"ها قد مُت مع الأسف.."
اقترب من المقهى وتجمد في مكانه بأعينٌ مُتسعة من هول ما يرى، المشهد ذاته.. ديجافو سيء ومشهدٌ تمنى لو أن الزمن يأبى تكراره، تقدم الأشقر بخطواتٍ بطيئةٍ مُثقلة وكأن الأرض تجذبه نحوها وتأبى أن تُطلق سراحه حتى كاد أن يفقد قدرته على الحركة، رفع يده ووضعها على أحدى أذنيه وهو يُغمض عينيه هامسًا "لا.. لم يحصل" أتى جيلاسون ومتين ركضًا على صوت الرصاص.. أيقظت صرخة جيلاسون عقل ياماش الذي كان يحاول الهروب من هذا المشهد، صرخ جيلاسون وهو يتقدم برفقة متين نحو جومالي وصالح "هل أنتما بخير؟ ماذا حصل!" فتح ياماش عينيه ليرى أخيه جومالي يحاول رفع صالح من فوقه والأخير كان يُمسك رأسه بشدة، لتتسارع أنفاس الأصغر فجاءه من جديد وأندفع جسده بكل ما أوتي من قوة نحو أخوته، ركض بقلبٍ يشتعل كالجمر.. لم يُصيبا.. يبدو أنهما بخير، ولم يكاد ينحني بجانب أخوته وهو يسأل: هل أنتما بخير؟، إلا وزحف صالح بسرعةٍ وخوف ناحية وليّ الذي كان مُمددًا على حاله، فهتف صالح وهو يتفقد جسد صديقه: لا لا لا.. أرجوك لاتفعل يا وليّ، ركض ياماش نحو أخيه وصديقه ونهض جومالي وهو يضغط على ذراعه بقوة وأعينهُ على وليّ بقلق مع اقتراب جيلاسون ومتين بصدمه، تفحصّ صالح وليّ بقلق وخوف ورجفةٍ لا إرادية، ليهمس: لايوجد نزيف!، جلس ياماش بسرعةٍ وقلق على ركبتيه قُرب وليّ وامتدت يده لعنق الآخر يتحسس نبضه، ومرّت لحظةً ليهمس بنبرةٍ مرتجفة: أنه حيّ..، ولم يُكمل جملته حتى سعل وليّ فجاءه بقوة وهو يرفع يديّه يتحسسّ صدره بعنف وألم، تجمد ياماش وبالمثل صالح الذي هتف: وليّ!، فقال الأخير بألم وهو يغلق عينيه بقوة: ساعدني يا صديقي أخرجها أخرجوها بسرعة..، قالها وهو يحاول نزع شيء كما لو أنه يريد نزع سترته وقميصه، أمسك صالح بيديّ وليّ وهو يحاول منعه بعينيه اللتين تضطربان بخوف ليقل بصوتٍ مبحوح: تمهّل.. لا تتحرك يا وليّ، ومن ثم صرخ ياماش مُخاطبًا الشباب: اتصلوا على الإسعاف بسرعة، ليقل وليّ وهو يضغط بأصابعه على ياقة قميصه وكأن صدره يشتعل نارًا: لا تتصلوا .. فقط أخرجوها، أخرجوا هذه السترة اللعينه، تبادل ياماش وصالح نظراتٍ متوترة ثم مدّ الأخير يديه بسرعة وهو يفتح أزرار قميص الآخر، ثوانٍ ونزع وليّ السترة الواقية من على جسده وعاد ليستلقي أرضًا وهو يتنفس بقوة، صفّن صالح نحو السترة التي رُميت ارضًا باستغراب بينما جلس ياماش وهو ينظر بعدم فهم، ليقل صالح بهمس: هذه..؟، فقال وليّ بصعوبةٍ وهو يبتسم: السترة الواقيه التي حدثتُك عنها سابقًا.. من الجيد أنني جربتها أخيرًا، دفع صالح السترة بغضب وهو يقول صارخًا: كدت تفقدني عقلي ياهذا، تنفس ياماش بقوة والتفت حين قال جومالي: تأكد من جسدك ياصالح، فالتفت الأخير بالمثل ليسأل: لم يحدث لي شيء هل أنتَ بخير يا أخي؟، أومى جومالي ليقل ياماش وهو يمسح وجهه بعنف: الحمدلله.. الجميع بخير، واستداروا جميعًا وجلس وليّ بصعوبه ينظرون لجثة كنان حين تقدم متين وهو يُشير ناحيته ليقل: إلا هو.. لقد مات، ليهتف صالح: ماذا حدث بحق ال***؟، فقال ياماش بعد لحظات بخفوت: بسببي..، نهض وليّ على أقدامه وهو يضغط على صدره بألم بينما أقترب جومالي وشدّ على ذراع صالح ليرفعه واقفًا، ليقل الأخير وهو لايزال ينظر إلى جثة كنان: أريد أن أفهم ما الذي حدث هنا! كيف أفلت من الزنزانة؟ كيف وصل إلى المقهى؟، ليقل جومالي: رقبتك تنزف أدخل لتضمدها وسنعرف بعد قليل ماذا حصل، ليقل صالح: أنا بخير، اقترب ياماش ناحية أخيه ليقل: سأخبرك تعال لنضمد جرحك أولاً، ونظر إلى جومالي متفحصًا ليردف: وأنت يا أخي ذراعك تنزف، ليقل جومالي: مجرد خدش، دخل وليّ قبلهم إلى المقهى وتبعهُ جومالي الذي يقود صالح أمامه، بينما في الخارج أقترب ياماش من كنان ليقل: أيها اللعين.. كنا نريدك حيًا لوقتٍ أطول، ليقل متين: ماذا حصل يا أخي؟، فتنهد ياماش ليقل: عديم الشرف استطاع الهرب حين أتيتُ لأتكلم معه، ثوانٍ وقال وهو يمسد مؤخرة رقبته: أخذوه من هنا يامتين، أومى متين واستدار ياماش ليعود إلى المقهى وهو ينظر لكفّ يده الذي تلطخ ببعض الدماء.. فالكرسي الذي ضرب رأسه في الزنزانة ضربه بشكلٍ سيء.. مسح يده ودخل المقهى، ليقل صالح الذي كان يقف أمام وليّ ناظرًا إلى صدره حيث الكدمة التي تسببت فيها الرصاصة بالرغم من استقرارها في السترة الواقيه: يجب أن تذهب إلى المستشفى، ليقل وليّ بابتسامة: أنا بخير.. ألا يكفي أن الرصاصة لم تخترق جسدي؟، ليقل ياماش: وهذا جيد، فلو حصل لك شيئًا كنت سأحمّل نفسي الذنب، ثم صمت قليلاً وقال: ولكن لماذا ترتدي سترة ياوليّ؟، ليُجيب الأخير وهو يغمز: لدي أسبابي الخاصة، أبتسم ياماش وجلس، ليقل صالح وهو يجلس بجانبه: أخبرني حقًا ماذا حدث؟، ليقل ياماش وهو يأخذ بعض المناديل ويمدّ ذراعه ليمسح جرح رقبة أخيه الذي أصيب به حين انقاذه لأبنه من ذلك المركز: عاد لينزف يا صالح لماذا لاتعتني به؟، ليقل صالح وهو يُبعد المناديل بغضبٍ طفيف: لا تدعني أبدا بهذا الجرح، كادت أن تحصل مصيبة قبل قليل يا ياماش! أخبرنا ما الذي حصل، نظر الجميع بانتظار أصغرهم ليتحدث، فقال ياماش بعد أن تنهد بخفه: ذهبت لأتحدث معه بشأن رسمة إدريس لعلّه يتعرف عليها، لم يُجيب أحد ونظر صالح ليقل: اييي؟، ليقل ياماش: ومن ثم عديم الشرف هجم عليّ ولا أعرف كيف حررّ قيوده، أخذ سلاحي وسترتي وفعل ما فعله، ليقل جومالي بحدّه: كيف يستطيع أخذ سلاحك هااا؟ رجل بطولك كيف يستطيع شخص مُقيد أن يتهجم عليه ويأخذ سلاحه؟، ليقل ياماش: ضُرب رأسي بالكرسي وتغبشت عيناي ولم استطع مقاومته كثيرًا ال***، نزع جومالي سترته لحظة دخول جيلاسون وقد أحضر بعض الضماد والمطهر، ليقل صالح وهو يتفحص رأس ياماش: ولماذا تفتح الزنزانة وتصبح قريبًا منه وأنت بمفردك؟، ليقل ياماش: هل أحدّثهُ من خلف القضبان؟، عقد صالح حاجبيه ليقل بجديّه: أجل! كما كنت تحدثني حين وضعتني هناك قبل سنوات هل نسيت؟، نظر جومالي ووليّ باستغراب بينما فلتت ضحكة من ياماش ليقل: وهل يعقل أن أنسى، ليقل وليّ بعد لحظة صمت وهو يقف ليُقفل أزرار قميصه: الحمدلله لم يستطع ذلك ال*** فعل شيء ومضت على خير، أومى ياماش براحه بينما قال جومالي وهو يضمد ذراعه بقوه: أنا التالي بعد والدتي، نظر ياماش بقلق، ليسأل بعد لحظات: ماذا تعني؟، ليقل جومالي بهدوءٍ على غير العادة وهو مُنشغل بتضميد جرحه: يبدو أن ذلك ال*** يتحرك بالتدريج، أخذ أمي ويريد أخذي بعدها، انخرس لسان ياماش وبلع ريقه بخفه بينما التقط صالح بعض الضماد بقلة حيله وهو يقول: لن يأخذ احدًا، صمتوا جميعًا وأمسك صالح برأس ياماش ليُديره إلى الجهة الأخرى، فقال الآخر وهو يُبعد يديّ صالح عنه: ماذا تفعل؟ جرحك هو من يحتاج إلى تضميد، ليقل صالح فورًا بتلقائيه: أصمت واستدر، زفر ياماش بضيق وانصاع لأمر أخيه بينما قال جومالي وقد رفع عينيه ناحية وليّ الذي التقط سترته بغضب وهو يضع يده على صدره متألمًا: خاطرت بحياتك من أجلنا.. سلمت يا وليّ، ليُجيب الأخير وهو يرتدي سترته مبتسمًا بالإجبار رغم الألم والغضب اللذان يتضحان على ملامحه: لأكن صريحًا لو لم أكن أرتدي تلك السترة لما قفزت وخرجت هكذا، وخرج دون سماع أي رد حين لمح رجاله الذين كانوا مُكلفين بحماية كنان أمام المقهى، خرج وصرخ بهم: هل أنتم *** ياهذا؟ كيف يخرج ذلك الرجل من الزنزانة ويُحرر قيوده دون أن تشعروا به؟، فصرخ ياماش من داخل المقهى: لا تصرخ عليهم يا وليّ فذلك ال*** ليس بهيّن، ليقل صالح: جرحك ليس عميقًا، ليرد ياماش وهو يستدير بعد أن ضمد صالح جرح رأسه: اجل أعلم هذا والآن أصمت واستدر، وفعل ذات الحركة بأن دفع رأس أبن أبيه بيده لكي يرى جرحهُ جيدًا، ليقل جومالي وهو يتأمل أخويّه بعد أن أرتدى قميصه: وأنا الأكبر لا أحد يهتم بي، ليقل ياماش يحاول اغاضته: أذهب إلى زوجتك، ضربهُ جومالي على كتفه بغضب ولحقها بضربة أخرى ولكن هذه المرة لكتف صالح الذي قال متعجبًا: لماذا تضربني؟، فقال جومالي: مرةً أخرى لا تقفز أمامي هكذا هل فهمت؟، ليقل صالح: سامحك الله تقول لوليّ سلمت وأنا تضربني لأني حميتك؟، ليقل جومالي بغضب: لا تحمني ياهذا أسُدي لي معروفًا وأحمي نفسك فقط، واستقام ناحية منضدة الشاي، وارتسمت ابتسامة خفيفه على شفتيّ صالح، ليقل ياماش بخفوت: جومالي كوشوفالي الذي لا يعرف كيف يُظهر مشاعره بشكل صحيح، ثم أردف بخفوت مازحًا: لقد خاف عليك، عمّ الصمت لثوانٍ ليقل صالح بعد عودة جومالي ليجلس: ماذا قال لك؟، ليقل ياماش الذي أنتهى من تضميد جرح أبن أبيه: من؟، فقال جومالي الذي عرف مقصد صالح: ذلك ال*** حين رأى الرسمة، اساسًا قلتُ لصالح قبل أن يخرج في وجوهنا بأن نسأله عنها، ليقل ياماش بعد أن تأمل ملامح أخويّه: لقد سبقتكم إذن..، ليقل صالح: ويا ليتك لم تفعل، تنهد ياماش بخفه وقال بعد لحظات: قال لي أسم..، أقترب صالح ليقل وقد ضيّق عينيه: أسم؟، أومى ياماش ليقل: ربما ظنّ أنني فقدت وعيي قبل أن أسمع ما تفوه به، ومن الواضح أن المدعو سافاش لا يروق لكنان فقد قال "سافاش الحقير الذي أتهمني وجعل كبيري ينفيني"، عقد جومالي حاجبيه بعدم فهم بينما قال صالح بترقب: سافاش؟، ليقل ياماش: أجل.. من رسمهُ إدريس وهو الذي من الواضح أنه كان مشرفًا على احتجازه أسمه سافاش ويبدو أن أعوان الكبير ليسوا على وفاق، صفن صالح بغضب بينما قال جومالي فورًا: سافاش ماذا؟، نفى ياماش برأسه وهو يُجيب: لا أعرف لم يُقل سوى أسمه الأول دون كنيته، واستقام ببطء وهو يردف: يعني.. على الأقل خرجنا بشيء من ذلك الكنان قبل موته، فالتفت الثلاثة حين سمعوا محركات سياراتٍ تقف أمام المقهى، وانتفضوا حين اتضح أنهم العائلة.. النساء والأطفال برفقة رجال وليّ الذين كانوا يحرسون المنزل الأمن والذين أحضروهم الآن إلى الحفرة.. هرع ياماش إلى الخارج قبل أخوته وهو يقول لإيفسون التي ترجلت ببطء خلف داملا: ماذا حصل؟، لتقل بخفوت: نحن بخير، خرج صالح وجومالي ليقل الأخير مُخاطبًا زوجته: قولوم؟ مابكم؟، لتقل داملا فورًا: الجميع بخير.. لاتقلقوا، مسح صالح على رأس أبنه من نافذة السيارة واستدار حين سمع داملا تردف وقد أخرجت ورقة من جيبها: ولكن..، تقدم ياماش بقلق ليقل: ماذا؟، فناولته داملا ورقة صغيرة وهي تقول: لقد وجدوها الرجال على سياج المنزل الخارجي، أخذها ياماش بتوتر وأقترب صالح منه ببطء، ليقرأ ياماش الورقة بصوتٍ مسموع "تبقى يومان فقط.. ولا تظنوا أنكم ستفلتون أنتم وعائلتكم التي تُخفونها إن لم أحصل على الماستي" فعل جومالي حركة فمه المعتادة بغضب بينما مسح صالح وجهه هو الآخر بغضب، وياماش.. الذي طوى الورقة بقبضته بقوة وهو يهمس: نور الدين..، لتقل إيفسون: وصلوا إلى المنزل الذي تقولون بأنه آمن، لتقل داملا: ولذلك سنعود لمنزل العائلة هذا أفضل حل، ليقل صالح فورًا: لا.. ستذهبون إلى منزلي الآخر سأتصل بمراد لأخبره، لتقل داملا فورًا: منزلك الذي يبُعد نصف ساعة من الحفرة يا صالح؟، صمت الجميع لتردف داملا: سنعود إلى منزل العائلة فكما كنتم تقولون قديمًا سنكون في مكان واحد وبالقُرب من بعضنا لكي نحمي انفسنا بشكلٍ أفضل، ومن ثم فتحت حقيبتها لتُظهر سلاحها وهي تقول: ونحن مُحتاطون اساسًا، مسح جومالي وجهه وشعره بغضب بينما نظر ياماش نحو إيفسون التي أومت إليه بهدوء لتوضح أنها تحمل سلاحًا هي الأخرى.. ليقل ياماش: لن تفعلوا إلا عند الضرورة القصوى.. ولن تخاطروا وتظنوا بأن الأمر هيّن لأنكم تحملون أسلحة وحسنًا عودو إلى منزل العائلة وميكي ومحمود سيذهبان معكم، ومسح وجههُ ثم أتجه ناحية أبنته التي تظهر رأسها من النافذة وهي تبتسم ببراءه، قبّلها ليسأل صالح بقلق وهو يتفحص السيارات: أين كاراجا؟، لتُجيبه داملا: هي في منزلك منذ الصباح واتصلت بها ونحن في الطريق إلى هنا وقالت أنها بخير، تنهد صالح بغضب وتمتم بصوتٍ غير مسموع: هي وأخيها سيُصيباني بالجنون ببقائهما في ذلك المنزل، لحظاتٍ وذهبت السيارات بإتجاه منزل العائلة ووقف الأخوة أمام المقهى بصمتٍ غاضب.. فنور الدين وصل إلى المنزل الآمن كما كانوا يظنون وكان يستطيع إيذاء النساء والأطفال ولكنه فضّل التهديد أو ترك علامة تُبين معرفته بمكانهم، فهو كما قال كارتال لا يستطيع قتلهم أو فعل شيء قبل أن يجد الماسته، وفي لحظة الصمت هذه التي كسرها صراخ ياماش الغاضب وهو يرمي الورقة ارضًا، ذهب صالح وجلس على عتبة المقهى بينما هتف جومالي لأخيه الأصغر: ذلك الحقير ماذا سنفعل معه؟ أنظر لقد تمادى كثيرًا وصبري بدأ ينفذ، ضحك ياماش بغرابة وهو يصرخ: كعادتنا.. لن نفعل شيئًا سننصاع ونسمع ونتركهم يسرحون ويمرحون، تنهد جومالي بقوة بينما أردف ياماش: واحدًا لا يخرج أمامنا كالرجال والآخر يريد الماسةً لا نعلم في أي *** تكون، ثم صمت لوهله ليردف بعدها بحدّه: ولكننا لن ننتظر.. يكفي.. يكفي!، رفع صالح رأسه عاليًا وأغمض عينيه ليتنهد بعمق فتقدم جيلاسون ناحيته وهو يسأل: هل أنت بخير يا أخي؟، أبتسم صالح بحزن ليومي بخفة وهو ينظر إلى أخويّه بقهرٍ وعجز وغضب مثلهما تمامًا وخاصة الأصغر..
