"ربما ما تحتاجه حقًا ليس البحر..
بل أن يُحبك أحدهم مرةً أخرى دون شروط"
استيقظ فجرًا على صوت منبه هاتفه الذي كان قد ضبطه لينهض مبكرًا ويعطي زوجته دواءها في موعده.. اغلقه والتفت نحوها ليراها نائمة بهدوء، فنهض هو الآخر بهدوءٍ مُماثل ونزل إلى الطابق السفلي، تقدم نحو المطبخ لإحضار كأس ماء لياسمين وقبل أن يعود ليصعد لمح باب الشرفة مفتوحًا، فذهب بخطواتٍ حذرة ليتفقده.. فلمح عمه صالح وليلى يتحدثان بهدوء، تنهد بخفة وهو لا يعلم كيف سيجعل عمه يسامحه.. أو بالأحرى كيف سيجعله يُحادثه مجددًا كالسابق، لقد اشتاق إليه كثيرًا.. اشتاق إلى نصف أبيه وإلى حدّ مؤلم وموجع، عاد بخطواتٍ هادئة وبطيئة إلى الأعلى حيث غرفته، دخل ووضع كأس الماء على الطاولة الصغيرة بجانب رأس ياسمين ثم جلس على طرف السرير بالقُرب منها والتقط علبة الدواء الخاصة بها ثم اقترب منها قليلاً وهو يقول بخفوت لكي يوقظها بهدوء: ياسمين.. هيّا ياجميلتي حان موعد دواءك، اقترب اكثر و ازاح الغطاء قليلاً وهو يقول: هيّا.. تناولي دواءك ثم عودي إلى النوم، لم تُجيبه، فتنهد بقلة حيله و ازاح الغطاء اكثر ليتجمد حين رأى بعض الدماء تغطي الفراش تحتها، سقطت علبة الدواء من يده وتناثرت على الأرض وهو ينظر نحو زوجته بغير استيعاب، ابتعد قليلاً ثم مدّ ذراعه ليهز ذراعها وهو يقول بخفوت: ياسمين.. ياسمين انهضي، ثم سحبها بقوة نحوه وهو يصرخ: ياسمين!! هاير.. انهضي انهضي!، ثم ابتعد وهو يمسك رأسه يتأوه بقوة.. ودون استيعاب وبخوفٍ قد افقده عقله هرع نحو الباب وفتحه ليصرخ بقوة صرخةً اهتز لها المنزل بأكمله وأيقظت جميع النائمين: صالح امجا!! ساعدني!، بينما في الاسفل نهض صالح بغير عقل حين سمع هذه الصرخة، ركض وكاد يسقط وهو يتجه نحو الأعلى، لحقت به ليلى هي الأخرى وقد ارتجف قلبها، تجاوز السلالم حتى وصل إلى غرفة ابن أخيه التي كان بابها مفتوحًا، تقدم بسرعة وهلع ومن خلفه ليلى وهو يسأل: ماذا يحصل..؟، وسرعان ما توقف مكانه وهو يرى اكين بيديّه التي تلطخت بالقليل من الدماء يسحب زوجته من فراشها الذي يحتوي على بقعة حمراء وهو يقول: لا تستيقظ.. أنها لا تستيقظ ياعمي، وضعت ليلى يديها على فمها بصدمةٍ وخوف من المنظر بينما دلف ياماش وجومالي إلى الداخل فورًا وهما يسابقان خوفهما، ليقل ياماش برجفه: ماذا حدث؟، وكما حصل مع أخيهم الأسمر.. توقفا وتجمدا وهما ينظران لاكين، فعاود الأخير الصراخ بقوة وبنبرة أقرب للبكاء هذه المرة: أنها لا تستيقظ!، هرع ياماش نحوه ومسكه بقوه ليُبعده، بينما اتجه جومالي وزوجته التي دخلت خلفهم برفقة كاراجا بسرعة نحو ياسمين، تفقدتها داملا لتقل: يجب أن نأخذها إلى المستشفى سريعًا، ليقل اكين ببكاء: هل.. هل ماتت..؟، تقدمت كاراجا نحوه وأمسكته بقوة كقوة عمها ياماش بينما قالت داملا فورًا: لا تهذي! فقط على الأغلب نزيف هيّا بسرعة، حمل جومالي ياسمين في لمح البصر وركض إلى الخارج برفقة داملا وركض خلفه ياماش واكين الذي ظلتّ كاراجا التي كانت هادئة على عكسهم جميعًا ممسكةً به.. وكأنها اعتادت على كل هذا الخوف والقلق.. بينما بقي صالح واقفًا مكانه بلا حراك وبأعينٍ متسعة قليلاً نحو السرير.. تجمدت قدماهُ في مكانه حين رأى ابن اخيه يصرخ والدماء تلطخ يديه.. كان المشهد كفيلاً بأن يُعيد إليه صورة ياماش حين أخبره بمقتل زوجته.. لاحظته ليلى التي تقدمت وهي تتنهد بخفة وقلق لتقف أمامه وهي تقول: صالح؟، لم يُجيها ولم ينظر إليها اصلاً وكأنه في عالم آخر، فاقتربت اكثر وحاوطت خديّه لتقل بخوف: صالح هل تسمعني؟