خرج دايفد من الشركة بخطى بطيئة بعد أن أنهى اتفاقه مع يونا، السكرتيرة التي تحوّلت إلى المديرة الجديدة. الهواء كان ثقيلاً كأنه يجرّ وراءه بقايا سنوات من العمل والتوتر والقرارات الخاطئة.
قاد سيارته باتجاه منزل والديه المزيفين. ذلك القصر الكبير الكئيب الذي يحمل في جدرانه أكثر مما يتحمّله عقل واحد. كان يعتزم تصويره وعرضه للبيع على الإنترنت، لكن الداخل كان أثقل من الخارج.
دخل المنزل، وكأن رائحته لم تتغيّر: مزيج من الطلاء القديم والعطر الفاخر والبرد. تجوّل بهدوء بين الغرف، عادت إليه الذكريات كضربات موجعة: قسوة الأب، تحكم الأم، وبراءة تلك اللحظات مع سوزان… الطفلة الوحيدة التي لم تُفسدها يد الكذب.
وقف داخل غرفة سوزان، وفتح الباب ببطء كأنّ هناك مَن قد يستيقظ إن أحدث صوتاً.
دايفد (بهمس):
– لم يتغير شيء… كل شيء كما تركته. سوزان، الحنونة المحبة للطراز الكلاسيكي...
اقترب من مكتبها، عيونه مسمّرة على دفتر أسود لم يحمل أي عنوان. الفضول تغلّب عليه. فتحه.
في البداية، ظنه مجرد كتيب من تلك التي تُباع في المتاجر لخدع سحرية بسيطة، لكنه ما إن قلّب الصفحات حتى تغيّر وجهه.
دايفد (بدهشة وقلق):
– هذا… ليس عادياً. هذا سحر حقيقي… هل كانت سوزان ساحرة؟
تردّد، ثم حمل الكتاب بيده، وهو يتمتم:
دايفد:
– سأعطيه لـإيفا. بكونها شيطانة، ربما تفهم في هذه الأمور الغريبة.
رتّب ما أمكنه من حاجيات والديه المزيفين، ونقلها إلى المخزن المجاور للشركة. بعد ذلك، عاد إلى سيارته وانطلق نحو منزل أدريان.
فتح الباب، فاستقبلته إيفا بضحكتها المعتادة:
إيفا:
– أهلاً بك، دايفد! نحن جاهزون! انظر فقط، ما رأيك بملابسي أنا وأدريان؟
نظر إليهما… وتجمّد.
دايفد (غاضبًا):
– ما هذا بحق الجحيم؟ هل سيخرج أدريان بهذه الملابس الفاضحة؟ هل أبدو لكم كديوث؟!
إيفا (تصرخ وهي تلوّح بيدها):
– فلتَهْدأ أيها المنحرف! من قد يفكر بلمس أدريان الجميل واللطيف؟ أنت تبالغ.
دايفد (بعصبية):
– لن أسمح له بالخروج هكذا. سيتحرّش به الناس في أول دقيقة.
إيفا (تتحدّاه):
– بل سيخرج.
دايفد:
– لن يخرج.
إيفا:
– بل سيخرج!
دايفد:
– قلت لن يخرج!
أدريان (يصرخ وهو يرفع يديه):
– اسكتواااااااااااااا!!
سكت الاثنان، فنظر إليهما بنضج غير معتاد:
أدريان:
– لديّ حل وسط. لن أغيّر الملابس التي اختارتها إيفا، وسأبقى طوال الوقت ملتصقًا بك يا دايفد، حتى لا تقترب مني أي أيدٍ غريبة.
إيفا (ترفع حاجبيها وتبتسم):
– صفقة جيدة.
دايفد (يفكر للحظة):
– حسنًا... لا مشكلة. لكن لا تبتعد عن ناظري.
إيفا:
– على كل حال، جهزنا شطائر النقانق، وأحضرنا بعض زجاجات الكوكاكولا الباردة.
دايفد:
– يبدو أن الكل مستعد… لكن، انتظروا.
أخرج من حقيبته كتاب سوزان، ومدّه نحو إيفا:
دايفد:
– وجدت هذا في غرفتها حين كنت أجهز المنزل للبيع. لا أفهم شيئًا من هذا الهراء، لكنكِ… بكونك نصف شيطان، ربما تعرفين نوع هذا السحر.
أدريان (ينظر إليه بفضول):
– يبدو قديماً جدًا… مخيف بصراحة.
إيفا (تأخذ الكتاب وتحدّق في الغلاف):
– سأضعه في غرفتي. حين نعود من البحر، سأفحصه جيدًا.
دايفد:
– جيد. لننطلق إذًا.
ركب الجميع السيارة. جلس دايفد خلف المقود، وإلى جانبه أدريان، بينما جلست إيفا في الخلف. كانت الشمس ساطعة، والموسيقى خفيفة في الخلفية، لكن دايفد لم يكن في مزاج للغناء.
كان أدريان مرتديًا ملابس قصيرة، أرجله مكشوفة، ناعمة، مشعة تحت الشمس. لم يستطع دايفد تجاهل المنظر… وبدأ يختلس النظرات من حين لآخر.
أدريان (يفاجئه):
– وااو، انتبه! كدت تصدم تلك السيارة!
إيفا (بصوت ساخر):
– يبدو أن أحدهم… منحرف!
ضغط دايفد على المكابح فجأة وأوقف السيارة جانباً.
دايفد (بوجه محمر):
– أدريان، اجلس في الخلف. الآن.
أدريان (متذمرًا):
– لماذا؟ أحب المقعد الأمامي!
دايفد:
– لأننا إن واصلنا هكذا، سنموت جميعًا في حادث. تحرّك.
أدريان (ينفخ خديه):
– هففف… حسنًا.
تسلّق المقعد الخلفي وجلس بجوار إيفا، التي كانت تضحك بخبث دون أن تُخفي استمتاعها بالفوضى الخفيفة.
انطلقت السيارة من جديد، نحو البحر… تاركة وراءها كل فوضى المدينة، وماضية نحو فصل جديد لا يقل جنونًا.
أنت تقرأ
أفسدني برغبته
Romanceلم يهتم لأمري أحد، ولم أعرف يومًا معنى الحضن الدافئ الخارج من أعماق القلب. ذلك الشعور النادر، الشعور بأن ينتمي قلبك إلى أحد، لم يلامسني قط. لطالما كنت أحدّق في عينيك بصمت، أراقب سكونهما المذهل، وما زلت، ولن أملّ منهما أبدًا. أتمنّى لو أُمنَح الخلود،...
