"لا تفضحينا يا جميلتي ودعينا نُغادر من هُنا"
رفعت ليلى رأسها من على كتفه.. فالتفت هو ينظر إليها للحظة، كانت نظراته جامدة وحائرة في آنٍ واحد.. وتوضح رغبةً جامحة في الهروب مما قالته، لكنه لم يُحرك ساكنًا.. وعيناهُ وحدها كانتا تتكلمان، أشاحت هي نظرها ببطء.. ثم أرخت رأسها وهي تتنفس بصعوبة وبشكلٍ غير ملحوظ كأنها تحاول إخفاء وجعها خلف تماسكٍ هشّ للغاية، ثوانٍ قليلة حتى تنهدت بقوة لتقل بنبرةٍ ثابتة ومرتجفة في ذات الوقت: أنا فقط.. أنا أردت أن أقول هذه الكلمة التي ستقتلني إن بقيت في داخلي أكثر، ثم أردفت بعد أن مسحت وجهها بهدوء: أنا تعبت.. تعبت جدًا من اخفاءها، ساد صمتٌ ثقيل بعد كلماتها هذه وكأن الممرّ قد ضاق عليهما معًا، لم تجرؤ هي على النظر إليه مجددًا.. خافت أن ترى الجمود ذاته، أما هو.. فظلّ يُحدق فيها بصمتٍ أطول من اللازم، استجمعت نفسها سريعًا ثم قالت دون أن تنظر إليه: كل شيء بداخلي يُقاوم هذا الشعور لكنني لا أستطيع أكثر، وفي كل مرةٍ كنتُ أقول أنني سأُنهيه.. أعود لأجده أقوى، صمتت قليلاً تنتظر منه أي كلمة.. أي شيء ولكنه ظلّ صامتًا على حاله، فنهضت والتقطت حقيبتها وهي تبتسم توقفت أمامه مباشرةً ونظرت إلى عينيه اخيرًا بالرغم من ترددها لتقل: أعلم أنه ربما لا يوجد سوى الألم في هذه الحياة أو لعلّ هذا ما تراهُ أنت بسبب كل ما عشته.. ولكن أنا فقط أريدك أن تعرف أنني أحبك.. وأنني حين أنظر إليك..، خرجت هذه الكلمات منها بهدوءٍ موجع كمَن يمشي حافيًا على الجمر الذي صنعتهُ يداه، نظرت إليه بعمق وفي عينيها رجاءٌ أخير، مرّت لحظاتٍ ثقيلة وهو ينظر بذات النظرة صامتًا لتردف هي بخفوت: أنا لا أراك كما يراك الآخرون.. لا أراك رجلاً محطمًا يبحث عن نفسه أو خاسرًا كما تظن أو كما قال أخي الذي حاول أن يعلمني الفرق بين الحاجة والحُب.. بل أراك من بقي واقفًا وصبورًا رغم كل الوجع وكل ما خسرته، أنا أراك كما لم ترى نفسك يومًا يا صالح..، ثم ارتدت نظاراتها الشمسية واستدارت وخطت بعيدًا.. وما إن ابتعدت حتى نزلت دموعها فورًا، ولكنها ظلّت بهدوءها وخطواتها الثابتة حتى انعطفت وخرجت من الممرّ، والآخر.. الذي حرك يده وشدّ بها على الأخرى التي ارتجفت بشدة.. ظلّ ينظر إلى طريق ذهابها وهو يحاول.. يحاول أن يفهم كيف ولماذا.. لماذا صمت ولم ينطق بكلمة! كان يشعر من تصرفاتها وكلامها.. فهو ليس أحمقًا، لكنه ظلّ يركن ذلك الشعور جانبًا طوال الوقت، هل كان هروبًا متعمدًا؟ خوفًا؟ أم رفض؟ اللعنة.. لا يفهم، بينما وليلى التي في طريقها إلى الخارج لمحت ياماش يجلس أرضًا في قسم الطوارئ وهو ينظر شاردًا إلى الفراغ، مسحت دموعها بسرعة ثم استجمعت نفسها وتقدمت نحوه بقلق لتهتف: ياماش؟ هل حدث شيء؟، رفع الآخر رأسه بشرود وبعينيه الحمراوتان قال: إيفسون.. تعرّضت لحادث، ارتجف قلب ليلى لتقل بصدمه: ماذا!، ثم أردفت بخوف وقد انحنت بالقرب منه: كيف؟ هل هي بخير؟ كيف حدث هذا؟، ليُجيب الآخر بتلقائيةٍ وهو شارد بعينيه: لا أعلم.. لقد أخذت سيارتي لتعود إلى المنزل لكنها تعرّضت لحادث على طريقٍ مختلف عن طريق المنزل المُعتاد، وضعت ليلى يدها على قلبها.. ثم سرعان ما نظرت بقلقٍ وريبه نحو ياماش عندما لاحظت حالته هذه.. فلم تجد سوى أن تعود إلى صالح فورًا لكي تخبره، عادت لحيثُ تركت الأخير فلم تجد سوى اكين الذي يجلس بإرهاق، فتقدمت بسرعة لتسأله: أين صالح؟