، أفاقته لمستها من شروده فتنهد بقوة وهو يميل برأسه إلى الجانب مغمض العينين، لحظاتٍ حتى أنزلت يديها بينما كان هو قد ابتعد خارج الغرفة مسرعًا ليلحق بالبقية إلى المستشفى، كادت ليلى أن ترافقه لكنه منعها وهو يضع كفّه على خدها بعجلة قبل أن يذهب وهو يقول: أبقي مع إدريس..، وأغلق باب المنزل خلفه بينما توقفت هي لثوانٍ واضعةً كفّها على خدها في الموضع الذي لامسته كفّه قبل لحظات، لتسمع صوت ايفسون التي سألت بقلق: مابها! ماذا حصل؟، لتقل ليلى وهي تصعد السلالم: نزيف.. هل هي حامل؟، اومت ايفسون وهي تصعد خلفها ثم قالت بخفوت وحزن: هذا شيء متوقع..، استدارات ليلى بغرابة قبل أن تدخل غرفة الاطفال لتقل: لماذا؟، تنهدت ايفسون لتقل: أنها مريضة وتأخذ أدوية ربما أثرت على حملها، ومن ثم منعت ليلى من الدخول إلى الغرفة وهي تردف: عادوا إلى النوم كنت بجانبهم قبل قليل..، ولكن هذا لم يمنع ليلى من فتح الباب قليلاً لكي تطمئن على ادريس.. فراته يجلس على سريره الصغير متكورًا مغمض العينين وهو يغطي أذنيه، اندفعت بسرعة نحوه وخلفها إيفسون بغرابه، اقتربت ليلى فورًا وحاوطته بذراعيها وهي تقول: إدريس.. تمام لم يحصل شيء، فتمتم الصغير بكلماتٍ سمعتها ليلى بصعوبة: الشرير سيأتي وصديقي الجديد لم يأتي ليحميني، تقدمت ايفسون وهي تقول: إدريس..؟ الم ننفق قبل قليل بأن كل شيء على مايرام ياعزيزي؟، نفى الصغير وهو يشد على أذنيه ليقل: أريد أبي.. نادوا أبي، خفق قلب ليلى فالصغير لم يتخطى فعلاً حادثة الاختطاف التي مرّ بها، لتشد على حضنه اكثر وهي تقول: سيأتي والدك.. سيأتي لكن اسمعني أولاً، لا يوجد شرير وأنت هنا معنا، افتح عينيك وانظر.. أنا أختك ليلى وهذه زوجة عمك إيفسون.. أليس كذلك؟، رفع الصغير رأسه ونظر اليهن بمزيجٍ من السكون والقلق ليقل: ارجوكِ ليلى ابلا.. أريد أبي، تبادلا الاثنتان نظرات مشبعة بالحزن، لتعاود ليلى احتضان ادريس وهي تقول: سيأتي.. هو مشغول قليلاً ولكنه سياتي، وفي الجهة الأخرى بعد عدة دقائق.. انهار اكين على أحد الكراسي التي بالقرب من الطوارىء وهو يمسد صدره بخفه، فقد أخبر الطبيب بحالة زوجته الطبية بالكامل ولا يعلم كيف فعل وهو بغير عقله خوفًا عليها، جلست كاراجا بجانبه صامتةً بينما توقفت داملا بجانب جومالي.. وهاهُم بدأو ينتظرون خروج احدهم ليُطمئنهم، وأما ياماش.. فقد تقدم حتى جلس بجانب اكين من الجهة الأخرى ليسأل: كيف ومتى حصل يا اكين؟، فتمتم الآخر: كما قلت.. استيقظت لكي اعطيها دواءها ولكنها لم تستيقظ.. لم تستيقظ ياعمي، ثم رفع راسه وقد نزلت دموعه بحرقة ليردف: لن يحدث لهما شيء اليس كذلك؟ هي و.. وأبني..، احتضن ياماش رأسه فورًا وهو يقول: لن يحصل.. اهدأ وكُن قويًا وزوجتك ستكون بخير، أشاح جومالي بنظراته عنهما وهو يتنهد بقوة بينما شدتّ داملا على ذراعه.. لحظات ورأوا طبيبة تدخل إلى الطوارىء بعجلة ثم تلاها بعد دقائق طبيبًا آخر.. انقبضت قلوبهم لكنهم ظلوا صامتين ينتظرون فقط، وماذا يمكنهم فعل أكثر من ذلك؟ التفت ياماش حين سمع خطوات صالح الذي تقدم نحوهم، فنظر الأسمر إلى ياماش يسأله بعينيه فهتف الأخير بهدوء: ادخلوها إلى الطوارئ.. إن شاءالله أنها بخير، مسح صالح وجهه بخفه ثم تراجع واستند بظهره على الجدار، وبعد مرور عشر دقائق.. قليلة أجل ولكنها كانت ثقيلة كدهرٍ كامل، فكل دقيقة كانت تمرّ قد ضاعفت الخوف في صدورهم، وخصوصًا ذلك الذي يجلس على حاله وهو يهز جسده إلى الأمام والخلف ويتمتم بأشياءٍ ليست مفهومة.. اقتربت كاراجا منه وقد أحضرت بعض الماء، ناولته لأخيها وهي تقول: كُن قويًا..، كان صالح ينظر نحو أبن أخيه بحرقة.. جلس جومالي بجانبه وهو يمسح وجهه بعنف، ليقل: لم يخرج أحد بعد.. ما الذي يجري في الداخل؟، فسعل صالح بخفه ليردّ: لن يحصل شيء إن شاءالله..