Part 41

309 22 9
                                        

"لديّ معلوماتٍ بشأن مكان أبنك.. وأملكُ شيئًا لطالما بحثتَ عنه"
توقفت سيارة الطبيب أمام مستودعٍ مهجور، اطفأ المحرك والتفت نحو آصلي قائلاً بتذمر: فقط ملاحظة بسيطه.. أنا لم أتناول عشائي بعد، أبتسمت آصلي بشكلٍ ساخر وهي ترد: لا تؤاخذني ولكن لا أحد غيرك يعرف طريقة استخدام تلك الأدويه، ومن ثم نزل الإثنان ليُقابلهم رجلها الذي يرتجف خوفًا، اقتربت منه آصلي بثبات وهي تُخرج مشبك شعرٍ لتثبت بعض خصلاتها المزعجه، ليقل رجلها فورًا: أنه في الداخل.. لا أعرف أسمه ولكنه يتواصل مع بعض رجال الكبير الأوائل كما قلتُ لكِ وسأنتهي إن علِم الكبير أنني خائن، اقتربت آصلي منه أكثر وهي تضع آخر خصلة خلف أذنها ببطء ثم رمقته بنظرة جعلته يبتلع ريقه مرتين لتقل بنبرةٍ تحمل تهديدًا ناعمًا: إن كنت خائفًا وترتعد من الكبير، فأعلم أنني قادره على إنهاءك قبله.. وبطريقةٍ لن تعجبك، أبتسم الطبيب وهو يضع يديه في جيوبه بينما أبتعد الرجل فورًا بصمت لتدخل آصلي إلى المستودع، فوقعت عيناها على رجلٍ في العقد الثالث من عمره مكبّلٍ إلى كرسي حديدي في منتصف المكان، سحبت آصلي كرسيًا وقربته منه ثم جلست بكل هدوء وثبات وهي تنظر إليه دون أن تتكلم، مرتّ لحظة صمت لم يتكلم بها أحد، قطعها الرجل الذي قال بحدّه: من أنتم؟ من أنتِ بحق ال***؟، رفعت آصلي حاجبيها لترد: لم يعجبني كلامك هذا، ومن ثم وضعت قدمًا على الأخرى لتردف: ما أسمك؟ وماذا تعرف عن الكبير؟ وايضًا.. ما طبيعة عملك لديه؟، ضحك الرجل بسخريه وهو يقول: أذهبي إليه وال*** ماذا تريدين مني؟، زفرت آصلي بإنزعاج ثم أمالت برأسها قليلاً نحو الطبيب وأنظارها لا زالت على المكبّل أمامها لتقل: خمس دقائق.. أريدك بعدها أن تجعل لسانه يرقص دون توقف، ليقل الطبيب متصنعًا الجديّه بالرغم من إبتسامته الخفيفه: ليس لديّ حقنة مخصصة لهذا الشيء، ولكن لديّ شيئًا يسبب هلوسة خفيفة قد تجعله يتحدث مع الكرسي ويعترف له بكل شيء، اتسعت عينا الرجل وهو يناقل نظره بين الاثنين بريبه، ليقل بتردد: أنتظري! لمَ كل هذا؟ سأقول ما أعرفه.. فقط لا تستخدموا الإبر، أبتسمت آصلي بخفه وهي ترتخي على الكرسي لتقل: هيا.. غرد، ليقل الرجل: أولاً من أنتِ؟ لا أذكر أنني رأيتكِ من قبل، لتُجيب الأخرى وهي ترفع إحدى حاجبيها بتسليه: ذلك لأنني لا أُظهر نفسي لمن لا يستحق رؤيتي، ومن ثم تقدمت إلى الأمام قليلاً لتردف بحدّه: هل ستتكلم.. أم؟، ومن ثم أشارت بنظرها إلى الطبيب الذي تقدم وهو يُخرج من جيبه إبرة طويله بعض الشيء، ليقل الرجل فورًا بخوف: لا لا! حسنًا سأقول كل شيء فقط أوقفي هذا المجنون رجاءً! لديّ فوبيا من الأبر، لتقل آصلي بحدّه: إذًا تكلم، أريد أن أعرف كل شيءٍ تعرفه عن الكبير.. مكانه عاداته بل وحتى ما يُحب تناوله على العشاء، ولكن أولا.. من أنت؟