Part 29

302 15 5
                                        

عندما ترى شخصًا يرتكب ذات الخطأ الذي وقعت أنت فيه يومًا ما، تقف بين نارين.. خاصة عندما يكون هذا الشخص قريبًا منك، أتحكم عليه كما حكمت على نفسك؟ أم تمنحه العذر الذي لم تجده يومًا؟ لا تعرف أسبابه ولا تعلم دوافعه لفعل هذا الخطأ، لكنك تدرك جيدًا أن الأخطاء تحدث لامحاله، بغض النظر عن أن البعض هو من يجلب هذه الأخطاء لنفسه لأسبابٍ عده.. لذلك بعض الأخطاء لا تُغتفر ولا تُنسى، تظل عالقة كحجرٍ ثقيل يرتكز وسط صدر مُرتكبها، يدفع ثمنها كل يوم، ومع كل نفس، ومهما حاول الهروب لن يُجدي ذلك نفعًا، لأنك تعلم أنهم مثلك، سيحملون وزرها طيلة حياتهم..
-دخل تولغا للمنزل وهو يتحدث بهاتفه، ليقل قبل أن يغلق
الهاتف: حسنًا سنأتي غدًا، ليتقدم ناحية صالح الذي يجلس على حاله وعيناه لاتفارقان صور اكين التي بيده، صور أبن أخيه مع يوجال وآزار والتمساح، صوره وهو يتخذ الحفرة مستودعًا للممنوعات التي لطالما كرهها جده وأعمامه، والأمّر من ذلك هو العبارة التي كُتبت في ورقة صغيره كانت مُرفقه مع الصور "عائليًا.. كل واحدٍ منكم حمل سكينًا ليُدمي بها الآخرين بطريقته الخاصه، أنت قتلت أخيك وهو قتل جده" قاطع شروده هذا صوت خطوات تولغا وهتافه وهو يقول: الم تخرج حتى الآن يا أخي؟ أتصلت بي سكرتيره العمل ورتبت لنا موعد غدًا بشأن ذلك الموضـ..، توقف عندما رأى صالح ينظر لأوراقٍ في يده بشرود، ليجلس ويردف بهدوءٍ لايخلو من القلق: ماذا حدث؟، أعتدل صالح ووضع الأوراق جانبًا بشكلٍ مقلوب، ومسّح وجهه، تحت أنظار تولغا الذي ينظر بإستغرابٍ وقلق، أبعد صالح يديه لينظر بعينيه التي كانت تشتعل غضبًا، ليؤشر بأصبعه على الأوراق بينه وبين تولغا، ليلتقط تولغا أحداها، وحينها رأى اكين مع ثلاثة رجال، ليُمد يده الأخرى ويأخذ الورقه، وحين قرأها التفت ينظر بصدمه وقلق، ليقل: ماهذا؟ لم أفهم، ليقل صالح بخفوت: هؤلاء قتلة أبي، عقد تولغا حاجبيه، ليقل وهو يُعيد النظر للصور: اكين.. ماذا يفعل هنا، لينهض صالح وهو يمسح وجهه بعنف: وأنا لا أفهم أيضًا ماذا يفعل اكين هنا، هل..؟ هل له يدًا بمقتل أبي!، وجلس مجددًا وهو ينظر شاردًا أمامه بصدمه وكأنه للتو أستوعب ماتعنيه هذه الصور، تأمل تولغا الصور مجددًا وعينيه أتسعت من صدمته، ليقل بعد لحظات: كيف يحصل هذا؟ من أرسلها؟، رفع رأسه حين لم يجد ردًا من الآخر، ولكنه لم يجده أيضًا، لينهض بإرتباك يتلفّت حوله، وصرخ وهو يعود لجمع الأوراق: أخي إلى أين ذهبت!، جمع الأوراق وشتم في داخله، ليركض لخارج المنزل، وكما توقع لم يجد سيارة صالح، ليسأل الرجال على عجله: هل ذهب؟، أومى له أحدهم، ليركض لسيارته هو الأخر، بينما عند ذلك الأسمر الذي يقود بجنون، أخرج هاتفه وكتب رسالةً لأبن أخيه "تعال إلى مدخل الحفره، حالاً" وبالرغم من أن منزله يبعُد عن الحفره تقريبًا نصف ساعه، إلا أنه كتب "حالاً" وهو لم يصل بعد بل للتو قد تحرك، ولكنه غاضب، وعقله مليء بالتساؤلات حول السبب الحقيقي وراء هذه الصور، هل كان اكين مُجبرًا؟ هل هي صورًا مُزيفه ولاصحة لها؟ أم هل هو فعلاً تعمد الوقوف بجانب أعدائهم؟ هل تعمد قتل جده؟، كل هذه الأسئله التي نهشت رأسه بوقتٍ قصير لن يجد إجابتها إلا عند أبن أخيه، وفي ذات الوقت، وعودة لمنزل صالح، ركن جومالي سيارته، ونزل وهو يرفع قبعته قليلاً ليتفحص الرجال أمامه، الذين تأهبوا لحظة رؤيتهم له، تقدم بهدوء وبرود، ليقل لأحدهم: أين صالح؟، ناظروه بإستغراب، ليبادلهم جومالي بسخريه: فارتولو.. فارتولو أين؟، ليأتيه صوتًا من الخلف: وماذا تريد منه؟، التفت ببطء، ليرى رجلاً يتقدم نحوه، ليقل جومالي: يعني هذا منزله اليس كذلك؟ جيد لم أخطئ في العنوان، ليُبعد مراد سترته عن خصره مُظهرًا سلاحه كنوعٍ من التهديد، ليقل بحدّه: من أنت؟