––––––––––––––––––––
منزل صالح خارج الحفرة.. صباحًا
نزلت كاراجا من السلالم بخطواتٍ ثقيله مترنحه وبعينين مرهقتين من السهر وربما البُكاء، لتلمح جيلاسون يتحدث مع مراد في الأسفل، اقتربت منهما فالتفت جيلاسون على الفور حين شعر بقدومها، لتقل هي باستغراب: جيلاسون؟ ما الذي جاء بك إلى هنا؟، ليرد الآخر وهو يبتسم بخفه: جئتُ لأخذكم.. أو بالأصح لأعُيدكم إلى الحفرة أنتِ واكين، وقبل أن تعترض كاراجا أردف جيلاسون وهو يرفع أصبعه: هذا مايريده أخي صالح، صمتت هي مع نزول اكين الذي تقدم نحوهم وهو يقول: سمعت بأنك ستأخذني، ليقل جيلاسون: مثل ما سمعت..، ليقل اكين ببرود: وبدون استشارتنا، هنا قال مراد بهدوء: ماحدث البارحة لم يكن جيدًا، مسحت كاراجا وجهها بقوه لتقل: أنا لن أعود..، عقد اكين حاجبيه ليقل: ولماذا ياسيده كاراجا؟، تجاهلتهُ الأخرى وقالت تُخاطب جيلاسون: لن أذهب وسأتحدث مع عمي لكي أبقى هنا، وذهبت تمشي بترنح وهي تضع يدها على بطنها، شرد جيلاسون لوهلة وهو ينظر إلى ظهرها، بينما قال اكين وهو يبعد قليلاً نحو الشرفه: وأنا لن آتي، ضحك جيلاسون باستهزاء بينما قال مراد: أذهب ولاتنتظر فأنا بإمكاني إحضارهما حين يتكلم أخي صالح معهم، صمت جيلاسون وذهب، ولكن ليس للخارج بل للأعلى حيثُ كاراجا، رأى طرف بابٍ لأحد الغرف مفتوح قليلاً، فتوجّه إلى الغرفة التي تقطن فيها كاراجا حاليًا، وحين دخل كانت هي في دورة المياه، توقف قليلاً وهو يجوب بأنظاره في الغرفة التي تعمها الفوضى، وقبل أن يستدير ليخرج وقد تراجع عن التحدث معها لمح شيئًا ما موضوع على السرير، وبجانبه هاتفها بشاشته المُضيئة على رسالة ما ومن الواضح أنها لم تغلقه، تقدم بفضول وقلق في آنٍ واحد، التقط شيئًا يبدو كالقلم، وحين قلبه استوعب بأنه جهاز اختبار حمل.. اتسعت عيناه حين رأه إيجابي، تردد جيلاسون لوهلةٍ قبل أن يمدّ يده نحو الهاتف، رفعهُ ليجد رسالة من تولغا أُرسلت منذ ساعة وكانت مقروءة.. فبدون تفكير قرأ رسالة تولغا التي كانت "أدركتُ أنني تسرّعت وأخطأت، وأن ما بيننا لم يكن حبًا حقيقيًا من جانبكِ بل كان محاولة يائسة لتعويض ما لا يُعوض، أعلم أنكِ لا ترينني أنا بل تبحثين في وجهي عن شبح زوجكِ الذي فقدتيه، وأنا لا أريد أن أكون بديلاً باهتًا لرجل آخر ما زال يسكن قلبكِ، لقد أحببتكِ بصدق يا كاراجا وكررتُ ذلك مرارًا لكنني لم أسمعها منكِ يومًا.. واستوعبت كل شيء حين رويتي لي قصة زوجكِ، ومنذ تلك اللحظة عرفتُ حقيقة مشاعركِ وبأن مكاني ليس هنا لذلك.. سأرحل دمتِ سالمة"، نظر جيلاسون متعجبًا ومصدومًا.. والتفت حين خرجت كاراجا من دورة المياه وهي تمسح وجهها، اتسعت عيناها حين رأته يقف في وسط الغرفة وهاتفها في يده، فتقدمت فورًا بغضب وهي تأخذ الهاتف من يد جيلاسون الذي كان صامتًا ينظر إليها، رمت الهاتف على السرير بعنف ثم هتفت وهي تحدّق فيه بعينين دامعتين بمزيجٍ من الغضب والارتباك: من سمح لك بأن تعبث بأشيائي؟، ظلّ جيلاسون واقفًا مكانه ينظر بصمتٍ عميق وكأن الكلمات قد تاهت عن لسانه، لم يتحرك ولم يرد بل كانت عيناه تتكلمان..، لتردف كاراجا: لماذا تعبث بأغراضي يا جيلاسون؟، زفر الآخر ببطء وأدار وجهه للحظة وكأنه يبحث عن الكلمات، ثم أعاد نظره إليها ليقل بخفوت: أنتِ حامل؟، تلاشت ملامح كاراجا بغضب ودهشه من معرفته، انتقلت عيناها إلى اختبار الحمل الذي أجرته، ففهمت أن جيلاسون قد رآه، لتُعيد أنظارها إلى جيلاسون الذي قال: تولغا..؟، دفعته بيديها من صدره وهي تقول بغضب: لا تذكر أسمه أمامي! هو لا يعلم ولا يجب أن يعلم، ولا أحد سيعلم هل فهمت؟، مسّك جيلاسون يديها بقوة ليُوقفها وهو يقول: هل ترككِ وذهب؟، حاولت أن تفلت من قبضته ولكنه ظلّ يُمسك يديها بإحكام لتصرخ هي بانفعال: وما شأنك؟ ما شأنك بأموري وبحياتي؟، صمت جيلاسون ونظر إليها بملامح مُشفقه وحزينه، لتصرخ هي مجددًا عندما رأت نظراته: لا تنظر إلى هكذا إياك!، وعادت تدفعه وكأنها تُفرغ غضبها به، فاحتضنها جيلاسون بشدة ولكنها دفعتهُ مجددًا لتقل: إياك! أنا لستُ بحاجةٍ لشفقة أو حب أحد هل فهمت؟، واستدارت نحو النافذة وهي تعقد يديّها إلى صدرها، ليقترب جيلاسون قليلاً وهو يقول بخفوت: لا أعلم ماذا حصل.. ولكنني بجانبك حتى لو لم توافقي..
