Part 61

273 17 4
                                        

"سأُعيد أبن أخي ولو كان الثمن روحي"
اهلاً بضحيّتي القادمة..، هذا ما قالهُ الكبير مخاطبًا جومالي على الهاتف، فاشتعل الغضب في الأخير حين سمع صوته، شدّ جومالي على الهاتف حتى كاد أن يكسره ليقل: اووه هل تبحث عن ضحية؟، ضحك الكبير من خلف الهاتف ليقل: ابحث؟ لقد وجدتها يا جومالي، ليقل الأخير فورًا بغضب: إذن أرسل لي موقعك إن كنت رجلاً لكي آتي واقتلع رأسك
–لا تقلق سأرسلهُ
=أنا انتظر.. صدقني ستكون أنت ضحيّتي
–"باستهزاء" لماذا أنت غاضب هكذا دائمًا؟ أعني أليس لديك عقلاً لتفكر قليلاً قبل أن تغضب وتتحرك؟
=على الأقل لستُ جبانًا يختفي خلف قناعة، هُنا عمّ الصمت لثوانٍ قليلة حتى هتف الكبير: أخشى أنك لم تفهم بعد ما أقصده..، ليقل الآخر: حقًا؟ وماذا تقصد يا *** أبن ال***؟، أبعد الكبير الهاتف عن أذنه قليلاً وهو يتأفف من شتائم جومالي.. ثم أعادهُ ليقل: الأمر بسيط جدًا.. ستأتي إليّ، فردّ جومالي بسخريه: بسيط فقط؟ هذا أكثر شيء أحبه، ولكن الكبير أكمل غير آبه بكلام الآخر: إما أنت.. أو ابن أخيك.. وأنت من سيختار، عقد الآخر حاجبيه دهشةً وقلقًا ليقل بعد لحظةٍ بحدّه: ماذا تقصد أيها ال***؟، وحين أنهى جومالي جملتهُ هذه اتتهُ رسالةً من نفس الرقم، فأرخى هاتفه وعبث به قليلاً حتى فتح الرسالة.. ليجدها صورة لطفل ينام على سريرٍ صغير، عقد حاجبيه بعدم فهم ثم أعاد الهاتف إلى أذنه ليقل: قلت ماذا تقصد يا ***؟ من هذا الطفل؟، ساد صمتٌ ثقيل ثم هتف الكبير بهدوء وبرودٍ كالجليد: هذا الطفل الأشقر.. هو ياماش ابن أخيك الأصغر، غريب أسمه كأسم والده! على كل حال.. دائمًا هناك طُعم لكل ضحيةٍ يرغب بها المرء، ضحيّتي أنت.. وهذا الطفل فـ هو الطُعم، خمد غضب جومالي لوهلةٍ بسبب صدمته مما سمعه.. بينما أردف الكبير: كانت زوجة أخيك مُتعبة بعض الشيء أثناء الحادث.. وكان من السهل أخذ الأمانة دون أن يُلاحظها أحد، هُنا شدّ جومالي على الهاتف أكثر وهو يتذكر كلمات ياماش في الصباح حين قال "كانت تصرخ بأسمي وتقول أخذوه.." وتذكر ايضًا أن الحادث في طريقٍ مُغاير لطريق منزل العائلة، استرجع هذه الأمور التي تؤكد كلام الكبير ولو بنسبةٍ قليلة، فأتاهُ صوت الأخير مجددًا: أظنها لم تستيقظ بعد لتخبر زوجها بما حدث.. وهذه فرصتك لتتأكد من صحّة كلامي وتُسكتها، لأنه إن علِم أحد غيرك أنه بحوزتي فصدقني.. سيكون ذلك الطفل البريء ضحيّتي التالية، ودون أن ينتظر الكبير ردًا أردف قائلاً بذات البرود: معك مُهلة حتى الغد وتحديدًا عند الساعة 5:00 مساءً.. مُهلة طويلة ومناسبة لتتأكد وتُقرر.. هل ستأتي إليّ؟ أم أرسل إليكم رأس الطفل، سأتصل عليك وقتها لأعرف إجابتك، وأُغلق الهاتف بعدها وأُغلقت معه عينا جومالي اللتين اشتعلتا غضبًا، فرمى الهاتف بقوة وركل أحد الطاولات بعنف غاضبًا بشكلٍ كبير، بينما وفي الجهة الأخرى حيثُ الكبير.. ناول الهاتف لرجله الذي قام بإخراج شريحة الاتصال وإتلافها فورًا، ليقل: هل منعتم الرجال من التسلّل إلى الحفرة؟ وهل أرسلت بعضهم نحو سافاش؟، أومى الآخر ثم قال: أجل ياسيدي.. في اللحظة الأخيرة وصلت إلينا إشارة الأمان من سافاش فتراجعوا، وأرسلنا الرجال إليه، وأمام أحد الأكواخ النائيه.. توقفت سيارة ليلى وهي تنظر برعبٍ وقلق، وابتسم سافاش حين رأى بعض رجال الكبير المقنعين يقفون في انتظاره، فتح الباب وترجل بصعوبة ليهتف بهم: أنا مُصاب في قدمي.. احضروا مضادات إلتهاب أو مسكنات أي *** يُخفف عني هذا الألم، واحضروا ربطة شعر حالاً، أشار أحدهم إلى داخل الكوخ وهو يقول: كل شيء تحتاجه في الداخل، بينما مدّت ليلى التي لا زالت تجلس داخل السيارة يدها بسرعةٍ نحو حقيبتها الموضوعة على المقعد الجانبي تنوي أخذ هاتفها، لكن أحد رجال الكبير حطّم نافذة المقعد الجانبي، فارتجفت ليلى وابتعدت مذعورة تُغطي أذنيها، ليصرخ سافاش مخاطبًا الرجل: ماذا تفعل!، التقط الآخر حقيبتها فورًا من النافذة وأخرج هاتفها منها، ليهتف سافاش بتأفف وهي يتكئ على أحد الرجال: نسيتُ أمر الهاتف..، رمى الآخر الهاتف أرضًا وضربهُ بمؤخرة البندقية التي كان يحملها حتى تهشّم وانكسر، ثم فتش حقيبتها ليتأكد من عدم وجود أي شيء آخر بينما هتف سافاش: هي من أخرجتني من الحفرة وستبقى معي.. ليست منهم كانوا يستغلونها فقط، نظرت إليهم ليلى بقلق وهي تفكر في ما يمكنها فعله لتنجو من هذه الورطة، أتجه الرجل الذي يُمسك حقيبتها نحو مقعدها وفتح الباب وهو يقول بصوتٍ غليظ: أخرجي واتركي مفتاح السيارة، تقدم سافاش بمساعدة الرجل الذي يتكئ عليه وهو يتبع: اخرجي يا ليلى سنبقى هنا بأمان لا تخافي، فخرجت الأخرى وهي تصرخ: يكفي! ماذا تريد مني أيها المُختل العقلي؟، فأجابها الآخر بنبرةٍ هادئة: أريدكِ أن تكوني بخير وفي أمان معي بعيدًا عن أولئك الناس السيئين، نظرت إليه ليلى وقد اختلط الرعب والاشمئزاز في عينيها، فـ تراجعت بضع خطواتٍ إلى الخلف وهي تقول: في الأصل أنت السيء.. بل مريض نفسي! أنت حقًا مريض!!