Part 67

293 16 7
                                        

"لنرى متى ستصل وأنا انتظرك.."
دخلوا إلى المنزل، وكلاً منهم يتلهّف لرؤية فلذة كبده.. كان إدريس أول من ركض.. فما إن رأى والده حتى عانق قدميه فورًا غير سامحًا له بالانحناء ليصل إلى مستواه ويبادله العناق جيدًا، ابتسم صالح وداعب شعر ابنه بذراعه السليمة وظلّ في مكانه بالرغم من أن أخوته تقدموا إلى الصالون نحو أطفالهم، ابتعد إدريس وعقد حاجبيه وهو ينظر إلى ذراع والده المعلقة إلى رقبته، بينما جلس الأخير على الأريكة الصغيرة وأمسك بذراع ابنه ليُقربه منه، فـ سأله الصغير بتذمر: عمي ياماش وأختي ليلى قالا أنك لم تأكل جيدًا لهذا بقيت في المستشفى ولكنك تضررت مجددًا، التفت صالح بعينيه نحو ليلى التي نزعت سترتها ثم تقدمت وجلست بجانبه وهو تنظر إلى إدريس بهدوء، تنهد صالح ثم حاوط وجنة ابنه وتأمله قليلاً حتى ابتسم بخفه وهو يُجيب: تضررت لأنني سأحرق كل من يؤذيك يابني، لم يفهم الصغير ما قالهُ والده.. فتلمّس حمالة الذراع وهو يسأل: هل تؤلمك؟، نفى صالح ثم قبّل رأس ابنه واحتضنه بهدوءٍ وحذر وقد تجمعت الدموع في عينيه.. منعها ببراعته وأخفاها وكأنها لا تُحرقه كالجمر المشتعل، بينما تنهدت ليلى بعمق وهي شاردةً تفرك يديها بقوة.. فما رأته في الزنزانة وصراخ سافاش لا يزال يدور في رأسها حتى الآن، لم تعتد ذلك.. أو بالأصح لم ترى إنسانًا يموت أمامها ويصرخ بهذا الشكل من قبل.. أفاقها من شرود صوت صالح الذي قال لابنه وهو يعتدل واقفًا بهدوء: هيّا أركض وأذهب لتتناول فطورك، ركض الصغير إلى الداخل والتفت صالح نحو الأخرى ليقل بعد لحظة: لم أكن أريدكِ أن تري ما حصل هناك.. أو حتى أن تعرفي عنه، استقامت وأرجعت شعرها إلى الخلف قليلاً ثم ردّت: بالعكس.. كان يجب أن أرى موت من تسبب بمعاناتي، بل كنت سأقتله بنفسي وإلا لماذا جئتُ بذلك السلاح؟، ارتخت ملامح صالح وقد نفذت الكلمات منه.. بينما اقتربت الأخرى قليلاً منه ثم أردفت: سأذهب إلى الأعلى لأغير ملابسي ثم سنخرج لنعود إلى المستشفى حسنًا؟، أومى صالح بهدوء دون أي كلمة، ثم تجاوزته هي وصعدت إلى الأعلى والتفت صالح ليدخل إلى الصالون ولكنه وجد ياماش يتكئ على الباب وهو يهتف مازحًا: أحسنت.. أنت تتقدم بشكل جيد في علاقتك مع ليلى، نظر صالح بجمود وحدّه جعلت ياماش يرفع يديّه وهو يتراجع مبتسمًا، ولحق به صالح إلى الداخل، وبعد أن تبادلوا بعض الأحاديث مع العائلة، خرجا وتوجها إلى المكتب حيثُ جومالي، ليجداه يجلس برفقة وليّ.. جلس صالح على الأريكة بعيدًا قليلاً بينما ذهب ياماش خلف المكتب، ليهتف جومالي يُخاطب صالح: لماذا لم تعُد إلى المستشفى؟، فأجاب صالح بخفوت وهو يرخي رأسه إلى الخلف: سأعود..، عمّ الصمت للحظة حتى قال وليّ: مبدئيًا.. أتوقع أن يطول بحثنا عن السيارة التي تحدث عنها ذلك الحيوان، فـ رقم اللوحة يُشير إلى أنها تابعة لأنقرة لا إسطنبول، لذا فهناك احتمال أن تكون في أنقرة وليست هنا، ليهمس جومالي ردًا على كلام وليّ: اللعنة إذن، ثم التفت نحو ياماش مردفًا: هل أخبرت عليشو لكي يبحث أيضًا؟، فأجاب الأصغر: عليشو يبحث عن كل شيء ليلاً ونهارًا، ثم مرّت لحظة حتى قال وليّ مجددًا بعد أن ارتخى بظهره: عدنان.. هل تظنون أن سافاش يكذب أم أن هذا هو اسم الكبير الحقيقي؟، ليردّ ياماش بخفوت: سيتضح هذا قريبًا، بينما التفت جومالي نحو صالح ليسأله: هل تعرف كنية عبدالله؟