، ضحك الرجل ليقل: تختطفوني ومن ثم تسألوني من أنا؟، نهضت آصلي بغتةً ولكمته بقوه، ليُتمتم الطبيب بجمود: أنتهى المزاح، رفعت آصلي وجه الرجل بعنف واقتربت منه حتى كادت أنفاسها تلامس وجهه ثم قالت من بين أسنانها: أجبني قبل أن أُفقدك النطق إل الأبد، بلع الرجل ريقه ليقل: جيهان، دفعته آصلي وعادت إلى كرسيها وجلست وهي تتنفس بقوه، ليُكمل الرجل بعد لحظات: اسمي جيهان.. كنت أعمل مع رجال الكبير الأوائل، لم أكن أكثر من وسيط، أنقل الرسائل وأستلم الأموال.. واحيانًا يطلبون مني مراقبة أشخاص لا أعرف من يكونون ولا حتى لماذا أراقبهم، لتقل آصلي: الكبير.. هل رأيته أو تعرف مكانه؟، ليقل الرجل فورًا: لا أحد يعرفه شخصيًا حتى بين رجاله، لا يُعرف إلا بلقبه، يظهر فجاءه ويختفي فجاءه والأغرب من ذلك؟ لا أحد يراه دون قناع..، رفعت آصلي أحد حاجبيها لتقل: لا أحد؟ ابدًا؟ حتى رجاله المقربون؟، ليُجيب الآخر: لا أحد أقسم لكِ، لينظر بعدها بخوف إلى يدّ الطبيب التي تحمل الإبره والذي قال: قناع وماشابه! هل نحن داخل فلم تشويقٍ وغموض أم ماذا؟، لتهمس آصلي وهي تنظر إلى الطبيب بإبتسامه: أظنه يشاهد أفلامًا كثيره، أبتسم الطبيب بدوره بينما عادت آصلي بنظرها إلى الرجل الذي بدأ العرق يتصبب من جبينه لتردف: أكمل.. أخبرني عن أي شيء قد يجعلنا نقترب منه..
––––––––––––––––––––
مكتب الكبير..
كان يقف أمام النافذة وهو يعبثُ بقطعة شطرنج بين يديّه، لم يفكر بأبنه قط ولم يضعه في الحسبان، لم يتخيل لحظة أن يكون أبنه هو من يسعى خلفه باحثًا عن صورته الأخرى في العالم السفلي، تسلل إليه ذلك الشعور.. أن كل شيء كان يسير بدقةٍ وفق خطةٍ محكومه، ومع ذلك.. هو لا يستطيع التنبؤ بخطوة أبنه القادمه، لطالما كان لا يُعير مشاعر الآخرين أدنى إهتمام وكان الإنتقام كل ما يملء تفكيره وكل ما يسعى إليه منذ أعوام، ولكن الآن.. شيء ما تغيّر، هل هو الخوف؟ هل بات يخشى امرًا واحدًا فقط؟ أن ينكشف سره.. أن يأتي اليوم الذي يعرف فيه أبنه الحقيقة كامله؟، قاطع تفكيره طرقٌ على الباب، فتنهد بعمق ثم استدار نحو الطاولة ليلتقط قناعه من عليها، إرتداه وضغط على الزر الذي على طاولة مكتبه ليُفتح قفل الباب، فُتح الباب ودخل أحد رجاله بتوترٍ واضح، راقبهُ الكبير وهو يتقدم نحوه ليسأل بخفوت: سيدي.. تأكدنا من معلومه، ليقل الكبير: أي معلومه؟، ليُجيب رجله: بسبب جهاز التتبع الذي زرعناهُ في جسده، علِمنا أنه على قيد الحياة ولم يمُت.. ولدينا موقعه..، ليسأل الكبير بشّك: من؟
––––––––––––––––––––
عودةً إلى آصلي..