، دفعها أحد رجال الكبير بخفه نحو الكوخ وهو يقول: لا تتحدثي كثيرًا، فذهبت الأخرى مُجبرةً نحو الكوخ وهي تنظر بحقدٍ واشمئزاز نحو سافاش الذي أبتسم بحنانٍ مقزز، تقدم أحد الرجال نحوه بعد ابتعاد ليلى ليقل: الكبير يأمر.. ستبقى هنا حتى الصباح ثم ستذهب إليه، مسح سافاش بعض العرق المتصبّب عن جبينه ليقل: لماذا؟، صمت الآخر لوهلة ثم قال بنبرةٍ ثقيلة: لن يسامح تقصيرك وإهمالك الذي أوصل فارتولو إليك ليكن بعلمك.. ولكن السبب الرئيسي هو أن الضحية التالية ستسقُط غدًا، عقد الآخر حاجبيه ليقل: كيف..؟ لم أجهز أي شيء!، فقال الآخر وهو يُشير لبعض الرجال بالانتشار حول الكوخ: لا تقلق تكفلّنا باستدراج الضحية والباقي عليك بالطبع، أومى سافاش ليقل: حسنًا جميل.. لقد أرحتموني حقًا، إذن أرسلوا خبرًا إلى المختبر بأن يُحضّروا الجرعة القاتلة كالعادة، تراجع الآخر بعد أن أومى بخفه ومعهُ بعض الرجال وذهبوا.. بينما بقي عددًا منهم لحراسة الكوخ..
––––––––––––––––––––
مستشفى الحفرة..
تقدم صالح حتى جلس على كرسي خارج المستشفى، أرخى رأسه وأغمض عينيه وهو يحاول أخذ نفسٍ منتظم في هذا الهواء الطلق البارد جدًا، لحظاتٍ حتى رفع ذراعه وتلمّس صدره قليلاً ثم أدخلها في جيب سترته وأخرج الرسالة.. رسالة كارتال التي وصلت إليه صباحًا، تأمل كلمة "الصغير" التي كتبت على الظرف وهو يفكر.. كيف ومتى كُتبت هذه الرسائل؟ أين وُضعت؟ وكيف تصل إليه بين الحين والآخر؟ يشعر بشيء غريب يخصّ هذه الرسائل ولا يعلم ما هو أو ما سببه.. تنهد بخفه ثم اعتدل مسندًا مرفقيه إلى ركبتيه وفتحها وهو يهمس: لنرى ماذا كتبت هذه المرة، وقعت عيناهُ على السطور وراح يقرأها بشرود "إن قرأت هذه الرسالة فهذا يعني أن الرسالة الأولى قد وصلتك كما خططت، لم أجد أي أثرٍ للوريث الخاص بأبن الجزار.. ولكن من الواضح أن أحدهم عرف أشياءً كثيرة قبلي ويسكت على هذا لغايةٍ ما، كان هناك اثنان من أعوان ابن الجزار إلى جانبي، أولاً (أنا المسؤول عن الأعمال والشركات) وثانيًا (ذراعهُ اليمين الذي أمسكتهُ أنت بمساعدة تلك المرأة) وثالثًا هناك شخص ثالث ربما لمحتهُ أنا ذات مرة لكنني لا أذكر تحديدًا، على كل حال.. ابن الجزار يحاول اللعب بعقلك يريد إثارة جنونك أنت وأخوتك ليصل إلى مُراده بسهولة، فلا تفعل ولا تُقدم على خطوة إلا وقد حسبتها أكثر من مرة.." طوى صالح الرسالة ببطء وهو يزفر بسخريه قائلاً: متأخر جدًا جنم، ليسمع صوت ياماش الذي جلس بجانبه بهدوء وهو يقول: من؟، التفت صالح إليه ثم ناولهُ الرسالة وهو يقول: رسالةً أخرى من كارتال، عقد ياماش حاجبيه وهو يقول: مجددًا؟، ثم التقط الرسالة وقرأها، ليردف بعد لحظات بإرهاق: هل تشعر بشيء غريب؟ لا أفهم.. كيف كتب هذه الرسائل قبل موته؟، اكتفى صالح بالنظر إلى الفراغ دون أن يُجيب ليردف ياماش بعد أن نظر إلى الرسالة مرةً أخرى: هل يقصد بالشخص الثالث سافاش؟، أومى صالح ليقل: اساسًا ذلك الحيوان فضح نفسه بمعرفته لكل شيء وبأنه درسني كما يقول، صفن ياماش قليلاً ثم قال: هل تعني أنه يعلم من هو ابن الكبير؟، بادلهُ صالح بصمت ثم قال: ربما.. وقال أنه يعلم هوية الكبير نفسه، عمّ الصمت لثوانٍ ليقل ياماش باستيعاب: دقيقة.. ولماذا نجلس هُنا ونضيع الوقت إن كان يعلم بهوية الكبير؟، فأجاب صالح بهدوء: جانبٌ مني لا يصدقه.. فـ ربما يكذب لكي أتركه، ولا تقلق إلى أين سيذهب مثلاً؟، نظر ياماش مجددًا إلى الرسالة ثم عاد ينظر إلى أخيه ليقل: هل يعقل أنه ابنه؟ أعني ربما سافاش ابن الكبير، نفى الآخر فورًا برأسه وهو يردّ: لا أظن.. لو كان كذلك لأحرق الدنيا ليُنقذه، ردّ ياماش بسخريه: جنكيز أردنيت فضّل أمواله على أبناءه، هُنا شرد صالح في الفراغ لوهلة.. حتى قال هامسًا: يوجال..، عقد الآخر حاجبيه ليقل: ماذا؟، التفت صالح نحو ابن أبيه ونظر إلى عينيه ليقل: يوجال!، نظر ياماش للحظات قلقًا.. لكنه ما لبث أن فهم ما يريد صالح قوله ليقل بخفوت: هل تقصد أنه يختبئ لكي يحمي عائلته؟، رفع صالح سبابته وهو يقول: حتى صوته لا يُظهره يا ياماش!، مسّد الأخير رأسه وهو يقول: لا أمزح معك يا ابن أبي.. حقًا أصبحت أعاني من الصداع كلما فكرت في شيءٍ يخص هذا ال***، أعاد صالح بنظره إلى الأمام وهو يتنهد بخفه، ثوانٍ وقال ياماش: المهم أن سافاش بين أيدينا..، أومى صالح وهو يتنهد مجددًا ولكن هذه التنهيدة لم تكتمل بل قُطعت بصوت مكابح سيارةٍ توقفت أمامهما بعنف، فالتفت الإثنان بسرعة ليروا متين يترجل منها وهو يكاد يركض وملامحه لا تحمل سوى خبرًا واحدًا.. خبرًا سيئًا بالتأكيد ليقل فورًا: يا أخوة.. سافاش هرب، تجمدت ملامح ياماش بينما رفع صالح بصره ببطء وهو ينظر إلى متين دون أن يتفوه بكلمة.. ليقل ياماش بحدّه: ماذا؟ كيف هرب!، وقبل أن يُجيب متين استقام صالح فورًا بخطواتٍ مسرعه نحو سيارته، واستقام ياماش بالمثل يلحق به وهو يهمس "اللعنة!" ثم هتف مخاطبًا متين: أبقى هُنا يا متين.. لا تُفارق إيفسون ابدًا..
