PART 31 (Flash Back)

1.2K 60 0
                                        

استفاقت سوزان على رنين المنبّه. لم يكن في الأمر جديد، سوى ذلك الشعور العالق في صدرها منذ أيام... كأن شيئًا يرفض الاستيقاظ بداخلها.

تسلّل الضوء الرماديّ إلى غرفتها بصمت، ليكشف ملامح الفوضى المعتادة: ثياب مبعثرة، كتب مرميّة هنا وهناك، وأوراق مزدحمة على المكتب. الشيء الوحيد المرتّب في هذه الغرفة كان دفاترها الدراسية، وكأنها تتمسّك بذلك النظام كطوق نجاة وسط الفوضى الداخلية.

توجّهت إلى الحمّام، غسلت وجهها وأسنانها بلا اكتراث، ثم عادت لتبدّل ثيابها المدرسية وتضع مسحة خفيفة من المساحيق على وجهها الشاحب.

نزلت إلى المطبخ، فوجدت والدتها قد أعدّت لها الفطور.

أمّها بابتسامة روتينية:
– صباح الخير يا صغيرتي.

سوزان، بصوت باهت:
– صباح النور.

جلست، تناولت طعامها على عجل. لم يكن الحديث بينهما يومًا طويلاً، لكن هذا الصمت لم يكن عادياً... كان يشبه سكوت ما قبل العاصفة.

رنّ جرس الباب، فنهضت لتفتحه. كانت "ريتا"، صديقتها المقرّبة، تقف هناك مبتسمة.

ريتا:
– هل أنتِ جاهزة؟

سوزان:
– دقيقة، فقط أُحضر حقيبتي.

خرجتا معًا في الطريق إلى الثانوية، تتبادلان أحاديث عابرة عن الدروس والأساتذة وبعض الوجوه المألوفة في المدرسة. كان كلّ شيء عاديًّا... إلى أن اقترب منهما شابّ طويل القامة، ذو هيئة لافتة. كان "ماركوس"، أشهر فتى في المدرسة.

ماركوس، بنبرة مباشرة:
– هل أنتِ سوزان؟

سوزان، مستغربة:
– نعم، من أنت؟

ماركوس:
– ماركوس. سمعت عنكِ... ما رأيكِ أن نخرج سويًّا بعد انتهاء الدوام؟ مجرد جولة لتزجية الوقت.

ارتبكت سوزان. لم تتوقع أن يهتم بها شخص مثله.

سوزان، ببرود دفاعي:
– أنا آسفة... لكنني لا أميل لهذا النوع من العلاقات.

ريتا، تهمس في أذنها:
– أيتها الحمقاء! إنه ماركوس! إذا خرجتِ معه ستكونين حديث المدرسة بأكملها!

ماركوس، بابتسامة مخادعة:
– لا تقلقي، أنا كذلك لست من النوع العاطفي. فقط نزهة، لا شيء أكثر.

تردّدت، لكن ضغط اللحظة وصوت صديقتها ومكر ماركوس تغلّبوا على تردّدها.

سوزان، بصوت منخفض:
– حسنًا… موافقة.

ماركوس:
– رائع، نلتقي بعد المدرسة. إلى اللقاء.

ريتا، تقفز من الحماسة:
– آه يا إلهي! هل تدركين ما فعلتِ؟! لقد أصبحنا نجمات!

سوزان، بفتور ساخر:
– ألا تظنين أنكِ تبالغين؟

رنّ الجرس، ودخلت الطالبات إلى صفوفهن. أما سوزان، فقد بقي داخلها صوتٌ خافت يقول: هناك شيء لا يبدو على ما يرام…

انتهى الدوام، وخرجت لتجد ماركوس ينتظرها كما وعد.

ماركوس، مشيراً إلى دراجته النارية:
– هيا، اركبي.

سوزان، بانبهار:
– إنها رائعة حقًا.

انطلقت الدراجة بسرعة، والريح تلسع وجهها، وفي داخلها شعور متناقض بين الحماسة والخوف.

لكن سرعان ما تبدّدت الحماسة حين لاحظت أنهم يبتعدون عن المدينة.

سوزان، بقلق:
– إلى أين نحن ذاهبون؟ هذا الطريق لا يؤدي إلى أي مكان مأهول...

ماركوس، بنبرة باردة:
– لا تقلقي، أعرف هذا المكان جيدًا.

توقّف أخيرًا أمام كوخ مهجور، في أطراف الغابة.

ماركوس:
– انزلي.

سوزان، تتراجع خطوة:
– لا، أريد العودة. هذا المكان لا يبعث على الراحة.

لكن ما تلا ذلك لم يكن نقاشًا، بل كان لحظة مفصلية.
ماركوس لم يكن كما ادّعى. لم يكن يبحث عن نزهة، بل كان يخطط لشيء مروّع.
في ذلك الكوخ، حصل ما كسر سوزان من الداخل. حدث لم تكن له كلمات، ولا وصف يمكن أن يفي بحجمه. كانت الخديعة كاملة، والثقة قد أُسقطت إلى الأبد.

خرجت من هناك مكسورة، تجرّ جسدها بخطى ثقيلة، تغالب دموعها، وغصّتها، وصوتًا داخليًا يصرخ: لماذا؟

عادت إلى البيت متأخرة، فاستقبلتها والدتها بوجهٍ متجهم.

أمها:
– أين كنتِ؟ لقد أقلقتني كثيرًا!

سوزان، بصوت مبحوح من كثرة البكاء:
– كنت عند ريتا… نسيت الوقت.

نظرت إليها أمها باستغراب، ثم تنهدت. لم تُرد أن تُكمل النقاش.

دخلت سوزان غرفتها، وأغلقت الباب خلفها. جلست أمام مرآتها، حدّقت في وجهها، ثم نظرت إلى عينيها طويلاً.
كانت هناك نظرة جديدة، لم تعرفها من قبل. لم تكن حزينة، ولا غاضبة… كانت مجرّد نظرة فارغة.

كانت سوزان في ذلك المساء فتاةً فقدت شيئًا لم يكن يُرى، لكنه كان كل ما تملك.

أفسدني برغبتهحيث تعيش القصص. اكتشف الآن