، ليُجيبها الآخر: ذهب إلى دورة المياه في الممرّ المجاور، فركضت فورًا مع استغراب اكين، فتحت باب دورة المياة فوجدتهُ يقف أمام المغسلة وهو يُغرق وجهه بالماء ويمسح شعره، لتهتف هي: صالح..، رفع عينيه فورًا ونظر إليها بتوتر من خلال المرآة حين سمع صوتها، لاحظت هي توتره وعينه التي احمرّت قليلاً.. لكنها تقدمت وهي تقول دون مقدمات: إيفسون في الطوارئ لقد تعرّضت لحادث وأخيك ياماش هناك لوحده..، اتسعت عيناه قليلاً ثم ما لبث أن أنزل رأسه وهو يبتسم، عقدت حاجبيها خوفًا لتسمع بعدها ضحكته التي كانت مكتومة نوعًا ما.. وكأنه يضحك على نفسه وعلى هذه الفوضى التي لا يستطيع السيطرة عليها وعلى هذا الشعور الغريب بالذنب الذي يُثقل صدره، ثم أغمض عينيه وبدأ يسعُل وهو يرفع احدى يديّه نحو أزرار قميصه العلوية، تقدمت هي أكثر حين لاحظت أنه يحاول أخذ نفس.. ولكنه منعها بيده الأخرى وتراجع إلى الخارج بخطواتٍ سريعة، أعادت خصلات شعرها إلى الخلف وهي تتنهد بحزنٍ وقهر، وعندما استدارت لتلحق به توقفت فجاءه عندما لمحت هاتفه ومسبحته ومفاتيحه موضوعةً على المغسلة، فتنهدت مجددًا بمرارة والتقطتها لتضعها في حقيبتها ثم خرجت، نهض ياماش عندما خرج الطبيب مع قدوم صالح في اللحظة ذاتها، ليقل الطبيب يخاطب ياماش: اطمئن زوجتك بخير وعادت لوعيها.. هي فقط تعرّضت لإصاباتٍ طفيفة، ودون أن يُكمل الطبيب كلامه هرع ياماش إلى الداخل فورًا وانحنى صالح وهو يسند يديّه إلى ركبتيه يتنفس بصعوبة بينما تنهدت ليلى بخفه، ولكن أنظارها ثبتت على صالح بقلق.. وقبل أن تتقدم نحوه لحق هو فورًا بأخيه إلى الداخل، فظلّت ليلى واقفة مكانها.. كانت تريد اللحاق بهم والدخول للاطمئنان على رفيقتها الجديدة.. ولكنها لا تريد إزعاج صالح بالاقتراب منه خصوصًا بعد ما قالته، وفي الداخل.. تقدم ياماش نحو زوجته التي كانت تُبعد الممرضة التي كانت تضمد جروحها وهي تصرخ قائلة: اتركوني سأذهب! لقد اخذوا ياماش، أقترب عدد من الممرضات يحاولون السيطرة على الوضع، فركض هو حتى تجاوزهن وأمسك زوجته وهو يقول محاولاً طمأنتها: إيفسون.. انظري أنا هُنا، لم تنتبه هي لهُ من انهيارها وخوفها.. ونزعت المحلول من يدها بعنف وهي تعاود الصراخ: سأذهب لقد اخذوه اخذوه، تقدم الطبيب برفقة صالح الذي توقف ينظر بغرابة، حاولوا تهدئتها لكن بلا جدوى.. فهي اصبحت تدفع وتضرب الممرضات تريد الخروج وهي تُكرر "أخذوا ياماش.." فأمرهم الطبيب بإعطائها مهدئ وحصل بالقوة.. وبمساعدة ياماش الذي كان يُمسكها جيدًا وهو يحاول طمأنتها أنه بجانبها ولم يأخذه أحد، لم يكن يعلم أنها لا تقصده بل تقصده أبنه.. أبنه التي كانت ستجلبهُ له ولكنهم لم يسمحوا لها، أعادوها مستلقية وهي تهذي بأسم ياماش حتى غفت عيناها، غطى الأخير وجهه بكفّيه فاقترب صالح حتى مسح على شعر أخيه بصمت.. فقال ياماش بنبرةٍ مرتجفه: قلتُ لها أن نعود سويًا ولكنها رفضت لكي أبقى بجانب اكين..، أغمض صالح عينيه لوهلة ثم سأل بخفوت: كيف حصل؟، نفى الآخر برأسه ثم رفعهُ وهو يتنهد بقوة ليقل: لا أعلم.. ذلك الرقم الذي أزعجني كانت الشرطة.. كانوا يريدون إخباري بأنها تعرّضت لحادث، ولكن الحادث على طريقٍ مختلف عن طريق المنزل يا صالح، أنزل الأخير يده حتى شدّ على كتف أبن أبيه وهو يقول: هي بخير.. وهذا يكفي الآن، أومى ياماش فتراجع صالح فورًا إلى الخارج بخطواتٍ ثقيلة.. فأنفاسه تكاد تنقطع، خرج ليجد وليّ يقف بجانب ليلى.. تحاشى النظر إليها بينما سأله وليّ فورًا: جئتُ إلى المقهى وقالوا لي أنكم هُنا هل الجميع بخير؟