––––––––––––––––––––
منزل صالح..
فتح جومالي بوابة المرآب بقوة وعنف إلى الأعلى وألقى نظرة سريعة من بعيد يتفحص فيها الأرجاء ولكن لاشيء.. دقائق حتى دلف صالح وياماش إلى المرآب بسرعة، فالتفت جومالي وهو يهتف: سيد صالح! اهلاً وسهلاً، تجاهلهُ الأخير وهو يقول صارخًا بميكي الذي يقف بجوار جيلاسون: كيف هرب؟ كيف وهو مُقيد والمنزل حوله *** يحرسونه؟، صمت ميكي لوهلةٍ مستغربًا صراخ الآخر لكنه أجاب وهو يرفع كتفيه: لا أعلم! في الأساس ضمّدنا جرح فخذه وخرجتُ ولم أعُد إلى هنا قلت إن رجال وليّ يكفون، تقدم جومالي وهو يقول موجهًا كلامه إلى صالح: لا تسأل كيف هرب بل لماذا جلبتهُ أنت إلى هنا يا صالح؟، تجاوزه الأخير دون إجابة مرة أخرى وخرج من بوابة المرآب حين ندهَ عليه أحد رجال وليّ، تبعهُ ياماش الذي كان صامتًا مستغربًا من أن سافاش هرب من هُنا.. من منزل أخيه القريب جدًا جدًا من منزل العائلة، تقدم صالح نحو جثة رجل وليّ الذي قضى عليه سافاش وأخذ سلاحه، انحنى والتقط المقص الملطخ بالدماء مبتسمًا بسخريه، تقدم جومالي برفقة جيلاسون وميكي الذي ما إن رأى المقص حتى عضّ شفتيه بقهر وقد تذكر كيف رماهُ بلا انتباه حين اتصل به جيلاسون، بينما تقدم الأخير ليقل وهو يرفع يده: قلت لك يا أخي صالح أن وجوده هنا خطأ كبير، وأتبع جومالي على كلام جيلاسون صارخًا: كيف أحضرته إلى هنا يا صالح؟ كيف تحضره بالقرب من منزل العائلة بينما أطفالنا هناك، وبالأخص طفلك الذي عاش ال*** تحت يدّ هذا ال***؟، فـ صرخ صالح فجاءه وهو يستدير نحو جومالي: اللعنة لا تصرخ!، ومن ثم ذهب مبتعدًا بخطواتٍ سريعة.. ليُعاود الأكبر الصراخ يريد لأخيه أن يسمعه قبل أن يبتعد: العائلة بخير يا هذا لقد اتصلت بداملا واطمأننت عليهم، ولكن الآخر أكمل طريقه والتفت ياماش نحو الأكبر ليقل: كيف استطاع الهرب؟، فقال ميكي وهو يمسد رأسه بخفه: شي.. حقًا اعتذر يا أخي ولكنني نسيت هذا المقص في أحد زوايا المرآب وربما استطاع ذلك ال*** قطع قيوده به، أغمض ياماش عينيه وهو يزفر غاضبًا بينما سأل جومالي: وكيف وصل المقص إلى هنا اصلاً؟، فأجاب ميكي: أخي صالح طعنهُ في فخذه لذلك..، ليقل ياماش وقد نظر نحو ميكي: تقول إنه مُصاب؟ إذن لن يبتعد كثيرًا بمفرده.. أذهب حالاً وأرسل خبرًا لجميع الشباب بأن يفتّشوا الشوارع والمنازل والأزقة حتى يجدوه فربما ما زال في الحفرة، ذهب ميكي فورًا ليهتف جومالي بعد لحظات مخاطبًا الأصغر: وأنت لماذا تترك زوجتك لوحدها هاا؟، تنهد ياماش بخفه ليردّ: متين بجانبها..، ثم ذهب بعد أن أشار لجيلاسون بأن يتبعه تاركين جومالي الذي صفن لوهلةٍ وقد أتتهُ الفرصة ليسأل إيفسون إن استيقظت ويعرف منها صحة كلام الكبير وهل فعلاً كان معها طفلاً في السيارة وليس أي طفل.. بل أبن ياماش، فلم يتردّد للحظةٍ في الذهاب إلى المستشفى متجاهلاً موضوع سافاش وهروبه.. فلم يكن الرامبو جومالي أو مجنون الحفرة الآن سوى رجلٌ يحمل على كتفيه خوفًا على العائلة وقرارًا مصيريًا ينتظره..
