Part 52

313 14 4
                                        

"أسمه سافاش.."
تصبح على خير يافارتولو.. قالها كارتال وأسرع ليختفي فورًا، وحين تحركهُ ليُخرج من المقر بسرعة فاجئتهُ يدًا وضعت قطعة قماش على وجههُ فأسرع يقاوم ويرفع يده التي تحمل السلاح ولكن كان اكين الذي يُمسكه أسرع فضرب كفّ الآخر بقدمه ليسقط السلاح وسقط الإثنان أرضًا مع فقد كارتال لقوته تدريجيًا فركز اكين كل جهده على تثبيته ومنعه من النهوض والمقاومة، ليقل كارتال بخفه وبصوتٍ متقطع من خلف قطعة القماش وهو يلكم معدة اكين بمرفقه: أيها ال***، أبتسم اكين وهو يقول: شش.. لا تتكلم فأنت تستنشق المخدر أسرع هكذا..، وحين ارتخى كارتال على أثر المخدر أعتدل اكين وتلفت حوله ببطء للتأكد من خلو المكان، ثم نهض وسحب الآخر الذي كان بنصف وعي، سحبه حتى خرج من مخرجٍ خلفي دون أن يلحظه أحد كما دخل قبل دقائق، أتجه نحو سيارته.. أو بالأحرى سيارة عمه صالح، وضع كارتال في المقعد الخلفي وأنطلق مُسرعًا نحو المنزل.. ونجح في إدخال كارتال إلى القبو خفيةً.. وخرج ليُقابل كاراجا آنذاك ثم ذهبوا إلى المنزل ليسمع حديث أعمامه بخصوص الألماسة وبأن كارتال من ورطّهم بها.. والآن وعودةً إلى الحاضر حيثُ نظر كارتال نحو اكين الذي كان يرتدي قفازات الملاكمة ببطء مُتعمد، مضت ثوانٍ ثقيلة قبل أن يستدير اكين نحو الآخر واقترب وهو يسحب كرسيًا خشبيًا بصوتٍ قوي تردد على أرضية القبو، وضعه أمام كارتال وجلس عليه بهدوءٍ مقصود، أسند مرفقيه إلى ركبتيه وراح ينظر إلى قفازات يديّه وهو يقول: هل تعلم بماذا فكرت قبل أن أنزل إلى هنا؟، نظر كارتال إليه بثباتٍ غريب ولم يبدي عليه الخوف بقدر ما بدا عليه الإرهاق.. مع ذلك ارتسمت على وجهه ابتسامة خفيفه، ولم يُجب بل اكتفى برفع حاجبيه قليلاً وكأنه يدعوهُ لمواصلة الحديث، فتابع اكين وهو يرفع رأسه ببطء: فكرت.. هل أتركك هنا حتى يذبل هذا الكبرياء الذي تتمسك به؟ أم ابدأ من الآن بكسره قطعة قطعة، ضحك كارتال بخفه وهو يقول: جرب يا ولد، نظر اكين لثوانٍ ارتسمت بعدها ابتسامة ببطء على شفتيه، ثم أقترب قليلاً ليقل: أختي التي تقول أنها شجاعة وقوية أكثر مني قالت لي أن أفعل شيئًا.. كلماتها هذه أخرجتني من سجن التفكير في تبعات فعلتي وجعلتني أسعى خلفك وأجلبك إلى هنا بكل سهولة، ليقل كارتال بهدوء: لكنها ما زالت أشجع منك، تجاهلهُ اكين ليقل: ثلاثة أيام.. هذا ما لدينا قبل أن تتحول الأمور إلى جحيم على الجميع وأنت تعرف أن الحل في يدك، ليقل كارتال فورًا بتعجب: اووه هل أعطاكم نور الدين مهلةً بهذه السرعة؟، ليقل الآخر وهو يُريح ظهره على كرسيه متظاهرًا بثبات هدوءه الذي بدأ ينفذ: كان سيجعل عمي رهينة.. ولكنه حين لم يستطع سمعت أنه أتى ليتحدث، ليقل كارتال بسخريه: تقصد أنه لا يستطيع التفريط بحاجته المفقودة وقتلكم قبل أن يعرف مكانها، أبتسم اكين وهو ينظر بجمود ليقل بعد ثوانٍ: ربما.. لكن ما يُثير فضولي هو سبب تردد عمي في التخلص منك بالرغم من أنك السبب في كثير مما حدث، صمت كارتال وتلاشت ابتسامته، فاستقام اكين وتلمّس يديّه قبل أن يُسدد لكارتال لكمة قوية وهو يقول بغضب: أين الألماسة؟، فلم يجد من الآخر سوى الضحك وهو يُتمتم: أنتم عائلة تعشق اللكم، فعدّل اكين قفازات يديّه وهو يُكرر بحدّه: أين الألماسة؟، ليقل كارتال وهو يبصق القليل من الدم: ماذا؟ هل ستُراضي أعمامك بها؟، شدّ اكين على قبضتيه غضبًا ليقل: لن أقتلك قبل أن أعرف مكان الألماسة ياكارتال.. فأنطق قبل أن آخذ روحك، ومن ثم تركه وذهب إلى الزاوية حيثُ كيس ملاكمة كان قد جلبه ووضعه هنا، فسمع كارتال يهتف ساخرًا: هل ستتدرب لتقوّي ضرباتك؟ أم أنك تخشى أن تتلف يداك قبل أن تُنهي عملك عليّ، أبتسم الآخر وبدأ يضرب الكيس بقوة متعمده كتهديدٍ لذلك المُقيد، ثم توقف والتفت نحوه ليُجيب: أريدك أن تفكر جيدًا.. وأعلم أنه في كل الأحوال نهايتك على يدي حتمية، وعاود ضرب الكيس وهو يردف: تُهدد وتلهو وكأنك تظن أن بإمكانك المُضي قدمًا بعد كل ما اقترفته؟ أنا اكين كوشوفالي يا هذا.. ومهما حاولت ستقع في النهاية بين يديّ، أدار كارتال رأسه ومسح بطرف كتفه فمه النازف ليقل بعدها ببرودٍ مشّوب بالسخريه: أنا لا أموت أيها الولد.. جرّب بقدر ما أستطعت فلن أموت..
