردة:
ــ "ههه... كم أنت ساذج يا دايفد. لا أصدق أنني أنجبتك فعلاً."
التفتت نحو توماس، وقالت:
ــ "أخبر الخادمة أن تُحضِر لي كوبًا آخر من الشاي، ودع عينيك تبقى عليه في الغد."
ــ "حاضر، سيدتي."
في الجانب الآخر من المدينة، في منزلهم الجديد، جلس دايفد مع أدريان وإيفا.
ــ "من المتصل؟" سأل أدريان وهو يراقب تعبير وجه دايفد.
ــ "أمي..." أجاب دايفد بتنهيدة قصيرة.
إيفا، وقد لمع في عينيها بريق فكرة، قالت بحماس طفولي:
ــ "لدي فكرة رائعة!"
رمقها دايفد بنظرة جانبية متشككة، وفكر ساخرًا: "منذ متى والعجائز يطلقون على أفكارهم (رائعة)؟"
ــ "ما هي؟" سألها أدريان، مبتسمًا.
ــ "لنذهب للتسوّق!"
ــ "فكرة جميلة!" هتف أدريان وهو يقفز بحماسة، "أريد شراء بعض الملابس واللوحات والعطور."
تنهد دايفد:
ــ "أنا لا أشعر بالراحة... هذا الحي مزدحم."
إيفا بعناد ساخر: ــ "أنت تتصرّف كالعجائز فعلاً... هيا، تحرّك!"
ابتسم أدريان وهو يسحب دايفد من يده: ــ "إنها فرصة لنخرج ونُغيّر الأجواء، دعنا نستمتع."
استسلم دايفد في النهاية، وخرج الثلاثة نحو أحد المتاجر الكبرى، حيث انتشرت واجهات العرض المضيئة واللوحات الفنية والعطورات التي تعبق في المكان.
داخل المتجر، بدأت إيفا تتجول بحيوية، تلتقط الملابس وتفحص الألوان.
ــ "أدريان، انظر إلى هذه!" قالت وهي تشير إلى قميص أحمر براق.
اقترب أدريان وتأمّله بإعجاب: ــ "اللون الأحمر... يبدو جريئًا."
اعترض دايفد من خلفه، وقد بدا عليه التوتر: ــ "لا، ليس وأنت معي. لا أريد قطتي تتجول هكذا وسط العيون."
ثم تقدّم نحوهما واحتضن أدريان من الخلف، بنبرة شبه جادة:
ــ "ابتعدي عن حبيبي يا امرأة."
ضحكت إيفا: ــ "دع الفتى يجرّب شيئًا مختلفًا! لديه جسد مثالي لهذه التصاميم."
لم ينتبه دايفد أن أدريان قد انسحب برشاقة إلى غرفة القياس، بينما كان هو غارقًا في أفكاره... المشتعلة.
قالت إيفا بخبث وهي تنظر إليه:
ــ "وجهك محمر... هل أنت بخير؟"
ــ "لا تنظري إليّ بهذه الطريقة!" قالها وهو يحاول صرف نظره عنها.
ضحكت وهي تسير مبتعدة: ــ "المنحرف الوحيد هنا هو من يفكّر بأشياء غريبة وسط متجر عام!"
لم يلبث المشهد أن ازداد إحراجًا حين خرج أدريان من غرفة القياس، مرتديًا القميص الأحمر الجديد. كان المظهر جذابًا، بسيطًا، ومعبرًا، وقد بدت عليه الثقة.
تراجعت إيفا قليلاً، ثم قالت بإعجاب: ــ "أظن أن ذوقي لا يُخطئ."
أما دايفد، فشعر بنبض قلبه يتسارع، وحرارة وجنتيه ترتفع، فتظاهر بالسعال وأدار وجهه.
ــ "اذهب وغيّره فورًا. ستلبسه فقط في المنزل."
ضحك أدريان، ثم عاد لتغيير ملابسه.
بعد دقائق، كانوا يتجولون مجددًا بين الممرات.
ــ "انظري إلى هذه الحقيبة، إيفا!" قالها أدريان وقد وقعت عينه على حقيبة أنيقة بلون بنفسجي.
ــ "إنها لطيفة، يجب أن تشتريها!" أجابته إيفا بحماسة.
ثم التفت إلى دايفد:
ــ "سأشتري أيضًا بعض الملابس الهادئة... هذا اللون البنفسجي يبعث راحة في نفسي."
أومأ دايفد، ثم قال:
ــ "سأمر على الصيدلية المجاورة لأشتري بعض الدواء. لا تتأخرا."
غادرهم لبعض الوقت، في حين أكمل أدريان وإيفا جولتهما داخل المتجر، يتبادلان تعليقات خفيفة وابتسامات ناعمة.
أنت تقرأ
أفسدني برغبته
Romansaلم يهتم لأمري أحد، ولم أعرف يومًا معنى الحضن الدافئ الخارج من أعماق القلب. ذلك الشعور النادر، الشعور بأن ينتمي قلبك إلى أحد، لم يلامسني قط. لطالما كنت أحدّق في عينيك بصمت، أراقب سكونهما المذهل، وما زلت، ولن أملّ منهما أبدًا. أتمنّى لو أُمنَح الخلود،...
