استفاق دايفد من نومٍ ثقيل، وكأن صدره يرزح تحت حجرٍ لا يُزاح.
كان الحزن يعشش في عينيه، والغضب يتململ في أعماقه، كوحشٍ مسجونٍ يئنّ من القيود.
ارتدى ملابسه ببطء، ووقف أمام المرآة لحظةً، تأمل فيها وجهه الشاحب، ثم تنهد وقال لنفسه:
دايفد (في سره):
– هيا بنا... إلى الزفاف، أو بالأحرى، إلى العذاب.
دقّ باب غرفة والدته بلطف، ثم فتحه قليلاً.
دايفد:
– أمي، هل أنتِ مستيقظة؟ لقد حان وقت الاستعداد...
نظر إلى والدته فوجدها متأنقة، مفعمة بالحيوية، تكاد تطير من الفرح.
دايفد (بسخرية خافتة):
– تبدين متحمسة لهذا اليوم، بشكلٍ مثير للدهشة.
أمه، بابتسامة مزيفة:
– بالطبع، كيف لا؟ إنه زفافك يا بني. هيا، لنتناول الفطور أولاً، فالوقت يداهمنا.
توجهت إلى المائدة، ثم صاحت بصوتٍ متعالٍ:
أم دايفد:
– أيتها الخادمة! هل الفطور جاهز؟!
الخادمة، بانحناءة خفيفة:
– نعم سيدتي. القهوة دافئة كما تحبينها، وكل شيء معدّ بعناية.
جلسا إلى الطاولة، وشرعا في تناول الطعام، في صمتٍ متوتر، تتخلله ابتسامات متكلّفة وحديثٌ سطحي لا يسمن ولا يغني من الحقيقة المرّة التي في قلب دايفد.
في ذات الوقت، في منزل أدريان...
استيقظ أدريان على صوت هاتفه الجوال الذي كان يرنّ بإلحاح.
مدّ يده متثاقلاً ورفع السماعة.
أدريان (بتثاقل):
– ألو... من المتصل؟
صوت مألوف في الطرف الآخر:
– أدريان! يا صديقي، كم اشتقت إليك!
أدريان، وقد انفرجت أساريره قليلاً:
– إيثان! مرحباً، اشتقت إليك أيضاً. مضى شهران منذ آخر مرة رأيتك فيها.
إيثان، بصوتٍ متردد:
– الجميع يقول هذا... في الحقيقة، لدي مشكلة كبيرة. عائلتي بدأت تشكّ أنني... مثليّ، فقط لأنني لا أملك حبيبة.
أدريان، بجدية:
– آسف لسماع ذلك... هل هناك ما يمكنني فعله لأساعدك؟
إيثان، بعد تردد:
– لدي طلبٌ محرج... هل يمكنك أن تتنكر كفتاة وتمثّل أنك حبيبتي أمام عائلتي؟ أقسم أنك تبدو جميلاً بما يكفي لتخدعهم...
أدريان، مبتسمًا بلطف:
– إن كان هذا سيساعدك، فأنا موافق. أي شيء لأجلك.
إيثان:
– رائع! سنلتقي في الخامسة مساءً، في هذا العنوان، أمام عائلتي. رجاءً لا تتركني وحدي.
أنهى الاتصال، ونهض أدريان من سريره متثائبًا، وقد بدا أن حالته الجسدية تحسنت، ولم تعد مؤخرته تؤلمه كما في الأيام الماضية.
ركض مباشرة إلى غرفة إيفا، يصيح بنبرة مرحة:
أدريان (مازحًا):
– إيفاااا! استيقظي!
إيفا، وهي تقفز من سريرها بفزع:
– ما الأمر؟! هل انفجرت الحرب؟!
أدريان، ضاحكًا:
– لا يا غبية، فقط أحتاجك لتحولي مظهري إلى فتاة... بالمكياج والملابس.
إيفا، بدهشة وحماس:
– هذا رائع! لكن ما السبب؟!
أدريان:
– صديقي إيثان يواجه مشاكل مع أهله، سأمثل أنني حبيبته اليوم.
إيفا، بحماس شديد:
– فهمت! سنجعل منك فتاة لا تُقاوم! لحظة فقط... سأحضر لك أفضل ما في خزانتي.
في الجانب الآخر، عاد المشهد إلى دايفد ووالدته، وقد وصلا إلى متجر المجوهرات.
أم دايفد، بتسلط:
– أيها البائع، أريد أن أشتري أغلى خاتم لديكم.
البائع، بانحناءة:
– حاضر سيدتي، سآتيكم بأجود ما لدينا.
أخرج البائع صندوقًا مخمليًا صغيرًا، فتحه أمامها، ليظهر خاتمٌ مرصّع بالألماس، لامعا.
أم دايفد:
– رائع... أحببت التصميم. ما رأيك، دايفد؟
لكن دايفد كان شاردًا، غارقًا في أفكاره، لا يسمع سوى صوت واحد في أعماقه... صوت أدريان.
أم دايفد، بصوت مرتفع:
– دايفد! هل أنت هنا؟
دايفد، منتبهاً:
– نعم... نعم، الخاتم جميل.
أمه:
– حسنًا، سنأخذه.
ثم انتقلوا إلى متجر الألبسة الرجالية، لاختيار بذلة الزفاف. رحّب بهم صاحب المحل، ونظر إلى دايفد قائلاً:
صاحب المحل:
– بالنظر إلى مقاسه، أظن أن هذه البذلة ستكون مناسبة.
دايفد، بصوت خافت متعب:
– ح-حسنًا...
دخل غرفة تبديل الملابس، وارتدى البذلة. نظر إلى نفسه في المرآة، فلم يرَ عريسًا، بل رأى سجينًا.
خرج بعد دقائق.
صاحب المحل، بابتسامة:
– تبدو رائعًا!
أم دايفد:
– أجل، إنها مثالية. سنشتريها.
وفيما كانت أم دايفد تتجه مع والدة مارلين نحو الكنيسة لترتيب تفاصيل الزفاف، عاد دايفد إلى المنزل منهكًا.
أغلق باب غرفته، وخلع بذلته، ثم جلس على سريره ودفن رأسه بين يديه.
كان كل شيء من حوله يتجه نحو الزفاف، نحو النهاية...
لكن قلبه كان لا يزال عالقًا عند لحظة واحدة، عند نظرة أدريان الأخيرة، عند حقيقته الممزقة.
أنت تقرأ
أفسدني برغبته
عاطفيةلم يهتم لأمري أحد، ولم أعرف يومًا معنى الحضن الدافئ الخارج من أعماق القلب. ذلك الشعور النادر، الشعور بأن ينتمي قلبك إلى أحد، لم يلامسني قط. لطالما كنت أحدّق في عينيك بصمت، أراقب سكونهما المذهل، وما زلت، ولن أملّ منهما أبدًا. أتمنّى لو أُمنَح الخلود،...