––––––––––––––––––––
الحفره..
ما شأني يا ليلى؟، هذا ما قالهُ صالح بعد أن أخبرته ليلى بأن أخيها مفقود منذ البارحة، تجمدت نظرات ليلى لثوانٍ قبل أن تجلس بجانبه وهي تنظر بشّك لتسأل: أنتما بقيتما معًا في تلك الغرفة حين خرجت أنا.. وأنت هنا بخير ولكنه لم يظهر، أدار الآخر رأسه ببطء نحوها ورمقها بطرف عينه ليقل بسخرية: هل تُلمحين أنني خبأته في جيبي مثلاً؟، فقالت هي فورًا: لا..، ثم أردفت بغصة وقد لمعت عينيها: ولكن كُن واضحًا معي يا صالح.. هل فعلت لهُ شيئًا؟، ساد الصمت قليلاً وهي تنتظر إجابته، فاستقام وهو يقول بهدوء: لم أفعل شيئًا.. ولو فعلت كنتِ ستعلمين بكل الأحوال، واستدار ليتحرك نحو الباب لكنها أسرعت تمسك بمعصمه بقوة، فالتفت إليها ليجدها قد نهضت تقف إلى جانبه وعينيها معلّقة به وملامحها أشد هشاشة مما رآه من قبل، لتقل بخفوتٍ ورجاء: اذن أرجوك يا صالح.. إن كان في مكانٍ ما أو إن كان ما زال حيًّا.. أعده لي، فليس لديّ غيره بقي من عائلتي.. وليس لديّ غيرك ليساعدني وإن أردت فقط دلني على مكانه وأنا سأتصرف، ثم أفلتت يده ببطء وسارت متجهة نحو الباب بخطواتها المُتثاقلة لتخرج تاركةً خلفها صالح الذي زفر بقوة وهو يُمرر أصابعه على جبينه ببطء، وعاد ليجلس حيث كان وقد داهمته أفكاره فورًا، أتكئ برأسه إلى الخلف وتاهت عيناه في السقف وكأن كلماتها حفرت فيه أكثر مما أراد الإعتراف به، كان يودّ إقناع نفسه أن الأمر لا يعنيه وبأن كارتال عدوّهم وخائن لا يستحق حتى التفكير به، لكن صورة عيني ليلى وذلك الرجاء الممزوج بالخوف جعلهُ يتنهد بقوة، مرّت لحظات حتى خرج وعاد إلى المقهى ليجد ياماش جالسًا في مكانه ينتظره، جلس بجانبه بينما ظلّ الأشقر صامتًا، ليقل صالح بعد ثوان: أنها أخت كارتال، فقال ياماش: هل هو من أرسلها في السابق؟، عقد صالح حاجبيه بعدم فهم ليقل: كيف؟، ليّرد ياماش: ألم تأتي من قبل لتتكلم معنا جميعًا؟ ربما هو من أرسلها ليتقصى الأخبار آنذاك، نظر صالح لوهلة ليقل: لا طبعًا الفتاة صحفية! الم يأتوا صحافة من قبل لإجراء مقابلات بشأن الحفرة؟، أومى ياماش برأسه ثم قال لحظات: وأتت قبل أيام إلى منزل العائلة لترى إدريس، فقال صالح بهدوء: بقيا لفترةٍ في منزلي واعتادا على بعضهما، أبتسم ياماش بخفه ونهض متجاهلاً سؤال صالح الذي قال: لماذا تبتسم؟، وقف أمام باب المقهى ليقل مخاطبًا أخيه: هيا فلنذهب إلى كارتال لنتكلم معه بهدوء كما قلت، فتنهد صالح بخفة مع دخول جومالي ووليّ ليقل: هو ليس موجودًا..، جلس جومالي على الطاولة وهو يُعدل قبعته بينما استدار ياماش بإستغراب ليسأل وليّ: كيف؟، فأجاب صالح وهو ينهض ليقف: أخته أتت لتخبرني بأنه لم يظهر منذ خروجه البارحة من مقر ذلك ال***، فمسّد جومالي لحيته ليقل: وطلبت منك أن تبحث عنه؟، نظر صالح إلى أخيه بهدوء ممزوج بالدهشة التي لم تتضح على ملامحه ليقل: هاير.. سألت إن كنت أعرف مكانه وعندما قلت لا أعلم ذهبت، نظر وليّ بشّك بينما سأل ياماش: هل نور الدين فعل له شيئًا؟، ليقل جومالي: لا سمح الله فأنا وضعت هذا الكارتال في رأسي هو لي وليس لأحدٍ آخر، مسّد صالح رأسه بينما قال وليّ: ربما.. فهو من أنقذ رهينته، قالها وهو يُشير نحو صالح الذي قال بنفاذ صبر: فلنركز على الماسة ذلك ال***، فقال ياماش: اساسًا لهذا السبب كنا نريد الذهاب إلى كارتال فاحتمال كبير هو من يعلم بمكان الألماسة، تنهد صالح ليقل: سنجرب طريقة أخرى، ومن ثم ربتّ على كتف ياماش واردف: أنا سأذهب إلى أبني، فقال ياماش فورًا: لماذا؟ هل حدث شيء؟