، رمقه جومالي ليقل: لاتركض مجددًا هكذا، تنهد صالح بخفه بينما خرجت في هذه اللحظة ممرضة.. استقاموا جميعًا وترقبوها فورًا بينما تقدمت هي نحوهم لتقل: من منكم زوج المريضة؟، فخطى اكين إلى الأمام قليلاً وهو يقول بخوفٍ ورجاء: أنا.. هل هي بخير؟، لتُجيب الممرضة بعد لحظة صمت: حالتها حرجة وتم إدخالها إلى غرفة العمليات فورًا بسبب النزيف الحاد وحين تخرج سنخبركم، انحنى اكين قليلاً وكأنه فقد توازنه فتلقفته ذراعا ياماش قبل أن يسقط، بينما بقي الآخرون صامتين بخوف، تنفس اكين بصعوبة ليسأل بنبرةٍ مبحوحة: و.. الطـ.. الطفل؟، فأجابت الممرضة: مع الأسف.. الجنين لم ينجو فقد حصل الإجهاض قبل قدومكم إلى المستشفى ولكن المريضة الآن على قيد الحياة والأطباء يفعلون ما بوسعهم، وذهبت تاركة اكين واقفًا بجسدٍ ارتجف بالكامل، والأخوة يتبادلون النظرات بحزن وقد انربطت ألسنتهم.. ليسمع اكين صوت عمه ياماش الذي حاول أن يقول بصعوبة وهدوء: تماسك.. لم يحدث شيء بعد والأهم أنها هي ما زالت على قيد الحياة، أغمضت داملا عينيها بحزن ولكنها ثبتت بصرها بعد ثوانٍ على كاراجا التي جلست وهي تضع كفّها على بطنها شاردةً وخائفة حين تفوهت الممرضة بأن ياسمين خسرت طفلها.. تراجعت خطوات اكين وانقطعت أنفاسه فجاءة.. فسقط فورًا وسقط معه ياماش الذي كان يُمسكه بينما أسرع صالح نحوهم وانحنى فورًا ليبحث عن بخاخ الآخر..
––––––––––––––––––––
منزل العائلة.. بعد وقت "السادسة صباحًا"
نهضت ليلى برفق من جانب إدريس الذي قد غفى على السرير بهدوء.. استقامت وتلفتت بنظرها في أرجاء الغرفة فهي تقف الآن في وسط غرفة صالح، فالصغير أصرّ على النوم هنا حتى يأتي والده، نظرت إلى الأدراج الصغيرة والرفوف العديدة ولكنها وجدتها جميعها فارغة.. كانت الغرفة خالية إلا من بعض سترات صالح الملقاة على الأريكة وطرف السرير، لم تكن تعلم أنه قد دمّر كل شيء في هذه الغرفة سابقًا في لحظة غضب وحزن شديدين، تقدمت نحو الدرج الكبير وفتحته.. فوجدت سترات وبدلات صالح مرتبة ويبدو أنها لم تُمس منذ فترة، كانت أغلبها سوداء مع بعض القطع الرمادية والحمراء بالطبع.. ابتسمت بخفة ومدّت يدها نحو الدرج الآخر الذي بدا أنه كان يخص زوجته قبل وفاتها، فتحته بعد تردد ولكنها وجدته فارغًا كالغرفة.. أغمضت عينيها بحزن طفيف ثم اغلقت الأدراج ببطء واعادت ببصرها نحو السرير حيثُ ينام إدريس.. وشعرت بمزيجٍ من الحزن والحنان يغمرها، فهي تعرف أن هذا الصغير يحتاج إلى والدته حتى لو تقبّل غيابها بشكلٍ ما.. وتمنّت لو كانت قادرة على أن تخفف ولو قليلاً من ثقل الألم والفراغ الذي يُحيطان بهذه الغرفة وبصاحبها الأسمر ايضًا.. بينما في الاسفل فتحت إيفسون باب المنزل فدخل صالح بهدوء وتعب وذهب فورًا إلى الأعلى.. فليلى قد أرسلت له رسالةً بأن إدريس قد خاف قليلاً وطلب قدومه.. دلفت بعده داملا بحزن وبطء ومن خلفها جومالي فسألتها إيفسون فورًا بقلق: ماذا حدث معكم؟، لتُجيب داملا وهي تخلع حذاءها: مع الأسف خسرت الطفل.. خرجت من العمليات وهي الآن في العناية وينتظرون استقرار حالتها بعد النزيف، وضعت إيفسون يدها على صدرها بحزن ووجع وقد توقعت هذا بينما اردفت داملا وهي تمسح وجهها بتعب: ياماش بقي بجانب اكين وأنا جئت لأطمئن على آسيا وسأعود مع صالح لكي أتحدث مع الطبيبة، فمنعتها إيفسون التي قالت: أنا من سيذهب فأنتِ هناك منذ ساعات، أومت داملا دون إصرار بينما قال جومالي مخاطبًا زوجة أخيه: وخذي معكِ سترة لياماش.. فهو يكاد يتجمد هناك، أومت وذهبت إلى الأعلى.. بينما فتح صالح باب غرفته وتقدم ليجد ليلى تنظر من النافذة، فتقدم ببطء وهو يقول: هل خاف كثيرًا؟