، صمت صالح يفكر وهو شاردًا، ليقل بعد ثوانٍ: لا أذكر.. فلم يكونوا ينادونه سوى عبدالله بابا، فـ سأل جومالي مجددًا: أين كان يعيش؟ يعني أين قتلته؟، هُنا التفت صالح بعينيه نحو أخيه، بينما تبادل ياماش ووليّ النظرات بهدوء، ليردّ صالح بجمود: المرة الاولى أم الثانية؟، انحنى ياماش نحو الطاولة أمامه باستغراب وضيق وليّ عينيه بينما عقد جومالي حاجبيه وقد مال برأسه، ليردف صالح: المرة الأولى حيثُ فارتو في منزله برفقة أبناءه وأحفاده كما أخبرتكم، والمرة الثانية..، صمت ينظر إليهم وإلى نظراتهم المستغربه ليقل جومالي: ماذا تقصد بالمرة الثانية؟، هُنا أشاح صالح بنظره ببطء ونظر إلى ذراعه ليقل بخفوت: تلك الليلة.. عندما اختطف إدريس و.. حين ذهبنا أنا وتولغا إلى ذلك الكوخ وجدتهُ هناك.. وجدتُ عبدالله وقتلته للمرة الثانية، ارتخت ملامح جومالي بينما مسّد ياماش عينيه بقوة، ليسأل وليّ: يعني أنه كان حيًا طوال هذه السنوات!، واتبع جومالي فورًا: ذلك اللعين هو وابنه..، ثم أردف سائلاً أخيه بغضب: كيف حصل ولماذا لم تخبرنا وقتها؟، ليردّ صالح بهدوءٍ يشوبه الإرهاق: لن تصدقوني فمن عاش العذاب معي قديمًا لم يصدقني وقتها، هزّ جومالي رأسه وهو يبتسم بسخريه وقد فهم أن صالح يقصد كارتال ثم هتف ساخرًا وهو يصفق بيديّه: من لديه شيء يُخفيه فليقله الآن ما دام الباب قد فُتح للأسرار المخبأة، لم يُجيب أحد سوى وليّ الذي قال وهو يرفع سبابته: هل أُحسب معهما..؟، ليردّ جومالي ساخرًا بطريقته المعتادة: استغفرالله يا وليّ أنت اصبحت واحدًا منّا منذ زمن، فتقدم وليّ حتى اسند مرفقيه إلى ركبتيه وهو يثبت نظره على صالح ليقل: قبل عدة أيام وأثناء توقفي عند محطة وقود أتى ذلك الضابط وتكلم معي، ليقل ياماش ببرود وعدم دهشة: داهان؟، أومى وليّ ثم أتبع وقد عاد ينظر إلى صديقه: يقول أنه عرف بعض الأمور بسبب جهاز تنصت وضعهُ في سترتك ولكنه طلب مني أن أخبره بما يحصل هنا.. أي بما يفعله الكبير بكم وبصالح خصوصًا، هُنا قال الأخير ساخرًا: كنت أعلم أنه هو من وضع جهاز التنصت حينها..، أومى وليّ بهدوء وهو يُجيب: والله هذا ما قاله..، هُنا استقام جومالي وهو يقول: ماشاءالله.. هناك أشياء كثيرة لا نعلم بها! متى وضع ذلك الشرطي جهاز تنصت في جيب سترتك يا صالح هاا؟، ليُجيب الأخير بعدم مبالاة: وضعهُ وانتهى، ولا أذكر ما استطاع سماعه ولا يهمني البته بما أنه لم يتعرّض لنا، صمتوا ولم يردّ أحد وذهب جومالي ناحية النافذة وهو يتنهد بغضب، مرّت ثوانٍ ليقل وليّ: ذلك الضابط علق عليّ أنا بالذات ولكنني أستطيع التعامل معه لا تقلقوا، مسح صالح وجهه وشرد ياماش في الفراغ.. وعمّ الصمت مجددًا للحظاتٍ طويلة حتى هتف صالح مخاطبًا وليّ: هل رموا رجالك ذلك الحيوان في مكانه؟، ابتسم وليّ ثم أجاب: اجل.. وعاجلاً غير آجلاً سيجده الكبير وتصلهُ رسالتكم، وأتبع جومالي بحدّه دون أن يلتفت: وليعلم أن هذا ليس سوى قطرة من فيض وسنجده قريبًا، وبعد ثوانٍ تكلم ياماش بشرود وهو يرمق أخويّه: لدينا موضوع أهم، التفتوا إليه ليردف هو: الحفرة جائعة منذ أيام ولا يوجد نقود، استدار جومالي نحو ياماش بدهشة ليقل: ماذا! كيف؟ على حسب علمي مستودعنا الشمـ..