، نفى صالح ليقل: أريد أن أراه فأنا لم أجلس معه من بعد ماحصل ولم أصدق أنه بدأ يُحادثني جيدًا، أومى ياماش بخفه وخرج صالح بعدها تحت أنظارهم، ندهَ إلى جيلاسون فأقترب الآخر ليقل صالح: سيارتك هُنا؟، أومى جيلاسون فأردف صالح: أعطني مفتاحك يابني سأذهب إلى المنزل، فأتاه صوت تولغا الذي يتكئ بجانب باب المقهى: أنا سأوصلك يا أخي، التفت صالح ونظر إلى تولغا، وقبل أن يتفوه بكلمة رأى ملامح الآخر المتوترة وفهم من عينيه أنه يريد التحدث وليس فقط إيصاله إلى المنزل، أومى وأعاد بنظره إلى جيلاسون ليربتّ على كتفه وهو يقول: إذن سأطلب منك طلبًا، فقال جيلاسون: ماذا يا أخي؟، ليقل صالح: أذهب إلى منزلي حيثُ اكين وأحضر سيارتي فهي هناك منذ البارحة، سأرسل لك موقع المنزل الآن، فقال جيلاسون: أعرف الموقع يا أخي لا داع لذلك وسأحضر سيارتك إلى هنا، أبتسم صالح واستدار ذاهبًا نحو السيارة وصعد بجانب تولغا الذي انطلق بهدوء، بينما داخل المقهى قال ياماش الذي جلس على كرسي يقابل أخيه: ما الذي يحصل يا أخي؟ لماذا تضغط على صالح؟ الرجل اساسًا خرج من المستشفى ووقع بأيدي اولئك ونهض اليوم وكأن شيئًا لم يحصل!، رفع جومالي أحدى حاجبيه ليقل: هل ستعلمني كيف أتعامل بيبي؟، ليقل ياماش بهدوء: لا.. ولكن مايقوله صالح صحيح لن نفكر ببدء حرب جديدة الآن مع ذلك المدعو كارتال، نهض جومالي ليقل: لأقول لك.. الحرب بدأت اساسًا حين أحرق ذلك ال*** السندات ولكن.. أفعل ما تراه مناسبًا ولا تنسى أن تعطيني خبرًا قبل فعل شيء فأنا لستُ تمثالاً هنا، وخرج لينهض ياماش وهو يتنهد بقوة ووقف أمام الباب وهو ينظر إلى الخارج ليقل بعد لحظات يُخاطب وليّ: تلك الصحفية طلبت من صالح أن يجد أخيها اليس كذلك؟، رفع وليّ كتفيه ليردّ: ربما.. فلم تأتي لكي تسأل فقط، ليقل ياماش بخفوت وهو ينظر إلى الخارج: وأبن أبي الذي أعرفه سيبحث..، فسأل وليّ: يبحث عن كارتال؟، أومى ياماش ليقل: لن يردّها.. وايضًا الألماسة من يعرف مكانها هو كارتال، ليقل وليّ: لا أعرف لماذا نحن متأكدون من أنه يعلم ربما لا يعلم بأن هناك الماسة اساسًا، ضحك ياماش بخفه ليقل: يعلم.. ولذلك ورطنّا لأنه يعلم أن الأمر ليس بضاعةً فحسب.. بل شيء آخر، وعودةً إلى صالح وتولغا ظلّ الصمت سيد المكان للحظاتٍ طويلة، لا يكسُره سوى صوت محرك السيارة الخافت، كان قد مال صالح برأسه إلى الخلف وأغمض عينيه بهدوء يحاول إسكات عقله بينما كان تولغا يضرب بأصابعه على المقود بخفوت وبتوترٍ واضح، بعد برهة فتح صالح عينيه ونظر إليه ليقل بهدوء وتفحص: ما الأمر يا بني؟، لم يُجب تولغا فورًا بل قال بعد لحظات: مُثير للسخرية اليس كذلك؟، عقد صالح حاجبيه ليقل: ماذا؟، أبتسم تولغا ابتسامةً باهته وأجاب ولم يُبعد عينيه عن الطريق أمامه: أنني قضيتُ الأعوام التي فاتت أنتظر هذه اللحظة.. لحظة الإنتقام التي ظننتُ أنها ستعيد لي نفسي، لكن ماذا؟ قتلته.. قتلت شهرام بيدي ومع ذلك لم أشعر بشيء غير الفراغ، أغمض صالح عينيه بقوة ثم قال وهو يُشير بيده: توقف إلى اليمين، انعطف تولغا مباشرةً إلى جانب الطريق وأوقف السيارة، ظلّ يضع يديه على المقود حتى بعد أن توقفت وكأنها الشيء الوحيد الذي يمنحه ثباتًا، فتح صالح باب السيارة بهدوء ونزل منها ثم استند عليها وأخرج علبة السجائر ليُشعل واحدة ببطء، مضت دقائق حتى أطفأ تولغا المحرك وخرج بخطواتٍ ثقيلة ومترددة ليقف أمام صالح، تبادلا النظرات لوهلة ليقل تولغا بنبرةٍ مُتعبة: هل ترى؟ كان يجب أن أشعر بالراحة! أن أتحرر من كل هذا الخوف الذي يُكبلني، لكنني الآن أكثر قيودًا مما كنت وكأنني حفرت لنفسي قبرًا آخر، نفث صالح دخان سيجارته ليقل: أفهمك وأنا أكثر من يعرف هذا، لم يتكلم تولغا فأردف صالح: ولكن أريد أن اسألك سؤالاً، نظر الآخر بصمت ليقل صالح: أنا لم أتكلم معك ابدًا.. بخصوص مناقشاتك مع أخي جومالي والتوتر بينكما وايضًا بخصوص كاراجا، شدّ تولغا على قبضتيه ليُجيب بحدّه: تقصد أخيك المجنون الذي كاد يتسبب بمقتل أبنك؟