وبعد مُضي وقت تحديدًا الساعة 10:00 مساءً
تقدم ياماش نحو منزل العائلة يتبعه صالح وهو يمسح وجهه.. كان التعب يغزو ملامحهم والإحباط من فشل عملية البحث عن سافاش يغضبهم، لم يتركوا شبرًا في الحفرة إلا وبحثوا فيه ولكن لا جدوى.. ذلك الرجل يبدو أنه خرج من الحفرة منذ وقتٍ طويل، وقبل أن يدخل صالح إلى المنزل.. وحين وضع قدمه على أول درجات السلالم، لمح شيئًا على الأرض بين الشجيرات الصغيرة.. حدّق للحظةٍ مستغربًا ثم تقدم وانحنى ببطء حتى التقطه، عقد حاجبيه فورًا ما إن تبيّن لهُ أنها مسبحته! وخلال ثانية رفع أحد حاجبيه وقد تذكر أنها كانت في جيب سترته، وفي المستشفى كانت بين يديه آخر مرة.. فـ كيف أتت إلى هُنا وهو لم يأتي إلى المنزل منذ الصباح؟، "مابك؟" قالها ياماش وهو يقف أمام الباب ينظر إلى أخيه باستغراب، فاعتدل صالح وهو يشدّ على قبضته التي تحمل المسبحة ليقل: مسبحتي.. أنها مرمية هُنا، فقال ياماش وهو يدلف إلى الداخل بلا مبالاة: ربما سقطت منك، توقف صالح للحظة يتأمل المسبحة بشيءٍ من القلق، ولكنه تنهد بخفه ودخل خلف أخيه إلى الداخل، فقال ياماش وهو يقف دون أن ينزع سترته: سأرى ماسال وأعود إلى المستشفى وأنت أبقى هنا لترتاح قليلاً، صمت صالح وهو يجلس لنزع حذاءه بينما اقترب الأصغر ليردف: لن أسألك لماذا قيّدت سافاش في منزلك فقد حصل ماحصل، ولكنني سأقول أننا أصبحنا نعرفه جيدًا وسنجده مرة أخرى، ظلّ صالح على صمته وملامحه المُتعبة والغاضبة قليلاً.. فـ قاطعهم نزول إدريس بملابس النوم وهو يتأفف، وضع صالح يده على خده يتأمل أبنه بجمودٍ مضحك بينما ابتسم ياماش ليقل: لماذا لم تنم حتى الآن أيها الشقي؟ ولماذا تتأفف؟، التفت الصغير حين سمع صوت عمه ليقل: ماسال ياعمي لقد أزعجتنا ولم تدعنا ننام تريد والدتها، مسح ياماش على رأس الصغير ثم صعد فورًا إلى الأعلى حيثُ ابنته، بينما تبادل الأب وأبنه النظرات للحظة حتى هتف إدريس ببراءه: والله لم أكن أريد أن أستيقظ يا أبي لكنها ظلّت تبكي كثيرًا وكنت سأنام في غرفتك لكن أختي ليلى ليست هنا وأنا لا أريد أن أنام وحدي، تنهد صالح حين علِم أن ليلى لم تبقى هُنا في منزل العائلة.. فـ على مايبدو ستفعل ما قالتهُ اليوم.. "لن تزعجه" ليسأل أبنه: متى ذهبت أختك ليلى إلى منزلها؟، فكّر الصغير قليلاً ثم قال: قبل أن ننام، هل تعلم يا أبي؟ لديها مسبحة مثلي تمامًا، ابتسم صالح ثم نهض بغتةً وحمل أبنه بمزاح وهو يقول: هيّا أيها المشاكس ستنام بهدوء في غرفة والدك ولن يزعجك أحد..، لاحقًا خرج ياماش وهو يمسح وجهه بعد نوم أبنته بصعوبة عائدًا إلى المستشفى، لتتوقف سيارة جومالي لحظة خروجه، وترجل منها الأخير الذي كان بحالةٍ غريبة قليلاً.. مُبعثر الشعر والملامح ويحمل قبعته في يده وكأنه خرج من معركةٍ ما.. تقدم ياماش نحوه بالقليل من القلق ليهتف: آبي؟، أغلق جومالي باب السيارة والتفت ينظر إلى أخيه، فهو تأكد من إيفسون.. عرف أن أخيه لديه ابن آخر وبين يديّ الكبير الذي استطاع قلب الأمور مجددًا رأسًا على عقب، تنهد بخفه واستجمع نفسه وهو يمسح وجهه ثم أرجع شعره إلى الخلف ليقل: كنت أبحث عن ذلك الحيوان ولكن لا أثر، فقال ياماش بعد أن تنهد: لن يستطع الهرب لوقتٍ طويل.. على كل حال أعطني مفتاح سيارتك يا أخي سأعود إلى المستشفى فـ سيارتي تدمرت في الحادث، ناولهُ جومالي المفتاح دون أي كلمة ثم تقدم وقبّل رأسه مطولاً بحنانٍ وحزن وتجاوزه ذاهبًا، استغرب ياماش فعلة أخيه وتسللّ القلق إلى قلبه وهو يراقب ظهره.. ولكنه ذهب وصعد إلى السيارة بقلة حيله..
بعد وقت الساعة 3:00 بعد منتصف الليل..