أجاب الرجل بتلعثم: هو لا يتحدث مباشرةً مع أي شخص، لا صوت ولا وجه، كل شيء يتم عبر وسطاء لا يعرفون شيئًا أكثر مما أُمروا بنقله، أو عبر أرقامٍ وهمية تستخدم مرة واحده أو فلاشات تُرسل بطرق سرية لا تترك خلفها أثرًا.. لقد نسج لنفسه شبكةً معقده تشبه شِباك العنكبوت من يقع فيها لايعرف من سبقه ولا من سيتبعه، توقف الرجل للحظةٍ محاولاً ترتيب أفكاره بينما كان يراقب آصلي والطبيب بعينيه المتسعتين ليُتابع بإضطراب: ومن يدخل هذه الشبكة يضيع تمامًا لا سبيل للتراجع ولا مخرج يُرى، ما يحدث داخلها لا يعلمه أحد سوى الكبير نفسه، وحتى لو أردت أن تنسحب لا يمكنك فهو إن قرر أن يُخفي شيئًا فذلك يختفي كما لو لم يكن موجودًا ابدًا، كانت آصلي منصته بكل حواسها وعيناها تراقبان الرجل بحذر وتتحقق من كل كلمة يلفظها، لتسأل بترقب: هل تعلم أين هو الآن؟ أو كيف يمكننا الوصول إليه؟، أجاب الرجل بسرعه: لا أحد يعرف مكانه لكن..، ونظر بقلق ليردف: لا أعرف شيء غير الذي أخبرتكِ به.. أتركيني، نظرت آصلي إليه للحظات ثم نهضت وأشارت للطبيب ليبدأ عمله وفي الوقت نفسه شدّت قبضتها على ذراع رجلها وسحبته معها إلى الخارج، لتقل بإعجاب: أهنئك.. لم أتوقع أنك ستأتي بشخص يعرف شيئًا فعليًا عن الكبير، نظر الرجل بتوتر لتردف هي: كيف أمسكت به؟، ليُجيبها: إنه يعمل في إحدى الورش التي أرتادها حين أريد الجلوس لوحدي، وقد سمعته مصادفةً يتذمّر من الكبير ومن مهام التوصيل والمراقبة التي يُكلفوه بها رجاله، وحين وجدته وحيدًا في الورشة قبل ساعات ضربته على رأسه وأحضرتُه إلى هنا كما طلبتِ، ربتتّ آصلي على كتفه لتقل: جيد، ليقل الآخر بخوف: أرجوكِ يا سيده آصلي دعيني أرحل فإن عُدت إلى هناك حتمًا سيشكون بأمري وسيتخلصون مني وأنا لا أريد أن أموت على يد رجال الكبير فهم لا يرحمون، نظرت آصلي إليه لثوانٍ ثم قالت بهدوء: لاتقلق سترحل.. ولكن أولاً أنظر إلى الأعلى، نظر الآخر إليها بإستغراب وعدم فهم، لتعاود كلامها: قلت أنظر إلى الأعلى، وما إن رفع رأسه حتى أخرجت آصلي سلاحها من خصرها بسرعة البرق ووجهتهُ إلى أسفل ذقنه، ثم أطلقت رصاصة أسقطته أرضًا على الفور، سقط جسده بقوه بينما تمتمت آصلي بسخريه وهي تُعيد سلاحها إلى خصرها: ليس المكان الذي تود الرحيل إليه ولكن ماذا نفعل، ليأتيها صوت الطبيب الذي هتف: لحسن الحظ أنكِ استخدمتِ كاتم الصوت لمسدسك وإلا لكُنا قد أيقظنا جميع حيوانات الغابه، لتقل آصلي بهدوء متجاهلةً كلام الطبيب: الأحمق يظن أنهم لم يكتشفوا أمره بعد ولم يتعقبوه.. يا لغبائه، ليقل الطبيب: ولهذا جئتُ لأخبركِ.. دعينا نعود إلى منزلي ونكمل عملنا هناك، لترد آصلي بعد أن اومت بخفه: لا أعلم ما سبب ثقتك بمنزلك إلى هذا الحد كأنك تظنه آمنًا تمامًا ولا يمكن لأحد الوصول إليه، ليقل الطبيب بإنزعاج وهو يتكئ على باب المستودع: لو لم يكن كذلك لما وضعتِ أسيركِ عندي ولما تركناه هناك وحده الآن، لتقل آصلي وهي تسحب الجثة بإتجاه السياره: حسنًا حسنًا أحضِر السيد جيهان لنختفي بسرعه..