––––––––––––––––––––
الحفرة.. المقهى بعد نصف ساعة
أمام المرآة تلمسّ صالح أثر جرح خده، وانزل ذراعه ليتلمس ضمادة جرح رقبته، ثم أدار رأسه قليلاً وأبعد شعره بأصابعه ليظهر أثر العملية التي خضع لها، استند بيديه ليهمس: ماذا حصل لك يا صالح؟ أشهر قليلة جعلتك تصل إلى هذا الحال، فتح الصنبور ودفع برأسه تحت الماء البارد راجيًا أن تخف حرارة رأسه.. رفعهُ بعد لحظات وتأمل وجهه لثوانٍ قال بعدها: ما الذي يمنعك من استخدام القوة؟، ثم رفع ذراعه ونظر إليها لثوان وهي ترجف بخفه، ثم رفع ذراعه الأخرى وشدّ على المرتجفة بقوة وهو يقول: صحتك لن تمنعك.. ستحمي وستحارب و..، رفع رأسه يعاود النظر إلى المرآة ليردف: وستصل..، بينما في الخارج دخل ياماش المقهى بصمت ليسأله جومالي دون أن ينظر إليه: أين أنت منذ ساعات؟، دخل خلف ياماش وليّ ومتين وكلاً أخذ مكانه، ذهب ياماش نحو منضدة الشاي وهو يقول بهدوء: عند عليشو.. اعطيتهُ الرسمة والأسم وسيبحث، وحينها سنأتي.. سنأتي بشكلٍ سيء لذلك الكبير، ليقل جومالي ببرود: وألماسة ذلك ال***؟، أبتسم الأصفر بشكلٍ غريب ثم قال: فليـ*** الكون سلالاتنا السبع إن أعطيناها له طواعية وتركناهُ يعيش ليومٍ آخر، رفع وليّ حاجبيه وهو يبتسم بينما ضيق جومالي عينيه وشبح ابتسامة ارتسمت على شفتيه، ليهتف صالح الذي للتو خرج من دورة المياه: بماذا تفكر؟، ليقل ياماش بعد لحظات وهو يسكُب الشاي: ظللتُ أفكر طوال الليلة الماضية، عليشو أخبرني ببضائع كبيرة ستخرج الليلة من أحدى شركة كارتال.. ولأنه ليس موجودًا فهذا لا يمنعنا من تدمير أعماله، ونور الدين لديه مقرًا واحدًا فقط هنا في تركيا ونحن نعرفه وسلالته تعتبر قليلة وليس مربوطًا بطاولةٍ ما تحميه كما قال وليّ..، نظر صالح إلى وليّ فأومى الأخير بهدوء مؤكدًا، ليُتبع ياماش: سنهجم.. وسأجعل نور الدين يبتلع الألماسة التي يريدها، وقف جومالي وهو يقول: هل وجدتها؟، نفى ياماش برأسه ليقل: عليشو يبحث.. وسيجدها، ليقل صالح: لاتفرق.. فهو سيموت بكل الأحوال، نهض جومالي وأقترب من أخويه وعينيه على صالح ليقل: احقًا تقول هذا؟، نظر صالح بهدوء ليردف جومالي: الست من اتفق معه ليُعطينا مهلة لإيجاد ألماسته؟، ليقل صالح: مثل ما قال ياماش.. يكفي لن ننتظره حتى يهجم علينا، وجلس بجانب وليّ ليردف وهو ينظر شاردًا: أنا أريد ذلك المدعو سافاش.. أريده لأصل لذلك ال***، فأقترب جومالي ليقل: ذلك الكبير سيأتي دوره لاتقلق..، ليقل ياماش وهو يستدير نحو منضدة الشاي: هذا الرجل.. إن لم أجده لا يدعوني ياماش كوشوفالي بعد الآن، ومن ثم استند بيديّه ونظر إلى الفراغ ليقل: نحن متشردو إسطنبول.. سنسعى وراءه.. سنبحث شبرًا شبرًا.. فلا أحد يعرف أزقتها وشوارعها أفضل مننا، سنسأل.. وسنعثر على ثغرةٍ تقودنا إليه أو ضده، صحيح لانعرف أين هذا الرجل وصحيح أنه لا يترك اثرًا وراءه ولكن سنجده دون الحاجة لآثاره، ونظر إلى متين ليُتبع: أخبر جميع الشباب.. وتجهزوا جيدًا، أومى متين وخرج، ليسأل صالح وليّ: هل تكلمت مع تولغا؟، هنا أرخى وليّ نظره وتنهد بقوةٍ ليقل: حلقت طائرته قبل ساعة ونصف، صمت صالح لثوانٍ مصدومًا ثم قال: هاير.. أنا حجزتُ له ظهرًا لا يزال هناك الكثير من الوقت على طائرته، وقبل أن يُخرج هاتفه أوقفهُ وليّ قائلاً: ذهب ياصديقي.. اتصلت عليه ولم يقُل سوى "انتبه على أخي صالح" ولاشيء غيرها، أسند صالح فورًا يديّه على الطاولة وغطى وجههُ بكفيّه، تنهد وليّ بينما سأل ياماش الذي كان يستمع لحديثهم: إلى أين ذهب تولغا؟، رفع وليّ أنظاره إليه ليقل: ألمانيا، فجلس ياماش وأنظاره على صالح ليسأل مجددًا: ولماذا يذهب؟، ليقل جومالي الذي نهض وذهب بإتجاه الباب ليقف أمامه وهو يضع يديّه خلف ظهره: حصّل غايته وقتل شهرام.. فلماذا يبقى هنا؟ ومن الجيد أنه رحل، ومن ثم خرج ليقف على عتبة الباب، تنهد ياماش ليقل: ربما هذا شيء جيد من أجله يا أبن أبي..، أبعد صالح يديّه ليقل: ربما..، ثم نظر إلى ياماش وأردف: وكاراجا؟، أغمض ياماش عينيه بخفه ولم يعلم بماذا يُجيب، ليقل وليّ: أعلم أن الأمر مُهم.. ولكن تولغا سيكون بخير هناك، دعونا نفكر بالأهم الآن، فتنهد صالح مُسترجعًا كل كلمات تولغا ثم أومى بخفه وهو شارد ليربت ياماش على كتفه وبادله صالح بالمثل.. ليقل ياماش: أخي جومالي قال أن حراراتك ارتفعت بالأمس.. هل أنت بخير الآن؟، نظر صالح لوهلةٍ ومن ثم أومى مجددًا ليردف ياماش: دعنا نتخلص من هذه الأمور ومن ثم سنذهب إلى المستشفى كما وعدتني، ليقاطعهم صوتًا من خارج المقهى صرخ بأسم "صالح" صوتًا يعرفه الأخير جيدًا..
––––––––––––––––––––
عودةً إلى منزل صالح..
فتح كارتال عينيه على صوت طرقاتٍ خفيفه قريبه منه، زفر بقوة ورفع رأسه ينظر بإنزعاج، فمدّ اكين ذراعه وأزاح اللاصق من فمه ليقل كارتال فورًا بتذمر: لماذا لا تربطني أرضًا أفضل من هذا الكرسي؟، أبتسم اكين الذي كان يجلس مقابله ولم تبتعد عينيه عنه للحظة، تحولت نظرات كارتال إلى مصدر الطرقات فرأى قناصة يسندها اكين على الكرسي ويحركها ببطء متعمّد تاركًا إياها تصطدم بالكرسي لتُصدر صوتًا متكررًا، ليقل كارتال ببرودٍ ساخر: حقًا مؤثر.. كنتُ أظن أنك ستبدأ التعذيب بالنار أو بالكهرباء، رفع اكين القناصة وحملها ليسندها على ذراع الكرسي من ثُقلها موجهًا فوهتها نحو رأس كارتال، ليردف كارتال: ثقيلة اليس كذلك؟، رفع اكين حاجبه وهو يُقرب فوهة القناصة نحو كارتال ليقل: ثقيلة؟ أجل ثقيلة على من لا يعرف استخدامها ليس عليّ، أبتسم كارتال ليقل: ولكن يدك ترتجف، لم يُجيب اكين ليردف كارتال: أنظر.. حقًا بدأت أشعر بالملل، ليقل اكين: وأنا ايضًا، نظر كارتال لوهلةٍ ثم قال: سيعثرون عليّ أيها الولد.. فإن كنت لا تريد المصائب فكّ قيدي قبل أن يحررني رجالي..، ليقل اكين ببرود وقد أنزل فوهة القناصة قليلاً ليُلصقها بصدر كارتال: أختك في قصرك.. ورجال الحماية قليلون ربما هرب بعضهم لحظة اختفائك، ليقترب كارتال بجسمه قليلاً رغم القيود التي تمنعه ليقل بحدّه: أنا قلت لك.. إن حصل لها شيء سأحرقك.. وليس أنت فقط بل زوجتك وطفلك الذي تنتظره، تبدلت ملامح اكين لأخرى مندهشة بغضب، ليسأل بعد ثوانٍ: ولا زلت تُهددني؟، ومن ثم شدّ على الزناد حتى انتصف وكارتال ينظر إليه ببرود، أستمر في الضغط على الزناد أكثر حتى كاد أن يطلق بينما كارتال لم تتحرك منه شعره، ولحظة ليرتخي أصبع اكين ويتراجع عن الضغط على الزناد، سحب القناصة ووضعها ارضًا، ليقل وهو يستقيم: أنا سأُريك معنى التهديد الحقيقي يا كارتال، ثم أخرج هاتفه وأتصل بأحدهم ليقل وهو ينتظر إجابة الطرف الآخر: الإنفجارات شيءٌ جميل ألا تتفق معي؟، صمت كارتال بترقب وحذر بينما أجاب الطرف الآخر، ففتح اكين مكبر الصوت ليقل: ماذا حصل معك؟ هل تم؟، ليقل الطرف الآخر: وضعنا القنبلة في سيارة الصحفية والجهاز معي.. فقط قُل فجّر لنفعل، اتسعت عينا كارتال تدريجيًا وثبتت أنظاره على الهاتف الذي بيّد اكين وهو يحاول استيعاب الذي سمعه، أغلق الآخر الهاتف ووقف ليضع يديّه في جيوبه وهو يقول: سمعت يا كارتال؟ الأمر أبسط مما تتصور.. كلمة واحدة فقط من لساني وتتحول أختك الصحفية إلى رمادٍ على الطريق، ضيق كارتال عينيه ليقل بخفوتٍ حاد: أنت لا تعرف مع من تعبث أيها الولد، أقترب اكين ببطء وهو يبتسم ليقل: بل أعرف جيدًا.. رجلٌ بارد وساخر، يتظاهر بأنه لا يهتز لكنه الآن يرتجف من الداخل لأنني وضعت إصبعي على أكثر شيء يخاف عليه "أخته"، أغمض كارتال عينيه بقوة ثم أعاد فتحها لينظر نحو اكين بنظراتٍ كالشرار: أنا قلتُ لك.. إن مسّها سوء فلن ينفعك لا رجال ولا أعمام ولا عائلة، أقسم أنني سأجعل كل دقيقة من حياتك جحيمًا حتى تتمنى الموت ولا تجده، انحنى اكين ليقل: حسنًا كفى تهديد.. فلنعُد لموضوعنا أين الألماسة؟، فنظر كارتال إليه بغضب والآخر يُيادله بإبتسامه خفيفه ونظرة انتصارٍ وتحدي.. ثم مرّت لحظة واستقام اكين ليُعيد إغلاق فم كارتال واستدار ليقل: سنكمل حواراتنا الجميلة..، وتوقف يلتفت لكارتال ليردف: ولكن.. بعد أن تخبرني بمكان الألماسة، وصعد ليخرج.. أقفل الباب بعده وذهب باتجاه المطبخ مع نزول جيلاسون الذي يحمل حقيبة في يده.. تباطأت خطواته وهو ينظر إلى باب القبو وظهر اكين باستغراب.. لاحقًا خرج جيلاسون ليُقابل مراد أمام السيارة التي تجلس كاراجا بها.. فجيلاسون أقنعها بالعودة وهي وافقت دون إصرار حين علمت أن عمها صالح قلِق عليها، ليتوقف واقترب من مراد ليسأله بخفوت لكي لا تسمع كاراجا: هل يوجد قبو في منزل أخي؟، نظر مراد باستغراب وأومى مؤكدًا، ليقل جيلاسون: وماذا يوجد فيه؟، ليُجيب مراد: لاشيء.. كانت هناك بعض الأغراض لأخي صالح ولكننا نقلناها لغرفته، شرد جيلاسون وهو يفكر في قدومه المرة السابقة وسماعه لصوت خبطٍ يبدو قادمًا من الأسفل جعل الشك يتسلّل إلى قلبه، ليسأله مراد الذي ينظر مُستغربًا: لماذا تسأل؟، فنظر جيلاسون وأبتسم وهو يقول: لاشيء فقط سألت، وذهب بإتجاه سيارته وهو يهمس: أنت تُخفي شيئًا يا اكين.. وأخي صالح لم يطلب مني مراقبتك عبثًا، وصعد إلى سيارته وشغل المحرك وذهبا عائدين إلى الحفرة دون اكين.. ومع شكٍ أصبح يُراود جيلاسون أكثر من ذي قبل..