خرجت إحدى الممرضات وهي تُمسك بيد إيفسون التي كانت ملامحها مشتتّه وشاردة، لتقل الممرضة وهي تمدّ بعض الأوراق ناحية ياماش: تفضل.. راقبها لمدة أربعٍ وعشرين ساعة، وإن لاحظت أي تغير أو تدهور مفاجئ في حالتها فلتعودوا إلى الطوارئ فورًا، أومى ياماش بهدوء بينما سألته إيفسون فورًا: أين جومالي؟، اقترب هو وشدّ على ذراعها بحنان ليقل مستغربًا: أخي جومالي في المنزل لماذا تسألين عنه!، ابتلعت إيفسون ريقها ثم قالت بتلعثم: أقصد أبنتي.. ماسال لابد أنها تسأل عني، ليرّد ياماش بعد أن تفحصها بقلق: إيفسون.. إن لم تكوني بخير تمامًا سنبقى هنا، نفت برأسها فورًا لتقل: أنا بخير.. دعنا نذهب إلى المنزل ياماش لا أريد البقاء هنا، أومى الآخر ثم شدّ على ذراعها اكثر وتوجهوا إلى الخارج.. بينما وفي المنزل.. نزل صالح وتقدم نحو المطبخ ليشرب كأس ماء وهو يتصبب عرقًا وقلبه يخفق بعنف، موعد دواءه قد حان.. أو بالأحرى ليس موعدًا بل مضى يومًا كاملاً لم يأخذه.. فـ حاول أن يتنهد ببطء وهو يهمس "ستصبر وتتحمل يابني.. لن تحتاج ذلك الدواء" وما إن التفت حتى تقدم جومالي بخطواتٍ بطيئة وبيده الدواء، ربت على كتفه بخفه ووضع قرص الدواء على الطاولة أمام أخيه ثم ذهب ليسكب لنفسه كأس ماء، زفر صالح بخيبة وبشكلٍ غير ملحوظ وهو ينظر إلى الدواء.. ولكنه ابتسم بخفه وهو ينظر إلى ظهر الأكبر الذي لم ينسى أن أخيه لن يستطيع تحمل أكثر من يومٍ دون أي شيء يخفّف عنه.. دون هذه الجرعة الدوائية الخفيفة، تناول صالح الدواء وأتبعه بكأس ماءٍ آخر، ليقل جومالي دون أن يلتفت: كيف حال الذين في المستشفى؟، وضع صالح كأس الماء على الطاولة وهو يُجيب بنبرةٍ مُتعبة: بخير.. إيفسون استيقظت وسيخرجونها أخبرني ياماش قبل قليل عبر الهاتف، أما ياسمين فستبقى حتى تتحسن اكثر، أومى جومالي برأسه ثم سأل: وأنت؟ هل نمت؟، نظر صالح لوهلة.. فـ لم تغفو عينيه منذ يومان سوى لعشر دقائق.. ليُجيب نافيًا: تؤ..، فقال جومالي: لا تريد النوم أم أنك لا تستطيع؟، ليردّ صالح فورًا: صدقني أريد.. بل حتى استلقيت بجانب إدريس لساعات ولكن لا فائدة الأرق لا يُفارقني، تنهد جومالي بينما أردف صالح بخفوت بعد أن استجمع كلماته: أعـ.. أعتذر لأنني صرخت في وجهك قبل ساعات، التفت جومالي ونظر إلى أخيه مطولاً قبل أن يبتسم وهو يقول: حسنًا ولكن لماذا أحضرت ذلك الحيوان من الزنزانة إلى منزلك؟، تنهد صالح بخفه ثم قال: لم أرغب بالذهاب إلى الزنزانة، وحصل ماحصل يا أخي ولن أترك ذلك ال*** حتى اقطع كل جزءٍ في جسده، رمقه الأكبر للحظاتٍ ليقل بخفوت وقد أقترب قليلاً: هل أنت بخير فعلاً؟ لا تتظاهر بالقوة وتتجاهل تعبك حتى لا تنهار فجاءه كما حصل في الورشة تلك المرة..، ابتلع صالح غصته وهو يبتسم وقد أنزل بصره إلى الأرض للحظة.. ليُجيب بخفوت: أنا بخير..، ثم نظر إلى جومالي الذي كان يرمقه بعينين لا تصدقان، ليردف صالح مُطمئنًا أخاه حتى لو لم يكن صادقًا: أنا حقًا بخير.. ولكن ليت الأمور تهدأ فقط، ليردّ جومالي بعد لحظة صمت وبنبرةٍ متردده: ستهدأ.. ولكن عليك أن تهدأ أنت أولاً، زفر صالح بخفه ثم قال: نحن نحاول.. جميعنا نحاول أن نهدأ ولكن ذلك ال***، توقف قليلاً وهو يمسح وجهه بخفه ليردف بعدها: آبي.. ذلك ال*** يتسلّل بيننا دون أن نشعر وهذا أكثر ما يقلقني، أشاح جومالي ببصره وهو يربت على وجنة أخيه ثم خرج إلى الشرفة دون أي كلمة.. بينما تنهد صالح مجددًا وذهب يرتدي سترته الثقيلة ليخرج.. فقابل ياماش الذي نزل من السيارة برفقة زوجته، تنهد براحة وهو يربت على كتف الأصغر الذي وقف أمامه وهو يُحاوط كتفيّ إيفسون، ليقل صالح مخاطبًا الأخرى: زال البأس، أومت هي بهدوء ليسألها: هل تتذكرين كيف حصل الحادث؟، ارتجفت شفتيها لوهلة ولكنها قالت بهدوء: اعترضت سيارة طريقي.. وحين حاولت إدارة المقود انحرفت السيارة ولا أتذكر ما حدث بعدها، ليقل ياماش: هل رأيتي السيارة التي قطعت طريقكِ بوضوح؟، نفت هي برأسها، فقال صالح وهو يضيق عينيه: ولكن لماذا؟ لماذا اعترضوا طريقكِ فقط دون أن يفعلوا شيئًا آخر؟، رفعت إيفسون حاجبيها لتقل بغضب: حقًا؟ إذن أعتذر لأنني عُدت سالمة، وتجاوزتهم ذاهبةً بغضب مع قول صالح: لم أكن اقصـ..، ثم التفت نحو ياماش الذي مسح وجهه ليقل: لم أقصد هذا يا ياماش!، ربت الأخير على كتفي ابن أبيه ليقل: أعلم وأنا أيضًا فكرت بنفس الشيء يا صالح، لكنها مُتعبة الآن.. فلا تأخذ بكلامها، ثم أردف قبل أن يدخل: و.. لا تفكر في الذهاب إلى المستشفى.. لقد منعوا المرافقين باستثناء اكين، فقال صالح مازحًا يريد تلطيف الجو: أنا لا أحد يمنعني..، ليردّ ياماش مقلدًا لهجة أخيه: لا تتفاخر يا فارتولو، اكتفى صالح بالابتسام ثم اتجّه قاصدًا المكتب وهو يتصل على وليّ.. بينما عند الأخير الذي كان متوقفًا عند محطة وقود.. خرج من سيارته وهو يُجيب قائلاً: هل من جديد؟ هل وجدتموه؟، فأتاهُ صوت صالح المُرهق: لا وال*** اختفى من الحفرة وكأن الأرض ابتلعته