––––––––––––––––––––
الحفره.. منزل العائله
في المكتب، يضع ياماش رأسه على الطاوله وهو يُغمض عينيه، فُتح الباب بعد دقائق.. ليدخل محمود وهو يقول: آبي..، رفع ياماش رأسه بإرهاق ونظر إليه، ليردف محمود: الرجال عادوا ولم يجدوا شيئًا اليوم.. لا أثر لإدريس ابدًا، تنهد ياماش بعمق ونهض متجهًا نحو النافذه وهو يقول بهدوءٍ مؤلم: ما معنى هذا؟ هل ابتلعته الأرض؟، مسح وجهه وتنهد بعمق ليلتقط سترته وخرج بخطواتٍ ثقيله، بينما في الجهة الأخرى وأمام دكان محي الدين، كان جيلاسون يجلس بجانب ميكي وهو يُحدق في كوب الشاي الذي بين يديّه بشرود، ليسأل فجاءه: ميكي.. حين وصلنا خبر المستودع هل كان اكين موجودًا في الحفرة وقتها؟، صمتّ ميكي للحظة يفكر ليقل: لا أذكر ولكنه لم يكن في المقهى عندما أتصل أخي ياماش على أخي جومالي، وضع جيلاسون كوب الشاي على الطاولة أمامه ليردف ميكي بإستغراب: لماذا تسأل يا جيلو؟، شرد جيلاسون للحظات ليقل بعدها: لاشيء.. أنا فقط أفكر كيف وصل اكين إلى المستودع قبلنا، عقدّ ميكي حاجبيه ليقل: ربما أتصل به أخي صالح، أبتسم جيلاسون بسخريه ليقل: ربما..، وحينها خرج اكين من المقهى لينظر إليه جيلاسون بتفحصّ فبادله اكين بحدّته المعتاده، لاحظ هذه النظرات ميكي الذي نغز كتف جيلاسون بخفه وسأل بخفوت: ماذا بكم؟، تنهد جيلاسون ليُجيب: لاشيء..
––––––––––––––––––––
منزل الطبيب.. بعد نصف ساعه
كان جيهان مكبلاً على سريرٍ في أحد الغُرف وفي الأسفل جلست آصلي على الأريكة وهي تمسح بعض جروح ذراعها بمسحاتٍ طبيه، بينما في المطبخ المفتوح أمامها كان الطبيب واقفًا أمام الطاولة يأكل من عشاءهُ المتأخر بشهية واضحه، ليقل بفمٍ نصف ممتلئ: سيبدأ مفعول الحُقنة بعد عشر دقائق بالضبط، أومت آصلي بخفه دون أن ترفع نظرها، لحظاتٍ ووضع الطبيب الطبق جانبًا ومسح يديّه بمنديل وتقدم نحوها ليسأل بجديّه وهو يُمعن النظر بها: وجهكِ وذراعكِ.. من فعل هذا بكِ؟، لم تُجب ولم ترفع رأسها مجددًا، بل واصلت لفّ الضمادة على ذراعها بحركاتٍ دقيقه كما لو كانت تعالج ذراعًا غريبه لا تخصّها، تنهّد الطبيب ولم يكرر سؤاله بل استدار ومشى ببطء نحو خزانة جانبيه، فتحها وأخرج منها علبة مرهم وبعض الضمادات الجديده ووضعها أمام آصلي برفق دون أن يتكلم، وعاد إلى مكانه عند المطبخ وبعد دقائق سمعا صوت أنين جيهان من الأعلى، فإستقامت آصلي وهي تلتقط سلاحها وتضعهُ على خصرها وأخذت المرهم والضمادات وأعادتها إلى مكانها، لتلتفت نحو الطبيب وهي تقول بخفوت: هيا لنذهب فيبدو أن لسانه بدأ بالرقص، وفي الأعلى فتحت آصلي باب الغرفة لترى جيهان يتصببُ عرقًا ويتحرك بشكلٍ بطيء كمن يرى كوابيسًا، تقدمت نحوه ووقفت بجانب السرير لتُخاطب الطبيب: هل نسأل الآن؟