، ليفعل جومالي حركة فمه المعتاده، ليقل: أيها الشاب أذهب وقل لصالح بأن يأتي إلى هنا، وإلا أرسلتك إلى جهنم، وقبل أن يتمكن مراد من إخراج سلاحه، قاطعهما صوت إدريس الصغير وهو يركض نحو عمه قادمًا من حديقة المنزل، يُناديه "جومالي امجا!" ليُخفي مراد سلاحه وقد تذكر أن هذا أحد أخوة صالح عندما سمع هتاف إدريس، بينما أنحنى جومالي ليعانق الصغير، وسأله بإبتسامه: كيف حالك ياقطعة الأسد؟، ليُجيب الصغير: بخير ياعمي، هل أتت آسيا معك؟، ليقل جومالي وهو يسمح على شعره: لا.. فأنا أتيت لأتكلم مع والدك، ليعبس إدريس وهو يقول: أبي ليس هنا، أساسًا يذهب دائمًا، ليقل جومالي بعد أن فعل حركة فمه المُعتاده: إذن دعنا نذهب للمنزل وليلحق هو بنا إلى هناك، عاود إدريس عناق عمه وهو يهتف: أجل هيا لنذهب ياعمي، ليستقيم جومالي لحظة تقدم مراد، الذي هتف: أخي ليس في المنزل، ولن أتركك تأخذ أبنه إلا بعد أن يسمح هو، ليلتفت جومالي وهو يشّد على قبضتيه، ليقل: ومن أنت لتمنعني من أخذ أبن أخي؟، ليتقدم مراد أكثر وهو يقول بحدّه: حتى لو كنت عمه، ليس لديك الحق في أخذه بدون إذن والده، وبدون تفكير سحب جومالي ياقة الأخر بيدٍ واحده وجذبه نحوه أكثر، ليقل بهمسٍ مشحون بالغضب: أسمع أيها الشاب.. أنا جومالي كوشوفالي وآخر شيء تريد فعله في حياتك هو الوقوف في وجهي لذلك أبتعد وإلا قتلتك بأرضك الآن هل فهمت؟ أساسًا أمسك نفسي بشده من أجله "قالها وهو يؤشر بعينه ناحية إدريس"، وأفلت مراد الذي تراجع خطوتين وهو يمسّد على عنقه، والتفت لإدريس ليقل: هيا ياعزيز عمك لنذهب، وحين تقدم خطوتان، توقف والتفت مجددًا لمراد الذي ينظر بغضب، ليقل: وقُل لصالح إن أراد إستعادة أبنه ليأتي ويتحدث معي..
––––––––––––––––––––
الحفره.. المقهى
كان ياماش يُحرك ملعقة الشاي ببطء وهو شاردًا، ليدخل وليّ، وهتف بعد أن أتخذ مكانه بجانب ياماش: مابك؟، رفع ياماش عينيه، ليقل وهو يتنهد: الرجل سيأتي وهو أختفى مجددًا
=من؟
–أخي جومالي..
=أقصد الرجل من هو؟
–"وهو يمسح وجهه بخفه" شريك.. سيأتي لكي نُتمّم إتفاقنا
=إتفاق ماذا؟
–بشأن العمل، لم يسأل وليّ مجددًا عندما رأى ردود ياماش المختصره، ليدخل ميكي في لحظتها للمقهى وهو يقول: الرجل أتى يا أخي ولكن معه صُحبه، إستقام ياماش ونظرات الإستغراب تعلو وجهه، ليقل: كم عددهم؟، ليُجيب ميكي: ثلاثة سيارات وخمسة رجال، ليقل ياماش وهو يؤشر بيده: كونوا حذرين، ولا تظهروا ذلك، وبعد لحظات دخل الشريك ولكن معه هذه المرة رجلاً غريبًا، بينما وقف بقية الرجال خارج المقهى، ليقل بعد أن صافح ياماش: لا تؤاخذني أتيت بضيفًا ولم أخبرك، ورفع يده يؤشر على الرجل، ليردف: لأعرفك على هذا العزيز على قلبي شاهزاد "رجل في منتصف الثلاثينات، يرتدي بدلة أنيقه سوداء" هو مثل أخي وليس فقط شريكي، ليضيق وليّ عينيه، بينما صافحه ياماش وهو يتفحصه بحذر، ليقل ياماش عندما لاحظ نظرات الشريك لوليّ: هذا وليّ صديقنا وصديق الحفره، وأعاد نظراته لوليّ ليقل: شريكنا صادق.. وحين صافحهم وليّ، تمعّن شاهزاد في النظر إليه وكأنه يعرفه بينما أكتفى وليّ بإبتسامه حذره، أتخذ كلاً منهم مكانه، جلس ياماش وهو ينظر لهم بغرابه، ليقل صادق: لاتؤاخذني حقًا ولكن لم أستطع إخبارك
=لاعليك.. ولكن ما الأمر؟
–لا شيء، فقط شاهزاد وصل منذ فتره قادمًا من أفغانستان، وقدِم معي اليوم لنناقش شراكتنا جيدًا، أدار ياماش وجهه وهو يحك ذقنه، فسيرة الأفغان لا تحمل الخير أبدًا، ليقل: أهلاً وسهلاً، ولكنك لم تخبرني أن شراكتنا لها علاقة بأشخاصٍ من بلدان أخرى، ليقل صادق وهو يبتسم: اووه لا ليست، هو فقط رفيقي ليس له أي علاقه بشراكتنا "وأكمل وهو يغمز بعينه" ولكن إن كنت تريد بإمكاني مساعدتكم لبدء شراكه بينكم، ياماش وقد أرتخى بظهره على الكرسي: لا سلمت.. عمومًا، ما رأيك ياسيد صادق؟
=والله أنا لم أغير رأيي ولازلت عند كلامي، أنت هل فكرت؟
–بصراحه.. فكرت وعرضك كان مُغريًا جدًا
=ايي؟ هل أتفقنا؟
–أجل.. ولكن
="بتوتر" ولكن ماذا؟
–قُل لي ماذا ستستفيد الآن إن أعطيتني ثلاث بضائع بقيمة واحده؟
=الم نتحدث؟ أخبرتك أنني أريد مساعدتكم وبديل المال هو بضائعًا منكم..