، رفع صالح يده الأخرى وقبض على ذراع تولغا بقوة طفيفه ليقل: أولاً اهدأ هل تسمعني؟، أبتعد تولغا وتنهد ببطء وهو يمسح وجهه، ثم توقف ونظر إلى صالح ليقل: دعك من كل هذا، ثم أردف بدون أي مقدمات: أريد أن أرحل، ثبتت أنظار صالح على الآخر ورفع حاجبيه قليلاً بصدمه، ليقل بعد لحظة: ترحل! إلى أين؟، بلع تولغا ريقه بخفه ليُجيب: ألمانيا، تغيّرت ملامح صالح ليرمي السيجارة على الأرض وسحقها بحذائه وهو يقول ببطءٍ متقطع: أنت بالتأكيد تمزح، ليُجيب الآخر فورًا: لا أمزح.. أشتر لي تذكرة سفر ودعني أبتعد قليلاً قبل أن أختنق بالكامل، ظلّ صالح صامتًا لوهلة قبل أن يرفع يده مجددًا ويضعها على كتف تولغا بقوة وهو يقول بخفوت حاد: هل تريد أن تبتعد؟ عني؟ عن كاراجا التي قلت بأنك تحبها وستتزوجها؟، أشاح تولغا بعينيه قليلاً ليقل بذات الخفوت: سأعود فأنا لن أذهب إلى الأبد فقط أريد التنفس قليلاً، أقترب صالح قليلاً ليقل: هذا ليس عذرًا بأن تترك من يحبك خلفك، ومن ثم أردف بخيبة أمل: ألم أقل لك سابقًا بأن لا تفعل ما فعلتهُ أنا؟ بأنك لن تبتعد عنها وتتركها هكذا؟، ليقل تولغا: هي لا تحبني! ولا تريد الزواج كما قالت فقط تريد من يملئ الفراغ الذي تركه زوجها السابق، تجمدت ملامح صالح وأمسك نفسه بقوة بأن لا يدفع تولغا في هذه اللحظة من غضبه، بينما أردف الآخر: أريد أن أذهب.. أن أبتعد وأتنفس بعيدًا عن هذا الجحيم وهذه الحفرة، ثم رفع قميصه ليكشف عن إصابته السابقة وهو يردف بخفوت: عن هذا..، نظر صالح ولم يركز على الإصابة التي التئمت ولكن أثرها لازال واضحًا، بل على آثار كثيرة أخرى حفرت جسد تولغا كخرائط من الألم وكأن كل ندبة تنطق بحكاية لم تُروى كاملة، رفع بصره ببطء إلى عيني تولغا بشيء من التفهّم والحزن والندم، فأمسك تولغا بيد صالح التي على كتفه وشدّ عليها بقوة ليُكمل: أتوسل إليك دعني أذهب لبعض الوقت فلم أعد أطيق هذا الصراع بداخلي.. كل يوم يمرّ أشعر بأنني أتلاشى، أحتاج إلى الصمت لأجد من أنا حقًا، ليردّ صالح بهدوء: الصمت لن يُحررّك ولن يملأ الفراغ الذي تحاول الفرار منه، تنهد الآخر ببطء وأبتعد لتسقط يد صالح من على كتفه ليقل بغصه: ربما أنت على حق.. لكنني لا أستطيع البقاء هكذا، كل شيء يثقل كاهلي كل صراعاتي وماضيّ ومشاعري كأنها قيد يثقلني لحظة بعد لحظة، أحتاج أن أتنفس بعيدًا، وبعد لحظة صمت أخرج صالح هاتفه وأخذ يُناقل نظره في شاشته بملامح لم يفهمها تولغا وبصمتٍ أثقل من كل الكلمات التي قيلت قبل قليل، فظلّ تولغا واقفًا يراقبه بأنفاس متلاحقة وكأنها تسابق خوفه من الإجابة، مضت لحظات بدت طويلة كعُمر كامل قبل أن يرفع صالح رأسه عن الهاتف ووضع عينيه في عيني تولغا ليقل بنبرةٍ عميقة وخافته: غدًا ظهرًا ستكون في برلين، وأغلق هاتفه ببطء مُعيدًا إياه إلى جيبه، ليقل تولغا بدهشه: هل تمزح؟، أبتسم صالح بقهر ليقل: لا.. بياناتك لدي وحجزت لك عن طريق الهاتف وغدًا ستذهب إلى ألمانيا اليس هذا ما تريده؟، ثم استدار متجهًا نحو السيارة بخطواتٍ ثابتة، دخول صالح المفاجئ إلى صمتٍ مطبق جعل الهواء من حولهما يثقل أكثر ووقف تولغا مكانه ينظر إلى ظهر صالح وهو يبتعد وفي صدره شعورٌ متناقض بين حريةٍ مُرتقبة ليعود إلى نفسه من خلالها وسلاسل أشدّ قسوة مما تركه خلفه، ولكن هذا ما يريده.. أن يذهب ويبتعد لكي يتنفس وكان ما يمنعه هو صالح وفكرة تركه هنا.. ولكنه ربما.. ربما وافق وأنتهى..