، تقدم الطبيب هو الآخر وتفقد نبضات قلب جيهان وضغطه، ليبتسم بعدها وهو يقول: أجل.. حان وقت الرقص الحقيقي، مضت لحظات أبتعد فيها الطبيب وأتكئ يراقب فقط بينما اقتربت آصلي وهي تُخاطب النائم: جيهان.. هل تسمعني؟، فتح الآخر عينيه الزائغتين ببطء ونظر إليها بطريقه مشوشه، لتردف هي: أخبرني من أنت؟، تمتم الآخر بإنهاك: جيهان..، شبه إبتسامةٍ ارتسمت على شفتيّ آصلي لتسأل مرةً أخرى: من هو الكبير؟، ضحك جيهان بقوه بشكلٍ مفاجئ فالتفتت آصلي نحو الطبيب الذي قال بخفوت: طبيعي.. لاتقلقي، أعادت بنظرها إلى جيهان لتسأل مرةً أخرى: من هو الكبير؟، ليُجيب الآخر بهمس وهو لا زال يضحك بخفه: لا أحد يعرف..، زفرت آصلي بخفه لتسأل: حسنًا.. أين أبن فارتولو؟، توقف جيهان عن الضحك وتمتم: أنهم لايصمتون يلوموني على كل شيء، تنهدت آصلي بنفاذ صبر بينما هتف الطبيب بهدوء: عليكِ بالصبر فعقله الآن مضطرب ومشوش، لتُعاود سؤاله للمرة الثالثه: أبن فارتولو.. أجبني هل تعرف أين هو؟، لم يُجب الآخر بل تمتم مرةً أخرى بشيء غير مفهوم، ليتقدم الطبيب وهو يقول: أين أنت الآن يا جيهان؟، ليرد جيهان بخفوت: في منزلي.. أبني في حضني، لتمسح آصلي وجهها وهي تقول: خذ.. ذهب لعائلته، لم يستطع الطبيب كتم ضحكته، فضحك بخفه ليقل: هذه آثار الجرعه أنتظري قليلاً فقط، مضتّ دقائق كان الطبيب فيها يكرر الأسئلة على جيهان الذي يستجيب احيانًا واحيانًا يبدو كالمغشي عليه، ليسأله الطبيب هذه المرة بحدّه: أين يخبأ الكبير أبن فارتولو ياجيهان؟، ليرد جيهان بهمس: تحت الأرض.. لا يصل إليهم الضوء ولا الهواء.. هو فقط من يعرف الطريق، هو فقط ذو الشعر الطويل، اقتربت آصلي لتسأل فورًا: ماذا تعني بتحت الأرض؟، سكنّ جسد جيهان فجاءه وانخفضت علاماته الحيويه، لينتفض الطبيب وهو يتفحصّ الأجهزه بينما آصلي التي لاحظت ما حصل تقدمت تضرب وجنة جيهان وهي تهتف بنبرةٍ عاليه: الو!! أخبرني ماذا تعني بتحت الأرض؟، ليهمس جيهان وهو يلتقط أنفاسه بصعوبه: سلموه.. لرجل.. مختبر "جين" للأبحاث الطبيه، وأغلق عينيه مفارقًا الحياة، لتقل آصلي وهي تنظر إلى الطبيب: هذا الرجل مات! ماذا فعلت وال***؟ كنا سنستفيد منه كثيرًا، ليقل الطبيب بغضب: لم أفعل شيئًا.. أنتِ من طلب زيادة الجرعة لتُسرعي حديثه!، مسحت آصلي وجهها بعنف ليردف الطبيب:على الأرجح أنه يعاني من حالةٍ صحية ما ويبدو أن الدواء قد ساهم في تفاقمها، شردت آصلي للحظه وهي تهمس: مختبر جين.. تحت الأرض
––––––––––––––––––––
منزل صالح..