، فأجاب الآخر بخفوت وهو يتجاوزه مبتعدًا: أجل..، أبتعد صالح وخطى حتى جلس على إحدى درجات السلالم، أرخى رأسه وفتح أزرار قميصه العلوية ثم حاول أخذ نفسٍ عميق بصعوبة، ليسمع صوت وليّ الذي جلس بجانبه وهو يقول: ببطء.. لا تتنفس بقوة، وبعد لحظات وبعد أن أخذ أنفاسه ببطء وهدوء كما قال وليّ.. رفع رأسه وهو يمسد صدره ليقل: اللعنة.. اللعنة على كل شيء، أبتسم وليّ بحزن ليقل: فلتنظر إلى الجانب الجيد يا صديقي.. الجميع بخير، ضحك صالح بسخريه وهو يقول: سأفقد عقلي يا وليّ.. أنا سأفقده بلا شك، صمت الآخر ليقل وهو ينظر إلى الأمام: لا ضرّ في أن تفقده قليلاً..، ولاحقًا.. تقدم صالح نحو قسم الطوارئ برفقة وليّ الذي يربت على ظهره بخفه وهو يسأل: هل أصبحت بخير الآن؟، أومى صالح بإمتنان ليتراجع وليّ ذاهبًا وهو يقول: إذن أنا سأكون في الحفرة..، أومى صالح ثم حين تقدم أكثر لمح داملا وليلى تجلس بجانبها وجومالي الذي يجلس بجانب أخيه الأصغر الذي يهزّ قدمه بقوة وهو ينظر بشرود وحدّه كعادة ياماش عندما يغضب، خطى وهو يحاول بشدة ألا تتقابل عيناه ونظرات ليلى.. وجثى أمام ياماش وهو يقول بشيءٍ من القلق: ماذا حصل؟، ليُجيب الآخر وهو يتقدم قليلاً حتى قابل وجههُ وجه صالح: الحادث متعمّد.. الشرطة تقول أن هناك آثار سيارة قطعت طريقها.. ذلك الكلب يريد قتل نسائنا قبلنا، تصلّبت ملامح صالح بينما هتف جومالي وهو يشدّ على كتف أصغرهم بقبضته: ولكنه لن يستطيع..، أبتسم ياماش بسخريه وهو يلتفت نحو جومالي ليقل بحدّه: ههه حقًا؟ أليس هو من قتل أختي سعادات قبل أن نعرف بأمره حتى؟ ألم يقتل أمي دون أن نشعر كال***؟، نظرت ليلى بنظراتٍ خائفه وحزينة إلى صالح الذي أرخى بصره وهو يشدّ على قبضته المرتجفة بلا وعي، استقام ياماش وهو يردف: أنا لن أعيش ذلك الشيء مجددًا.. لن أفقد زوجتي وسآخذ روحهُ قبل أن يفكر بذلك، ظلّ صالح جالسًا ينظر بصمت نحو الكرسي الفارغ أمامه بينما قال جومالي وهو يستقيم ليُحاوط وجه ياماش بيديّه: أنظر أيها المجنون اهدأ واخفض صوتك.. زوجتك بخير وأساسًا لو نعلم مكان ذلك ال*** لـ..، فقاطعهُ الآخر وهو يُعاود الصراخ: ذلك الكلب الآخر سيأخذني إليه.. والآن!، وتحرك بغضب ولم يفهموا ما يقصده.. إلا صالح وحدهُ الذي أدرك على الفور أن الأصغر ينوي الذهاب إلى سافاش.. بهذا الغضب وهذا التسرع.. ودون ذرة تردّد لحق به بخطواتٍ سريعة مُخرجًا سلاحه من خصره فاستقام الجميع بقلقٍ واستغراب قبل أن يضرب صالح بمؤخرة سلاحه رأس الآخر وهو يقول مُمسكًا به: لن تفعل.. لا يا ياماش، أعاد بعدها سلاحه بسرعة إلى خصره بينما مسك ياماش رأسه وهو يقول بخفوت: اللعنة.. اللعنة على كل شيء، وارتخى بين يديّ أخيه الذي عضّ شفتيه بقهر.. تقدم جومالي بغضب وهو يقول مخاطبًا صالح: هل أنت معتوه! هل كان هناك داعٍ لهذا؟، لم يُجب صالح بل أشار إلى ممرضة أتت مسرعة وهي تقول مُشيرة إلى ياماش: هل هو بخير؟، أخذوا الأصغر إلى الداخل مغشيًا عليه بينما شدّ جومالي على ذراع صالح ليقل: لقد جنّ هو.. وأنت بدأت تفقد عقلك من قلةِ النوم، ليقل صالح وهو ينظر إلى عينيّ الأكبر: لقد تراجعت.. ذلك الحيوان لن يتحدث معه أحدًا سواي حسنًا؟، رفع جومالي أحد حاجبيه ليقل بحدّه: هل تأمر أخيك الكبير؟