، ليُقاطعه الأصغر: صرفّناها كلها يا أخي.. البضاعة انتهت وفي الأيام الأخيرة منذ تدهور حالة ياسمين وما تلاه نسينا أمر الحيّ، إضافةً إلى أن بعضهم الآن يُطالبنا بالمال، مسح جومالي وجهه بقوة وعنف وهو يُتمتم: *** على هذا الأمر، نقل وليّ أنظاره بينهم وقبل أن يتفوّه عارضًا عليهم المساعدة رغم أن وضعهُ هو الآخر كان سيئًا، قال صالح بهدوء وهو ينظر إلى الأصغر: ليست مشكلة.. أنا لديّ نقود زائدة، ثم أدخل يده في جيوب سترته حتى أخرج محفظته ورماها نحو ابن أبيه الذي التقطها بصمت، ليقل: خُذ ما تريد من بطاقة الصراف وحلّ أمور الحفرة به "ثم أردف وهو يضيق عينيه" وأيضًا أنا سجلتُ شركةً بأسمك لماذا لا تُنهي الإجراءات يابني وترتاح؟، التفت جومالي ببطء وبجمودٍ يشوبه دهشة نحو صالح وظلّ ياماش صامتًا ليقل الأكبر: سجلتَ شركة بأسمه!، مسح صالح وجهه مجددًا بخفه بينما أردف جومالي بحدّةٍ لم يستطع السيطرة عليها: دقيقة.. دع موضوع تسجيلك شركة باسمه جانبًا، هل تريدنا أن نتصرف بمالٍ قذر من مخدراتٍ لطالما كرهها أبي؟، رفع صالح رأسه ببطء واستقرت نظراته على الأكبر بثباتٍ موجع خالٍ من أي انفعال وكأن السؤال لم يُفاجئه.. بل كان يتوقعه منذ اللحظة التي ألقى بها المحفظة، ليقل ياماش بخفوت مخاطبًا جومالي وكأنه يُنبهه: آبي أرجوك ليس هناك داعٍ للانفعال والغضب، ولكن الآخر لم يُبعد نظراته عن صالح الذي قال بهدوء: هل تعلم يا أخي أنني وعدتُ أبي قديمًا بأن أحترق إن لمست هذه السموم مجددًا؟، لم يُجب جومالي ولكن نظرته الحادة ظلّت كما هي، ليردف صالح: وها أنا أحترق منذ ثلاث سنوات، لكن لا تقلق.. هذا المال نظيف وقانوني، فالشركات عدا واحدة أصبحت قانونية وقد أدخلتها في أسهم واستثمارات، يعني أنها لم تعُد مرتبطة بالمخدرات، ليهمس ياماش بهمسٍ لم يسمعه سواه وهو ينظر بحزن: إلا الشركة التي بأسمك..، استقام صالح بسرعة وفورًا تغيرت ملامحه حين أوجعته ذراعه، مما جعل جومالي يتقدم قائلاً بقلق: حسنًا قانونية ياهذا لكن انهض ببطء حتى لا تؤلمك ذراعك، ضيق صالح عينيه بمُكر وهو يقول مبتسمًا: حقًا؟ لا أريد نصيحة من رجل بدأ عقله يفوّت، منع وليّ ضحكته.. بينما وهذه المرة وقف جومالي ينظر بهدوء وليس بغضب.. كان يعلم أن أخيه يريد استفزازه مجددًا، وهو يقبل هذا الاستفزاز.. يقبله فقط ليكون أخيه بخير ومبتسمًا هكذا، ودون إرادة رفع ذراعه وبعثر شعر صالح الذي رفع حاجبيه استغرابًا مع اقتراب ياماش الذي استقام بعد أن وضع بطاقة صالح في جيب سترته، ليناول الأخير محفظته وهو يقول بمُكر مخاطبًا جومالي: لماذا لا تداعب شعري أنا أيضًا لأرضى ياهذا؟، دفعهُ الأكبر من رأسه مازحًا وهو يتجه نحو النافذة مجددًا ولكن هذه المرة بابتسامةٍ خفيفه، ليردف ياماش وهو يقترب من ابن أبيه: لقد اهتممتُ بسيارتك، وأصلحت زجاجها وأصبحت أفضل من قبل، أومى صالح بامتنان ليردف الآخر: فلتعُد إلى المستشفى لا أريد لفريد أن يظن بأنني مُهمل، أخرج صالح نظارته الشمسية وارتداها ليقل: حين تعرف شيئًا بخصوص السيارة..، قاطعهُ ياماش قائلاً: أرى أن نؤجل الأمر حتى تخضع للجراحة، نظر صالح لوهلةٍ مستغربًا وغاضبًا بعض الشيء حتى هتف وليّ: وإن بحثنا اساسًا من المستحيل أن نعثر عليها قبل أيام وستكون قد خضعت للجراحة حتى ذلك الوقت إن شاءالله، زفر صالح بضيق ثم قال: حسنًا لكن إياكم وخصوصًا أنت يا ياماش بأن تفعلوا شيئًا بدوني، ليُجيب الأصغر وهو يقترب ليُعانقه بخفةٍ وحذر: مستحيل أنا لا أستطيع أصلاً أن افعل شيئًا بدونك، التفت جومالي ينظر إلى أخوته بهدوء.. بينما رفع صالح أحد حاجبيه وهو يُبادل ياماش العناق بذراعه السليمة ليقل: هل أنت طفل حقًا؟ لماذا تعانقني، تأفف الآخر ليُجيب وهو يبتعد: ليس من شأنك، فابتسم الأسمر ليقل مازحًا: لا تنسى أن تكتب لي رسائل مليئةً بالحب والشوق حتى أعود، ضحك وليّ وياماش الذي قال وهو يهزّ رأسه غامزًا بعينه: سأكتب وكثيرًا، خرج صالح وتقدم ببطء نحو سيارته.. أخرج هاتفه حين لم يلمحها عند السيارة كما قالت أنها ستنتظره، أتصل بها لكن هاتفها كان مغلقًا، وخلال ثانية.. التفت نحو باب المنزل ليراها تتقدم نحوه وهي ترتدي نظارتها الشمسية، لتقل: حقًا إدريس عنيد مثلك.. كاد يترك فطوره ويأتي معنا لولا أنني وعدته بأن آخذه مرة اخرى، ابتسم صالح ليقل: هذا هو ابني الأسد، ثم أعاد هاتفه إلى جيبه ليقل: لماذا هاتفكِ مغلق؟، نظرت إليه من خلف النظارة قليلاً ثم قالت: ليس مغلق بل لم يعُد لدي هاتف.. لقد تحطم بسبب رجال ذلك المعتوه في الكوخ، تنهد صالح بخفه وهو يغمض عينيه، ثم قال بعد لحظة: كوب قهوة إذن؟، فأجابت هي بهدوء: هذا وعدك لي حين ذهبنا إلى متجر الألعاب مع إدريس، وهو الشيء الوحيد الذي سيجعلني أتحسن وأنسى كل ما حصل في الفترة السابقة، سنأخذه في الطريق ونحن عائدون إلى المستشفى، ابتسم صالح مجددًا وبالمثل هي قبل أن تتقدم نحو مقعد السائق قائلةً: هيّا فلنذهب، ليهتف وهو يتجه ناحية المقعد المجاور: لا زلتِ مُصرة على قيادة هذا الوحش الرباعي؟، لتقل هي عندما صعد إلى جانبها: وحش! أنتم الرجال تحبون تهويل الأمور، ومن يعرف القيادة سيقود أي شيءٍ يصل إليه، وحين تحركوا وخرجوا من بوابة المنزل، هتف صالح وهو يميل برأسه نحو النافذة: قيادة جيدة مبدئيًا..، ابتسمت هي ونظرها إلى الطريق أمامها ثم سمعته يردف بعد لحظة: أنتِ لستِ مجبرة على القدوم معي إلى المستشفى، لم تلتفت ولم تنظر إليه حين ردّت فورًا: أعلم ولكنني أريد، التفت إليها هذه المرة.. وراح يتأمل ملامحها خلف النظارة، ثباتها وطريقة تشبثها بالمقود، ابتسم بشكلٍ غير ملحوظ وأعاد برأسه يسنده على النافذة وهو يتنهد بهدوء، وعودةً إلى المكتب.. كان ياماش قد خرج، فلم يتبقى إلا وليّ وجومالي الذي لا يزال واقفًا يتأمل الخارج من النافذة، تأمل وليّ ظهر الآخر ثم قال: هل أنت بخير يا جومالي؟، تنهد الأخير بشكلٍ غير ملحوظ، ثم استدار وتقدم حتى جلس أمام وليّ ليُجيب: فليكونا بخير عندها سأكون بخير، ابتسم وليّ بحزن ليقل: هما بخير ويصبحان أفضل حين يسندان بعضهما البعض، منع جومالي غصةً في حلقه وهو يرتخي بظهره ليقل: اجل أنهما يسندان بعضهما بطريقة..، ثم أسند يده على الطاولة ليضعها على فمه بهدوء وهو يردف وقد داهمتهُ ذكرياتٍ يائسه: في فترةٍ ما.. غضبت من ياماش وطردته من الحفرة لأنني لم أحاول أن أفهم لماذا فعل ما فعله آنذاك، عقد وليّ يديه إلى صدره وهو ينظر بفضولٍ حزين، بينما أكمل جومالي: لم يفهمه أحد وبقي وحيدًا، الشخص الوحيد الذي بقي إلى جانبه هو..، قاطعهُ وليّ بهدوء قائلاً: صالح..، أومى جومالي بغصة ثم قال: وأنا.. أنا كنت الأخ الأكبر كان يفترض بي أن أفهم وأحتوي وأسند، لا أن أُدين وأعاقب وأغضب، لكنني طردتهما الإثنان ليقعا في أيديّ اعداءنا واحدًا هنا وواحدًا في أفغانستان اللعينة، ظلّ وليّ صامتًا وقد تذكر ذكرياتٍ تخص عائلته التي ظنّ أنه نسيها منذ سنين، بينما خفض جومالي رأسه قليلاً ثم أكمل بنبرةٍ لم تخلو من قلقٍ عميق: ربما سأقتل نفسي حتى ينتهي كل هذا، ضيق وليّ عينيه بينما أكمل جومالي: هذا ما قالهُ صالح بالأمس ولا زال يطنّ في أذني ولا يفارقها، ابتسم وليّ بسخرية قهر وهو يردّ: لم يستبعد هذه الفكرة إذن..