كان جالسًا بوضعيةٍ غير مريحة على الإطلاق، مُسندًا ظهره إلى الأريكه تمامًا إلى الوراء، ورأسه ساقط إلى الخلف على الحافة حتى أنحنى عنقه، شيء ما في داخله كان ساكنًا بشكلٍ مريب، وكأن أفكاره جُمّدت، كأن كل تلك الأصوات التي اعتادت أن تعصف برأسه خفتتّ فجاءه، ليس لأن الأمور هدأت.. بل لأنه كان كأنما تلقّى ضربةً في مكانٍ لا يُرى، ضربة لم تُسقطه ارضًا بل تركته معلقًا بين الحياة والموت، بين الأبوة والعجز، بين أنه يريد أن يفعل شيئًا.. وهو لا يستطيع، شعر صالح فجاءة بيدٍ ترفع عنقه وكأنها خافت أن تنفصل عن جسده، وسندت رأسه معيدةً إياه برفقٍ إلى الوضع الطبيعي، فتح عينيه ببطء فرأى تولغا يجلس إلى جانبه يرتخي إلى الخلف بنفس الوضعية وهو ينظر إلى الأمام، ليقل تولغا بهدوء: عنقك كان سيُشل يا أخي، أعاد صالح بصره إلى الأمام ومدّ يده إلى علبة السجائر الموضوعة على الطاولة أمامه، فعلها بعشوائية وكأنه بلا وعي بينما كان تولغا يراقب بصمت، لا يستنكر ولا يعلق فقط يراقب، راقب الطريقة التي أنتشل بها صالح سيجارةً واحده دون أن ينظر إليها ثم أشعلها بيدٍ مرتجفة بالكاد استطاعت تثبيت الولاعه، لم يأخذ منها نفسًا ابدًا فقط تركها تحترق بين أصابعه، تقدم صالح قليلاً إلى الأمام، ليقل بعد ثوانٍ بتعب: رأيت كابوسًا قبل أسابيع.. عدتُ إلى المنزل ولم أجد احدًا، لا أنت ولا الرجال ولا حتى أبني، بحثت عنه في كل زاويه، بحثت وبحثت.. حتى سمعت ضحكًا قادمًا من جهة الشرفه، ركضت نحو الصوت وهناك رأيت رجلاً مقنعًا يُمسك بإدريس ويضع سكينًا على رقبته، وفي غمضة عين رأيت دماء أبني تتدفق من تحتي، أخفض صالح يديّه شيئًا فشيئًا وهو يُكمل بخفوت: تعثّرت وسقطت على الأرض، لم أقوى حتى على الركض نحوه وكأن قدماي تجمدتا في مكاني بقيت عاجزًا أحدق فيه وهو يُذبح أمامي وأنا..، صمتّ وهو يُغمض عينيه بينما انحنى تولغا قليلاً إلى الأمام ونظره على وجه صالح ولم يقاطعه فهو يعلم حق اليقين أن صالح لا يتحدث عن كابوس فقط، بل عن شعورٍ يُقيم في داخله منذ إختطاف إدريس، ليهمس صالح وهو يرمى السيجاره ويشّد على يدّه اليُسرى بيدّه الأخرى: وهاهو كابوسي يتحقق، ظلّ تولغا صامتًا ولكنه مدّ يده ببطء نحو يد صالح المضمومة على الأخرى وأبعدهما عن بعض بخفه ليقل: هل تؤلمك؟، لم يُجب صالح بل تمتم: أردت أن أكون له أبًا جيدًا.. لا أن يصبح هو نقطة ضعفي التي لا أقوى على حمايتها، ليرد تولغا بهدوء: سنجـ..، ليقاطعه صالح الذي قال: سئمت من سماع هذه الكلمات، صمتّ تولغا لينهض صالح وهو يهّم بالخروج ولكنه توقف ليهتف قبل أن يسأله الآخر: سأستنشق بعض الهواء وأرى ماذا حصل مع النقيب، وخرج مع تنهد تولغا بعمق، لاحقًا.. كان صالح يقود سيارته بلا وجهةٍ محدده وهو تائه في أفكاره حتى دوى صوت رسالةٍ من هاتفه الموضوع على المقعد المجاور، مدّ يده بتلقائيه والتقطه، لكن ما إن قرأ محتوى الرسالة حتى ضغط على المكابح بعنف، فتوقفت السيارة فجاءه واتسّعت عيناه، كان محتوى الرساله "لديّ معلوماتٍ بشأن مكان أبنك.. وايضًا أملكُ شيئًا لطالما بحثتَ عنه، سأكون في الشمال عند مستودع ^^^ في إنتظارك A" عقد حاجبيه لوهله ثم تذكر فورًا معنى ذلك الحرف الذي كُتب في نهاية الرساله، إنه ذاته الحرف الذي كان محفورًا على السكين القتاليه، الحرف الذي يخص تلك المرأة التي أنقذته من رجال الورشه، لم يتردد للحظه ولم يفكر لثانيةٍ حتى.. فالرسالة تقول أن هناك معلوماتٍ بشأن أبنه! فتحرك فورًا بأقصى سرعه ناويًا المستودع التي أشارت إلى هذه الرساله..