––––––––––––––––––––
الحفره..
خرج الأخوة من المقهى ليجدوا ليلى.. ليلى التي تقف بحالة رثه جعلت صالح يتقدم ببطء وهو ينظر بقلق وصمت ولم يجرؤ على السؤال عندما تقدمت هي بالمثل لتقل بخفوت: لقد مات..، اتسعت عينا صالح بخفه بينما تقدم ياماش وهو الآخر عاقدًا حاجبيه، بينما نظر جومالي إلى وليّ بإستغراب بادله الأخير بعدم فهم، لتقل ليلى مجددًا وقد تقوست شفتيها: أخي مات، شّد صالح على قبضته التي بدأت ترتجف والتفت نحو ياماش الذي ظلّ صامتًا بتعجب، لتردف ليلى بعد أن مسحت عينيها بخفه: أنت قتلته..، هنا التفت صالح فورًا إليها بدهشه ليقل بخفوت: ماذا؟، ليقل ياماش: ماهذا الهراء؟، لتقل ليلى وهي تضع يدها على رقبتها: في تلك الغرفة.. حين انقذنا وحرّر قيدك أنت خنقته، وضع صالح يده على رأسه ليهتف وليّ: صديقي؟، ليقل صالح مُخاطبًا ليلى: من قال لكِ ذلك؟، انعقدا حاجبي ياماش استغرابًا بينما أقترب جومالي منهم لتقل ليلى: رأيتُ فيديو.. أنت خنقته، ثم أقتربت أكثر لتقل: أتوسل إليك يا صالح.. قُل لي أنه كذب.. قُل لي أنك لم تفعل، ناقل ياماش أنظاره بين الإثنان بصمت بينما ضحك صالح بصدمة وابتعد خطوتين وهو يمسح وجههُ ليقل: أجل خنقته..، تجمدت ليلى صدمةً وجومالي ووليّ بالمثل بينما هتف ياماش بغرابه: أنت بماذا تهذي يا صالح؟، ليأتيهم صوت جومالي الذي اقترب وقال بحدّه: هل قتلته دون إخبارنا؟، ليقل صالح بغضبٍ طفيف مُخاطبًا ليلى: أجل خنقته ولكنه لم يمُت بل خرج معي من تلك الغرفة ولحق بي، ثم نظر إلى وليّ ليردف: اليس كذلك؟ أنت رأيتهُ بجانبي حين وجدتموني، ليقل وليّ مؤكدًا باستغراب: اجل وقد منعتَ أنت الشباب من اللحاق به، ليلتفت صالح نحو ليلى واقترب ليقل: أخبريني من جعلكِ تشاهدين الفيديو؟، لتقل ليلى وقد ابتسمت: يعني لم تقتله؟، أغمض صالح عينيه وهو يتنهد، ليقل بخفوت: وخرج من الغرفة بقدميه كما خرجتي أنتِ، مسدت ليلى رأسها بخفه وهي تغمض عينيها، ليردف صالح: أخبريني ماذا حصل؟ من الذي جعلكِ ترين هذا الفيديو الذي تتحدثين عنه؟، أبعدت يديّها وتراجعت خطوة وهي تنظر بغرابه لتقل بهمسٍ سمعهُ صالح: أفغاني..، استدار صالح وهو يضحك بخفه ليقل: نور الدين ال***، ثم عاود النظر إليها ليسأل: متى؟ هل فعل لكِ شيء؟، ارجعت ليلى شعرها إلى الخلف لتقل بتلخبط: لاشيء.. أتى إلى منزل أخي.. وفقط.. فقط أراني الفيديو وقال لي ستجدين شي.. ألماستي أم ماذا، مسح ياماش وجهه وهو يهمس "يريد من الجميع أن يجد الماسته!" أمال صالح برأسه وأغمض عينيه بقوة ومن ثم استدار بلا إرادة وخطى قليلاً وهو يمسد رأسه بعنف، لتهتف ليلى: كنت أعلم أخي لم يمت.. عليّ أن أجده، واستدارت بسرعة وصعدت إلى سيارتها، التفت صالح وقد ضرب الجدار بقدمه وهو يصرخ "اللعين! اللعين يلعب على الحبال جميعها!" ثم تجمد مكانه وهو يراقب سيارة ليلى التي تحركت.. تجمد وهو ينظر إلى أسفلها.. وبدون تفكير ركض فورًا نحو سيارته ليلحق بها وركض خلفه ياماش وهو يقول: إلى أين أنت ذاهب؟، ليقل صالح وهو يصعد إلى سيارته: لا يوجد شيء لا تلحقوا بي، ثم ذهب تحت أنظار ياماش الذي راقب السيارة وهو عاقدًا حاجبيه، أقترب منه جومالي ليقل: لماذا ركض ذهب هكذا؟، ليقل ياماش وهو ينظر إلى الطريق الذي ذهبت منه سيارة صالح: هل رأيت نظراتها له؟، ليقل جومالي بعدم فهم: ماذا؟ أي نظرات بماذا تهذي أنت؟، ليقل ياماش وقد التفت نحو أخيه: توسلت إليه لكي يُطمئنها بأنه لم يقتل أخيها.. وصدقتهُ فورًا، ليرى ياماش نظرات أخيه لثوانٍ.. كانت جامده بشكلٍ مضحك، ليقل جومالي وذات النظره على عينيه: أنت بماذا تتحدث بيبي؟، ليُجيب ياماش وقد أبتسم بتردد: شي.. لاشيء، ثم عاد إلى المقهى وعندما مرّ من جانب وليّ أبتسم فبادله الآخر باستغراب، ليصرخ جومالي: ألن تلحق به؟، ليقل ياماش بذات النبرة: لا داعي، ليدخل خلفه وليّ الذي قال: يقولون أنك مجنون ولكن ماهذا؟ لماذا تضحك وتقول نظراتٍ وماشابه؟، ليقل ياماش وهو يجلس: المجنون ليس أنا بل أخي جومالي، ليقل وليّ وهو يتقدم حتى جلس: مع احترامي الشديد جميعكم الثلاثة مجانين، ضحك ياماش ليقل: شكرًا على احترامك، فضحك وليّ بالمثل: اذن؟ لماذا ابتسمت قبل قليل؟، ليقل ياماش: سأسألك.. لماذا بقيت ليلى في منزل صالح؟، فأجاب وليّ بهدوء: أُصيبت وكانت في غيبوبةٍ لأسبوع ونقلها إلى منزله لحمايتها، صفن ياماش بهدوء ليقل وليّ بعد لحظات: لماذا تسأل؟، فقال ياماش بهدوء: لماذا حاول نور الدين أن يزرع الفتنة بينهما من خلال الفيديو؟ ما غايته من ذلك؟، صمت وليّ ليردف ياماش: ولماذا كانت بجانبه حين اختطفه نور الدين؟، ولماذا لحق بها الآن؟، وفي الجهة الأخرى حيثُ صالح الذي أتصل على ليلى وهو يتبع سيارتها، لتُجيب هي فقال فورًا: لا تتحركي وتوقفي على جانب الطريق الآن!، لتقل ليلى بخوف: صالح؟ ما الذي حصل؟، ليقل صالح فورًا وبسرعة: أقول لكِ اوقفي السيارة وظليّ في مكانك وإياكِ أن تتحركي حتى آتي..، فلم تجد الأخرى سوى أن ترد بخوفٍ ورجفه: حسنًا.. سأتوقف أنت تُخيفني، ولكن الآخر قد قطع الإتصال وتوقف بالقُرب من سيارتها حين توقفت هي، نزل وركض إلى السيارة وعيناهُ ثابتتان نحو سلك أسود يتدلى قليلاً من تحت السيارة من جهة مقعد السائق التي تجلس ليلى عليه الآن، أنحنى فورًا ليتأكد وكانت المُصيبه.. قنبلة كما كان يتوقع، اتسعت عيناه واستقام ليفتح باب السيارة وهو يقول مُخاطبًا ليلى التي كانت ترتجف قلقًا: تمام.. لا تتحركي ولا تفزعي سيكون كل شيء على مايرام، لتقل ليلى: ماذا هناك يا صالح؟ بدأت أخاف، ليقل صالح فورًا وقد وضع كفه على كفّها: توجد قنبلة أسفل السيارة ولكن..، لتُقاطعه الأخرى بصدمه: قنبلة! قنبلة ماذا؟ ماذا تعني؟، ثم ارتجفت يديها بعنف وحاولت أن تبتعد عن المقعد، لكن الآخر شدّ على كفّها بحزمٍ أكبر وقال بهدوء: لا تتحركي.. لا تفزعي.. فقط انظري إليّ.. أنظر إلى عينيّ حسنًا؟، نظرت إلى عينيه بخوف ليردف هو يحاول تهدئتها: ركزي معي.. لن يحدث شيء يا ليلى سأتعامل معها وسأوقفها لكن يجب أن تثقي بي الآن ولا تحاولي فعل أي شيء حسنًا؟، نظرت إليه ثم رفعت يديها وتمسكت بذراعه لتقل: ولكن لن يحصل شيء اليس كذلك؟، أومى بخفه لينحني أسفل السيارة، استلقى ارضًا ودفع نفسه الى أسفلها لكي يرى بوضوح مع هتاف ليلى التي قالت بخوف وقلق: ماذا تفعل ياصالح!، ليأتيها صوته: لن يحدث شيء.. وأنا أثق بكِ لن تتحركي، وعند كلمته هذه تجمدت هي مكانها وتمسّكت جيدًا لكي لا تتحرك شعرةً منها خوفًا على نفسها وخوفًا عليه بالأكثر، مرّت ثوانٍ واستقام هو يتنفس بقوة ليسألها وهو يُخرج هاتفه: ألم تسمعي صوتًا غريبًا حين جلستي على المقعد؟