–سنجده يا صديقي لاتقلق.. لقد أمرتُ رجالي بأن يفتشوا كل مكانٍ بأسمه أو يخصّه، وسنبدأ بموقعه الذي داهمناه سابقًا لعلّنا نعثر على أحد رجاله فيقودنا إليه
=هذا يكون جيدًا
–أجل وسنـ..، صمت وليّ فجاءه حين رأى أحدهم يتقدم نحوه ببطء، فـ شدّ على الهاتف وقال مخاطبًا صالح: اسمعني.. سأتصل عليك لاحقًا، وأغلق الاتصال مع تقدم داهان.. الذي ابتسم وهو يقول: يا لها من صدفه!، فلتت ابتسامة سخرية من وليّ الذي يعلم جيدًا أنها ليست صدفة ابدًا.. ليردف داهان: المفتش السابق لفرع التنظيم وليّ جوهر! انظر التقينا مجددًا، اتسعت عينا وليّ قليلاً فـ تمعّن في النظر ثم هتف بسخريه: ماذا؟ هل جئت لتعتقلني في هذا الوقت المتأخر.. وبشكلٍ غير رسمي هذه المرة أيضًا؟، استند داهان على مضخة الوقود وهو يضحك بخفه ليقل: مع الأسف لا.. لو أعادوا إليّ شارتي صدقني لن أتردّد لحظة وسآخذك فورًا، استدار وليّ وهو يفتح باب سيارته ليذهب متجاهلاً الآخر لكنه استوقفه وهو يقول: أنت تفهمني أليس كذلك؟ يعني في النهاية أنت شرطي سابق ترك المهنة وذهب يشتري أسهمًا في العقار، وأردف بسخريه: وكأنك رجل متقاعد تمامًا، وأنا لم أعلم بهذا إلا قبل مدة قصيرة! أساسًا حين رأيتُ اسمك سابقًا في سجلات شراء منزل فارتولو ساورني الشك منذ ذلك الحين، أغلق وليّ باب السيارة بعنف قليلاً ثم استدار وهو يقول: هل صدر قانون ينص على اعتقال أفراد الشرطة السابقين أم ماذا؟، قلّب داهان عينيه يتصنّع التفكير بينما أردف وليّ بقلة صبر: ماذا تريد؟، مسد داهان لحيته وهو يُجيب: أخبار الكبير وما يحدث لكم ولفارتولو خصوصًا.. وإن صّح التعبير الأحداث أولاً بأول، فأنا أعلم حصلت أشياء كثيرة في غيابي، ثم أكمل بكل برود: طبعًا عرفت بعضها من خلال جهاز تنصت وضعتهُ في جيب سترة فارتولو، اشتعل الغضب في عروق وليّ لكنه اقترب وقال وهو يتجاهل مسألة جهاز التنصت: حقًا؟ وبأي صفة سأوافيك بالأخبار؟، فأجاب داهان فورًا ببرود: لنقل..، قاطعهُ وليّ وهو يردف باستهزاء: لأقول لك..؟، مال داهان برأسه قليلاً وهو يُبدي اهتمامًا واضحًا ليردف وليّ: أغرب وأذهب من هنا، ابتسم داهان حتى بانت اسنانه بينما استدار وليّ وصعد إلى سيارته ذاهبًا، راقب داهان سيارة وليّ بابتسامته التي لم تختفي.. ولم تمضي لحظات حتى ظهر معاونه وتقدم نحوه، فقال داهان دون أن ينظر: هل وضعته؟، أومى معاونه الذي كان قد وضع قبل لحظات جهاز تتبع سرّي أسفل سيارة وليّ بينما كان الأخير منشغلاً بالحديث مع داهان.. ليهمس الأخير: سنكون على الجهتين.. نقترب من الصياد بفضل آصلي، ونُحيط بالفريسة في الوقت نفسه بفضل وليّ قريبًا، ليقل معاونه: صدقني.. في نهاية الأمر سندخل جميعًا إلى السجن العسكري بسببك، فضحك داهان وهو يعود إلى سيارته قائلاً: وما به؟ السجن العسكري ليس بهذا السوء..
––––––––––––––––––––
الساعة 5:00 فجرًا..
كانت جالسةً تُحاوط ركبتيها بذراعيها.. قلقة وتكاد تتجمد من البرد فسترتها خفيفة.. وعيناها اللتان لم تغمضا لدقيقة واحدة منذ ساعات معلّقتان على سافاش الذي كان ممددًا على الأريكة نائمًا والأدوية والضمادات متناثرة من حوله، لتهمس بعد لحظات وهي تمسح وجهها الذي كان مُتعبًا من الإرهاق وعدم النوم: ماذا سأفعل يالله؟، وماهي إلا ثوانٍ حتى رأته يتحرك بخفه، تمدّد سافاش أكثر على الأريكة ثم فتح عينيه ببطء، وسُرعان ما انفرجت شفتاه بابتسامةٍ حين رآها تنظر إليه بقلقٍ واشمئزاز، فقال وهو يمسح عينيه: والله ستأكلينني بنظراتكِ.. نمتُ واستيقظت وهي ما زالت معلّقة بي، فقالت هي فورًا: اتركني أيها المريض.. ماذا تريد مني؟، فاعتدل هو ببطء وقد تحسن وضعه قليلاً بفعل المسكنات وهدأ ألم جُرحه بفضل الضمادات النظيفة والجديدة، ليقل: أريدكِ أن تصبحي لي..، فلتت منها ضحكةً صغيرة ساخرة ليردف هو: أنا حقًا مهتم بكِ وسبق وأن أخبرتكِ بذلك، فقالت هي: هل شخص مهتم حقًا سيفعل ما فعلته أيها المريض؟ يزوّر تقارير طبية ويعطي دواءً ليُتعب الآخر! لا.. ويؤذي طفلاً صغيرًا ليس له أي ذنب؟ هذا خلل أنت مريض! مريض عقليًا ونفسيًا، رفع هو أحدى حاجبيه ثم استقام بتمهّل وتقدم نحوها وهو يعرُج بخفه قائلاً: مريض..؟ لقد كررتيها كثيرًا يا ليلى، فاستقامت هي فورًا حين لاحظت اقترابه وحاولت الابتعاد وهي تقول: إياك! ابتعد، لم يفعل.. بل استند إلى طرف أحد الكراسي وواصل التقدم خطوة بعد خطوة ونظراته لا تُفارق وجهها، فاصطدمت هي بطاولةٍ صغيرة منعتها من التراجع أكثر.. بينما واصل هو التقدم نحوها قائلاً بنبرةٍ هادئة: أقول لكِ.. أرجوكِ صدقيني! سننسى ما حصل ونعيش بسعادة، بعد فترة وحين انتهي من مهمتي سنسافر وسنذهب بعيدًا.. ونقضي ما تبقى من حياتنا سويًا، رفعت ذراعها خلف ظهرها وقد تحسسّت فانوسًا حديدي متوسط الحجم كان موضوعًا على الطاولة، لتقل وقد ظهرت ابتسامتها بخفه: حقًا؟ وإلى أين سنذهب؟، اتسعت عيناهُ بدهشةٍ سعيدة وقد صدقها بلا تردد، ليقل وهو يقترب أكثر: أي مكان تريدينه.. أوروبا مثلاً! سنذهب إلى باريس.. لندن.. روما.. أي مكانٍ معكِ أنا راضي به، قبضت على الفانوس بشدّة دون أن يُلاحظ ثم هتفت لكي تجعله يقترب أكثر: وهل.. هل ستكون حياتنا هادئة؟ بلا مطاردات أو قتل؟، ابتسم ووقف حتى لم يعُد يفصل بينهما سوى خطوة واحدة ليقل: هادئة وجميلة.. فقط تعالي نـ..، ولم يُكمل جملتهُ حتى رفعت هي ذراعها بكل ما تبقى بها من قوة وضربته بعنف على رأسه بالفانوس، ارتخت ملامحه فورًا وتراجع خطوة وقد فقد توازنه، ثم سقط على الأرض بجانب الطاولة قبل أن يفقد وعيه تمامًا على أثر ضربتها القوية، نظرت إليه وكأنها تستوعب أخيرًا ما فعلته لتوها.. اتسعت عينيها قبل أن ترتسم ابتسامة صغيرة على شفتيها، ثم اندفعت نحوه فورًا وبدأت تفتشه بسرعة بيديها اللتين ترتجفان، ولكنها لم تجد شيئًا يمكن أن تستخدمه لا هاتف ولا أي شيء، التفتت نحو الأريكة التي كان ينام عليها فوقع بصرها على السلاح الملقى هناك.. والذي كان يُخبئه تحته وهو نائم، ابتلعت ريقها بخفه واعتدلت ببطء ثم اتجهت أولاً نحو إحدى النوافذ، رفعت طرف الستارة الصغيرة بحذرٍ شديد لتتفقد الرجال في الخارج كانوا واقفين في أماكنهم على حالهم.. ولم يشعر أحد منهم بأي شيء، تراجعت وقد شكرت الله في داخلها، ذهبت نحو السلاح ورفعته بحذر، تمعنت فيه قليلاً.. يختلف عن سلاح صالح الذي أمسكته وتفحصّته حين كانوا يتحدثون في الشرفة آنذاك.. شعرت بثُقل السلاح بين كفيّها ولكنها شدّت عليه بقوة.. وراحت تفتش المكان بأكمله ولكن لا جدوى.. توقفت بقلق وهي تُناقل بصرها في أرجاء الكوخ، باب الخروج مُقفل ولا تعلم أين المفتاح.. وحتى لو خطرت لها فكرة الهروب فـ الرجال المنتشرون خارج الكوخ سيمنعونها بلا شك، تنهدت بخفه وقلق ثم حسمت أمرها.. ستخرج وتهددهُم بالسلاح قبل استيقاظ هذا القذر حتى تستطيع الهرب بسيارتها المتوقفة في الخارج أو الإتصال بصالح بأي طريقة، تقدمت نحو الباب.. ووقفت أمامه وفي خلال لحظة.. تذكرت أخيها، تذكرت كارتال عندما علمت بأنه هو قاتل والدها.. وكيف اقتحم الشقة بعد أن أطلق على الباب ليُفتح، فـ بدون تردد رفعت يداها المرتجفة التي تحمل السلاح، ووجهتهُ نحو قفل الباب، لم تكن تعلم كيف تطلق النار ولا حتى طريقة الإمساك الصحيحة.. لكنها أمسكت بالسلاح كما رأته في ذراع صالح من قبل، بشكلٍ مائل ولكن بكلتا ذراعيها.. تنهدت بعمق ثم قبل أن تضغط على الزناد سمعت صوتًا مبحوحًا من خلفها يقول: ليلى..، تجمدت واستدارت فورًا توجّه السلاح نحوه.. نحو سافاش الذي اعتدل بصعوبة وهو يضغط على رأسه، لتقل هي فورًا: إياك أن تقترب مني! أقسم أنني سأطلق عليك، تجمد الآخر لثوانٍ وهو ينظر بعينينٍ نصف مفتوحتين إلى السلاح الذي يرتجف بين يديها، فقال بخفوت: هوب هوب.. اهدئي وانزلي هذا السلاح، فقالت هي دون أن ترمش: أخرس، توقف هو مكانه ومال بظهره نحو الطاولة لـ يستجمع أنفاسه ثم قال ببطء: حسنًا.. فقط لا ترتجفي كثيرًا ستؤذين نفسكِ قبل أي أحد، شدّت على السلاح ثم قالت بحدّه: أخرجني من هنا الآن، صمت الآخر ليقل باستهزاء: وإلى أين ستذهبين يا ليلى؟، رفعت هي رأسها بشجاعة اجتاحتها فجاءه لتقل: إلى الرجل الذي أحبه.. إلى صالح، صمت سافاش حين سمع جملتها هذه.. واشتعلت الغيرة المريضة فورًا في قلبه، ليهمس بجمودٍ لا يعكس العاصفة التي مزقت صدره: الرجل الذي تحبينه! فارتولو..؟، فأجابت ولم يرفّ لها جفن: اجل.. أحبه وجدًا، رفع هو إحدى ذراعيه مُشيرًا إلى باب الكوخ وكأن صالح يقفُ هناك: الرجل الذي قتل أخاه.. وحاول قتل والده! وابن أخيه قتل أخاكِ! أتحبين ذلك الشخص الذي لم يبقى شر إلا وارتكبه؟، ورغم صدمتها مما سمعته الآن.. ورغم خوفها ورجفة جسدها من الرجل الواقف أمامها، تلك الرجفة التي كانت تجاهد لإخفاءها إلا أنها قالت: أحبه.. مهما قلت، هُنا انهارت ملامح الآخر.. ولم يعُد يستطيع إخفاء غضبه أو غيرته ولا الأذى الذي اعتراهُ فجاءه، فقال بنبرةٍ حاده وغاضبة: تحبين ذلك الرجل؟ ولا تحبينني أنا!، لم تُجب.. وقد شعرت بأنّها أخطأت، وأنّها تفوّهت بما قد يُثير غضب هذا المريض الواقف أمامها، وفي لحظة لم تفهمها اندفع فجاءه نحوها يريد انتزاع السلاح، قبض على معصمها وأدار السلاح إلى الجانب بقسوة جعلتها تصرخ ألمًا، ليقل من بين أسنانه: سأريكِ الآن.. سأريكِ كم تحبينه حقًا، لتصرخ هي بقوة تحاول إبعاده بجسدها كله: ابتعد عني! لاتلمسني، ولكن قبضته كانت أقوى منها..