، صمت صالح وأشاح بنظره وكادت أن تتقدم داملا ولكنها تراجعت بينما ظلّت ليلى تنظر بقلق.. ليردف جومالي وقد أقترب قليلاً: صالح.. أنت مُرهق ولم تنم منذ الأمس لذا أذهب إلى المنزل، التقطت ليلى حقيبتها وقبل أن يتكلم صالح كررّ جومالي بغضب: أذهب إلى المنزل الآن ودع عيناك تغفى قليلاً ولا تجعلني أضرب رأسك كما ضربتَ رأس ياماش قبل قليل، أومى صالح بصمت واستدار ليذهب فلحقت به ليلى.. خرج بتعبٍ وغضبٍ يمتزجان في داخله ولا يعلم أيهما يسبق الآخر.. أيريد أن يثور ويغضب؟ أم أن يستسلم لتعبه الذي أنهكه؟ على كل حال.. لا مجال لأيٍ منهما الآن، توقف أمام سيارته وهو يبحث في جيوبه عن مفاتيحه.. ولم يجد لا مفاتيحه ولا هاتفه، فتنهد بتعب وهو يستند على السيارة بيديّه وقد تذكر أنه نسيها.. ليسمع صوتها بعد ثوانٍ من خلفه وهي تهتف: هل تبحث عن هذه؟، رفع رأسه دون أن يستدير.. وأغمض عينيه بخفه ثم استدار ليراها تمدّ ذراعها التي تحمل هاتفه ومفاتيحه.. بينما اردفت هي بهدوء: نسيتها فوق المغسلة بعد خروجك..، مدّ ذراعه المرتجفة والتقطها لتقل ليلى: ألن تقول شيئًا؟، أشاح ببصره مُتعبًا فصمتت هي للحظاتٍ تتأمل وجهه وقالت: حسنًا فهمت.. لن أزعجك أكثر، واستدارت بعدها نحو سيارتها دون انتظار إجابة، ولاحقًا.. نزل من سيارته التي توقفت أمام منزله الذي بجوار منزل العائلة فقابل ميكي الذي قال: هل أنت مُصر على هذا آبي؟ فأخي جومالي أمرنا بتعليقه في الزنزانة، ليقل صالح: أنا سأتكلم مع ذلك الحيوان احضروه، فقال الآخر فورًا: فلتتكلم معه في الزنزانة إذن لا داعي لإحضاره إلى هنا، تجاوزه صالح إلى الداخل وهو يهتف: قلت أحضروه يا ميكي..، دلف إلى الداخل وتوجّه إلى الصالون، نزع سترته ورماها على الأريكة ثم أخرج علبة السجائر.. لكنه قبل أن يُشعل واحدة سرعان ما رماها بعيدًا واستدار ضاغطًا على رأسه بيديّه التين ترتجفان وثوانٍ حتى استند على الأريكة، يشعر وكأن رأسه سينفجر.. وعروقه جميعها تنبض وكأن ما يجري فيها نارًا لا دمًا، أحداث كثيرة في ساعاتٍ قليلة مجددًا.. وكانت كفيلة بأن تجعله يجنّ.. يجنّ من التفكير والقلق، استلقى وارتخى بجسده كليًا وهو يغمض عينيه.. وظلّ على هذه الهيئة لما يُقارب العشر دقائق حتى شعر بيدٍ تربت على كتفه بخفه، فتح عينيه بسرعة فوجد جيلاسون ينظر بهدوء، تنهد بخفه ثم اعتدل جالسًا وهو يقول: ألم يُحضروا ذلك الحيوان حتى الآن؟، نفى جيلاسون برأسه ثم قال وهو يُشير إلى طبقٍ قد وضعهُ على الطاولة: احضرتُ لك شيئًا لتأكله يا أخي، ابتسم صالح ليقل: بيض بالطماطم؟، ابتسم الآخر بدوره ثم قال: أجل.. وأخذ الشباب بعض الأطباق التي أعدتها نساء الحفرة إلى العائلة في المستشفى وايضًا إلى المنزل، ليقل صالح: جيد.. هيّا أجلس لتأكل معي، التقط جيلاسون كرسيًا وقربهُ حتى جلس بجوار صالح وهو يسأل: ماذا حدث لزوجة أخي ياماش؟، تنهد الآخر ومسد عينيه لوهلة قبل أن يُجيب: حادث.. ولكن لم يحدث شيء أنهن بخير.. هي وياسمين بخير، ليهمس جيلاسون: الحمدلله، لحظاتٍ قليلة ودخل ميكي برفقة رجلين من رجال وليّ يقودان سافاش المقيدة يديّه إلى الأمام ومعصوب العينين بعُنف، أشار إليهم صالح فأجلسوا سافاش على الكرسي المقابل والأخير صامتًا، ابتلع صالح لقمته ليقل: أخرجوا..، فقال جيلاسون فورًا: مستحيل.. أساسًا وجوده هنا خطأ يا أخي، فالتفت صالح بنظراتٍ حادة لم يستطع إخفاءها ليقل: قلتُ أخرجوا يا جيلاسون..