رفع دايفد هاتفه، وأصابعُه ترتجف كأنها تعزف لحنًا جنائزيًّا. ضغط زر الاتصال، وظهرت صورة والدته على الشاشة. ابتلع ريقه، ثم نطق:
دايفد، بصوت خافت مستسلم:
"ألو… أنا موافق. سأتزوجها."
لم يتأخر الرد.
أمه، ببرود:
"قرار حكيم. أحسنت. غدًا سنُتمّ ترتيبات الزفاف."
لم يُجِب. فقط أنهى المكالمة ورمى الهاتف على المكتب كأنه سُجن داخله.
تنفّس بعمق ونهض من كرسيه. وفي الخارج، كانت السكرتيرة قد عادت لتوّها من استراحة الغداء، مبتسمة، تحمل معها طاقة من لا يعلم ما ينتظره.
دايفد، بلهجة هادئة:
"غدًا… لن آتي للعمل. ستكونين المسؤولة هنا في غيابي."
نظرت إليه بدهشة، ثم لمعت عيناها فرحًا للمرة الأولى منذ بدأت عملها في شركته.
السكرتيرة، بحماس:
"شكرًا لك، سيدي!"
غمرها الفخر والثقة، وتناست تمامًا الرسالة التي تركها والد دايفد منذ يوم أمس، تلك التي ما زالت منسية في درج مكتبها، تحت دفاتر الغداء وأوراق الاجتماعات.
ركب دايفد سيارته، محاولًا أن يتجاوز صوته الداخلي الذي كان يصرخ فيه. وجهه كان شاحبًا، وجسده كأن ثقله ازداد خمس أضعاف. لم يكن يتجه للعمل، بل إلى أدريان... آخر شخص قد يراه قبل أن يزفوه إلى قفص صدئ اسمه الزواج.
عند والدة دايفد...
جلست السيدة المتسلطة على كرسيها المصنوع من الخشب الفاخر، وأمسكت بهاتفها، ثم اتصلت:
والدة دايفد، بابتسامة مغلفة بالسُمّ:
"ألو..."
أم مارلين، من الطرف الآخر:
"مرحبًا… إذًا؟ هل وافق ابنك؟"
والدة دايفد:
"نعم. سيتزوج غدًا. وماذا عن مارلين؟"
أم مارلين:
"لا تقلقي… لديّ طرق خاصة لإقناعها."
والدة دايفد:
"جيد… فلنُنهِ هذا الملف غدًا."
أغلقت الهاتف ووضعته على الطاولة بجانب كأسها النحاسي.
والدة دايفد، وهي تهمس لتوماس بابتسامة:
"بعد الزفاف... سأذهب في إجازة طويلة إلى المالديف. أخيرًا، لا شيء يزعجني بعد الآن."
توماس، وهو يومئ باحترام:
"فكرة رائعة، سيدتي."
في منزل أم مارلين...
أم مارلين، بصراخ:
"مارلييييين! تعالي فورًا!"
مارلين، من داخل غرفتها:
"ما الأمر؟ كنت أشاهد Elite!"
أمها، متأففة:
"أنتِ ومسلسلاتك... اجلسي، نحتاج إلى الحديث."
جلست مارلين متكاسلة، وعيناها نصف مغمضتين من ضجر.
مارلين:
"تفضّلي أمي، أنا أسمعك."
أمها، بنبرة هجومية:
"متى ستتزوجين؟ لقد كبرتِ. دايفد كان صديق طفولتك، لا تنسي هذا."
مارلين، تنفجر:
"تبا! ليس مجددًا! قلت لك لا أريد الزواج! هل كلامي غير مفهوم؟!"
أمها، ببرود قاتل:
"هل تريدين أن أتصل بوالدك؟... هل تذكرين ما فعله بكِ آخر مرة؟"
تغيّر وجه مارلين في لحظة. كل الغضب تلاشى، وظهر الخوف كطفل خرج من ركن مظلم. بدأت ترتجف، وعيناها تناميان في بحر من الدموع.
مارلين، وهي تسقط جاثية على الأرض، تبكي:
"ل-ل-لا، أرجوكِ... لا تتصلي به. سأفعل ما تريدين. سأتزوج… فقط لا تدعيه يعود."
أمها، بابتسامة انتصار:
"أحسنتِ."
أمسكت الهاتف، واتصلت بوالدة دايفد مجددًا.
أم مارلين:
"ألو. ابنتي وافقت. غدًا سيتم الزفاف."
والدة دايفد:
"غدًا في الكنيسة."
أغلقت أم مارلين الهاتف، ثم استدارت إلى ابنتها:
أم مارلين:
"هيا بنا نختار فستانًا يليق بكِ. لا نريد أن نبدو كالفقراء أمام والدة دايفد."
في طريق دايفد
وصل أمام منزل أدريان، قلبه يُحدث ضجيجًا داخليًا لا تهدئه كؤوس الويسكي ولا وعود الزواج.
ترجّل من السيارة، خطواته بطيئة، كأنه يمشي نحو حتفه. وجهه مرهق، عيونه غارقة بالأسى، والليل يزحف ببطء فوق المدينة... كستارة تُسدل على مشهد مأساوي قادم.
رفع يده نحو الباب، وتردّد للحظة.
دايفد، في نفسه:
"هل أطرق بيدي… أم أترك قلبي على العتبة؟"
ثم طرق.
أنت تقرأ
أفسدني برغبته
Romanceلم يهتم لأمري أحد، ولم أعرف يومًا معنى الحضن الدافئ الخارج من أعماق القلب. ذلك الشعور النادر، الشعور بأن ينتمي قلبك إلى أحد، لم يلامسني قط. لطالما كنت أحدّق في عينيك بصمت، أراقب سكونهما المذهل، وما زلت، ولن أملّ منهما أبدًا. أتمنّى لو أُمنَح الخلود،...