––––––––––––––––––––
حيثُ الكبير.. الذي ينتظر في غرفة الزيارة ليرى أبنه، بعد محاولات ومكالمات اخيرًا سمحوا له بأن يراه قبل إحالته، ثوانٍ ودخل داهان بحالةٍ رثة مختلفة عن آخر مرةً رآه بها، جلس مقابل والده الذي ظلّ ثابتًا على كرسيه وعيناه لا تفارقان أبنه وتشتعلان بنيران ندم كبير، مرّت ثوانٍ ثقيلة قبل أن ينطق الكبير بنبرةٍ ثقيلة ومؤلمه: داهان..، رفع الأخير يديّه وأرجع شعره إلى الخلف وهو يزفر بقوة، ثم مسح وجهه وكأنه يستجمع نفسه، لينظر إلى والده بصمت، فاردف الكبير: هل أنت بخير؟، أبتسم داهان وكأنه يسخر من سؤال والده فسأل الكبير مُغيرًا سؤاله: ماذا حدث يابني؟، ليقل داهان: تسألني يا أبي؟ أنا مثلك لا أعرف ما الذي حدث، ليقل الكبير بعد أن أقترب من الطاولة قليلاً: المحامي والمحقق يقولان إنك ترفض أن تخبرهم بمكانك ليلة وساعة وقوع الجريمة.. لماذا تفعل ذلك يابني؟، صمت داهان وأشاح بنظره ببرود، عمّ الصمت لثوانٍ فهم الكبير من خلالها أن أبنه لن يخبره، فقال يحاول طمأنته: لا تقلق.. سأبذل قصارى جهدي وأجلب أفضل المحامين في البلاد، فأقترب داهان بالمثل من الطاولة ليهتف: دعك من المحامين يا أبي وأسمعني جيدًا، ضيّق الكبير عينيه بتركيز ليردف داهان: تقرير الطبيب الشرعي..، نظر الآخر بعدم فهم ليُكمل داهان: أنا متاكد مثل أسمي أن العميد لم يمُت مشنوقًا بسببي كما يقولون، تجمدت ملامح الكبير لوهله حتى هتف داهان: لم يسمحوا لي بالتحدث مع معاوني لذلك لا يوجد لدي سواك يا أبي، أذهب إليه وقُل له بأن يتأكد بشكلٍ سريّ من تقرير الطبيب الشرعي وسبب الوفاة وتوقيتها الدقيق، وايضًا البصمات وغيرها..، ليقل الكبير بتوتر: يا بني كيف سيتلاعبون بتقرير الطبيب الشرعي؟، أبتسم داهان ليقل: لا تسأل يا أبي أولئك الناس وخصوصًا ذلك الكبير ال*** يصل ويستطيع فعل ما يشاء، صمت الكبير وهو ينظر إلى أبنه ليردف داهان بنبرةً عاليه قهرًا: ألم يفعل ورماني في هذا الجحيم؟ ألم يورطني ويحاول إدخالي إلى السجن الآن لأنني أقتربت منه؟، شدّ الكبير على قبضتيه توترًا من تحت الطاولة وعيناه لا تفارقان كل حركة لأبنه، بينما أخذ داهان نفسًا عميقًا للحظاتٍ يحاول أن يهدأ وقال بعدها: كل ما أطلبه منك يا أبي هو أن تتحدث مع معاوني وتتحقق من التقرير فقط لأخرج من هنا بأسرع وقت هذا ما أحتاجه الآن، نهض الكبير وأتجه نحو أبنه ليقف أمامه وأخذ وجهه بين كفيّه ليقل بخفوت: سأفعل.. فقط حافظ على هدوئك، أسند داهان رأسه على صدر والده ليقل: يريد هدمي.. هدم ما كنت أعمل عليه لأعوام..، شرد الكبير في الفراغ للحظاتٍ وهو يمسد شعر أبنه حتى سمع صوت أحد العناصر يهتف: تفرقوا حالاً..، أبتعدا ببطء ليردف العنصر: أنتهت الزيارة يا سيد عدنان..، ربتّ الأخير على كتف أبنه واستدار ليذهب ولكن استوقفه صوت داهان الذي قال: قُل لفارتولو بأن يأتي لزيارتي يا أبي.. أريد التحدث معه أنه يقطن في حي الحفرة ستجده بسهولة، تجمد الكبير في مكانه دون أن يلتفت بسبب ماسمعه، ولم يلحق بأن يقول شيء لأبنه فقد خرج مع العنصر أمامه تاركًا إياه يُقلب الأفكار في رأسه.. هل سبق وأن وجد تلاعبًا أو شيئًا يدفعه للإصرار على التحقق من تقرير الطبيب الشرعي بشكل سريّ؟ ولماذا يريد التحدث مع فارتولو؟
––––––––––––––––––––
المنزل الآمن..
توقف صالح بالسيارة وقبل أن يترجل منها توقف والتفت إلى تولغا الذي بقي جالسًا ينظر أمامه، ليقل: ماذا؟ ألن تنزل لترى إدريس؟، فنظر تولغا وقال بهدوء: لا..، ثم أخرج من جيبه بطاقة صراف آلي ومدّها نحو صالح، فنظر الآخر بإستغراب، ليقل وهو يأخذ البطاقة: كيف وصلت بطاقتي إليك؟، أبتسم تولغا بخفه ليقل: أخذتها من سيارتك هذا الصباح.. واستأجرتُ غرفة في فندق قريب بأموالك، ليقل صالح وهو يميل برأسه: ايفاندم جنم!، لم يعلق تولغا فأردف صالح: ولماذا؟، ليقل تولغا وهو يُشيح بنظره: أريد أن أبقى لوحدي، فترجل صالح من السيارة بغضب وأغلق الباب بقوة وذهب إلى المنزل، بينما خرج تولغا وذهب إلى الطرف الآخر، جلس خلف المقود وذهب بعد أن القى نظرة مطولة على المنزل.. وفي الداخل دخل صالح ونزع سترته، أتكئ على الجدار بيديه وهو يتنفس بعمق يحاول تهدئة نفسه، ثوانٍ وسمع صوت الأطفال يلعبون في الأعلى فأبتسم وذهب إلى الأعلى.. أتجه ناحية الغرفة وفتح الباب قليلاً بهدوء واسترق النظر إليهم، فوجد ماسال وآسيا تلعبان بينما إدريس يجلس بعيدًا قليلاً منهمكًا في دفتره يرسم كعادته منذ إنقاذهم له، فتح صالح الباب على مصراعيه ودخل بخطواتٍ هادئه، أبتسمت الفتاتان إليه واستمرتا باللعب بينما نظر إدريس بهدوء لوالده وهو يخطوا باتجاهه، جلس صالح على حافة السرير بهدوء وألقى نظرة طويلة على أبنه الذي كان ممسكًا بدفتره وأقلامه الملونة ليقل بخفوت وبنبرةٍ حنونه: ماذا ترسم يا بني؟