، نفت برأسها وهي تقول: ما الذي سيحصل الآن؟ هل ستنفجر؟، وضع هاتفه على أذنه واقترب يمّد ذراعه الأخرى إليها لتُمسكها الأخرى بقوة، ليقل: اهدئي.. اهدئي فقط، مرتّ لحظات وأنزل الهاتف وهو يُتمتم بغضب: ليس وقت إغلاق هاتفك يا ياماش، ومن ثم انحنى وهو ينوي النظر مجددًا ولكن الأخرى ظلتّ مُمسكةً بذراعه، فرفع رأسه ينظر إليها ولخوفها وذُعرها ثم تنهد بخفه وانحنى أكثر دون أن يستلقي هذه المره.. بينما هي كان قلبها يخفق بقوة مع كل لحظة خوفًا ورعبًا، لكن وجوده وذراعه التي تُمسكها الآن أعطاها شعورًا غريبًا بالأمان رغم الموقف، لتقل بهمسٍ مرتجف: كُن حذرًا..، تفحص صالح بيده اليسرى وبحذر شديد أسلاك القنبلة، وحين رآها جيدًا.. أبتسم لا شعوريًا ليقل: هذه قنبلة تحكم عن بعد ليست كالألغام، لم تفهم هي أي شيء وظلّت صامته، ثم ما لبث أن تمتم صالح بقلق: اللعنه.. أنها معقده، ثم رفع جسده ونظر إليها ليقل: ستنهضين ببطء.. حسنًا؟، فقالت ليلى: لماذا أنهض؟ ألم تحذرني قبل قليل بأن لا أتحرك؟، فقال صالح: ثقي بي.. فقط انهضي ببطء، وأرخى رأسه مجددًا ليتفقد القنبلة مع حركة ليلى، ظلتّ الأخرى مكانها ولم تتحرك من خوفها، ليسحبها قليلاً بذراعه التي تُمسكها وهو يقول بهدوءٍ مُطمئن: ثقي بي.. لا تخافي، لتتحرك ليلى بحذر وبطءٍ شديد ونبضها يتزايد مع كل حركة منها ومن صالح، استمرّت بالتحرك إلى الجانب.. ثم أنزلت وثبتت قدميها على الأرض بجانبه وهو لايزال يراقب القنبلة، ثم بعد ثوانٍ طويلة.. وصلت إلى طرف المقعد، فنظرت إلى المقعد خلفها بقلق ليسحبها صالح فورًا وهو يُبعدها، أمسكها من كتفيها ودفعها بخفه وهو يقول: ابقي هنا لا تقتربي، وعاد نحو السيارة إلا أنها صرخت: صالح!، رفع يده مانعًا إياها من قول شيء آخر وهو ينحني ليتفقد القنبلة لمرةٍ أخرى، ليهمس بعد ثوان: يوجد مؤشر ولكن لا يوجد مؤقت.. هذا يعني أنهم ينتظرون اللحظة المناسبة لتفجيرها، استقام ونظر إلى الطريق حيثُ السيارات والمنازل التي بالقُرب منهم، ثم ثبت بصره نحو أطفالٍ يلعبون بالكُرة على الطرف الآخر من الطريق، فشرد لوهلةٍ وهو يُناقل أنظاره بين السيارة والأطفال، ثم نظر إلى ليلى التي كانت تبادله بذات الخوف الذي يتملكها منذ اللحظة الأولى، شرد في الفراغ قليلاً وكأنه يفكر.. ثم أخرج مفتاح سيارته من جيبه وتقدم نحو ليلى التقط أحدى يديها ووضع المفتاح فيها ليقل: ابتعدي عن هنا.. خذي سيارتي وأذهبي حالاً.. أنا سأُبعد سيارتكِ عن هنا لكي لا يتأذى أحد، نظرت بخوفٍ واستغراب وقبل أن تسأله أي سؤال التفت وركض نحو سيارتها، صعد بها وأغلق الباب فورًا، لتركض ليلى نحوه وهي تصرخ: لاتفعل!، ولكنها لم ترى سوى الغبار الذي أحدثتهُ عجلات السيارة وهي تذهب بسرعة كبيرة نحو أحد الطُرق المؤدية إلى الغابة، بينما في الجهة الأخرى.. نزل اكين من السلالم ببطء وهاتفه في يده، تقدم ورفع عينيه نحو كارتال بإبتسامةٍ ساخرة وهو يقول: أخبرني.. هل بدأت تتخيل كيف تتناثر أشلاؤها؟، كان كارتال يُحدق فيه بعينين تقدحان شرارًا وقبضته المشدودة على ذراع الكرسي تكاد تكسره، أزاح اكين اللاصق عن فمه وهو يردف ببطء: بهذه النظرات يبدو أنك فكرت جيدًا، ليقل كارتال بحدّه: لا أعرف! لا أعرف مكان الألماسة وال***، ليقل اكين وهو يبتعد قليلاً ويرفع هاتفه: تؤ تؤ تؤ.. هل ستُضحي بأختك؟ يا لك من أناني، ليصرخ كارتال: قلتُ لك لا أعرف! اللعنة عليك وعلى ألعابك يا***، احتّل الغضب ملامح اكين الذي أتصل فورًا على من يتحكم بالقنبلة.. ليصرخ كارتال: لاتفعل! إياك! يكفي ياهذا يكفي! اتركوا أختي وشأنها ليس لها ذنب أيها ال***، نظر اكين بصمت وبحدّه، ليُجيب الطرف الآخر وهو يقول: السيارة الآن تتحرك.. هل قررت؟، ليصرخ كارتال بنبرةٍ أقوى من السابق وقد فقد أعصابه بالكامل: لاتفعل! سأجد الألماسة من أجلك أيها اللعين ولكن أترك أختي، ظلّ اكين صامتًا وهو ينظر إلى كارتال بذات النظرة والهاتف في يده، وهذا ما جعل كارتال يجّن جنونه أكثر ليصرخ: لو كنتُ أعرف لأخبرتك يا هذا! أتظن أنني سأختار إيذاؤكم على حساب أختي؟، لا زال اكين يُحافظ على صمته رغم غضبه راوده الشّك بأن كارتال يقول الحقيقة.. فشخص طبيعي لن يكذب في هذه اللحظة ابدًا، ولكن.. وفي خلال ثانية سمع كارتال ماقالهُ اكين.. سمع نبرةً مليئةً بالحقد والغضب، سمع اكين حين قال: فجّر..، ليندفع بجسده فورًا نحو الآخر وهو يصرخ: لاتفعل!!!، فسقط أرضًا بكرسيه بينما ابتعد اكين خطوتين وهو ينظر بجمود نحوه دون أي كلمة، قطع هذا الخوف والجمود صوت الطرف الآخر على الهاتف وهو يقول: اكين! من يقود السيارة ليس الصحفية بل رجل!، التفت كارتال برأسه وهو يتنفس بقوة وكأن قلبه سيخرج من مكانه بينما هتف اكين باستغراب وهو يُقرب الهاتف منه: ماذا تقول؟ من يقودها؟، مرّت لحظة صمت ليهتف الآخر بتردد: أنه.. أنه عمك صالح، اتسعت عينا اكين بينما انطلقت ضحكة قوية من كارتال ارتجفت على أثرها أركان القبو وكأن الهواء نفسه قد تجمد للحظة، نظر اكين بصدمه وأذناه لا تصدقان ما سمعهُ للتو، ليقترب من الهاتف مرةً اخرى بسرعة وهو يقول: لا تفجر ياهذا! لاتفجر لاتفعل!، فأجاب الآخر فورًا: لم أفجر.. ويبدو أنهُ يعلم بوجودها فقد ذهب نحو الغابة، ضحك كارتال مجددًا في هذه اللحظة ليصرخ اكين: ماذا تقول ياهذا؟ كيف وصل عمي إلى سيارتها كيف!، ومن ثم صرخ بكارتال الذي استمر بالضحك بالرغم من صعوبة تنفسه: وأنت اصمت!، ثم ابتعد وصعد فورًا إلى الأعلى وهو يقول مُخاطبًا من يهاتفه: الغِها.. عطلها فورًا لا تدعها تنفجر والا فجرت دماغك هل تسمعني؟، فأجاب الآخر: حسنًا..، وعودةً إلى صالح الذي يُمسك مقود السيارة بقوةٍ وهو يتلفت كل ثانية حوله.. يعلم أنه من الممكن في أي لحظةٍ أن تنفجر، ولكنه سيُبعدها عن أولئك الأطفال الأبرياء.. وعن ليلى، توقف فورًا حين دخل في اعماق الغابة بعيدًا عن الأماكن المأهولة، أطفئ المحرك ببطء، ثم فتح باب السيارة بذاتِ البطء، وأخذ نفسًا عميقًا قبل أن يترجل منها ويبتعد بخطواتٍ سريعه، ابتعد عدةٍ خطوات ثم التفت ينظر بهدوء، عاد ينظر إلى السلك المتدلي وهو يفكر.. تحرك خطوةً إلى الأمام ناويًا تفكيك القنبلة لكي لايحصل للسيارة شيء ولكنه ما لبث أن توقف فورًا، شدّ على قبضته وهمس "أبنك ينتظرك يا صالح.." ثم استدار وخطى بعيدًا تاركًا السيارة والقنبلة هناك في مكانٍ لن يؤذي احدًا..