، هُنا نظر جومالي وقد اتسعت عينيه بخفه، ليردف وليّ: كاد أن يفعلها سابقًا.. لولا أن تولغا سحبه من حافة جبل كما قال، أرخى جومالي رأسه فورًا وحاوطهُ بين ذراعيه وهو يغمض عينيه بقوة مصدومًا يكاد يجنّ، ليقل وليّ بخفوت: كنت أنوي التحدث معه منذ وقت ولكن.. إن أردت أنت كأخيه الأكبر تحدث معه حين تتحسن حالته، فهذه الأفكار السوداوية إن لم تُقمع أخشى أن تسيطر عليه خصوصًا في خضم ما يحدث الآن وأنت تعلم ما أقصده جيدًا، رفع جومالي رأسه وهو يتنفس بقوة من قهره، التقط قبعته سريعًا وخرج ذاهبًا إلى أسطحه كعادته، ولاحقًا.. حيثُ صالح وليلى التي توقفت سيارتهما عند مقهى على الطريق، ترجلت ليلى لتحضر القهوة كما قالت وأعاد صالح رأسه إلى الوراء مغمضًا عينيه بهدوء، وماهي إلا دقائق حتى اعتدل حين سمعها تفتح باب مقعد السيارة، لم تصعد بل نظرت إليه لتقل: هل لديك نقود؟، ابتسم صالح وهو يتفحص جيب سترته قائلاً: كيف نسيت! أنا من وعدكِ لذا بالتأكيد أنا من سيدفع ثمنه، ابتسمت هي الأخرى ومدّت يدها لتأخذ النقود وهي تقول بهدوء: كنت سأدفع ولكن محفظتي بقيت في سيارتي، التقط صالح محفظته ليعطيها إياها، فـ تراجعت بعد أن أغلقت الباب.. ولاحقتها نظراته وهو ينظر إلى ظهرها بمزيجٍ من الراحة والخوف.. الراحة التي لا يجدها إلا بجانبها، والخوف عليها.. من عالمه وأعداءه، عادت ليلى بعد دقائق وهي تُمسك بكوب قهوتها وكيسًا ورقيًا صغيرًا في يدها الأخرى، صعدت وناولته محفظته برفقة الكيس وهي تقول: أحضرت لك بعض الفطائر كُلها قبل أن تبرد، التقطها هو بصمت بينما شغلت هي المحرك، وبعد وقت كانا قد توقفا أمام الساحل، أنزل صالح زجاج النافذة وأسند ذراعه وهو يقول: كيف عرفتِ أنني أحتاج إلى البحر؟، أطفأت هي المحرك ومالت في مقعدها قليلاً نحوه وقد التقطت كوب قهوتها لترتشف منه، ثم أجابت بعد لحظة: من يُحب يعرف دائمًا، التفت هو برأسه وتأملها مجددًا ثم قال بهدوء: أنتِ تعلمين من أكون يا ليلى..، نظرت هي قليلاً ثم أومت وهي تقول بذات الهدوء: أعلم جيدًا، ليقل هو مجددًا: وعالمي.. تعلمين أنه ليس مكانًا آمنًا، هُنا انعقدت ملامحها.. وتذكرت كلمات أخيها حين قال "أنتِ لا تنتمين إلى عالمه" اغرورقت عيناها بالدموع ولكنها أجابت وهي تبتسم بغصة: وماذا لو قلتُ لك انني طوال حياتي لم أشعر بالأمان كما أشعر به وأنا بجانبك؟، أشاح صالح ببصره نحو البحر مجددًا حيث الأمواج وصوتها الخفيف الذي بعث في قلبه المنسيّ منذ أشهر بعض الشجاعة.. ليقل بعد صمتٍ طال أكثر مما يجب: هذا أكثر ما يُخيفني.. أن تشعري بالأمان في مكانٍ مليءٍ بالخطر بسببي، تنهدت هي بخفه ثم مسحت عينيها سريعًا وكأنها لا تريد أن تُربكه، لتقل: الأمان لا يكون في الأماكن يا صالح بل في الأشخاص.. وأنا حين أكون بجانبك لا أشعر انني وحيدة كما كنت أشعر طوال حياتي، ولا أشعر أنني ضعيفة حتى حين أخاف، وأنت السبب الذي جعلني أركض وأخرج من ذلك الكوخ بكل قوتي وشجاعتي لأعود إليك، التفت إليها ثم ما لبث أن مدّ يده السليمة ببطء وأمسك بكفّها وشدّ عليه ليقل بنبرةٍ لأول مرةٍ تسمعها هي.. نبرةً جمعت بين الطمأنينة والقلق وشيئًا من الاعتراف: أنا لا أعدكِ بحياةٍ سهلة.. وبطريقٍ دون دماء أو ألم، لكنني أعدكِ.. إن كنتِ معي وبجانبي فلن أسمح لأي كائنٍ كان أن يؤذيكِ مجددًا، هُنا ابتسمت هي مجددًا.. ابتسامة امرأةٍ اختارت بكامل وعيها، شدّت على كفّه التي تمسك كفّها وهي تقول: وأنا لا أريد أكثر من هذا.. أن نكون معًا فقط..