، فنهض إدريس وجلس بجانب والده الذي حاوطه بذراعه وقبّل رأسه بهدوء، ليقل الصغير وهو يُدير الدفتر باتجاه والده: هذا صديقي الجديد.. كان يحميني من الشرير ويعطيني دواءً يجعلني أحلم بأمي، تجمد صالح وهو يرى أبنه قد رسم في صفحةٍ ما رسمةً بريئة وطفولية ولكنها كانت تحمل دلالات كُثر، رجلاً بشعرٍ طويل مربوط نصفه إلى الخلف، ووشمًا في منتصف رقبته ويحمل في يده قرصًا أبيض، لا يعرف صالح بأن هذا هو سافاش الذي يكتب إنتقام الكبير وبأنه من أشرف على تعذيب أبنه، لكن الشّك تسلل إلى قلبه، وبسبب كلمة أبنه "صديقي الجديد" عادت ذاكرته إلى تلك الليلة.. في ذلك الكوخ حين جعلهُ عبدالله يهاتف أبنه ليتأكد بأنه بخير، قال حينها أبنه بأن صديقه الجديد يلعب معه، ارتفع شعور الشك والريبة في قلبه فورًا فقد بدا له أن هذا الشخص ليس بريئًا، وأن له علاقة بما حدث لأبنه خصوصًا وهو يركز نظره في رسمة القرص الأبيض في يد الرجل، أغمض عينيه وأخذ نفسًا عميقًا محاولاً ضبط أعصابه ليسأل أبنه: هل هو شخص سيء؟ هل فعل لك شيئًا سيئًا يا بني؟، أغلق إدريس الدفتر ونظر إلى والده ببراءة ليقل: لا أعلم..، أتسعت عينا صالح استغرابًا من إجابة أبنه، وقبل أن يتكلم قاطعتهم داملا وهي تدخل ببعض الحليب والبسكويت، لتقل حين رأت صالح: هل أتيتم جميعًا؟، نفى الآخر برأسه فوضعت داملا الأكواب وصحن البسكويت على الأرض وجلست وهي تقول: تعالوا لنأكل، فجلسوا الأطفال حولها بينما أستدار صالح وفتح دفتر أبنه دون أن يدعه يُلاحظه، أخرج هاتفه وفتح الكاميره ليلتقط صورة لرسمة أبنه، ومن ثم أغلق الدفتر بعد أن التقط صورةً واضحه للرسمة وأستقام متجهًا نحوهم، قبّل رأس أبنه وهو يقول: سأذهب وسأعود وعندها سنرسم معًا..، أومى الصغير وهو يأكل ليقل: وهل نستطيع الذهاب إلى الأخت ليلى؟ فهي أتت من أجلي ويجب أن نذهب إليها، ابتسمت داملا لتقل بمُكر: ستستطيع الذهاب إن أكلت جيدًا وأصبحت قويًا، أومى الصغير بينما تأمله صالح الذي لم يقل شيئًا للحظات وهو يتنهد بخفه، ومن ثم خطى إلى الخارج فقابلتهُ كاراجا وهي تحمل كيسًا في أحدى يديها، لتقل حين رأته: لم أعلم أنك أتيت ياعمي، أبتسم ومسح على شعرها ليقل: هل أنتِ بخير؟، نظرت لثوانٍ ثم أرخت بصرها لتقل: سنكون ياعمي..، تنهد صالح بخفة ثم نظر إلى الكيس ليسأل: ما هذا؟، فأجابته بهدوء: دواء ياسمين أحضرتهُ من المطبخ، فسأل بخفوت: وكيف حالها؟، فقالت كاراجا بصراحه: ليست جيدة.. وتسأل عن اكين بإستمرار على الرغم من أنني أخبرتها بأنه بخير وسيعود، عمّ الصمت للحظة ربت بعدها صالح على خد كاراجا وذهب دون أن يقول شيئًا..
––––––––––––––––––––
قصر كارتال..
مرّت نصف ساعة وليلى تجلس في مكتب أخيها بصمتٍ قلقه.. لحظاتٍ ودخل أحد رجال كارتال ليقل: سيدتي، كما أخبرناكِ لايوجد أي آثر للسيد كارتال ولم يخرج من المقر البارحة بعدكِ ابدًا، ورجالنا الذين كانوا هناك قُتِلو.. على يد رجال فارتولو، ضحكت ليلى بسخريه وهي تمسح وجهها بقوة، لتقل بخفوت لا يُسمع: قُتِلو؟ وتقولونها بهذه البساطة، ليردف الآخر: بماذا تأمرين؟، رفعت رأسها مستغربه لوهله بينما أكمل الآخر بخفوت وقد أقترب: نحن نراقب فارتولو.. هل تريدين أن نحضره؟، اتسعت أعينها لتقل فورًا: إياكم! أتركوه، صمت الرجل بدهشة من غضبها بينما أردفت ليلى وهي تنهض بذات الغضب: وتقول ماذا تأمرين! هل أنا كأخي؟ أنا لستُ رئيسةً لكم ولا أُصدر أية أوامر هل تفهم؟، توتر الآخر وتراجع فتجاوزته ليلى وخرجت لتصعد إلى الشرفة بغضب وقهر وخوف لحظاتٍ وتقدمت الخادمة إلى الشرفة وهي تحمل كوب ماء وضعته على الطاولة بهدوء لتقل: لا تقلقي ياسيدتي.. ربما طرأ لأخيكِ عملاً ما، لم تردّ عليها ليلى فخرجت الأخرى، استدارت ليلى والتقطت كوب الماء لتشربه دفعة واحده وهي تضع يدها على صدرها من قلقها.. لتقل بعد ثوانٍ تُخاطب نفسها: هل تفعل يا صالح؟ هل تحتجز أخي؟، ثم سكنت ملامحها لأخرى جامدة بشكل مُريب لتردف هذه المرة بخفوت: أم أنك قتلته؟، جلست على الأريكة وارتخت وقد دمعتا عينيها بصمت وهي تنظر إلى الفراغ..