، التفتت هي حين سمعت صوته وسُرعان ما تقدمت نحوه لتُجيب: لا.. قليلاً وتدبرت الأمر، فجلس الآخر على طرف السرير وهو يضع يديّه على وجهه بعنف، جلست ليلى بجانبه لتقل: ماذا حصل مع تلك الفتاة؟ هل هي بخير؟، أبعد يديّه بعد لحظات ليقل وهو يتنهد بقوة: ستصبح..، ثم التفت نحو ابنه.. انحنى حتى اتكئ على يديّه وقبله من جبينه وتمّكن من احتضانه بشكلٍ ما والصغير لازال نائمًا.. ولكن أنفاسه أصبحت أكثر استقرارًا وكأنه شعر بوجود والده، مدّت ليلى ذراعها ووضعتها على قدم صالح وهي تبتسم بحزن، فاعتدل الآخر وربت على كفّها بخفه وامتنان ليسمعها صوت طرقاتٍ على الباب.. ظهرت إيفسون بعد لحظات وهي تقول: هل سنذهب يا صالح؟، فمسح وجهه بخفه وهو يستقيم قائلاً: أجل.. سأنزل الآن، أومت إيفسون وتراجعت إلى الخارج لتقل ليلى: أنت مُتعب ولم تنام.. استلقي قليلاً ولو لساعة ثم عُد إلى المستشفى، نفى برأسه وهو يقول: أنا اساسًا لا استطيع أن أنام، وأردف بعدها: إن حصل وخاف مجددًا اتصلي بي فورًا لا تؤجلي الأمر مرة اخرى، التقطت ليلى سترة صالح الثقيلة التي على طرف السرير وتقدمت نحوه أكثر لتجعله يرتديها وهي تقول بنبرة هادئة وصادقة: لم أؤجله.. لكنني تدبّرت الأمر ولم أرد أن تقلق اكثر وأنت بجانب ابن أخيك، وايضًا البس هذه على الأقل لكي لا تبرد، ارتدى الآخر السترة بهدوء وصمت وهو ينظر إليها.. تأملها لثوانٍ بينما وضعت هي يديّها خلف ظهرها وقد رأت في نظراته قليلاً مما تتمنى.. ليهمس بخفوت: لماذا تفعلين هذا؟، ابتلعت ريقها بخفه وارتجف قلبها لكنها تداركت الأمر وقالت بسخريه: لكي لا تبرد، كانت تعلم مايقصده لكنها فضلتّ هذه الإجابة، بينما أومى الآخر بهدوء وخطى ليخرج لتبتسم الأخرى بحزن وهي تنظر إلى ظهره لتهمس: سأخبرك لماذا أفعل هذا ياصالح..، لاحقًا خرج هو وإيفسون وحين صعدت الأخيرة إلى السيارة وقبل أن يصعد هو سمع صوت محمود الذي تقدم وهو يحمل ظرفًا أبيضًا في يده، ليقل: هذه لك يا أخي، نظر صالح بغرابة وهو يلتقط الظرف بينما أردف محمود: جاء رجل يقول أنه من الشركة وأن هذه رسالة طلبوا منه خصيصًا تسليمها لك، قلبها صالح فورًا ليجد الكلمة التي توقعها قد كُتبت على الظرف "الصغير" رسالة أخرى كتبها كارتال! وضعها في جيب سترته وتنهد بعمق ليسأل: ماذا حصل مع ذلك ال*** هل جيلاسون لازال يحرسه؟، ليُجيب محمود: لا يا اخي.. ذهب قبل الفجر واستلم ميكي مكانه، فأومى صالح وهو يقول: جيد المهم أن لا يبقى وحده وانتبهوا جيدًا..، وفي الجهة الأخرى.. في زنزانة الحفرة، فتح سافاش عينيه ببطء شديد وماهي إلا ثوان حتى فزّ من مكانه واقفًا، غطى شعره وجهه فأرجعه إلى الوراء مستغربًا.. ليسمع صوت ميكي الذي كان يجلس على الكرسي بالقُرب من الزنزانة قائلاً: لا تؤاخذينا ياعزيزتي سقطت ربطة شعركِ في الطريق إلى هنا، رمقه سافاش بحدّه و بعينين مثقلتان بالدوار والإنهاك، مرّر يده على مؤخرة عنقه ببطء وكأنه يحاول تذكر آخر ما حدث قبل أن يجد نفسه هنا، ليسأل بعد لحظات بغضب: أين أنا؟ ومن أنت؟، ارتشف ميكي من كوب الشاي ببطء ليقل: انتِ في الحفرة ياذات الشعر الجميل..، هنا استرجع سافاش كل ماحصل ليلة أمس.. من قدوم ليلى حتى ظهور فارتولو وآخرًا بإبرة المخدر التي غرست في ذراعه من قِبل مجنون الحفرة جومالي، ودون أن يظهر شيئًا.. تراجع بإحدى يديه خلف ظهره وتلمس أصابعه بخفه، وسرعان ما ارتسمت ابتسامة خفية على شفتيه حين لمس خاتمه الذي يُحيط بخنصره، رفع نظره بعدها نحو ميكي بهدوء وقد عاد ثباته شيئًا فشيئًا، ليقل بنبرةٍ واثقة تخفي خلفها الكثير من الغضب المكبوت: الحفرة إذن.. لم أتوقع أن أزورها بهذه الطريقة، استقام ميكي دون أي ردّ ونده على الرجال في الخارج ليأتوا ويساعدوه في تقييد سافاش وتعليقه كما أمرهم جومالي بالأمس..