––––––––––––––––––––
حيثُ آصلي..
هتفت للطبيب قبل أن تصعد لسيارتها وتتوجهّ لذلك المستودع: سيأتي عدة رجال تحسبًا لأي طارئ، فعديم الشرف هذا لن يتمكنوا من إعادته أو أخذه قبل أن أسلمّه لفارتولو مهما كانت الظروف، قالتها وهي تُشير إلى صندوق السيارة حيث أسيرها الذي تركته في منزل الطبيب لأيام، ليقل الطبيب: وإن أتى فارتولو برجاله؟، لتُجيب آصلي: لن يُحدث هذا فارقًا، ومن ثم تقدمت قليلاً لتردف: أين شهرام؟، ليقل الطبيب: في المستودع مكبّل كما تريدين، وأمر تكبيل الآخر متروك لكِ، قالها وهو يضرب صندوق السيارة بخفه، فاستدارت آصلي وصعدت إلى سيارتها، لكنها أنزلت نافذة السيارة قبل أن تتحرك وقالت: أيها الطبيب.. لاتمُت ولا تنسى ما أتفقنا عليه، أومى الطبيب بخفه ليقل: لا تقلقي ولكن.. هل أنتِ متأكده من كل هذا؟، اكتفت آصلي بإيماءةٍ خفيفه وأنطلقت نحو المستودع، لاحقًا.. توقفت أمامه ونزلت بهدوء وفتحت صندوق السيارة ثم سحبت أسيرها حتى ارتطم بالأرض وأمسكت بيديه تجرّه بعُنف نحو المستودع، وفي هذه اللحظه توقفت سيارتان خلفها، ترجل منهما أربعة رجال اصطفوا بهدوء وإنتظام، فاستدارت آصلي نحوهم ونظرت إليهم بسخريه لتقل: أنتم فقط؟، اومى واحدًا منهم إيجابًا لتردف آصلي: أنا أُزهق أرواح المئات من أجل عميّ العزيز كل يوم، وهو يبخل عليّ برجاله، مرتّ دقائق.. حتى توقّفت سيارة صالح على مقربة من المستودع حين لمح بضعة رجالٍ يقفون أمامه، مدّ يده إلى الدرج الأمامي وسحب سلاحه الآخر ووضعه على خصره ببطء والتقط كاتم صوت ووضعه على سلاحه الذهبي ثم ترجّل من السيارة بحدّه، تقدم نحو الرجلين الواقفين أمام المستودع ولم يدركا وصوله بعد حتى أردتهما رصاصاته ارضًا مخترقةً رأسيهما بدقة قاتله، كان السكون يخيّم على المكان من حوله.. وهذا ما مكّنه من التقاط صوت خطواتٍ تقترب من الجهة اليُمنى، فرفع سلاحه بثبات وهو يترقب ظهور القادم، وما إن لمحه حتى أطلق رصاصة أردته قتيلاً على الفور، تقدم للجهة اليُمنى وهو يريد التأكد من خلو المكان، ثوانٍ وعاد بخطواتٍ هادئه نحو باب المستودع لكنه شعر فجاءه بفوّهة سلاحٍ تضغط على رأسه من الخلف، مال برأسه قليلاً ليرى رجلاً يهتف: من أنت؟، كان الرجل الرابع.. ذاك الذي تمركز في الجهة اليُسرى من المكان، زفر صالح بإنزعاج ومن ثم رفع يديّه ببطء وهو ينوي الإلتفات وسحب سلاح الآخر، لكن صوتًا ناعمًا من أمامه أوقفه قائلاً: لا داعي لهذا، أعاد بنظره الى الأمام ليراها تتقدم نحوه، هي ذات المرأة كما توقع.. وقفت أمامه بشعرها البني المرفوع بعنايه ومعطفها الجلدي الطويل، لتهتف آصلي تُخاطب رجلها الذي خلف صالح وهي تبتسم بسخريه: قتل هؤلاء بسهوله "قالتها وهي تُشير لجثث الرجال الثلاثه" فهل تظن أنه لن يتمكن من قتلك وأنت تقف خلفه؟