––––––––––––––––––––
مكتب الكبير.. بعد وقت
في غرفةٍ فارغة بعيدة عن مكتبه، توقف الكبير وذراعيه خلف ظهره ونظره لا يتحرك من على الأرض.. حيثُ جثة سافاش المشوّهه والمحترقة، ليهتف أحد رجاله مشيرًا إلى اثنين آخرين بتغطية سافاش: وجدناهُ في مكانه ياسيدي.. كان بهذه الحالة ميتًا وقد كُتب هذا بدمّه على أحد جدران المكان، التفت الكبير بعينيه نحو رجله الذي مدّ ذراعه وعرض عليه صورة من هاتفه ليراها، فرأى صورة لجدار كُتبت عليه كلمة واحدة بالدم، كلمةً جعلتهُ يبتسم قلقًا وسخرية في آنٍ واحد "سنصل" أعاد بنظرة إلى جثة سافاش المغطاة لوهلةٍ مع قول رجله: هل تظن ياسيدي أن فارتولو عرف شيئًا من سافاش؟، شدّ الكبير قبضته وهو يُجيب بهدوءٍ حاد: وماذا يعرف هذا ال*** غير أماكنه ومختبراته وخطته ال***، ثم تجاوزهم بحدّه وخرج مغلقًا الباب خلفه بعنف، دخل إلى مكتبه ونزع قناعه ليرميه بقوة على أحد الطاولات الصغيرة، وساد الصمت قبل أن يرفع يده ببطء ليمسح وجهه كمن يحاول كبح شيءٍ يتصاعد في صدره، تقدم خطوتين ثم توقف فجاءه وأسند كفيّه على حافة الطاولة.. لم يكن الغضب وحده هو ما يسيطر عليه الآن بل يُصاحبه إدراك كبير.. إدراك بأن اللعبة التي ظنّ أنها طويلة وآمنة وخُطط لها بشكلٍ محترف قد بدأت تضيق من حوله، رفع رأسه ببطء وهو شاردًا في الجدار أمامه.. ليهمس بنبرة غضبٍ وحقد: إذن بدأت تتحرك يا فارتولو..، ضيق بعدها عينيه وابتسم ابتسامةً بالكاد تُرى ليردف: لنرى.. لنرى متى ستصل وأنا انتظرك، لأنك صدقني ستكون قد وصلت إلى نهايتك لحظة وصولك إليّ..
––––––––––––––––––––
المستشفى..
دلف اكين إلى غرفة عمه بسرعة.. مبتسمًا وهو يلهث وكأنه ركض آلاف الأميال ليصل إلى هنا، رفع صالح الذي كان جالسًا رأسه بقلق.. والتفتت ليلى بغرابة، ولم يكاد صالح أن يسأل حتى تقدم اكين وهو يقول: لم أعلم إلى أين أذهب.. والله أنت أول من خطر ببالي يا عمي، عقد صالح حاجبيه ليردف الآخر وهو يبتسم بدموع جاثيًا أمام عمه حتى استند على ركبتيه: ياسمين استيقظت.. أنها بخير، ارتخت ملامح صالح وقد تنهد بارتياح بينما أكمل اكين: أنها بخير.. تحدثت معي والطبيب قال انها تتحسن، ابتسم صالح ومدّ ذراعه حتى سحب رأس اكين إليه واضعًا جبينه على جبين الآخر وهو يقول: ألم أقل لك؟ ستستمدان القوة من بعضكما هكذا، أومى اكين وهو يُريح رأسه على أقدام عمه للحظاتٍ مستوعبًا أن زوجته بخير.. وأنه لن يفقدها بسبب ذنبه وأفعاله وأخطاءه التي ارتكبها، طُرق الباب وظهر ياماش من خلفه بوجهٍ بشوش، وسرعان ما رفع أحد حاجبيه وهو ينظر إلى اكين ليقل بمزاح: هوب يا قطعة الأسد ماذا تفعل مع أخي؟، اعتدل اكين وهو يضحك بينما مسح صالح على شعر ابن أخيه وهو يقول: دعه.. هذا الرجل اليوم ولد من جديد، تقدم الأشقر وهو يومي بخفه وسحب اكين لعناقٍ خاطف وهو يقول: قابلتُ داملا الآن عند مدخل المستشفى وهي خارجة وأخبرتني، ثم فصل العناق وهو يقول: أذهب إلى زوجتك لا تتركها لوحدها الآن بعد أن استيقظت، تراجع اكين وهو يمسح وجهه مبتسمًا، ثم قبل أن يتراجع تأملهما قليلاً حتى قال بامتنانٍ كبير: من الجيد أنكما موجودان، لو لم تكونا بجانبي لا أعرف كيف كنت سأقف على قدميّ وأتحمل ما حصل، كانت ليلى تنظر إليهم بصمت بينما نظر ياماش نحو صالح الذي قال وهو يضيق عينيه: هل نحن خط دعم وتضامن؟ نحن عائلة يا ***، ضحك ياماش وقد تذكر هذه المزحة، بينما ابتسمت ليلى بهدوء واكين الذي خرج عائدًا إلى زوجته، تقدم بعدها الأشقر وأنظاره على ذراع أخيه الذي سأله: هل أوصيتَ جيلاسون بما أخبرتك به؟، أومى ياماش ليُجيب وقد جلس بجانبه: أجل أعطيته البطاقة وذهب لإحضاره وسيلحق بي إلى هنا، ثم أردف سائلاً: لماذا نزعت الحمالة؟، هُنا أجابت ليلى بهدوء وهي تعقد ذراعيها إلى صدرها: لأنه سيرتاح.. لم ينم منذ البارحة، أومى ياماش ثم استقام وقبل أن يتفوّه بكلمة دلف جيلاسون إلى الغرفة وهو يحمل في يده علبة بحجم كفّه تقريبًا، رفع صالح يده فورًا وأشار إليه بأن يقترب، فاقترب الآخر وهو يقول: والله كنت سآخذ لنفسي واحدًا جديدًا كهذا ولكنني قلتُ ميكي سيغضب الآن فـ خاصته قديم بعض الشيء، ضحك ياماش وصالح بالمثل بينما عقدت ليلى حاجبيها حين التقط الأسمر العلبة وناولها إياها وهو يقول: هذا لكِ تعويضًا عن ذلك الذي تحطم، فتحت ليلى العلبة ببطء لتجد هاتفًا جديدًا، ثم رفعت بصرها تنظر نحو صالح لتقل بهمس: لم يكن هناك داعٍ لهذا، صمت الآخر بهدوء وهو يبتسم، بينما قال ياماش: إذن.. لتمر هذه الأيام وتُجري الجراحة بسلام يا ابن أبي ومن ثم سنرى ما القادم.. وبعد مرور عدة أيام.. كانت الساعة الحادية عشر صباحًا، مشت ليلى في ممرات المستشفى بهدوء وإرهاق كبير.. فـ منذ أن دخل صالح إلى غرفة العمليات بعد أن تحسن وضعه في الأيام السابقة، كان الوقت يسير ببطء مُرهق وكل دقيقة تمرّ كانت أثقل من سابقتها، تقدمت وجلست حيثُ كانت تجلس منذ ما يُقارب الساعة والنصف، جلست أمام جومالي الذي يقلب حبات المسبحة بين أصابعه وعينيه لا تفارقان باب غرفة العمليات.. وبجانب ياماش الذي يعقد ذراعيه إلى صدره وهو شاردًا في الفراغ، واكين الذي يجلس أرضًا بعيدًا عنهم قليلاً مستندًا إلى الجدار بصمت وكاراجا بوجهها الشاحب تضع رأسها على كتفه، ووليّ الذي بالقُرب منهما يمشي ذهابًا وإيابًا بهدوء.. كان الجميع صامتون بشكلٍ ثقيل وكلاً منهم غارق في أفكاره، حتى قاطعهم صوتًا ما.. صوتًا تقدم بقلق وخطواتٍ متسارعة، صوت تولغا الذي قال وهو ينظر إلى وليّ: ماذا حصل لأخي؟، التفتوا ولم تخفى الدهشة عن وجوههم، خصوصًا كاراجا التي رفعت رأسها ببطء من على كتف أخيها وهي لا تصدق عينيها، بينما توقف وليّ عن المشي ونظر إلى تولغا بذهولٍ كبير.. استقام ياماش وهو يهتف: تولغا! متى عدت؟، أما جومالي فقد تباطئت حركة حبات المسبحة بين أصابعه وهو يرمق تولغا بنظرته المعتادة، بينما الأخير الذي كان يلهث بخفه وكأنه قطع المسافة من برلين إلى إسطنبول ركضًا على أقدامه، لم يُجب على سؤال ياماش بل تقدم نحو وليّ وهو يقول بهدوء يشوبه قلق: اتصلت بأخي صالح عند وصولي قبل ساعة ولكن هاتفه مغلق.. ثم اتصلت بك ولم تُجب! والشباب اخبروني أنكم هنا ماذا حصل؟، سحبه وليّ من ذراعه بخفه وكذلك ياماش الذي لحقهم إلى الخارج، خرجوا الثلاثة ليقل وليّ حين توقفوا عند مدخل المستشفى: هو بخير يا تولغا أنها مجرد جراحة لذراعه التي أُصيبت قبل أيام، يعني الوضع تحت السيطرة والعملية ليست عاجلة بل انتظرنا حتى يخضع لها، قال وليّ كلماته هذه بسرعة لكي يُسكت قلق الذي أمامه، تنهد تولغا بخفه وبشيءٍ من الارتياح ثم مسح وجهه وقال: وكيف أُصيبت؟ ماذا حصل؟، هُنا قال ياماش: هجوم معتاد..