––––––––––––––––––––
مكتب الكبير..
قلب الطاولة بذراعيه غضبًا حتى أصبحت على بُعد أمتار عنه.. ثم التفت نحو رجله وهو يرفع إصبعه قائلاً بحدّه: ستحضرونه! هل سمعت؟ الليلة سيكون سافاش جالسًا هنا أمامي.. هل هذا مفهوم؟، ليقل رجله بتردد: هل أفهم من كلامك ياسيدي أن نهجم على الحفرة؟، ليصرخ الكبير: إن لزم الأمر ستهجمون! لكن لن يُصيب أيّ من الكوشوفالي بأذى، أومى رجله وقال: أمرك ياسيدي..، وخرج مع نزع الكبير لقناعة بعنف.. تنفس بعمق وهو يهمس: الغبي.. الأحمق ال*** كيف عرفوه؟ كيف وصلوا إليه؟، ثم التقط كأس ماء وشرب منه قليلاً حتى سمع رنين هاتفه، فذهب يجلس خلف مكتبه وهو يتنهد بين الحين والآخر لتهدئة نفسه، رفع هاتفه فوجد اتصالاً من محامي ابنه، فعاود الاتصال به وقال حين أجاب الآخر: عساهُ خير؟ هل من جديد؟، ليقل المحامي فورًا والأمل يشّع من صوته: لقد ظهر أن تقرير الطب الشرعي الخاص بالعميد كان مزيفًا..، تصلّب جسد الكبير بارتباك.. هل سيفرح لأملٍ طفيف قد يكون سببًا في براءة ابنه؟ أم سيغضب لأن هذا الأمر لم يكن بإرادته بل بفعل شخص يتعمد الإيقاع بابنه؟ هو الذي يزور التقارير ويزرع في كل جهة حكومية رجالاً يخدمونه ليلاً ونهارًا ومع ذلك.. قضية ابنه كانت مختلفة! فقد زوّر التقرير بنفسه صحيح ليُخفي أنه هو قاتل العميد لكن ذلك كان قبل أن يكتشف أن أحدهم ورّط ابنه وتمكن من وضع سلاحه في موقع الجريمة وتلفيق التهمة إليه، أتاهُ صوت المحامي وهو يقول: سيد عدنان..؟ هل تسمعني؟، تنهد بخفه ليقل: أجل.. أجل ولكن كيف حدث ذلك؟ كيف ومن زيّفه؟
–لانعلم.. وقد فتحوا تحقيقًا بشأن ذلك اساسًا ومركز الشرطة يعجّ بالفوضى، ولكن الأهم الآن هو أن كل الأدلة التي استندت إليها المحكمة لإدانة داهان بحاجة لإعادة فحص وبإمكاننا طلب فتح تحقيق عاجل فورًا بعيدًا عن التحقيقات المستمرة
="بتردد" إذن هناك فرصة لإطلاق سراحه؟
–من المرجح أن يصدر القاضي أمرًا بالإفراج المؤقت فورًا حتى تنتهي التحقيقات الجديدة لكن علينا التحرك بسرعة
=إذن ماذا تنتظر؟ أذهب إلى المحكمة وقم بعملك..، وأغلق الهاتف مع نظرات الكبير التي اتسعت بخفه وبراحةٍ ممزوجة بالخطر، لقد تقبّل الأمر.. بل رآه أفضل أن يبقى ابنه بعيدًا عنه إلى أن ينتهي من انتقامه، لكن الآن.. ربما سيخرج وربما الأسوأ من ذلك أن يُكشف أمر التلاعب والدخلاء بين عناصر الشرطة والذي من الممكن أن يوصلهم بشكل لم يحسب حسابه إليه أو لأحد رجاله الأوائل.. تنهد في النهاية متأملًا ألا يحدث أيٌ من ذلك.. فحتى لو وصلوا لن يستطيعوا كشف هويته ابدًا.. قاطع تفكيره طرق أحد رجاله على الباب، فشتم في داخله وهو يلتقط قناعه مجددًا، ثم ألغى قفل الباب ليتقدم رجله وهو يقول: وصلنا خبر بأن أبن أصغر الاخوة هُنا ياسيدي.. هل تأمرنا بشيء؟، اتسعت ابتسامة الكبير شيئًا فشيئًا من خلف القناع وهو يرتخي على كرسيه.. ليقل: إذن سنلعب مع الكوشوفالي مجددًا..، ثم رفع يده وهو يردف بنبرة حاده: الغوا الهجوم على الحفرة.. واحضروا حفيد الكوشوفالي الجديد لنرى..