–هذا لاحقًا.. ولكنني أقصد الآن.. في الوقت الحالي يعني
=حسنًا.. الآن سأستفيد بأنك ستكون مُدينًا لي، ومديونية أشخاصًا مثلك تُعتبر مكسبًا كبيرًا
–"بإبتسامةٍ بارده" تبدو واثقًا جدًا يا سيد صادق، ليهتف شاهزاد بخفوت مُخاطبًا صادق بالأفغانيه: بثقتك العمياء هذه أنت تجعله يشك، ضيّق وليّ عينيه أكثر وسرعان ما أبعد نظره لكوب الشاي أمامه، بينما نظّر ياماش بإستغراب لعدم فهمه مايقوله هذا الرجل، ليقل صادق بتوتر عندما لاحظ نظرات ياماش: هو لايتحدث التركيه، ويسألني ماذا تقول، ليتنهد بخفه، ونظر إلى شاهزاد ليُجيبه بالأفغانيه وهو يتصنع الإبتسامه لكي لايُثير شكوك من أمامه: أسكت ودعني أكسب ثقة الرجل، فهؤلاء في هذه الفتره يسهل التلاعب بهم، والتفت لياماش، الذي هتف بشّك: هل هناك شيئًا؟، أبتسم صادق وقال: لا أبدًا.. بالطبع سأكون واثقًا يا ياماش، فأنا أعلم أنك رجل عند كلمته، ولن تتهرب من دينك بالإضافة إلى أنني سأستفيد لاحقًا عندما أستلم بضائعكم
–جميل.. ولكن لدي شرط واحد
="بقلق" ماهو؟، وقبل أن يُجيب ياماش، هتف وليّ: سيد صادق.. أريد أن أسألك سؤالاً، ليُجيب الأخر وقد عدّل جلسته: أجل.. تفضل، التفت وليّ لياماش، ليقل: إن سمحت لي بالطبع ياماش، ليُجيب ياماش: استغفرالله وليّ قُل ماعندك.. ليميل ولي نحو صادق والآخر، ليقل بحدّه: ما الذي يجعلك واثقًا إلى هذه الدرجة بأن ياماش سيبقى عند كلمته؟ طبعًا لا أستنقص منه، ولكن الثقه الزائده قد تكون أحيانًا مخاطره، خاصة في مثل هذه الأعمال، أبتسم ياماش بهدوء، بينما أجاب صادق وهو يبتسم أيضًا: لأنني أتعامل مع رجالٍ شرفاء، ولا أختار شركائي عشوائيًا، والجميع يعرف السيد إدريس رحمه الله، والعمل مع أولاده شرفًا لي ومكسب
–حسنًا.. تعرف والده ولكن، ألا تخشى أن تكون قد وضعت ثقتك في الشخص الخطأ؟
="محاولاً إخفاء توتره" لا أعتقد ذلك، فحتى الآن لم أجد سببًا يجعلني أشك في نوايا السيد ياماش، ضحك وليّ بخفه، بينما قال ياماش محاولاً تدارك الموقف: فلنكمل حديثنا عن الصفقه، لديّ شرط كما قلت
=أجل، شرطك.. ماهو؟
–هذه الصفقة ستبقى بيننا فقط، دون شركاء أو أي أشخاصٍ يعلمون بها أو يتدخلون فيها
=وهو يبتسم" فقط؟ لا عليك، وإستقام الجميع ليقل صادق مجددًا وهو يُصافح ياماش بعد أن صافح وليّ: موعد الإستلام بعد أسبوع، سنرتب عمليات الشحن وماشابه وسأبلغك بالتفاصيل على الهاتف، وحين تتحسن الأوضاع، ستُصبح شراكتنا أفضل بكثير ياسيد ياماش، أبتسم ياماش ولم يقل شيئًا، وبعد خروجهم، هتف وليّ بهدوء وهو يرتشف من كوب الشاي أمامه: بثقتك العمياء هذه أنت تجعله يشك، التفت ياماش وهو يبتسم ليقل: هذا ماقاله رفيقه الأفغاني؟، ليلتفت ولي وهو يُجيب: وهل أقول لك ماذا قال هو لصديقه؟، ذهب ياماش لباب المقهى ووضع يديّه خلف ظهره وهو ينظر للخارج، ليردف وليّ بعد أن أستقام ووقف بجانب ياماش: "أسكت ودعني أكسب ثقة الرجل، فهؤلاء في هذه الفتره يسهل التلاعب بهم" هذا ماقاله شريكك صادق
–أنا شككت، ولكن لو لم تكن تعلم أنت الأفغانيه لما تأكدت
="بتباهي" إذن، أريد مكافئه..
–"وهو يبتسم" أطلب ماتريد
=شراكتك.. ضحّك الإثنان لحظة دخول جومالي، الذي أنزل قبعته ونظر إليهم عاقد الحاجبين، التفت ياماش ليقل: وأخيرًا أتى السيد جومالي، طبعًا بعد أن أتفقنا وذهب الجميع، ذهب جومالي ليسكب لنفسه الشاي، بينما أردف ياماش: سأُبطل هذه الشراكه لكن بعد أن أتأكد من الذي يجري وراء هذا الصادق.. ربما له علاقه بإختفاء السندات "والتفت يؤشر بأصبعه ناحية جومالي" وبعدها سنقتله، صمّت وليّ وأكتفى بالنظر، ليهتف جومالي وهو يجلس: هل تخبراني ما الذي حدث هنا؟..
––––––––––––––––––––
منزل العائله..