، وقبل أن يتفوّه الأخير بكلمةٍ أخرى أردف صالح بنبرةٍ هادئة مقاطعًا إياه: هيّا يا بني، نهض جيلاسون بغضبٍ طفيف ليخرج ولحق به ميكي والرجلان، فبقي سافاش مقابل صالح وبينهما طبق البيض بالطماطم، تناول صالح لقمة ثم قال بفمٍ نصف ممتلئ: أرفع يديك وأبعد العصابة عن عينك، لم يتحرك الآخر بل مالَ برأسه قليلاً حين أدرك من صوت الآخر أنه يأكل، رفع صالح بصره عندما لاحظ أن سافاش لم يتحرك ليردف بحدّه: قلت أنزع هذه العصابة عن عينيك وإلا نزعتها أنا ونزعت عينيك معها، حينها ابتسم الآخر بخفه ورفع يديّه ببطء رغم القيود ثم أبعد العصابة عن عينيه، لكنه سرعان ما أغمضهما فورًا إذ باغتهُ ضوء الشمس القادم من الشرفة فهو لم يرى الضوء منذ الأمس، ثوانٍ وثبّت بصره على صالح الذي أكمل تناول طبقة بصمت، مرّت لحظاتٍ طويلة والاثنان على حالهما.. أحدهما يُكمل تناول طعامه والآخر ينظر إليه بصمت، واخيرًا وضع صالح قطعة الخبز جانبًا والتقط منديلاً ليمسح فمه ويديّه، ثم استقام وذهب ناحية سترته، توقف وأخرج منها مقصًا متوسط الحجم وهو يهتف بهدوء: متى كانت آخر مرةٍ قصصت بها شعرك ال***؟، رفع سافاش حاجبيه ليقل: هل تقول هذا بينما شعرك طويل مثل شعري؟، ابتسم صالح ساخرًا وحرك بصره نحو الجانب ليلمح خصلات شعره القليلة التي تغطي طرف عينيه، ليردف سافاش: شعرك ليس مرتبًا يبدو أنك لم تعُد تستخدم الليمون، ثبتت انظار صالح على الآخر وقد تلاشت ابتسامته تدريجيًا.. ليقل سافاش: أنا درستُك يا فارتولو وأعرف كل شيء عنك..، ثم ابتسم مكملاً حديثه بكل أريحية: وأبنك لديه شعر جميل هااا.. ومجعد ليس كشعرك أنـ..، وقبل أن يكمل الآخر كلامه اندفع صالح بخطواتٍ سريعة نحوه وأسقطهُ من على الكرسي بعنف، وكاد أن يغرس المقص في رقبة الآخر لولا أنه تمكن من السيطرة على نفسه في اللحظة الأخيرة.. تنفس صالح بعمق وبصعوبة من غضبه وعيناهُ تخترقان الآخر بحدّه، بينما صمت سافاش واتسعت عيناه قليلاً.. وكعادته لسانه يجلب له المصائب احيانًا، ابتعد صالح بغضب ورفع الآخر بقوة حتى أعتدل جالسًا، ثم قال وهو يُشهر بالمقص أمام أعين سافاش: هل ترى هذا؟ هذا سأقصُ به أصابعك وشعرك ووشمك ولسانك وكل شيء علق في ذاكرة أبني التي كادت تُمحى بسببك أنت وكبيرك، ليقل سافاش: وبسببك أيها الأب البطـ..، لكمه صالح قبل أن يُكمل كلامه وهو يقول: شش يبدو أنك تحب الكلام كثيرًا.. ولكنك لن تتكلم الآن، ليقل سافاش ولم تُصمته لكمة صالح: حتى وإن كان شيئًا تريد أنت معرفته؟، رفع صالح أحد حاجبيه ليقل: دقيقة.. ماذا تعمل لدى ذلك ال*** الكبير؟، ابتسم سافاش ليقل: أعمل بكل شيء..، تبادلا النظرات بصمت لثوانٍ حتى أردف سافاش: أنا لستُ تابعًا أعمى ولا غبيًا يعشق التراب الذي يمشي عليه الكبير مثل كنان، ولا أعمل تحت التهديد طوال حياتي كالجبان كارتال تكين، أنا أبحث عن مصلحتي دائمًا.. وماهية عملي لدى الكبير وما أعرفه عنه ستجعلانك تفكر جيدًا قبل أن تقتلني أو تقطع أصابعي كما قلت، أبتسم صالح بسخريه واستهزاء ثم استقام واستدار وهو يقول: لستَ مخلصًا غبيًا! غريب فجميعكم تتبعونه كال***، ثم وضع المقص على الطاولة وهو يردف: ولكن جيد..، فقال سافاش فورًا: ولكنك ستعطيني في مقابل هذا ليلى تكين، تجمد صالح حين سمع ما نطق به الآخر.. وفي اللحظة ذاتها شعر بكل شيء تراهُ عينه أمامه يدور من حوله.. فتشبّث بأقرب ما وصلت إليه ذراعه، وكم يكره هذا الدوار الذي يُفاجئه بين الحين والآخر، ليردف سافاش بحقاره: أعطني ليلى وسأعطيك الكبير، دخل جيلاسون وميكي إلى الصالون بسبب صوت السقوط الذي قبل قليل، ليهتف جيلاسون: آبي..؟