––––––––––––––––––––
الحفرة.. المستشفى
أمام العناية.. نهض ياماش حين رأى أخيه وزوجته يتقدمان نحوهم.. بينما ظلّ اكين جالسًا بشرود وكاراجا كما زعمت أو قالت لعمها أنها ستذهب إلى دورة المياه.. ألبست ايفسون ياماش سترته وهي تقول: هل من جديد؟، نفى برأسه ليقل: وضعها يتحسن.. وهناك طبيبة نسائية يجب أن نتحدث معها وليس هناك من هو أفضل منكن في مثل هذه الأمور، أومت إيفسون بينما التفت ياماش إلى صالح الذي سأله: أين كاراجا؟، فأجاب الآخر بهدوء: ذهبت إلى دورة المياه.. وقلت لها أن تتناول شيئًا فهي عنيدة ولا تريد العودة إلى المنزل، ثم أشار بعينيه نحو اكين وكأنه يطلب من أخيه أن ينتبه له، فهو يعلم أن ابن أبيه مهما كان غاضبًا لا يمكن أن يُفرط أو يتجاهل أبدًا، ذهب الأشقر وزوجته للتحدث مع الطبيبة بينما تقدم صالح قليلاً حتى جلس بجوار ابن أخيه صامتًا، أخرج مسبحته وشدّ سترته على جسده ثم وضع رأسه بين يديّه وهو يتنفس ببطء، مرّت لحظات صامته حتى قال اكين بنبرةٍ هادئة بشكلٍ غريب: الم تقُل لي ياعمي أنني سأعيش مع ذلك الألم.. وسأرى ذنبي وندمي عندما أنظر إلى وجه زوجتي وابني؟، رفع صالح رأسه وشدّ على مسبحته بينما أردف اكين: ها قد ذهب أبني الذي لم يولد بعد.. وستذهب زوجتي بسبب ذنوبي التي ارتكبتها، التفت صالح نحو اكين واقترب بهدوء وحدّه ليقل: انظر اليّ.. الأبن يمكن أن يأتي مجددًا.. ولكن زوجتك.. ستكون بخير وحين تنهض ستكون أنت بجانبها لكي تسندها.. ستكون قويًا ومتماسكًا من أجلها حتى لو كنت من الداخل تتقطع لألف قطعة، اغرورقت عينا اكين بالدموع فـ مال بثقل جسده على عمه الذي احتضنه بذراعيه وهو يقول بخفوت وحنان: ستكون بخير.. وستصبح أبًا من جديد، اغمض اكين عينيه بلا إرادة منه من شدّة التعب والإرهاق وهو يردد: ستكون..، وبعد وقت عاد ياماش برفقة زوجته ليجد اكين يضع رأسه في حضن عمه الذي يمسد عينيه بقوة، فسأله بخفوت: هل نام؟، رفع صالح رأسه ونفى بعينيه وهو يقول: تؤ.. مُغمض العينين فقط، ثم أردف: ماذا حصل معكم؟، لتُجيب إيفسون: سيصبح كل شيء على مايرام، أومى صالح بينما تنهد ياماش بخفه وتراجعت إيفسون بعد لحظة عندما رنّ هاتفها.. وابتعدت عنهم قليلاً، أجابت وهي تقول: الو؟
–إيفسون..
=من أنتِ؟
–أنا نهير..
جلس ياماش بجوار اخيه ثم قال: عُد إلى المنزل يا صالح وارتح قليلاً أنا سأبقى هنا..، ليقل الآخر وهو يمسح على شعر اكين: بالأصل أنت اذهب وأعِد زوجتك إلى المنزل، فقال ياماش بعد ثوانٍ وهو يتأمل اكين: أنا لن أتركه..، لتقل إيفسون التي تقدمت نحوهم: إذن أعطني مفتاح سيارتك يا ياماش لأعود بنفسي، استقام الأخير ليقل: لا.. حسنًا سنعود معًا، فقالت ايفسون بخفوت: أنا أعرف.. أنت تريد البقاء هنا.. وأساسًا وجودكم حوله يُفيده، تنهد ياماش وأخرج مفتاح سيارته ليناوله للأخرى وهو يقول: انتبهي لنفسكِ..، أومت بهدوء ثم ذهبت، بينما في الجهة الأخرى من المستشفى.. خرجت كاراجا من المختبر بعد أن أجرت تحليل دم خاص بالحمل، لتتأكد وتتابع حملها بسرية.. فهي لم تجد سوى هذه الفرصة للقدوم إلى المستشفى فاستغلتها على الفور، فلو ذهبت في وقت آخر لكانت أثارت شكّ الجميع.. عادت إلى أعمامها وأخيها وهي تحمل أكواب الشاي بهدوء، ناولتهم إياها وجلست مقابلهم محافظةً على نفس هدوئها، ليقل صالح وهو لازال يمسح على رأس اكين الذي في حضنه بحنيه: كاراجام؟ هل تريدين أن اعيدك إلى المنزل؟، نفت برأسها وقالت: أنا بخير ياعمي..، صمت صالح بهدوء ليقل ياماش: يااا كزم فلتذهبي فوجودك لن يغير شيء، حينها هتف اكين وهو مغمض العينين: مايقوله عمي صحيح.. وانت ايضًا ياماش امجا اذهب، تنهد الأخير بحزن بينما رمقتهم كاراجا بهدوء لتقل: حسنًا..