خرجت كاراجا من غرفتها ونزلت للأسفل، لتجد جنة وداملا وإيفسون منهمكات بتحضير أغراض مطعم الفقراء، تقدمت مبتسمة وقالت تُخاطب داملا: عدنا لما كنا عليه..، أبتسمت داملا، لتأتي سلطان من الأعلى وهي تهتف بنبرةٍ عاليه: الم تنتهن حتى الآن؟ السيارة تنتظرنا في الخارج أسرعن لنذهب، ومن ثم التفتت لكاراجا، وعقدت ذراعيها لصدرها، لتقل: وأنتِ يا أبنتي هل ستأتين معنا؟، لتذهب كاراجا ناحية المطبخ وهي تهتف: لا بالتوفيق لكن، فلديّ بعض الأمور أكثر أهميه، تأففت سلطان لتقل بنبرةٍ عاليه: أنتبهي للأطفال إذن، وذهبت ولحقن بها النساء، لتنزل ياسمين من الأعلى، تقدمت لتسأل الأخرى: هل رأيتي اكين؟ ذهب لإحضار علاجي ولكنه تأخر، لتلتقط كاراجا كيسًا موضوعًا على الطاوله وناولته لياسمين: أحضره محمود، واكين لاتقلقي عليه ربما هو في المقهى مع أعمامي، لاحقًا خرجت كاراجا من الشرفه بعد أن أنهت فنجان قهوتها، لتُصادف ياماش وهو يدخل للمنزل، نزع سترته، وبدّل حذائه، ليسأل: أين الأطفال؟، لتُجيب: بالأعلى يلعبون، وإدريس موجود أيضًا، أبتسم ياماش بحزن، ومن ثم تقدم ليقل: لماذا لم تذهبي معهم لمطعم الفقراء؟، أبتسمت هي، لتُجيبه: رأسي يؤلمني قليلاً، أومى بهدوء، ليقل وهو يجلس: هل أستطيع التكلم معكِ؟، تنهدت بخفه وجلست بجانبه، ليردف هو بعد لحظات: كيف حالكِ امجاجم؟، نظرت إليه بهدوء، لتُجيب: بخير.. يعني كالجميع
=كنت أنوي التكلم معكِ منذ فتره
–بشأن ماذا؟
=أنتِ تعلمين بشأن ماذا
–"وهي تقلب عينيها بإنزعاج" هل مجددًا؟
=أسمعيني أولاً.. جميعنا نريد بقائكِ هنا لكي لا يُصيبكِ ضرر أو مكروه لاسمح الله، وليس لأننا نريد حبسكِ وتقييدكِ، فأنا أفهم، يعني في ذلك الوقت.. في زمن العم قد تغيرت أشياءً كثيره، جعلكِ تعملين معه وماشابه، لذلك أعتدتي على الأعمال والخروج ولكنـ..
–"تُقاطعه" بل عمي صالح من جعلني أعمل
="نظر إليها بهدوء، ليُنزل عينيه وهو يبتسم بحزن"
–جعلني أعمل فقط لكي أتناسى ماحصل وما تُرغمنا الحياة والحفرة والعائلة خصوصًا على عيشه، ولكن ليس بالمخدرات وماشابه، بل في الشركات والتفاوض مع الشركاء بشكل قانوني، صحيح أنني كنت أحيانًا أذهب للمستودعات والشركاء فيما يخص أعمال العم، وهذا بطلب العم خصيصًا، وكان عمي صالح يغضب جدًا، لكنني أقنعه بشكلٍ ما وأستمر..
=لأنه كان يعلم بخباثة العم..
–أجل.. كان يعلم وكان كل شيءٍ واضحّا أمامنا ولكننا لم نرى بل هو الوحيد الذي رأى حتى قبل قدومك ياعمي "مالت برأسها قليلاً وشبح إبتسامةٍ على وجهها" أتذكر عندما قلت لي أنني أذكى منكم جميعًا، وأعرف متى وبمن عليّ الوثوق، وأدرك كيف ومع من يجب أن أكون، صحيح ماقلته.. لأنني وقفت وراء عمي صالح، ولم أقف وراء العم، وأنتم..
="يُقاطعها" لم نفهم.. لو فهمنا لما ذهبت أختي سعادات.. وميدات، وإيمي، لو سمعته حين كان يقول أن هناك حربًا ستندلع، وأنه يريد حمايتنا، لما حصل ماحصل، وأخرًا لو تركته يفعل مايريد وأن يبتعد ليعيش حزنه، ولم أدخله السجن وأورّط الحفره في شيء كنا في غِنى عنه، لربما هو الآن قد ترك أعماله التي تورط بها وعاد بجانبنا
–"بعد أن ضحكت بخفه" لو كانت "لو" تغير القدر، لعاش الجميع في سلام وماكنا سنجد طريقًا للندم، وأيضًا علينا إحترام قرارات ورغبات الجميع، مسح ياماش وجهه، ليبتسم وأعتدل، ليقل: ماهي أخبار عمكِ هل هو بخير؟، عقدت كاراجا حاجبيها، لتقل: لم أفهم..
="ولازال يبتسم" هل تظنين أنني سأتركك تغادرين وتخرجين دون التأكد من أنكِ بأمان؟
––––––––––––––––––––
في أحد مستودعات الكبير..