، تنفس صالح بعمق واستجمع نفسه معتدلاً ثم أشار نحو سافاش وهو يقول بخفوت: خذوه.. ضعوه في الأسفـ.. في المرآب قيدوه من رأسه حتى قدميه، ثم ذهب والتقط سترته ليخرج ولكن قبل خروجه هتف سافاش: أنت تعلم أنني لا أكذب.. أنا أعرف كل شيء عن الكبير.. هويته وأسمه الحقيقي، وسأخبرك بكل هذا إذا أعطيتني ليلى.. فأنا متأكد بل كان واضحًا أنه لولاها لما وصلت إليّ وإلى مكاني يا فارتولو.. فكّف عن استغلالها و..، أسقط صالح سترته وعاد بخطواتٍ مسرعة والتقط المقص في طريقة وفي لمح البصر كان قد غرسهُ في فخذ الآخر بغضب وهو يصرخ: في أحلامك!، صرخ الآخر بقوة وهو يرفع رأسه متألمًا مع نظرات جيلاسون وميكي المستغربة والمُدهشة بينما أبتعد صالح عن الآخر الذي استلقى وهو يصرخ، ليقل صالح وهو يُشير بسبابته: أنتظرني فقط.. لقد فضحت نفسك بمعرفتك لكل شيء وسأجعلك تتحدث ثم سأرمي رأسك مثل الكلاب أمام كبيرك، وخرج غاضبًا، لاحقًا.. كانوا يضمدون جرح سافاش وهو يأنّ بصوتٍ مكتوم بسبب قطعة القماش التي تُكمم فمه، رمى ميكي المقص الملطخ بالدماء في أحد زوايا المرآب في اللحظة التي رنّ بها هاتفه، فأجاب وهو يقول: حسنًا يا جيلو أنا قادم، ثم خرج وتبعهُ رجال وليّ تاركين سافاش الذي ارتمى أرضًا بجسده من شدّة الألم وهو يلهث ويُتمتم بشتائمٍ عدة في داخله..
––––––––––––––––––––
في أحد الأحياء بعد وقت.. وأثناء غروب الشمس
كان معاون داهان يستند بظهره إلى السيارة وهو يسحب نفسًا طويلاً من سيجارته قبل أن يزفره بتأفف، ألقى نظرة على ساعته ثم تنهد بانزعاج فقد مضت ساعة ونصف وهو ينتظر في نفس المكان، مرّت لحظات طويلة حتى شعر بشيءٍ صغير يرتطم برأسه وقد كانت حجرة رُميت نحوه.. التفت فورًا يصرخ غاضبًا وهو يُمسك رأسه "ماذا يحصل يا***؟" فراهُ يتقدم نحوه وهو يبتسم.. فمسّد رأسه بعنف ثم قال مبتسمًا بتذمر: مستحيل أن تترك حركاتك السخيفة هذه يا داهان؟، تقدم الآخر وهو يرفع حاجبيه بمُكر ليقل: لا تتذمر ياهذا.. حجرة صغيرة ماذا ستفعل برأسك؟، ثم عانقهُ بخفه وهو يقول: كيف تسيرُ الأعمال بدوني؟، ليُجيب الآخر: فوضى عارمه، ثم فصل العناق وهو يقول: زال البأس وأين أنت منذ خروجك من المحكمة ياهذا؟، فتأفف داهان وهو يقول: إجراءات لا تنتهي حقًا.. وكنتُ لن أندهش إن أعادوني إلى السجن العسكري، فقال الآخر بابتسامة: نجحتُ في إظهار حقيقة تقرير الوفاة وكنتُ متأكدًا من أنهم سيرون أنك بريء، فقال داهان: لستُ بريئًا تمامًا حتى الآن..، فهتف الآخر: لاتقلق.. إن شاءالله لن تعود إلى الداخل مجددًا، على كل حال.. أنها في الأعلى، أومى داهان وهو يعدّل شعره قليلاً ثم تجاوز معاونه ومشى حتى انعطف ودخل أحد المباني، صعد السلالم لثلاثة طوابق ثم خرج من باب السطح، ليجدها تجلس ارضًا متكئةً على الجدار وفي يدها كتابٌ تقلب صفحاته بهدوء وفي الأخرى كوبُ قهوة، وحين لمحته التفتت نحوه ببطء وكأنها استشعرت وجوده قبل أن تطأ قدمه المكان حتى، كانت نظراتها مزيجًا من الحدّة والترقب، فتقدم نحوها وهو يهتف: البطلة آصلي إردام.. اهلاً وسهلاً مجددًا، استمرّت في النظر إليه دون أن ترّد وهي تضع الكتاب وكوبُ القهوة جانبًا، ثم حين توقف أمامها قالت بسخريةٍ وبرود وهي تنهض: لم تستطع الانتظار إلى الغد لتعرف ما الذي حدث معي أيها الضابط منتهي الصلاحية؟