، فالتفت ياماش نحو صالح وهو يقول: أعطني مفتاح سيارتك إذن، ناوله الآخر مفاتيحه وحين خرجوا من باب المستشفى قابلهم جيلاسون الذي هتف فورًا حين رآهم: زال البأس يا أخي.. لقد جئت فور سماعي لما حصل، تنهد ياماش وهو يقول: سلمت يابني.. ستصبح بخير إن شاءالله، أومى جيلاسون ونظراته على كاراجا التي وقفت صامتة ليردف ياماش: وحقًا مجيئك في وقته خُذ كاراجا وأعدّها إلى المنزل، وتراجع إلى الداخل فورًا بينما توجهّت كاراجا لسيارة عمها متجاهلة جيلاسون الذي زفر بقوة ولحق بها وهو يقول: سيارتي هناك ياسيدة كاراجا، تأففت واستدارت متجهةً معه نحو سيارته، هي غاضبة من جيلاسون بشكل سيء بسبب ما قاله الليلة الماضية.. كيف له أن يقول "سأصبح والد الطفل"؟ بأي حق يصبح والده وتولغا ما زال على قيد الحياة؟ ولكنها اكتفت بأن تأخذ منه موقفًا حازمًا دون كلمة غضب واحدة.. توقفت قبل أن تصعد لوهلة ثم عادت بخطواتٍ سريعة نحو مقعد السائق متجهة إلى جيلاسون الذي كان يقف هناك وملامح الاستغراب تملئ وجهه، لتقل حين توقفت أمامه: لدي مواعيد هنا.. وأنت ستساعدني وستحضرني إلى المستشفى دون علم أحد حسنًا؟، صمت الآخر للحظاتٍ ولم يجد سوى أن يهز رأسه ببطء موافقًا، ليقل حين استدارت هي: أنا قلت لكِ من قبل.. أنا بجانبك مهما حدث، تجاهلته وصعدت إلى السيارة التي تحركت عائدة إلى منزل العائلة..
––––––––––––––––––––
امام الشاطئ..
كانت إيفسون تجلس أمام نهير بعد أن أخبرتها الأخيرة باختصار أنها مريضة.. وأنه لم يتبقى لها الكثير من الوقت في هذه الدنيا، فطلبت منها أن تُحب ياماش جونيور.. أبن ياماش، أبنها الذي أبعدتهُ عن والده لحمايته من عالمه لكنها الآن لم تعد قادرة على ذلك.. قالت لها "لقد أصبح أبنكِ بعد الآن.." مرّت لحظة صمت وإيفسون شاردة الذهن.. فبالرغم من أن الأوضاع في الحفرة ليست على ما يرام إلا أنها لم تستطع أن تخبر نهير بشيء، ولم تستطع رفض طلبها فالطفل ليس لديه إلا والده.. وعائلته وعالمه، فقالت بخفوت وهي تبتسم: سأضعهُ في مكانة ابنتي ماسال..، ابتسمت نهير ودمعت عيناها حين أعادت بنظرها إلى ابنها الذي كان يلعب بهدوءٍ قُرب البحر، وبعد وقت.. هاهي إيفسون تقود سيارة زوجها عائدة إلى الحفرة وفي الخلف يجلس ياماش جونيور أبن زوجها من امرأة أخرى.. لا..! هو أصبح ابنها بعد الآن سيقول لها أمي وستُحبه وستُعامله كما تعامل ابنتها تمامًا.. كان الصغير ينظر من النافذة بفضولٍ طفولي بريء فيما كانت إيفسون تمسك المقود بقوة.. صدرها يضيق تدريجيًا وكأن ثقل الوعد الذي قطعته يضغط عليها أكثر من أي شيء، فالأمانة والمحافظة عليها حتى تعود إلى أصحابها هي أثقل ما يمكن احتماله.. فكيف لو كانت الأمانة بشرًا؟ وبشكلٍ أبديّ؟ وماذا لو أصابه مكروه..؟ نفضت إيفسون رأسها سريعًا تُبعد عنها تلك الأفكار الغبية، التفتت تنظر إليه بابتسامة.. ليسألها الصغير: إلى أين سنذهب؟، فقالت بهمس: إلى والدك..، وحين عادت ببصرها إلى الأمام صرخت بقوة حين رأت أن سيارة مدرعة اعترضت طريقها.. حاولت إدارة المقود بسرعة لتبتعد لكن الأوان قد فات، وفي لحظة خاطفة كالبرق.. انقلبت السيارة على جانب الطريق، وبعد لحظات.. نزل أحدهم مرتديًا السواد من السيارة الأخرى وتقدم بهدوء حتى انحنى وسحب الطفل من النافذة التي تهشّمت، فيما حاولت إيفسون الهمس بشيء وهي تجاهد للبقاء واعية رغم تشوش رؤيتها وهي ترى أحدهم يسحب الطفل الفاقد لوعيه.. حمله الآخر بهدوء وعاد به إلى السيارة المدرعة التي تحركت على الفور بسرعة فائقة بينما استسلمت الأخرى للسواد الذي يُحيط بها..