دخل كارتال ليجد الكبير وكنان كالعاده، تقدم ليهتف الكبير: وأخيرًا أتيت يا أبن المدير، لقد أنتظرناك لسبع دقائق وأربعة وثلاثون ثانيه، نظر كارتال لوهله، ليقل بسخريه: لو تأخرتُ لستة وعشرين ثانية أخرى لكان الوقت متناسقًا، لكن لا يهم.. رمقه الكبير بنظرةٍ حاده، ليقل وهو يدخل في صُلب الموضوع: سندات الحفره وأصبحت بين يديّ، وأرسلت الصور وما يخص ذلك الشاب إلى فارتولو، لذلك أظنها اللحظة المناسبه لنقم بخطوتي القادمه، هتف كنان وهو ينظر لكارتال بإستفزاز: كل اللحظات أمام خطواتك ياكبيرنا مناسبه، ليهتف كارتال وهو يجلس: وماهي هذه الخطوه؟، ليقل الكبير وهو يضع قدمًا على الأخرى: لا أعلم أنت من سيُقرر، لأنك من سيُقدم عليها، شّد كارتال على قبضتيه، ولكن سرعان ما ضحك الكبير بإستفزاز، ليقل: أمزح معك، أنا الذي سيُقرر فأنا لا أترك أحدًا يُقرر أبدًا، عمومًا ما أخبار الشركات يا أبن المدير؟
=جيده.. ولاشيء يدعو للقلق، أتت الشرطه للتفتيش ولكن تعاملنا مع الأمر، والمستودعات تعمل بشكلٍ جيد
–جيد جيد.. أذن أخبرني ما رأيك؟ ماذا نفعل بهذه السندات؟، لم يُجيب كارتال، بل نظر ببرود وعدم إكتراث، لينهض الكبير متجهًا نحو نارٍ مُشتعلة بطرف المستودع، ليُشير لكنان، فذهب الآخر وعاد بعد لحظات ومعه السندات، ليأخذها الكبير بعد أن أشار لكارتال بالتقدم، التقط نصف الأوراق ليُمزقها لنصفين ويرميها في النار، تحت دهشة كارتال وجمود كنان، لتحترق وتصبح رمادًا أمام أعيُنهم، ثم أخذ النصف الأخر وأعاده داخل الظرف، ليقل بإبتسامه خفيفه يُخاطب كارتال: أتعلم؟ حقًا لاتهمني هذه الأوراق، ولكن لنلعب بهم قليلاً بهذه التي بقيت، ولنحرقها أمامهم، ومن سيفعل ذلك هو.. ورنّ هاتفه في لحظتها، ليُخرجه وأبتعد عنهم لكي يُجيب، في حين التفت كنان لكارتال وهو يقول بإحتقار: حقًا لا أعلم كيف وثق بك الكبير بسبب هذه الأوراق ولم يقتلك، تجاهله كارتال ولم ينظر إليه حتى، ليتقدم الكبير بعد أن أغلق هاتفه، ليقل: بإمكانك الذهاب يا أبن المدير، ليقل كارتال: على الأقل أخبرني من سيقوم بمهمة السندات؟، هتف الكبير بعد أن وضع يديه في جيوبه: ليس أنت، أذهب ولاتنسى أن تجد بعض الأماكن الجديده والبعيده عن أنظار الشرطه، أستدار كارتال وذهب وهو يهمس بتذمر "تعال يا أبن المدير، وأذهب يا أبن المدير، لا*** الساعة التي رأيتك فيها" صعد لسيارته، وقبل أن يتحرك، أخرج علبة السجائر وتناول واحدة في يده، رفعها بين أصابعه وهمّ بإشعالها، لكن لفت إنتباهه شابًا يتجه إلى المستودع، لم يرى ملامحة جيدًا، راقبه حتى دخل إلى المستودع، ليسأل نفسه بشّك "من هذا؟" فهو لأول مرةٍ يراه، بينما في الداخل، دلف سافاش وهو ينزع نظاراته الشمسيه ببطء، ليقل الكبير فورًا: واحدًا منكم سيتولى أمر السندات، ليقل سافاش: الم تقل أنك ستوّكل هذا العمل لكارتال؟، أجاب الكبير وهو يمّد الظرف لكنان: لم أجده صائبًا، أنت ستذهب يا.. نسيت أسمك، على كل حال، سيُخبرك كنان بما عليك فعله، ضحك كنان، ليرمقه سافاش بحدّه، بينما أستدار الكبير ليذهب ولكن إستوقفته كلمات سافاش الذي هتف بتردد: لا أقصد التشكيك في قرارتك ياسيدي، ولكن.. أنا من يكتب خططك وينفذها، وهذه الأمور فيها خطوره وخصوصًا خروجي للوسط، وكنان ذراعك الأيمن هو الأحق بل الأنسب لهذه الأمور، وهناك كارتال أيضًا اليس هو من كان يقوم بكل أعمالك لأعوام؟، شّد كنان على قبضتيه غاضبًا، في حين التفت الكبير برأسه، ليقل: هل تعلمني ماذا أفعل أيها الولد؟
="بتوتر" أبدًا.. لكن خططك مُحكمه دائمًا لأنك تختار الأشخاص المناسبين، وكنان وكارتال هما الأنسب لهذه المهمه، بخبرتهم ومعرفتهم بتفاصيل هذه الأمور، تقدم كنان ليُمسك سافاش بعنف من كتفه، ليهتف الكبير صارخًا: كنان!، ليبتعد الأخر وهو يُمسك نفسه: كلامه كثير، وأنا لا أريد لرأسك أن يؤلمك ياكبيرنا، أبتسم الكبير بخفه، ليقل: أذهب للخارج وأنتظرني، ذهب كنان وأبتلع سافاش ريقه بتوتر..
––––––––––––––––––––
عودة لياماش وكاراجا..
نظرت بغضب، لتقل بحدّه: هل تراقبني ياعمي؟
=لا.. ولكنني كلّفت ميكي بحمايتك
–حمايتي من ماذا؟
=أنظري نحن من عائلة كوشوفالي وأبناء الحفره لانعلم متى وماذا سيُصيبنا غدًا، ولا أريد حبسكِ في المنزل لذلك أخذت إحتياطاتي
–"بإنزعاج" ولكنني أستطيع تدبر أمري ياعمي
=أعلم والله أعلم.. وأفهم أنكِ لا تحبين القيود وأن يُملى عليك ماتفعلين، لكن ما أفعله الآن هو لمصلحتكِ وحمايةً لكِ وللجميع، فنحن أكتفينا من الألم والخساره
–"وقد رأت القلق في عينيه" حسنًا لاتقلق أنا بخير وسأكون دائمًا
=لم تخبريني هل رأيتي صالح؟
–أجل، هو بخير، يعني يحاول
="بحزن" ولوحده.. "وتنهد بخفه" حسنًا وتولغا؟
–"بإستغراب" مابه؟
="وهو يبتسم" سمعت أنكِ تقضين أغلب وقتكِ برفقته، لتُبعد كاراجا خصلات شعرها عن وجهها، لتقل بدون مقدمات: سأتزوجه، ظلّ ياماش ينظر للوهله يحاول إستيعاب ماقالته، ليقل بعد أن التقط كوب ماء ليشربه: لم أفهم؟
–سنتزوج قررنا ولكن لم نخبركم حتى الآن، في الواقع ذهبت اليوم لمنزل عمي صالح لهذا السبب وأخبرناه وها أنت الآن عرفت قبل العائله
="بعدم إستيعاب" دقيقه دقيقه.. هل أنتِ جاده؟
–قلت والله، أجل أنني جاده
=تولغا؟
–"بإنفعال" أجل.. لم يعجبكم؟ لأتزوج من جيلاسون إذًا مثل ما أمرت أنت قديمًا ياعمي ما رأيك؟
="بحدّه" دقيقه!.. مابكِ إنفعلتِ فجاءه؟ وتعلمين أن قراري في ذلك الحين كان له أسبابه، لم تُجب الأخرى، بل تنهدت بخفه، ليردف ياماش: تولغا شاب جيد.. وصالح يثق به، ولكن بهذه السرعه! هذا ما أثار إستغرابي
–ليس بهذه السرعه.. أنا أريد بدء حياةٍ جديده، حياة سعيده مع شخص أثق بأنه سيجعلني أحب الحياة من جديد، أبتسم ياماش، ليقل: أنا سعيد لأجلكِ ياكاراجا "وأشار بسبابته بلطف" أنتما تعشقان بعضكما حقًا، أبتسمت كاراجا بهدوء، ليردف الأخر: أساسًا رأيت في عينيه وتصرفاته وفهمت وقتها أنه يحبك
–"بإستغراب" كيف؟
=بعد الهجوم الذي حصل عندما تحدثتي معنا في الخارج أمام المكتب "وأستقام يغمز بعينه" تقبيل وجنتكِ وماشابه، لتبتسم الأخرى بإحراج، بينما أقترب ياماش وقبّل رأسها، ليقل بهدوء: أنتِ من يُقرر لحياتك، لأنكِ أنتِ من سيعيشها، أعدكِ بأن لا يتدخل أحدًا بكِ وأن تفعلي وتقرري مايحلوا لكِ، ولكن بشرط أن تعطيني وعدًا..
