PART 38

1.2K 66 2
                                        

قاد دايفد سيارته بسرعة ثابتة نحو المحكمة، وعيناه معلقتان على الطريق، لكن تفكيره كان أعمق من أن يتأثر بإشارات المرور أو ضجيج المدينة. لم يكن ذاهبًا فقط لسماع الحكم، بل ليغلق بابًا من ماضيه، بابًا عفنًا مملوءًا بالكذب والخيانة.

دخل قاعة المحكمة بخطوات متماسكة، وإن كان في داخله زلزال لا يهدأ. وما إن وطأت قدماه أرض القاعة، حتى التقت عيناه بنظرات كاثرين... نظرات باردة، خاوية، كأنها صادرة من جثة لا تزال تتنفس.

جلس دايفد في مقعد المتفرجين، عينيه مثبتة على المرأة التي تظاهرت يومًا بأنها أمه.

القاضي، بنبرة صارمة:
– قفوا جميعًا!

ارتفعت الأجساد احترامًا، وأكمل القاضي، وهو يقرأ من أوراقه:

القاضي:
– بعد الاطلاع الكامل على حيثيات القضية، تُدان المتهمة كاثرين، بجريمة قتل سوزان، والدة دايفد البيولوجية، وبجريمة قتل زوجها أيضًا. تقرّر المحكمة الحكم بالإعدام شنقًا حتى الموت.

ساد الصمت، إلا من حفيف الأوراق وتنفّس المتهمين. لم تُبدِ كاثرين أي ردة فعل. لم تصرخ، لم تجادل، لم تدمع. كانت كأنها تنتظر هذا المصير منذ زمن.

القاضي، باستنكار:
– هل تسمعين ما قلت؟ حكم بالإعدام، ألا يهمّك ذلك؟!

كاثرين، ببرود مميت:
– لا شأن لك.

القاضي (غاضبًا):
– احترمي المحكمة! خذوها من هنا.

سحبها الحرّاس بعيدًا، ولم تلتفت، كأنها كانت تتمنى هذا الرحيل منذ البداية.

أما دايفد، فلم يتحرك أيضًا. لم يشعر بالغضب، لم تخرج منه صرخة فرح ولا تنهيدة ندم. كانت مشاعره متجمدة. هذا المصير هو ما اعتقد أنها تستحقه، لكنه لم يكن سعيدًا. في داخله، سوزان لا تزال تبتسم في ذكرياته، وجرح غيابها لم يُشفَ بعد.

دايفد (يفكر بصمت):
– لم يبقَ لي أحد في هذا العالم... سوى أدريان وإيفا. لا يجب أن أفقدهما. فقدان الجميع... هذا أسوأ كابوس لي.

خرج من قاعة المحكمة كمن يسير فوق رماد عائلته.

رنّ هاتفه.

دايفد:
– من المتصل؟... أوه... أدريان؟

يرد بابتسامة رغم كل شيء:
– أهلاً قطتي... اشتقت إليك...

لكن صوته ارتجف حين سمع ما قاله أدريان في الجهة الأخرى.

أدريان، بصوت مرتجف يهمس بالكاد:
– أ-ش-عر... بحاجة...

دايفد، بقلق شديد:
– أدريان؟ ما بك؟ تكلّم! ماذا يحدث؟

أدريان (بخجل وألم):
– أحتاج... إلى دماء...

صمت لحظة، ثم تابع وهو يجهش بالبكاء:

أدريان:
– أحبك... لا أستطيع العيش بدونك... أعلم أنك فعلت كل شيء لأنك تحبني... أرجوك، تعال بسرعة... وأحضر معك الدماء...

شعر دايفد بقلبه ينكسر. خرجت دمعة من عينه، كانت نقيّة كماء الكريستال. لم يكن فقط يستجيب لنداء العطش... بل لنداء الحب، والرجاء، والغفران.

دايفد، بصوت مملوء بالعاطفة:
– أنا قادم إليك، يا أدريان...

قاد السيارة مباشرة نحو المستشفى المركزي، لا يفكر إلا بشيء واحد: "أريد أن أُسقيه من دمي... أن أُعيد إليه دفء قلبي... مهما كان الثمن."

رائحة المستشفى، الممزوجة بالمعقمات والقلق، كانت خانقة. لكنه لم يهتم.

توجه نحو إحدى الممرضات، خاطبها مباشرة:

دايفد:
– أحتاج إلى سحب بعض الدم مني... وأريد كيسًا أضع فيه الدم.

الممرضة (مستغربة):
– تريد أخذ دمك معك؟ لا التبرع به؟! هذا غريب... لكن لا بأس. سأُحضّر ما نحتاجه.

أحضرت الإبرة وسحبت عيّنة من دمه، ثم غابت لفحصها.

عادت بعد دقائق، تحمل كيس الدم، وعلامات الذهول لا تفارق وجهها.

الممرضة:
– هذه هي... دمك من الفصيلة AB-... نادرة جدًا. لا أصدق أنك تهدرها بهذه البساطة.

دايفد، وهو يأخذ الكيس:
– هذا ليس هدرًا... إنه خلاص.

غادر المستشفى والدم بين يديه، يقود سيارته نحو منزل أدريان كمن يحمل دواء الحياة. في عينيه تصميم، وفي قلبه رجاء... ألا يخسره مجددًا.

كان يعلم أن ما بينهما هشّ، لكنّه قرر أن يُرمم هذا الجسر... بدمه.

أفسدني برغبتهحيث تعيش القصص. اكتشف الآن