، ثم شدّ على كتف الآخر ليردف مبتسمًا: أنت أخبرني كيف فكرت بالعودة؟ والله ظننتُ أنك استقريت هناك، ابتسم تولغا ورفع ذراعه يشدّ على كتف ياماش بالمثل ليُجيب: عدت.. ولكنني لم أعُد خالِ الوفاض، تبادل وليّ وياماش النظرات باستغراب.. بينما وفي الجهة الأخرى حيثُ الممرّ المقابل لغرفة العمليات، حاوطت كاراجا ركبتيها بذراعٍ وشدّت بالأخرى على معدتها بقوة.. كانت شاردة وقد تبعثر داخلها حين رأته بعد هذه الفترة.. تبعثرت حين عاد.. لم تلحظ ولم تنتبه كاراجا لنظرات ليلى لها، هذه المرة الثانية التي تلاحظ ليلى هذا.. ولكنها كما فعلت سابقًا صمتت وأشاحت بنظرها، بينما مدّ اكين ذراعه بعد ترددٍ بسيط ومسح على شعر أخته وهو يقول: كل شيء سيكون على مايرام يا وردة عمكِ السوداء، التفتت الأخرى بأعينٍ دامعة حين سمعت هذا اللقب، وسُرعان ما أسندت رأسها إلى الخلف وهي تتنهد بقوة وابتسم اكين بحزن وهو يشرد بعيدًا في الفراغ، أما ليلى فـ راحت تنظر إلى باب غرفة العمليات مجددًا.. ذلك الباب الأبيض المشؤوم، أجل مشؤوم.. فـ بعضهم يدخل إلى هناك ولا يخرج أبدًا، تذكرت كلماته قبل أيام.. أمام ذلك الساحل، واشتعل الخوف في صدرها.. خوف عارم من أن القدر لن يسمح لهما بالبقاء معًا، وأن يبخل عليها بعمرٍ كانت تحلم أن تعيشه برفقته منذ وقتٍ طويل، أن يكون ذلك الاعتراف الغير مباشر منه.. وتلك الكلمات البسيطة التي قيلت بينهما هي آخر ما يجمعهما معًا، أغمضت عينيها ونفضت رأسها تبعد هذه الأفكار المزعجة والغبية، فـ فريد قال أن حالة صالح قد تحسنت، وأن وضعه الآن يسمح بإجراء الجراحة بأمان، بل وأنه سيكون ضمن الطاقم الطبي للجراحة حتى يُطمئنهم بنفسه فور انتهاءها، وذات الكلمات التي قالها فريد كانت تدور في رأس جومالي الذي لا يزال مكانه شاردًا وكأنه يُطمئن نفسه بها.. ولحظاتٍ حتى مال برأسه على الجدار خلفه مغمضًا عينيه وسكن كل شيء للحظة.. لم يشعر جومالي كيف مرّ الوقت لكنه استعاد وعيه على صوت فتح باب غرفة العمليات بعنف، استقام الجميع دفعة واحدة وتوقفت الأنفاس حين خرج فريد.. لكنه لم يكن الطبيب الذي يعرفونه، كان وجهه شاحبًا وقميصه الأبيض ملطخًا بالدماء بشكلٍ عشوائي ومرعب، تعثرت خطواته وهو يتقدم نحوهم حتى أمسك بحافة الجدار وكأنه يوشك على الوقوع، تقدم جومالي فوراً وهو يسأل: ما سبب حالتك هذه! أين أخي؟، مسح فريد وجهه بخفه ثم رفع بصره إليهم وهو يقول بخفوت: اعتذر.. لقد حاولت ولكن..، سقطت ليلى فورًا جالسة على كرسيها وهي تنظر بأعين جاحظة، بينما تجمد البقية جميعهم دون استثناء، ياماش وتولغا وليّ اكين كاراجا.. جميعهم وقفوا كتماثيلٍ من هول الصدمة.. تراجع جومالي خطوة وقد اتسعت عيناه، ولكنه ما لبث أن تقدم بسرعة وأمسك بياقة فريد وهو يقول صارخًا: ماذا تقول أيها ال***؟ كانت مجرد جراحة! جراحة بسيطة!، أغمض فريد عينيه وهو ينفي برأسه قائلاً: لم تكن الجراحة.. نحن لم نلمسه حتى، وجدنا في دمه جرعات مهدئة قاتلة.. جرعات تفوق طاقة أي بشر وجعلتهُ يدخل في غيبوبة، لقد فعلها بنفسه قبل أن يدخل إلى غرفة العمليات، لقد اختار ألا يستيقظ.. يريد قتل نفسه، هُنا ارتخت قبضة جومالي تدريجيًا وكذلك أنفاسه.. وانقطعت مسبحته التي في يده لتتبعثر حباتها في الممرّ الذي امتلأ بصمتٍ قاتل..
إلى اللقاء في البارت القادم..

لا يوجد سوى الألم..حيث تعيش القصص. اكتشف الآن