–وعد ماذا؟
=بأنكِ لن تتخذي أي قرار أو تخوضي أو تفعلي أي شيء إلا بعد أن تفصّلي هذا القرار وتفكري فيه جيدًا، لأن الحياة وقرارتها ليست لعبه، والزواج أيضًا ليس لعبه، هو مسؤوليه لكِ وله، عليكِ وعليه، أبتسمت الأخرى بهدوء، لتقل وهي تستقيم وتنظر لعمهّا بلطف: عمي صالح قال نفس الشيء، وأعدك ياعمي.. ليبتسم ياماش على كلام كاراجا وكلامه الذي طابق كلام أخيه..
––––––––––––––––––––
حيث الكبير..
تقدم ناحية سافاش، ليقل بحزم: كنان لديه مهمات أخرى، وكارتال لازلت لا أثق به تمامًا، وأنت ستذهب وستُنجز هذه المهمة دون أي أخطاء، هل كلامي هذا واضح؟، ليقل سافاش بدون تفكير: هذا يعني أنك لم تعد تثق بكنان، فهو في الفترة الأخيره لم يعد يُنجز مهامه بالشكل المطلوب، عقد الكبير حاجبيه، ليقل: أي مهام؟، تقدم سافاش خطوة واحده، وكأن كلماته قنبله يريد تفجيرها: مهمة تصفية كارتال في السجن، أعطيته أنت الأمر بقتله، ومع ذلك هاهو كارتال حرًا طليقًا وعاد للعمل تحت قيادتك، وأيضًا مهمة فارتولو وإستدراجه بعيدًا عن صاحب الورشه.. لو كنت مكان كنان، لقتلت صاحب الورشة بصمت فور صدور أمرك، دون الحاجة إلى كل هذا السيناريو الذي أستغرق وقتًا أطول مما يجب، صمت الكبير لوهله قبل أن يقول بحدّه: أنت تتحدث كثيرًا.. كنان قد يكون أرتكب بعض الأخطاء لكنه ذراعي الأيمن، أما أنت إن كنت ترى نفسك أفضل منه، فأثبت ذلك.. هذه المهمة إختبارك
=ولما لاتكون إختباره هو؟
–"بغضب" هل ستُعلمني كيف أُدير رجالي؟
="بهدوء" أبدًا، ولكنني رجلٌ لا أرى الخطأ دون أن أصوبه، كنان إن أستمر في إرتكاب الأخطاء، فقد يُعرقل هذا خُططك، أنا فقط أنبهك ليس إلا، حتى لا يؤثر ذلك على أهدافنا ياسيدي
–"بإبتسامةٍ خبيثه" لماذا لاتقولها مباشرةً؟ بأنك تريد أن تُثبت لي أنك الأفضل..
="بثقه" كلانا يسعى لنيل رضاك ياسيدي، وأنا لا أريد سوى أن أُظهر ولائي بطريقتي
–إذًا.. هذه المهمة ستُقسم بينكما، أنت وكنان ستعملان معًا، وسأرى من منكما يستحق ثقتي أكثر، وأستدار ذاهبًا تحت أنظار سافاش الذي تنهد بعمق وهو يشتم في داخله أنه لم يستطع إقناع الكبير بأن يتولى كنان المهمة كامله، ولكنه أبتسم بخبث لوهله، وقد خطرت على ذهنه خطة قد توصله لمُراده..
––––––––––––––––––––
الحفرة في المساء..