––––––––––––––––––––
منزل صالح..
دخل جيلاسون إلى المنزل وهو يتلفت حوله فقد بدأ ساكنًا أكثر من اللازم، تقدم أكثر نحو الصالون وندهَ على اكين، لم يجد أي إجابة ولم يظهر فصرخ بصوتٍ أعلى: اكين؟، وفي القبو التفت اكين نحو السلالم بتوتر لحظة سماعه لصوت جيلاسون البعيد قليلاً، فضحك كارتال بقوة ساخرًا ليُسرع اكين في تغطية فمه على أثرها، ليقل بخفوت: إن شئت أستمر في الضحك حتى الغد لن يسمعك أحد، غمز كارتال بعينه وتراجع اكين حين أحكم إغلاق فم الآخر، وذهب فورًا نحو السلالم، توقف بقُرب الباب يسترق السمع ولم تلتقط أذناه أي صوتٍ أو خطوات قريبه، ففتح الباب قليلاً ليلمح جيلاسون يصعد السلالم متجهًا إلى الدور العلوي ويبدو تائهًا فهو لأول مرةٍ يأتي إلى المنزل، فأسرع يخرج بهدوء وذهب بخطواتٍ سريعه نحو الشرفة، توقف في منتصفها وتنفس بعمق وعاد بخطواته نحو الباب ينتظر اللحظة المناسبة للظهور، بينما وبعد لحظات نزل جيلاسون بخطواتٍ سريعه من السلالم إلى الأسفل، فظهر اكين وتصنع الاستغراب وهو ينظر إليه، زفر جيلاسون بحدّه ليقل: أنا أنده عليك منذ ساعه.. لم تسمعني؟، فقال اكين يتصنع البرود: كنت في الشرفة لم أسمعك، تقدم الآخر خطوتين ليقل: أخي صالح يُريد سيارته.. أعطني المفتاح، أتجّه اكين نحو أحد الطاولات المركونة في الزاوية والتقط المفتاح وهو يقول: كيف ستأخذها؟ ماذا ستفعل بسيارتك؟، فأجاب جيلاسون ببرود: سآخذها وفقط، أبتسم اكين ببرود.. فحتى جيلاسون غاضب من فعلته ويبدو أن الأمور لن تعود كما كانت من قبل، أخذ جيلاسون المفتاح وحين التفت ليذهب سمع صوت خبط قوي يبدو قادمًا من مكان ما.. كان الصوت بعيدًا ولكنه يُثير الشّك، فاستدار نحو اكين الذي عقد يديّه وراء ظهره ونظر ببرود لا يخلو من القلق، ليقل بعد ثوانٍ يحاول تشتيت الصوت الذي سمعوه: ماذا حدث يا جيلاسون؟ هل لديك شيء لتقوله؟، نظر الآخر لوهلة قال بعدها دون أن يرفّ له جفن: أنت حفيد الكوشوفالي.. كان عليك أن تحترم هذا، وذهب تحت أنظار اكين الذي ضحك بخفوت قهرًا وحين سمع الباب يُغلق أسرع نحو القبو، ونزل وهو يبتسم ليجد كارتال ساقطًا أرضًا.. كان قد أسقط نفسه عمدًا لكي يُخبر من بالأعلى أنه هُنا ولكن فعلته لم تنجح.. جثى اكين أمامه وأبعد اللاصق عن فمه ليقل مُبتسمًا بخباثه: أتظن نفسك ذكيًا؟، فقال كارتال: سنرى من الذكي، ليسأل اكين بفضولٍ مصطنع وهو يرفع كارتال بكرسيه: كم عمرك يا كارتال؟ فأنت تبدو رشيقًا حقًا، ليقل كارتال ببرود: ثمانية وأربعون لماذا هل ستخطبني أيها الولد؟، توقف اكين ونظر ليقل بدهشه وسخريه: يوك ارتك! توقعتك تُقارب عمي صالح عمرًا بحُكم معرفتكم القديمة، ليقل كارتال وقد أشاح ببصره شاردًا: ثمانية وأربعون ناقص عشرة تساوي ثمانية وثلاثون، نظر إليه اكين بعدم فهم فلم يعلم أن الآخر يقصد أن الفارق بينهم عشر سنوات وتجاهلهُ ليقترب ببطء وهو يقول بمُكر: سمعت أن لديك أخت..، فنظر كارتال إليه فورًا وهو يُضيّق عينيه ليقل بعد لحظات حين فهم غاية اكين وهي التهديد بأخته: أقتلك..، اتسعت ابتسامة اكين ليقترب حتى أصبح وجههُ مُقابل وجه كارتال ليقل بخفوت وببطء: ليلى.. صحفية وتحوم حول عمي صالح، فضرب كارتال برأسه رأس اكين فتراجع الأخير فورًا وهو يتلمس جبهته ويضحك بخفه، ليردف كارتال بحدةٍ وغضب: إن لمستها.. إن حاولت حتى سأجعلك تتمنى الموت ولا تجده، ليقل اكين وهو يغلق فم كارتال ويتهيأ للخروج من القبو: جميل.. عرفتُ نقطة ضعفك، وذهب ناحية السلالم لكنه أردف قبل أن يخرج وقد التفت نحو كارتال: الألماسة.. مُقابل أختك أو أختك مُقابل الألماسة، ثم أشار بسبابته يمينًا وشمالاً وهو يهتف باستفزاز: تيك.. تاك.. تيك.. تاك..