، أبتعد الرجل لتردف آصلي وهي تنظر إلى صالح الذي يتفحصّها من رأسها حتى قدميها: لم أتوقع أن تأتي لوحدك..، ليسحب صالح زناد سلاحه ولكنه لم يوجههُ نحوها بل تقدم ببطء وهو يقول بخفوت: من أنتِ؟ وماذا تعنين بالرسالة التي أرسلتِها، تنهدت آصلي بخفه لتقل: لنُقل أنني أيضًا أريد الإنتقام من الكبير.. ولاتقلق سأشرح لك كل شيء ولكن أولاً دعنا ننتهي من أمر هؤلاء، نظر صالح إلى المستودع حيثُ أشارت، لتستدير آصلي وهي تقول: لاتقلق هذا ليس فخًا.. بل شيئًا سيُساعدك في الوصول إلى الكبير وأبنك..، توقفت آصلي وارتجفت قليلاً عندما سمعت صوت رصاصةٍ اخترقت الأرض بجانبها، أنزلت رأسها إلى الارض حيثُ مكان الرصاصة التي أُطلقت من قِبل صالح الذي قال: توقفي هنا..، استدارت نحوه ليردف: قلتِ أن لديكِ بعض المعلومات بشأن أبني، اومت آصلي بخفه ليقل صالح بحدّه: تكلمي..، أشاحت آصلي بنظرها لثوانٍ ثم نظرت إلى صالح لتقل: لا تثق بي تمام.. وأساسًا لم أطلب شيئًا كهذا، أعرف مكان أبنك ولكنه مُحاط برجال.. بل دعني أقول عشيرةً كامله تحرسه، وفي الداخل "قالتها وهي تُشير إلى المستودع خلفها" لديّ شخصين بل لأقل *** ستأخذ إنتقامك من أحدهم وربما سيُساعدك الآخر في الوصول إلى الكبير، فلنُسرع رجاءً لأن ذلك العجوز المقنع قد علِم أن أحدهم لا يزال على قيد الحياة، وبالتأكيد سيحاول تصفيته قبل أن يتكلم بأي شيء، قالت كلماتها هذه كلها بنفسٍ واحد وصالح لا زال ينظر بحدّه، ليهتف بعد لحظات: لا*** هذين الرجلين ولا*** الكبير، أخبريني بمكان أبني الآن!، لتقترب آصلي فورًا لتقل بخفوت وبأعينٍ حاده: شهرام.. وكنان الذراع الأيمن للكبير لسنواتٍ طويله في الداخل، أستلمهم أولاً ومن ثم سنضع خطةً لإقتحام الموقع الذي يُحتجز فيه أبنك، أتسعت عينا صالح وهو ينظر تارة إلى آصلي وتارة أخرى إلى المستودع، بينما في أحد التلال المرتفعه القريبة من المستودع، أنزل كارتال المنظار المكبّر وهو يهتف: فاي فاي فاي.. الآن فهمت كل شيء كتبتهُ تلك المرأة في ذلك الدفتر.. أنها تساعده! ولكن لماذا ياترى؟، ليهتف أحد الرجال بجانبه: ماذا نفعل ياسيدي؟، أستقام كارتال ليسأل: هل تأكدتم أنه في ذلك المستودع؟، فأجابه الرجل: أجل ياسيدي..، اومى كارتال ليقل: حسنًا.. إذًا دعنا نتحرك وفقًا لما أمرنا به الكبير.. سنقتل كنان، أستعد الجميع بما فيهم كارتال الذي أخرج سلاحه ليردف: لكن تذكروا.. هدفنا الوحيد هو كنان، فارتولو ومن معه لن يُصيبهم أي ضرر..
إلى اللقاء في البارت القادم..

لا يوجد سوى الألم..حيث تعيش القصص. اكتشف الآن