خرج عليشو من منزله وهو يحمل كوبان من الشاي، متجهًا نحو الكرسي، ليمد الشاي قائلًا: شاي..، تنهد صالح بعمق، ليبتسم عنوة وهو يأخذ كوب الشاي بيده التي ترتجف، وضعه على الطاولة أمامه، ثم شدّ على يده المرتجفه بيده الأخرى، جلس عليشو على الكرسي وهو يراقب يد صالح، ليقل: "ترتجف.. هل أحضر غطاءً، أنحنى صالح قليلاً، ليقل: لا أنا بخير، عمّ الصمت لبُرهه، ليقل عليشو مجددًا: أنت ذهبت.. ياماش حزُن كثيرًا، وأنت أيضًا حزين، لماذا ذهبت؟ نحن عائله، رفع صالح يده يُمسد بأصابعه مقدمة رأسه، ليقل بخفوت: عليشو هل تتركني لوحدي؟، إستقام عليشو، ليقل: تمام أنا سأنام تصبح على خير لطفًا، وذهب لمنزله، ليتكئ صالح بظهره على الكرسي مغلقًا عينيه، ولكنه التفت عندما جلس تولغا بجانبه، ليصمت الإثنان لوهله، أعاد صالح نظره للأمام بينما راقبه تولغا للحظات، ليقل تولغا لاحقًا بهدوء: إدريس في منزل العائله، أتى جومالي صباحًا للمنزل وأخذه، ليُجيب صالح بخفوت: أعلم.. مراد أخبرني، أذهب يا تولغا أريد البقاء لوحدي، أستقام تولغا بعد أن تنهد بضيق، وقبل أن يذهب أخرج من جيب سترته ظرف الصور التي تخص اكين ليضعه على الطاوله، ومن ثم أخرج شريطًا من دواء صالح، ليضعه فوق الظرف وذهب، نظر صالح حيث الحبوب، ليضحك بخفه ساخرًا وأعاد أغلاق عينيه، فهو حين وصل في أخر ساعات الصباح للحفره، لم يذهب لمدخل الحفره كما قال لأبن أخيه، بل أخذته أقدامه لمنزل عليشو، فجلس طوال الساعات التي مضت، ينظر للنهر أمامه بهدوءٍ مؤلم، لاحقًا سمع صوت خطواتٍ تأتي من خلفه، فتح عينيه بغضب فهو يعلم أن من خلفه الآن هو أبن أخيه، فهو قد أرسل له قبل دقائق بأن يأتي لمنزل عليشو، هتف اكين وهو يتقدم بحذر: امجا.. هل أنت بخير؟ منذ الصباح وأنا أنتظرك عند مدخل الحفره، لم يأتيه ردًا من الأخر، ليتقدم أكثر وحينها لمّح صورًا موضوعةً على الطاوله، تمعّن النظر قليلاً حين أقترب فلم تكن الرؤية واضحة في ظلمة هذا الليل، ولكن سرعان ما أنحبست أنفاسه فجاءه، رفع يده يمسّد على صدره وهو يتراجع للخلف، شحب وجهه وهو يسعل بشكل متقطع، كأن الهواء يكاد يهرب منه، سقط أرضًا وأتسعت عيناه حين رأى عمه يرمي الأوراق بغضب ويتجه نحوه، تقدم صالح بسرعه، وأمسك باكين وهو يبحث عن البخاخ في جيوب سترة الأخر، وحين وجده مسّك رقبة اكين من الخلف ليُثبته بينما الأخر كان يُبعد وجهه بقلةِ حيله، فقد تداخلت مشاعره في تلك اللحظة مابين الخوف والندم، فقد أدرك أن عمه وبطريقة ما عرف بالذي أقترفه هو قبل أعوام.. كان يُفضل الموت على أن يواجه عمه الآن بهذا العبء الذي لايستطيع التخلص منه..
––––––––––––––––––––
في أحد المستودعات القديمه..
كان كارتال يمشي ببطء وهو يُمسك سلاحه، التفت لثلاثة رجالٍ معه، ليقل: نظفوا المكان، سيكون جيدًا وبعيدًا عن أنظار الشرطه، وأستدار يُكمل طريقه، ليلمح قبل أن يخرج في أحد أطراف المستودع، خشبةً تُغطي على مايبدو مخرجًا أو شيئًا مخفيًا، تقدم بحذر، ليُبعد الخشبه، وظهر بابًا مربعًا صغيرًا أمامه، وحين فتحه تناثر الغبار والأتربه، ليسعل بخفه، وأبتعد الرجال قليلاً، فأتضح له أن هذا الباب يؤدي لقبوٍ أو شيءٍ ما في الأسفل، حدّق قليلاً في الظلام، ليستقيم ويُشير لأحد الرجال بالتقدم وهو يقول: أنزل وأنظر ماذا يوجد في الأسفل، لم يتحرك الرجل بل تردد وهو ينقل نظره بين باب القبو وكارتال بخوف، ليهتف كارتال بحدّه: الو؟ أقول لك أنزل إلى الأسفل فعلى الأغلب لن نتخذ المكان لنا بدون تفتيشه بالكامل، تقدم الرجل ببطء نحو الفتحه، وهو يُمسك بمصباح هاتفه، ونزل وصولاً إلى الأسفل، أضاء المكان من حوله، ليكتشف قبوًا واسعًا مليئًا بالصناديق الخشبيه القديمه، وبعض المعدات التي غطاها الصدأ، ليصرخ مُخاطبًا كارتال: سيد كارتال.. لا شيء هنا سوى صناديقًا فارغه وبعض المعدات التالفه، أخرج كارتال علبة سجائره، ليُشير للبقيه وهو يقول: أنزلا وساعداه، نزل البقيه ليبتعد هو خارج المستودع، أخذ نفسًا من سيجارته، وبعد ثوانٍ قليله سمع صراخ أحد الرجال قادمًا من الداخل، ولم يكاد يتقدم حتى دوى إنفجارًا هائل من المستودع أهتزت بسببه الأرض من حوله، ولم يشعر كارتال إلا بموجة لهبٍ ساخنه لفحته بشده، فأردته ساقطًا على الأرض على بُعد أمتار، شعر بضغطٍ هائل في رأسه نتيجة الإنفجار ودويّه الذي تردد في أذنه وكأنها على وشك أن تنفجر من شدة الصوت، حاول النهوض ليتكئ على أحدى يديّه، وهو بالكاد يفتح عيناه بسبب الدوار الذي يجتاحه، وحين تفحص جسده ببطء، لمح شظية مغروسة في فخذه، وشعر بأخرى في كتفه الأيسر، ليّصر على أسنانه متألمًا، رفع عينيه ببطء، ليرى ألسنة اللهب والنيران تلتهم المستودع الذي دُمر بالكامل، وأدرك أن من في الداخل لم ينجوا، تأوه بألم ولم يعد يحتمّل، ليُسقط رأسه للخلف مجددًا وأغلق عينيه فاقدًا لوعيه تمامًا..
––––––––––––––––––––
عودةً لصالح..