––––––––––––––––––––
الحفرة.. المقهى بعد خمسة عشر دقيقة
تقدم صالح نحو المقهى وهو يحمل سترته في يده، ليرى ياماش يجلس على عتبة باب المقهى وجومالي يضرب بقدمه الأرض بعنف، وبعض الشباب يقفون بقلق، وحين التفت بعينه ورأى سيارته تصطف بالقُرب من المقهى.. علِم أن ليلى قد عادت إلى هنا وأخبرتهم.. وهذا واضح من وجوههم اساسًا، وما إن لمح ياماش صالح حتى نهض ببطء وهو يغمض عينيه متنهدًا بقوة، على عكس جومالي الذي التفت بسرعة وغضب وهو يتفحص صالح بعينيه، ناقل الأخير نظراته بين أخوته بهدوء مشّوب بالقلق من ردة فعلهم، غير أن صفعة جومالي جعلته ينسى لثانيةٍ كل ماحصل قبل ربع ساعه، كانت الصفعة قاسية، ليس في قوتها الجسدية بل في معناها فقد حملت كل الغضب المكبوت كل القلق الذي تراكم في قلوبهم خلال تلك الدقائق الثقيلة وحملت ايضًا بعضًا من طِباع جومالي.. لم يجرؤ أحد على الاقتراب.. حتى ياماش وقف مكانه وهو يتنفس بقوة، ليصرخ جومالي وهو يُشير بسبابته نحو صالح: أنت مجنون أم ماذا؟ لماذا تفعل هذا في كل مرة؟، تنهد صالح بعمق ورفع رأسه ينظر إلى أخيه بهدوء، ليردف جومالي بغضب: الليلة الماضية تقفز أمام الرصاص والآن تقود سيارة مُفخخة قد تنفجر بأي لحظة؟، ليقل صالح وهو يبتسم: هذه الحياة.. ماذا نفعل؟، ليصفعه جومالي مجددًا وهو يقول: لا تجرؤ على الابتسام أمامي وكأن الأمر لعبة!، أقترب ياماش وهو يقول: حسنًا .. يكفي، ليقل صالح بهدوء وهو يرفع رأسه مجددًا: كان هناك أطفالٌ يلعبون قرب الطريق! لو انفجرت السيارة هناك لماتوا جميعًا، ليقل جومالي بغضب وياماش يُمسكه لكي لا يقترب: وماذا عنّا نحن؟ ماذا عن طفلك الذي ينتظرك في المنزل؟، ليقل صالح فورًا: إنه أول شيءٍ خطر في بالي اساسًا، مسح جومالي وجهه بقوة ومن ثم قال وهو يرفع يديّه: تحب العناد اليس كذلك؟، عقد صالح حاجبيه ليردف جومالي وهو يُشير بسبابته: الليلة لن تذهب للاشتباك ستبقى في المنزل، ليقل صالح بصدمه: وهل أحضّر العشاء ايضًا؟، ليصرخ جومالي: ستحضره إن لزم الأمر، أنتهى الحديث.. لن تذهب الليلة، ومن ثم استدار ليقل صالح بنبرةٍ عاليه: أنا لستُ ولدًا صغيرًا لتمنعني، فاستدار جومالي مجددًا وهو يصرخ: لان صالح!!، ليقل ياماش: تمام لا تصرخ!، ثم التفت نحو صالح ليقل بحدّه: وأنت أصمت لا تُعاند، ذهب جومالي إلى المقهى، بينما مسح صالح وجهه وتنهد بقوة ليسأل ياماش: ليلى التي اخبرتكم؟، نظر الأصغر لوهلةٍ ليقل: وهذا ما يهُم الآن يا صالح؟، صمت الأخير لثوانٍ قال بعدها: أنت تفهمني يا ياماش، ليقل الأخير وهو يقترب: اللعنة أجل.. ولكني لا استطيع التحكم بخوفي وقلقي، ليقل صالح فورًا: لم يحدث شيء، فتنهد ياماش ليرّد: وهل في كل مرةٍ ستقولها؟، أغمض صالح عينيه ليردف ياماش وقد شدّ على كتف الآخر: لن تقولها.. لأنك لن تفعل شيئًا كهذا مجددًا هل فهمت؟، قلّب صالح عينيه ليقل ياماش: المسكينه كانت خائفه.. لقد أخبرتنا وكادت تسقط أرضًا، اتسعت عينا صالح بخفه ليردف ياماش: أخذها وليّ إلى منزل العائلة..، ثم أخرج مفتاح سيارته وقال: هيا فلنذهب، ليتوقف صالح وهو ينظر إلى المقهى وإلى أخيه الأكبر، وأشار إلى ياماش بعد أن ناولهُ سترته بأن ينتظر وذهب بإتجاه المقهى، دخل صالح وتوقف في وسط المقهى بالقُرب من منضدة الشاي حيثُ جومالي الذي استدار ورآه لكنه تجاهلهُ وراح يُسكب لنفسه بعض الماء، ليسمع صالح يقول بخفوت وهدوء: أنا قلتُ لك لا تصفعني أمام أبني ولم تفعل.. وحقًا الآن أفكر في إلصاقه في ظهري لكي لا أتلقى صفعاتٍ أخرى، ارتسمت إبتسامةٍ خفيفه على شفتيّ جومالي ولكنه سُرعان ما عاد لملامحه الجدية وهو يلتفت يُمسك بكأس الماء ليقل بنبرةٍ عاليه: وهل هذا مضحك؟، فقال صالح: تؤ..، ثم تقدم وأخذ الكأس من جومالي.. شرب نصفه دفعة واحدة ثم أعاده تحت انظار الأكبر الذي ينظر بصمت، ليقل صالح بعد أن مسح فمه: الانفجار أمرٌ سيء يا أخي.. ولا سيما حين يُصيب أطفالاً يلعبون وهم لا يدركون الخطر الذي بالقُرب منهم، ليقل جومالي وهو يقترب: وهل تريدني أن أصفق لك؟، ليقل صالح مجددًا: تؤ.. ولكنني سأذهب الليلة، ربت جومالي على كتف صالح سريعًا وهو يتجاوزه ليقل: أجل أجل.. بأمرك، ليقل صالح: لا تفعل يا أخي! ماذا يعني هذا اساسًا؟ عقاب أم ماذا؟، ليقل جومالي: لتراهُ كما تريد، أنت.. لن تذهب الليلة وأنتهى هُما موقعين اساسًا أنا سأذهب إلى بضائع كارتال وياماش سيقضي على نور الدين لاحاجة لقدومك، مسد صالح رأسه بقوة وأقترب ليقل: حسنًا.. أنا اخطأت وعرضّت نفسي للخطر أعرف ولكن لا تخلط الأمور أرجوك.. يجب أن نذهب جميعنا الليلة خصوصًا مع ياماش لن أبقى!، صمت جومالي لوهلةٍ ثم قال: حسنًا ياهذا لا تصرعني..، وجلس ليلتقط دفتر ألغازه بينما أبتسم صالح بخفه وتراجع إلى الخارج، وحين خرج هتف جومالي وهو يراقب ظهر أخيه: لا*** إن جعلتك تذهب الليلة يا صالح، لاحقًا.. وفي منزل العائلة، فتحت إيفسون الباب ليدخل ياماش وخلفهُ صالح، انشغلا بإرتداء أحذية المنزل لتقل إيفسون: تلك الفتاة.. ليلى تسأل عنك يا صالح، رمقها صالح بخفه وأومى ليتجاوزها ذاهبًا إلى الصالون، فاستقامت ليلى التي كانت بجانب إدريس فورًا عندما رأت صالح وسُرعان ما تنهدت بقوة، كانت تريد عناقه ولكن دخول ياماش وإيفسون جعلها تتراجع وتثبت مكانها، ليقل صالح وهو يحتضن أبنه الذي ركض إليه: مضى وأنتهى وسيارتكِ سيُعيدونها الرجال بعد إبعاد تلك القنبلة، لتقل هي: السيارة لا تهُم.. المهم أنك لم تتأذى بسببي، أبتسم صالح ومن ثم جثى على ركبتيه ليصل إلى مستوى أبنه ليقل: هل أكلتَ جيدًا اليوم؟