إيفا وقفت في منتصف الدائرة الخماسية، شعرها يتطاير تحت تأثير الرياح الغامضة التي بدأت تدور حولهم. فتحت الكتاب الجلدي العتيق ببطء، وكانت أوراقه تنبض وكأنها حيّة.
إيفا (بصوت منخفض أولًا، ثم بدأت تعلو تدريجيًا):
"يا من تسكنين وراء ستار الزمن، يا من لفظتك الحياة ولم يستطع الموت أن يبتلعك… باسم الدم، وباسم الليل، وباسم النار، أدعوكِ للعودة من الفراغ… سوزان، استجيبي!"
فجأة، انطلق نباح كلاب مرعب من أعماق الغابة. بدا كأن عشرات منها تتصارخ من كل اتجاه.
أدريان (ينكمش من الخوف):
"ما هذا الصوت؟! إنه مرعب…"
إيفا (بهدوء وثبات):
"هذا جيد. نباح الكلاب علامة. نحن على المسار الصحيح."
لكن عند تلك اللحظة، تحرّكت كلارا فجأة. فتحت عينيها مذعورة، تتلوّى تحت الحبال.
كلارا (بصوت مرتجف):
"أين أنا؟! من أنتم؟! ماذا تفعلون بي؟!"
إيفا (ببرود قاتل):
"اصمتي أيتها العاهرة… لقد وصلتِ لنهايتك."
ثم التفتت لدايفد:
"الخطوة التالية… الذبح."
دايفد (بصوت خافت دون تردد):
"سأتولى الأمر."
أخرج سكينًا طقسية ذات نصل مقوّس. اقترب ببطء، بينما تصرخ كلارا وتحاول المقاومة.
كلارا:
"ابتعد عني! لا! أرجوكم!"
إيفا (بقسوة):
"اصمتي أيتها المجرمة. أنتِ وقود بعث الموتى."
أغلق أدريان عينيه، قلبه يخفق بسرعة.
ثم...
ثلاث طعنات في عنق كلارا. اندفعت الدماء مثل نافورة، وتدفّقت داخل الخطوط التي رسمت بها النجمة الخماسية. الدم بدأ يتحرك كأنه يمتلك إرادة، يسيل وفق نمط معين داخل الرموز القديمة.
إيفا رفعت يديها مجددًا، ثم بدأت تردد التعويذة التالية:
"أيتها الروح العالقة بين البرزخ والعدم، نحن نفتح لك البوابة! باسم السرّ المطمور في كتاب الظلال، وبدم الملعونة، وبأمرنا نحن الثلاثة، عودي!"
ثم بدأت تكرر الاسم:
إيفا (بصوت عالٍ، كأنها تُنادي روحًا ضائعة):
"سوزان... سوزان... سوزان... سوزان!"
في تلك اللحظة، فتح أدريان عينيه…
وانتشر نور ذهبي من جسد كلارا المسجى على الأرض. الضوء تسلل إلى أطرافها، ثم بدأ شكلها يتغيّر. عظام تتحرك تحت الجلد، ملامح تتبدّل، العينان تتوهّجان…
إيفا وضعت يدها على فمها، وعيناها تلمعان بدهشة:
إيفا:
"ه... هل نجحنا؟!"
دايفد (مذهول):
"س-س-سوزان؟… هل… هل هذه أنتِ؟!"
سوزان فتحت عينيها، ونظرت إلى دايفد، عيناها تفيض دموعًا:
سوزان:
"د-دايفد؟!"
انطلقت نحوه بسرعة، وأمسكته بعناق طويل حار، كأنها تحاول تعويض سنوات من الغياب.
سوزان:
"ابني… لقد اشتقتُ إليك… إلى حد الألم."
دايفد (يرتجف):
"كيف... كيف عرفتِ أنني ابنكِ؟"
سوزان:
"عزيزي... لقد رأيتُ كل شيء… كل شيء."
إيفا (مندهشة):
"سوزان… أهذا ممكن؟!"
سوزان (بصوت مرهق لكنه واضح):
"نعم… سأشرح لكم كل شيء الآن."
جلست سوزان على الأرض، وبدأت الحكاية:
سوزان:
"حين قتلتني كاثرين، لم أمت تمامًا. بل علقت في العالم الفاصل بين الحياة والموت. كنت هناك… أراقب كل ما يحدث… لا أستطيع التدخل، لكنني أرى… وأسمع… وأشعر."
دايفد:
"لكن لماذا؟ لماذا لم تموتي كغيرك؟"
سوزان:
"لأن هناك أملًا كان يربطني بالحياة… وهذا الأمل هو الكتاب. ذاك الذي يحتوي على وصفة إحياء الموتى. كنت أنتظر أن يجد أحدهم الطريق إلي، وقد فعلتم…"
إيفا:
"الآن فهمت… العالم الفاصل بين الحياة والموت يستقبل فقط الأرواح التي ما زال لها أمل في العودة."
أدريان (بذهول):
"هذا... فوق الوصف… لكنه حقيقي."
دايفد (يأخذ نفسًا عميقًا):
"الأهم… أنكِ هنا… وأنكِ بخير."
سوزان (بصوت خافت):
"ما زلت متعبة… هل يمكن أن نعود إلى المنزل؟"
إيفا:
"بالطبع. هيا بنا."
نهض الثلاثة، ثم تركوا سوزان ودايفد وحدهما لبعض اللحظات.
دايفد (بتردد):
"سوزان… أقصد… أمي."
سوزان:
"نعم، عزيزي؟"
دايفد:
"من هو أبي؟"
سوزان (تتنهد بعمق، وتشيح بنظرها):
"دايفد… هذه قصة طويلة، ومؤلمة. لكن ما يجب أن تعرفه… أنك وأنا سنكون بخير بدونه. لأنه لا يستحق حتى أن يُنادى بكلمة 'أب'."
سوزان:
"هل تفهمني؟"
دايفد (يخفض رأسه):
"أجل… فهمت."
ركبوا السيارة. تولّت إيفا القيادة. كان الجو داخل المركبة هادئًا، مشبعًا بألف سؤال لم يُطرح بعد.
دايفد (بهمس):
"كاثرين… لقد ماتت."
سوزان (بصوت بارد):
"أعلم. رأيت ذلك أيضًا."
دايفد:
"لقد نسيت… أنكِ رأيتِ كل شيء."
وصلوا إلى منزل أدريان بعد قليل. ترجلوا بهدوء من السيارة. النسيم الليلي كان باردًا، لكنه بدا لطيفًا بعد ما مرّوا به.
سوزان (بابتسامة):
"أعتقد أن هذا منزلك، أدريان؟"
أدريان:
"أجل. اشتراه لي دايفد."
إيفا:
"هيا بنا إلى الداخل… نحن بحاجة لبعض الراحة."
دخلوا المنزل، وانهاروا جميعًا على الأرائك في غرفة الجلوس، منهكين جسدًا… وممتلئين أسئلةً وعواطف لم تنفجر بعد.
لكن الليل لم ينتهِ بعد.
أنت تقرأ
أفسدني برغبته
عاطفيةلم يهتم لأمري أحد، ولم أعرف يومًا معنى الحضن الدافئ الخارج من أعماق القلب. ذلك الشعور النادر، الشعور بأن ينتمي قلبك إلى أحد، لم يلامسني قط. لطالما كنت أحدّق في عينيك بصمت، أراقب سكونهما المذهل، وما زلت، ولن أملّ منهما أبدًا. أتمنّى لو أُمنَح الخلود،...