––––––––––––––––––––
الحفره.. المقهى
دخل صالح ليجد وليّ فقط هناك جالسًا يتحدث على الهاتف، فذهب إلى منضدة الشاي ليُسكب لنفسه بعض الماء، رفع كوب الماء وأخرج من جيب سترته قرص مسكن وتناوله ومن ثم تقدم وجلس أمام وليّ وراح يمسد مقدمة رأسه بخفه، ولكنه رفع انظاره حين سمع الآخر يهتف بحدّه يُخاطب مُحدثه: ليجدني إن استطاع وليست لديّ بضاعةً لأعوضه بها عديم الشرف، وأغلق الهاتف بقوة مع نظرات صالح التي اتسعت دهشةً، مسح وليّ وجهه بقوة وهو يُتمتم: ياصبر..، ليقل صالح: ماذا هناك؟، فأجاب وليّ لا إراديًا وقد عاد ليعبث بهاتفه: *** أُدين له ببضاعة ويلاحقني منذ أيام لأجلها، وكنت قد تكلمت مع أحدهم ليهرب لي القليل لأصمتهُ بها ولكنه لا يرد على هاتفه، مضتّ ثوانٍ ولم يردّ صالح فرفع وليّ بصره عن هاتفه نحو صالح ببعض الندم لتحدثه بالأمر فهو لم يكن يريد إدخال صالح في همومه.. فقال بهدوء وخفوت: أعذرني يا صديقي.. هذه همٌ لا يخصك ولكنني سأنفجر، ليقل صالح بهدوء: كم طرد؟، ثبتت أنظار وليّ استغرابًا ولكنه ما لبث أن قال فورًا عندما فهم مقصد صالح: لا شكرًا لا أريد منك شيئًا.. لا تتدخل في أموري، سأعاود الإتصال بذلك المهّرب ليخبرني ماذا حصل معه، فسحب صالح هاتف وليّ بسرعة وهو يقول: عيب عليك!، وأردف بسرعه غير سامحًا لوليّ بالتحدث: أترك عنك.. سأخبر مراد ليقوم بتدبير ما تحتاجه الليلة من المستودعات، زفر وليّ ببطء ليقل: لا تفعل يا صديقي.. ألست أنت من قال أنك تركت هذه السموم وتعمل بها مجبرًا الآن؟، تنهد صالح وارتشف من كأس الماء أمامه ثم قال بخفوت: أجل تركتها.. لكنها لم تتركني وكأنها لعنة معلّقة برقبتي، ومن ثم دفع هاتف وليّ نحوه وهو يردف: لاتفكر في الأمر من بعد الآن.. فقط رتّب أمور التسليم وتحدث مع مراد ليُسلمها بدلاً عنك، صمتّ وليّ وهو ينظر بإمتنان، فقال صالح وهو يبتسم ويربت على كفّ وليّ: أنت فعلت الكثير من أجلي ومن أجل عائلتي.. وبقيت هنا بيننا وبجانبي رغم أنه بإمكانك المغادرة والرحيل في أي وقت فهذا حقك اساسًا.. فهل سأستكثر أنا عليك السموم التي أصنعها بعد كل ما فعلتَه؟، قال الأخيرة وهو يغمز فابتسم وليّ ليقل ساخرًا: والله لا أعلم هل هذا ثناء ام إهانة؟، فأشار صالح بيديه محاولاً إغاضته وهو يقول: يعني..، ضحك الإثنان ليقل وليّ: سلمت يا صديقي..، أومى صالح دون أن يُجيب وبعد لحظات هتف وليّ يسأل: أين تولغا؟، هنا تلاشت ابتسامة صالح وحلّ محلها صمتًا ثقيلاً، فرمق وليّ للحظات قبل أن يُجيب بنبرةٍ خافته: يريد الرحيل، تجمدت ملامح وليّ ليقل: رحيل! إلى أين؟، زفر صالح بقوه ليُجيب: ألمانيا وحجزتُ له تذكرةً غدًا، لم يعلق وليّ فورًا وكأنه يحاول استيعاب الذي قيل ليقل بعد لحظه: دقيقة.. تقول أنك حجزت له؟ هل يعني هذا أنك تسمح له بالذهاب؟ وأساسًا لماذا يريد الذهاب؟، فقال صالح بقلة حيله: لا لا أريد ذهابه بالطبع ولكن.. لا أعلم ياوليّ غضبت وحجزت له حين قال أنه يريد الابتعاد والتنفس قليلاً بعد ما حصل وبعد قتله لذلك ال***، نظر وليّ لوهلة متفهمًا.. ليقل بعد لحظة صمت: ذهابه الآن ليس صائبًا يا صديقي.. وأنت تعلم ذلك، فهتف صالح فورًا: ولهذا هل تحاول أن تتحدث معه؟ أنا لا أستطيع.. أصبحت أغضب بسرعة وأخشى أن أفعل أو أقول شيئًا يُحزنه، أومى وليّ بفهم.. فاستقام صالح خارجًا من المقهى ليتقدم نحوه جيلاسون الذي مدّ إليه مفتاح السيارة وهو يُشير إليها: أحضرتها يا أخي، فضربه صالح بخفة على كتفه بلطف وهو يقول: سلمت يابني، ثم أردف وهو يضع يديّه في جيوبه: هل تحدثت مع اكين؟، فأجاب جيلاسون بهدوء: أجل.. هو من أعطاني المفتاح، فقال صالح: هل أخبرته بأن يعود إلى الحفره؟، ليقل جيلاسون بخفوت: لا.. فقط أخذتُ منه مفتاح السيارة يا أخي، فأومى صالح بقلة حيلة وذهب يصعد إلى سيارته، ولاحقًا.. وعلى مشارف المساء وعلى أحد الأسطح كان ياماش يجلس وهو ينظر بصمت، وكأنه يفكر بما عليه فعله.. يُعيد ترتيب أفكاره.. يحاول إيجاد حلاً لما وقع عليهم من مصائب، سمع خطواتٍ من خلفه فالتفت ليجد صالح يتقدم وعينيه لا تفارقان المنظر أمامه، فأبتسم الأخير وأشار على الكرسي بجانبه، فتقدم صالح وجلس.. وعمّ الصمت للحظاتٍ طويلة والإثنان يراقبان الحيّ وما وراءهُ أمامهم..

لا يوجد سوى الألم..حيث تعيش القصص. اكتشف الآن