كان يجلس مكانه على الكرسي وينظر أمامه بصمت، فهو أدرك أن الأوراق حقيقيه وصحيحه عندما لاحظ ردة فعل أبن أخيه حين لمحها، فهو قد وضعها مُتعمدًا لكي يراها اكين فور قدومه، ليفهم هو إن كانت مزيفةً أم لا دون الحاجة للسؤال، بينما اكين الذي يتكور على نفسه كان يجلس أرضًا يتكئ على كرسيًا خلفه، ينظر لعمه بمزيجٍ من الخوف والقلق، هو يعلم بأن عمه لايفرط به، ولكن يخاف من المجهول الذي قد يحدث، يخاف من هدوء عمه هذا الذي يراه غير عادي، وهذا الصمت الذي يحيط بالمكان يقتله، دقيقه.. هل سيلُومه؟ أم هو أكثر شخص سيتفهمه؟ فهو قد فعل ذات فعلته قديمًا.. بقتل أخيـ..، دفن اكين رأسه بين ذراعيه التي يحاوط ركبتيه بها، أغمض عينيه بقوه محاولاً تشتيت ذهنه، وكأنه يريد الهروب كعادته، يريد الهروب من التفكير ومن هذا العبء وهذا الذنب الذي أهلكه، قاطع شروده هذا صوت عمه الهادئ وهو يقول: منذ الصباح وأنا أجلس هنا أفكر.. أسأل نفسي، لماذا.. رفع اكين رأسه وظلّ ينظر إلى عمه بألم، ليُكمل الأخر: أنا عشِت طفولتي في الحفره، حتى الثامنه.. ومن ثم قُتِلت والدتي أمام عينايّ، أرتجف قلب اكين، فهذه أول مرة يتحدث بها عمه عن طفولته لهم، أردف صالح: ومن ثم أرسلوني لجدي حيث فارتو، كنت خادمه وليس حفيده "وأطلق ضحكةً ساخره" هو من أسماني فارتولو سعدالدين، مات جدي، وأنتظرت أبي ليأتي ويأخذني ولكنه لم يأتي، بل أتى آخرون، فهربت إلى الشارع، ولكنه شارع في النهايه.. كيف يمكن للإنسان بل لطفلٍ أن يهرب إلى شارع؟ وفي الليل أيضًا.. لن تجد سوى الوحوش التي تنتظر فرائسها بوحشيه، وبعد وقتٍ من الهروب من الناس وخيالاتهم حتى، وجدني شخص، أخذني وأدخلني لمنزله مع أولاده وأحفاده، لكي أكون خادمًا وعبدًا وكلبًا لهم، وضمانهم على الحدود حين يُسلمون ويستلمون بضائعهم، وذات ليله أنفجر بي لغمًا على الحدود، تركوني لأموت، وأنتظرت أبي ليأتي ولكنه لم يأتي، فأتوا هم لاحقًا وأنقذوني لكي لا أفصح للشرطه عن أفعالهم "نظر ليدّه المرتجفه وهو يشد عليها" لم أمت، فأتخذوني كلبًا مرةً أخرى، فأنهيتهم جميعهم، وأصبحت فارتولو الذي أقسم على أخذ أنتقام صالح الذي كان يظن أن والده قد تخلى عنه ولايريده لأنه عار، فأنتظرت.. وأنتظرت.. وتعاونت مع الشيطان، وأتيت للحفره وقتلت أخي وقلبت الأمور رأسًا على عقب، كان هدفي واضحًا وهو ما أتيت لأجله، قتل قاسم.. قاتل والدتي، وقتل الإثنان باشا والعم، لأنني وقتها لم أعرف من هو الوزير السيء من بينهم، عقّد اكين حاجبيه بإستغراب بالرغم من دموعه التي تنزل بصمت، ليُكمل الأخر: الوزير السيء الذي أرسلني من الحفره وزوّج والدتي بقاسم "مالِ قليلاً برأسه ناحية اكين ولكنه لم ينظر إليه" وأيضًا أخذ الحفره من يد إدريس كوشوفالي، ليعلم بأن الطفل الذي لم يقبل به وتخلى عنه، قد أصبح لا يُقهر وأخذ منه الحفرة التي يتباهى بها أمام الجميع، هذا ماجئت لأجله، كنت أقول لأمت بعدها لايهمني، أساسًا جئت وأنا أعلم أنني في نهاية الأمر سأموت، وماذا أريد من هذه الحياة أكثر من ذلك؟ عشت كالـ*** فعلى الأقل أخذ إنتقامي ولا أذهب وعيني مفتوحه، ولكنني وجدت نفسي في زنزانة الحفره وأبي أمامي يناديني "صالح" حينها تغير كل شيء، وعلمت أنه لم يكن يعلم بي، ندمت.. ولكنني أقول أحيانًا أن أي شخص في مكاني كان سيفعل مافعلته، ولكن لو علِمت ماعلمته ذلك اليوم، لما فعلت "وإستقام من كرسيه ينظر للنهر أمامه" هذا ماجئت لأجله وهذا سبب إنتقامي، ظلّ اكين ينظر بدموعٍ وهو يشّد على ذراعيه قهرًا، وفي لمح البصر، قلب صالح الطاولة بغضب ليُبعدها عن طريقه وهو يتوجه لاكين بسرعه، ليُمسك ياقته بقوه وهو يصرخ: ماذا فعل لك ياهذا؟ أبي ماذا فعل لك لتذهب وتضع يدك بيد قاتليه!، أتسعت عينيّ اكين بصدمةٍ جعلته عاجزًا عن النطق، وكأن الكلمات خانته أو تلاشت أمام نظرات عمه وغضبه، وربما لاتوجد كلمات تستطيع تبرير مافعلهُ أساسًا، ليهز رأسه نافيًا وهو ينظر بدموعٍ أنهمرت أكثر من ذي قبل، ليقل بنبرةٍ منخفضه ومتقطعه: فعلت.. ليتني مُت ولم أفعل، أنا لا أستحق.. العيش، ليُخرج صالح سلاحه من خصره ووجّه فوهته نحو رأس الأخر وهو يصرخ بقهر: تريد الموت؟ هل تريد مني أن أقتلك؟
إلى اللقاء في البارت القادم..

لا يوجد سوى الألم..حيث تعيش القصص. اكتشف الآن