––––––––––––––––––––
الحفرة.. المستشفى بعد عشرون دقيقة
أعاد ياماش هاتفه إلى جيبه وهو يتأفف.. ليسأله صالح: ماذا حدث يابني؟، فأجاب ياماش وهو يمسح وجهه: هذا هو الاتصال الثالث من رقمٍ غريب وفي كل مرة أُجيب لا يسمعني ولا أسمعه، عقد صالح حاجبيه وهو يقول: ربما لا يلتقط؟، رفع ياماش كتفيه ثم تنهد بخفه وهو يقول: على كل حال.. نسيتم إحضار دواء ياسمين الذي طلب الطبيب معاينته أليس كذلك يا صالح؟، فضرب الأخير مقدمة رأسه وهو يقول: نسيت اخبار زوجتك بأن تأخذه، أتاهُم في لحظتها صوتًا هتف: أنا أحضرته..، التفت اكين ليجد ليلى تقف وبيدها علبة دواء ياسمين، مدّ ياماش ذراعه ليأخذ الدواء وهو يقول: سلمتِ يا ليلى، بينما قال صالح: لماذا أتيتِ؟، فقالت ليلى وهي تضع يديها في جيوبها: داملا أخبرتني بشأن الدواء وكنت في الأساس ذاهبة إلى شقتي لأخذ بعض الأغراض وسيارتي ايضًا فقلت أن أحضره في طريقي، ولا تقلق أبنة أخيك كاراجا بقيت مع إدريس، فقال ياماش: لماذا لم تخبري أحد الشباب لكي يحضرها؟ خروجكِ خطر وأنتِ تعلمين هذا، نفت بحاجبيها وهي تقول: لم أعتد أن أعتمد على أحدٍ يومًا وايضًا أن أُحبس في المنزل، ليقل صالح وهو ينظر بطرف عينه: ولكن الوضع يتطلب هذا يا سيدة ليلى.. ولن تُكرريها، لم تردّ بل ابتسمت بشكلٍ غير ملحوظ بينما نهض ياماش حين رنّ هاتفه مجددًا بذات الرقم الغريب، فقال وهو يناول علبة الدواء لاكين: سأخرج لأجيب على هذا الذي سيفجر رأسي من كثرة اتصالاته، نهض اكين بعد ذهاب عمه ياماش وهو يقول مخاطبًا ليلى وعينيه لا تجرؤان على النظر إلى عينيها: شكرًا لأنكِ أحضرتي الدواء..، تجاهلته هي فذهب وهو يقول: سأعطي الدواء للطبيب ياعمي، أومى صالح بقلة حيله لتجلس ليلى بجانبه وهي تقول: لقد هربت الخادمة، فضحك صالح بخفه وهو يسعُل رغمًا عنه ليقل: قولي منذ البداية انكِ ذهبتي فقط لمواجهتها جنم، صمتتّ هي لثوانٍ بسبب سُعاله لتقل: أنت لستَ بخير..، ليُجيبها بعد أن هدء سُعاله وتنهد بخفه: ومتى كنتُ اصلاً؟، ثم اسند ظهره إلى الكرسي وهو يردف: انظري المصائب لا تتركنا وأنا اختنق حقًا..، تنهدت بحزن لكنها قالت بهدوء: إذن ربما تحتاج إلى البحر لتنفض همومك قليلاً.. مع أنني أرى أن البحر لا يأخذ شيئًا سوى الوقت أما الهموم فتبقى كما هي، ضحك هو بخفه ليردّ: هذه العادة لازمتني منذ خروجي من المستشفى بعد الغيبوبة ربما لأنها كانت متنفسي الوحيد..، وضعت رأسها على كتفه بحركة عفوية، ثم قالت بعد لحظات: لم تعُد كما كنت..، التفت صالح برأسه قليلاً ينظر إلى شعرها، ليقل بعد لحظة صمت: في هذه أنتِ محقه.. حتى لو لم تعرفيني من قبل كثيرًا، فابتسمت بخفه لتقل: لا يهم.. أنا أعرف قلبك جيدًا وهذا يكفي، أشاح هو بنظره ببطء حائرًا لحظة سماعه لكلمتها هذه.. بينما أردفت ليلى بنبرة هادئة: ما أقصدهُ عندما قلتُ أنك لم تعد كما كنت.. هو أن فيك شيئًا قد انكسر وأنت تخشى ترميمه، وربما.. ما تحتاجه حقًا ليس البحر بل أن يُحبك أحدهم مرةً أخرى دون شروط، شعر ببرودة سرت في جسده لكنه ظلّ صامتًا ينظر إلى الفراغ وهو يشعر بثُقل رأسها على كتفه، لتُكمل هي بالكلمة التي توقع سماعها: وأنا.. أحبك يا صالح، بينما في الجهة الأخرى.. غطى ياماش احدى أذنيه من ضجيج سيارة الإسعاف التي توقفت على عجل أمام مدخل الطوارئ وهو يتحدث مع الطرف الآخر عبر الهاتف، فسمعهُ يقول: أنت ياماش كوشوفالي؟، ليُجيب: أجل ماذا تريد حبًا فالله؟، ليقل الآخر: تعرضت سيارتك لحادث سير على طريق ^^^ وكانت تقودها امرأة نُقلت فورًا إلى المستشفى، ارتخت يده التي تحمل الهاتف ببطء وهو يحدق بصدمة وأعين متسعة نحو النقالة التي أدخلها الممرضون بسرعة إلى قسم الطوارئ، مرّت من أمامه تلك النقالة التي تحمل إيفسون فاقدةً وعيها..
إلى اللقاء في البارت القادم..
أنت تقرأ
لا يوجد سوى الألم..
أدب الهواةسيناريو بأحداث مختلفه للجزء الرابع "Çukur" *ملاحظه: هذه المره الأولى لي في كتابة شيئًا ما..