، ابتسم وكاد يضحك من اللقب الذي نادتهُ به لكنه التزم الصمت واكتفى بالنظر إليها ينتظرها أن تبدأ الحديث، فقالت وهي تقترب قليلاً: أولاً أنا مندهشة حقًا.. كيف خرجت بهذه السرعة؟، تنهد بعمق ليُجيب: أعادوا فحص الأدلة المتلاعب بها ولم تُدينني هذا غير أنني سلمت سلاحي للمركز قبل الجريمة بأيام وها هُم للتو فقط يفكرون في ذلك.. فأخرجوني مؤقتًا مع احتمال أن أعود إلى السجن حين يثبت عليّ شيء، رمقته من رأسه حتى قدميه وعمّ الصمت للحظاتٍ حتى قالت هي: حصل ما نريده.. وأصبحت أعمل لدى الكبير، ليقل هو بعد أن تأملها قليلاً: أعلم.. لقد تأخرتي في اخباري، فقالت هي بسخريه: لأنهم كانوا يحققون معك في جريمة قتل لم ترتكبها، فرفع هو إصبعه ليقل: بالضبط، ثم اردف وقد استدار يتنهد بعمق وهو ينظر إلى الأفق أمامه والشمس التي قاربت على الإختفاء: خرجت.. وذلك الكبير لن ينجح في هدمي ابدًا، استدارت هي بالمثل لتقل ببرود: غريب.. هل ضحيّت ببراءتك ثمنًا لإتمامي المهمة بسرية؟ فأنت كنت في شقتي حين قتلوا رئيس مركزك وكنت تستطيع إثبات ذلك ولكنك لم تصرح بمكانك ليلتها، فالتفت إليها ليقل: لأن حديثنا في تلك الليلة ولقاؤنا وما اتفقنا عليه سيبقى سرًا بيننا فقط، فذلك الكبير لديه آذانٌ في كل مكان، اقتربت آصلي منه ودفعتهُ من كتفه بحدّه وهي تقول: اسمعني جيدًا ياهذا.. لقد دخلتُ هذا الطريق معك فقط لأنني أريد أن أجد عمي كما تعلم، أما ذلك الكبير فهو مشكلتك أنت هل فهمت؟ حالما أجد عمي سينتهي كل هذا، فقال داهان وهو ينفض سترته بتأفف محاولاً إزالة أثر لمستها: حسنًا.. أنا لماذا وجدتكِ وتحدثت معكِ؟ لأنني سمعت كل ما دار بينكِ وبين فارتولو في منزل الطبيب، قاطعتهُ آصلي بسخريه: أجل.. بفضل جهاز تنصت صرعتني به، تجاهلها داهان وأكمل حديثه: وأنتِ لماذا وافقتي على العمل معي؟ لأنكِ تريدين من يقف خلفكِ ويحميكِ ويضمن لكِ السلامة حتى تعثري على عمكِ المحتجز لدى الكبير، نظرت إليه بحدّه.. فهي لم تخبره بأنها تريد قتل عمها في النهاية، ليردف الآخر حين رأى نظرتها: ماذا؟ حسنًا أنتِ امرأة قوية ماشاءالله.. تحملين أسرارًا كثيرة وقد فعلتي أمورًا عديدة لن تخبريني بها بالطبع فأنا في النهاية ضابط، لكن الحقيقة هي أنكِ تحتاجين إلى من يقف خلفكِ.. وأنا الشخص المناسب، فقالت هي بسخريه جامدة: موافقة.. وحفل الزفاف سيكون في جزيرةٍ على البحر وأريدك أن تحضر لي خاتمًا من أجمل ما يكون، رفع هو يده وغطى عينيه بخفه وهو يضحك من سخريتها، فقالت وهي تقترب أكثر بحدّه: انظر إليّ.. أنا لست بحاجة لأحدٍ يحميني ويقف خلفي..، قاطع كلامها خطوات معاون داهان الذي تقدم نحوهما فهتفت هي باستغرابٍ وحذر وقد تلمست السكينة التي تُخفيها في أكمام سترتها: من هذا؟، مسح داهان وجهه ليقل: معاوني، عقدت حاجبيها بعدم فهم وهي تقول: معاون..؟، ذهب داهان وجلس على حافة السطح حتى جعل قدميه تتدلى، بينما تقدم معاونه وهو يقول مخاطبًا آصلي: لا تقلقي.. أنا أعلم كل شيء، بقيت الأخرى واقفة في مكانها تراقبهم ببرود، ثم قالت تُخاطب داهان: ألم تقل قبل قليل أن ماحدث سيبقى سرًا بيننا لأن آذان الكبير كثيرة؟، لتسمع داهان يقول: هذا الرجل معاوني.. يعمل معي منذ سنوات ويعرف كل تفاصيل عملي الصغيرة والكبيرة ولا أُخفي عليه شيء، وهو من سيتدبر الأمور في المركز حتى أعود لمهنتي..