بعد وقت الساعة 6:00 صباحًا..
تقدمت إيفسون بغضب وهي تهتف بحدّه: لماذا؟ لماذا لا تريد مني اخبار ياماش بأنهم أخذوا أبنه!، تنهد جومالي الذي كان جالسًا طوال الليل في الشرفة مشغولاً بالتفكير في الأمر التي جاءت هذه المرأة الآن تصرخ به، ليقل هامسًا: حسبنا الله..، ثم استقام ليردف: لماذا لا تفهمين يا إمراة! أقول لكِ أنني أنا من سيُحضر ابن ياماش! أنا من سيتدبر الأمر، ولكنها عنيدة جدًا لذا تقدمت نحوه وهي تقول بنبرةٍ مرتفعة: صالح سألني حين أتيت لماذا اعترضوا طريقكِ دون أن يفعلوا شيئًا ورأيتُ نفس السؤال في عينيّ ياماش، لا يعلمون لا يعلمون أنهم أخذوا ابن ياما..، قاطعها جومالي وهو يقول بنبرةٍ حاول جعلها هادئة رغم غضبه: اولاً اخفضي صوتكِ! ولن تخبريهم، لانت ملامح الأخرى ثم مسحت وجهها وقد خانتها دموعها.. لتقل بنبرةٍ باكية: أنه أمانة.. أنه أمانة لديّ وأنا أموت هنا خوفًا من أن يُصيبه أذى، فعل جومالي حركة فمه المعتادة ثم قال: قلتُ لكِ سأحضره.. سأُعيد أبن أخي ولو كان الثمن روحي، استجمعت إيفسون نفسها سريعًا ثم قالت بحدّه وغضب مرةً أخرى وهي تُشير بسبابتها أمام وجه جومالي: معك حتى الظهر.. إن لم تُعيده سأخبر ياماش لكي يذهب ويبحث عن أبنه، فقال الآخر بحدّه: حتى الخامسة مساءً.. وليس الظهر، رمقته الأخرى بغضب لتقل: اليوم.. اليوم سيعود ياماش الصغير إلى والده، ومن ثم ذهبت مع جلوس جومالي الذي انحنى ظهره وهو يمسد وجهه بعُنف، ويا لسوءِ الموقف.. وهذه التضحية التي تتكرر للمرة الثانية، فـ شاتاي أردنيت قديمًا طالبهُ بسندات الحي مقابل حرية زوجته، فاختار جومالي أن يضحّي بنفسه بدل أن يسلّم السندات، والآن.. وهذه المرة ابن أخيه.. سيُضحي بلا تردد فـ حياة أصغرهم أهم من حياتهم هُم.. فقد عاشوا وذاقوا من هذه الحياة الصعبة كل مرّ وحلو، أما الصغار فما زال لديهم فرصة وأمل ليعيشوا حياةً أفضل من آباءهم وأعمامهم، ولكن كيف سيكون حال اخوته من بعده؟ ماذا سيحلّ بهم إن فقدوا فردًا آخر من هذه العائلة.. ماذا سيحدث إن فقدوا أخاهم الأكبر.. وضع جومالي رأسه على الطاولة وهو يغمض عينيه بعجز وقهرٍ سيقتُلانه قبل أن يقتله الكبير.. بينما وعلى بعد أمتار.. خرج صالح من المكتب بلا وجهة محددة بعد أن مكث هناك أكثر من ساعتين.. تارةً يتصل بـ اكين ليطمئن عليه وعلى ياسمين، وتارةً يحاول الغفو على الطاولة ولو لدقائق، وتارةً يتفقد سندات الحفرة وكأنه يحاول تشتيت عقله، تقدم وهو يضع يديّه في جيوبه، ولكنه توقف لثوانٍ وهو ينظر إلى محمود الذي يقف بالقُرب من البوابة برفقة أحد الشباب، فـ رفع صوته مناديًا عليه، ليأتي الآخر مسرعًا نحوه، سأله صالح: هل أتت ليلى إلى هنا مساء الأمس؟، ليُجيب محمود: أجل يا أخي.. أتت بسيارتها وذهبت لوحدها رغم إصراري على أن يرافقها أحد الشباب، أومى صالح ببطء وضيق وتراجع محمود، وما إن التفت صالح حتى تجمد مكانه فجاءه.. شرد في الفراغ وقد تذكر للتو أنهُ نسيّ مسبحته مع هاتفه ومفاتيحه في دورة المياه حيثُ المستشفى صباح الأمس.. ليلى أعادت لهُ هاتفه ومفتاحه ولا يذكر أنها أعادت مسبحته، وتردّد في رأسه صوت أبنه حين قال أن لدى ليلى مسبحة مثله، ومسبحته.. مسبحته كانت مرميةً بجانب الباب الرئيسي لمنزل العائلة! نفض رأسه بعنف من تدفق هذه الأفكار السيئة التي داهمته ولكنه بدون وعي أخرج هاتفه فورًا واتصل بها دون تردد.. وضع الهاتف على أذنه وهو يأمل أن تُجيب وبأن الأفكار الغبية التي اجتاحته ليست حقيقة، ولكن هاتفها كان مغلقًا.. فازداد القلق في داخله وتدفقت الأفكار في رأسه مجددًا.. عبث بهاتفه وأرسل لها رسالةً محتواها "اتصلي بي إن رأيتِ رسالتي هذه.." وما إن أرسل الرسالة حتى التفت عند سماعه لصوت محرك سيارةٍ يقترب.. تنهد براحة حين أدرك أنها سيارة ليلى وتوقف بثبات وهو ينظر، لكنها حين ترجلت من السيارة ببطء.. وحين رأى ملامحها المُتعبة والغريبة.. وشعرها المُبعثر وملابسها المتسخة بالطين والغبار.. وبيدها سلاح تُمسكه وكأنه جزء منها.. ما إن رأى حالتها الرثة هذه حتى سقط هاتفه من يده.. و ارتخت ملامحه.. وضاقت أنفاسه، تقدمت الآخرى نحوه بخطواتٍ ثابتة رغم كل شيء، توقفت أمامه وهي تتأمله.. ثم قالت مبتسمة بوجع: لقد قتلته..، راح صالح يُناقل نظره بصدمةٍ وعدم فهم وخوف مرةً إلى ملامحها ومرةً أخرى إلى السلاح الذي في يدها.. والتي لا تزال تُمسكه بقوة..
إلى اللقاء في البارت القادم..

لا يوجد سوى الألم..حيث تعيش القصص. اكتشف الآن