، أومى الصغير ليقل ياماش: ولكن نحن لم نأكل، ثم التفت إلى زوجته ليقل: هل تحضرين بعض الأشياء؟ فطائر حساء أي شيء، حينها تقدمت داملا لتقل: أين ثالثكم؟، فنظر ياماش إلى صالح الذي استقام ليقل: ثالثنا في المقهى يحاول تقبل أمرٍ ما، ضحك ياماش وهو يُغطي وجهه بينما نظرت داملا باستغراب لتقل: كان يأتي ليتقبل ما يريد هنا، رفع ياماش رأسه وهز حاجبيه وهو ينظر إلى صالح الذي ابتسم واستدار حين دخل محمود وهو يقول: آبي.. أخي وليّ يريدك في الخارج، وضع ياماش قدمًا على الأخرى بينما قال صالح وهو يذهب: سيبدأ الشوط الثاني، فأجاب ياماش صارخًا ليسمعه أين أبيه الذي أبتعد: تستحق أشواطًا إضافيه ايضًا على مافعلته، جلست ليلى لتقل بهمس: كيف سأذهب وسيارتي ليست هُنا، سمعها ياماش الذي قال: أنا أرى أنه من الأفضل أن تبقي هنا قليلاً.. فالأفغاني لازال في الأرجاء، ليتقدم إدريس نحو عمه وسأل: ماذا فعل أبي؟، وأتبعت ماسال: وماهي الأشواط؟، فناقل ياماش أنظاره بينهما ليُجيب بعد لحظات: مباراة يابني.. والدك يلعب الكرة بشكل جيد اووف لو ترى، ليقل إدريس: أعلم.. فنحن لعبنا كثيرًا، أبتسم ياماش بهدوء لتسأله ماسال مجددًا: ماهي الأشواط؟، فمال برأسه وهو يقول: لماذا علقتِ بهذا يا أبنتي!، وفي الخارج وحين تقدم صالح نحو الذي قال: اووه أهلاً بالبطل.. الحمدلله لم تفقد قدمًا أو ذراعًا، وضع صالح يديّه في جيوبه ليقل: ما رأيك بأن نُنهي المباراة؟، ليقل وليّ باستغراب: عن أي مباراة تتحدث؟، ليقل صالح: كلامك هذا ياروحي!، ليرّد وليّ بإنزعاج: اصمت اصمت، لقد اعتدت على تصرفاتك اساسًا وجئتُ لأطمئن عليك أيها الأحمق..، وضع صالح كفه على صدره ليقلّب وليّ عينيه وذهب وهو يقول: ارتح قليلاً قبل المساء..، ومع خروج وليّ دخلت سيارة جيلاسون من بوابة المنزل، فوضع صالح يديّه خلف ظهره وتنهد براحه وهو يرى كاراجا بجانب جيلاسون، نزل الإثنان وتقدمت كاراجا ببطء وهي تحمل حقيبتها، عقد صالح حاجبيه حين رأى وجهها الشاحب.. ليسأل وهو يتقدم: هل أنتِ بخير يا أبنتي؟، أومت بخفه وضغطت على كفّ عمها ثم اتجهت إلى المنزل ولم تتفوه بكلمة، لاحقتها أنظار عمها باستغراب بينما قال جيلاسون: اكين لم يأتي يا أخي، تنهد صالح بقوة ليقل: حسنًا أنا سأتكلم معه، ثم استدار متجهًا إلى المنزل..
––––––––––––––––––––
مركز الشرطة..
جلس الكبير أمام معاون داهان الذي هتف: لقد تأكدتُ مرارًا وتكرارًا يا عم عدنان ولكن لاشيء.. هُم متشددون قليلاً ولايزال التقرير نفسه وكأن الجميع هُنا خائنون..، ليقل الكبير بتركيز: ولكن يبدو أنكم نجحتم في هذا من قبل اليس كذلك؟، أومى معاون داهان ليقل: أجل .. تقرير امرأة تُدعى سلطان كوشوفالي، رجحوا أنها قضية انتحار ولكننا تأكدنا بفضل داهان أنهم حقنوها بشيء قبل موتها، شيء يفقدهم عقولهم أم ماذا لا أعلم، شّد الكبير على قبضته بدهشه وتوتر.. ليقل بعد لحظات متصنعًا: يعني لا يوجد أمل؟، فنفى معاون داهان برأسه ليقل: مع الأسف.. والتحقيقات ستستغرق سنة على الأقل.. فلا شيء مؤكد حتى الآن وايضًا هو ضابط وكل الأدلة المزيفة تُشير مبدئيًا إلى أنه أرتكب الجريمة وهذه مشكلة كبيرة، استقام الكبير واستدار ليخرج، لكنه توقف وسأل: هل تعلم ماذا يريد داهان من ذلك المدعو فارتولو؟، نفى الآخر ليقل: اساسًا لن يسمحوا له برؤيته اطلاقًا، ليهمس الكبير وهو يخرج: وكأنني سأذهب لفارتولو وأخبره ليُقابل أبني، وحين خرج من المركز رنّ هاتفه، فأجاب على أحد رجاله الذي قال: كارتال لازال مفقودًا يا سيدي.. لم نجده ورجاله لم يجدوه، فمسح الكبير وجهه بعنف ليقل: استمروا في البحث.. جدوهُ حتى لو كان في آخر بقاع الأرض..
––––––––––––––––––––
عودةً إلى الحفرة.. وقد حلّ المساء
في المكتب جلس ياماش وهو غارقٌ في التفكير فيما سيحصل بعد قليل.. وبانتظار لأخبارٍ من عليشو.. ليدخل جومالي بهدوء فرفع ياماش رأسه فورًا، ليقل جومالي وهو ينظر إلى ساعته: نصف ساعة على عبور بضاعة كارتال.. هل نذهب؟، أومى ياماش واستقام ليسأل: صالح..؟، فابتسم جومالي ليقل: أنه نائم، تنهد ياماش ليقل بقلةِ حيله: لا أصدقك يا أخي!، ليقل جومالي: هل ستدعني أتركه يذهب لاشتباك بهذه الحالة؟، قالها جومالي بنبرةٍ صادقه فكلام الطبيب لا يزال يتردد في رأسه، ليردف: جعلتهُ يأخذ أدويته دون أن يعلم وغفى على أثرها، وفي المنزل.. في غرفة صالح الذي يستلقي على ظهره وذراعهُ فوق رأسه كما لو أنه استلقى ليرتاح قليلاً ولم يعلم بأن عينيه ستغفيان بفعل جومالي.. وعودة إلى المكتب نظر ياماش بتردد ولكن جومالي سحبهُ من ذراعه بخفه ليخرجوا.. فقال ياماش وهو يتجه نحو سيارته: صدقني لن تسلم من لسانه حين يستيقظ، ليقل جومالي فورًا: وهو لن يسلم من يديّ، وقبل أن يصعدوا إلى السيارات اتاهُم صوت عليشو الذي أتى ركضًا نحو ياماش، ليقل: وجدت..، فقال ياماش وهو يقترب بابتسامة: ماذا وجدت؟، ليقل عليشو: الألماسة.. أنها في منزل والدة صالح مُثبته بعلكةٍ تحت الطاولة، لاحقًا وفي وسط غرفة صالح التي في منزل ميهريبان، انحنى ياماش ليتفقد أسفل الطاولة، فوجد الألماسة كما قال عليشو
أنت تقرأ
لا يوجد سوى الألم..
أدب الهواةسيناريو بأحداث مختلفه للجزء الرابع "Çukur" *ملاحظه: هذه المره الأولى لي في كتابة شيئًا ما..