––––––––––––––––––––
مستشفى الحفرة..
كان الصمت سيد الممرّات.. ولا يكسرهُ سوى أصوات الممرضون والأجهزة المنبعثة من الغرف البعيدة حيث قسم الطوارىء، خرج ياماش من دورة المياه بعد أن غسل وجهه وأتجه قاصدًا زوجته التي لم تستيقظ حتى الآن.. فرأى ليلى التي تقدمت ايضًا بهدوء، جلس على أقرب كرسي ووقفت هي لتسأل: لم تستيقظ حتى الآن؟، نفى ياماش برأسه ثم قال: ولكنها بخير.. لماذا أتعبتي نفسكِ بالقدوم؟، فابتسمت ليلى وجلست لتُجيب: أردتُ الإطمئنان عليها، فهي كانت معي بالأمس حين عدتُ من ذلك المكان ولم تتركني لوحدي، أبتسم ياماش ثم مسّد رأسه ليقل: صالح في المنزل أليس كذلك؟، هُنا اسندت ليلى مرفقيها إلى ركبتيها ثم قالت وهي تنظر إلى الأمام: لا أعلم، عقد ياماش حاجبيه بشكلٍ غير ملحوظ ثم قال: الستِ قادمة من المنزل؟، نفت برأسها لتقل وقد استقامت: لا فأنا عدتُ إلى شقتي.. على أي حال زال البأس وسأزورها مجددًا عندما تستيقظ، ثم استدارت لتغادر.. لكنها لمحته يتقدم نحوهما ويديّه في جيوبه، لم تنبس بكلمة.. فقط تجاوزته بصمتٍ وغادرت، توقف هو والتفت برأسه يراقب ظهرها حتى غابت عن أنظاره خلف الجدار القريب بينما ارتخى ياماش على كرسيه وهو ينظر إلى أخيه بصمت، عندها تقدم صالح بهدوء وجلس بجانبه وهو يمسح وجهه بتعب، يزعجه أن لسانه ينعقد كلما رآها بعد الحديث الذي دار بينهما اليوم، أما كلمات سافاش عندما قال "أعطني ليلى وسأعطيك الكبير" فقد غرست في صدره قلقًا ثقيلاً لم يُفارقه، فذلك الرجل يبدو مهووسًا أو ربما يحمل نيةً لا أحد يعلمها، ليهتف الأصغر بعد ثوانٍ عندما لاحظ شرود أخيه: كنت أظنك في المنزل..، لم يُجب الآخر فأردف ياماش: كيف حال ياسمين إذن؟، فأجاب صالح وهو يتنهد بخفه: للتو أتيت من عندهما.. ياسمين بخير وقد أخرجوها إلى غرفة عادية واكين بجانبها كان سيأتي ولكنني منعته وطمأنته بشأن إيفسون، أومى ياماش بهدوء.. ثم سأل بعد ثوانٍ وبنبرة هادئه: ماذا حصل يا صالح؟، تنهد الأخير ثم التفت نحو ياماش وهو يُجيب: ما حصل هو أنني ضربتك على رأسك لأنك كنت ستتسرع وتتصرف بدافع غضبك وهذا ما لا نريده، رمقه ياماش قليلاً ثم قال: لا أقصد هذا.. أعلم أنك فعلت ما توجب فعله وحقًا سلمت لأنك جعلتني أنام قليلاً، ثم صمت للحظة وأردف: أقصد ماذا حصل بينكما؟، عاود صالح النظر إلى أخيه ليّرد: بقولك بيننا؟، ليقل ياماش: أنا أعرفك من وجهك وصوتك يا صالح وتعلم ما أقصده لذا لا تراوغ، نظر صالح قليلاً ثم ارتخى على كرسيه ليقل: أراوغ في ماذا بالضبط؟، هُنا مدّ ياماش ذراعه خلف ظهر أخيه واسندها على مقعده ليقل: ليلى..، فتنهد الآخر ليقل بعد لحظات: قالت أنها تحبني، صمت ياماش قليلاً ثم قال: كان واضحًا أنها تحبك، وأنت..، فقاطعهُ صالح: أنا ماذا؟، صمت ياماش للحظةٍ مجددًا وكأنه يزن كلامه ثم قال: أنا لن اضغط عليك يا صالح، ليقل الأخير: هاير.. حقًا أسألك أنا ماذا يا ياماش؟ لأنني حقًا لا أفهمني، ابتسم الأصغر بخفوت ليقل: أنت ايضًا تحبها، نظر صالح بجمودٍ يشي بغضبٍ طفيف من صراحة ياماش، ولكن الأخير أكمل بهدوء: لا تنظر إليّ هكذا.. أنت من سأل وأنا سأجيبك، لأنني أعرفك وأفهمك حتى من ملامح وجهك يا أبن أبي، لم تركض خلفها ولم تخف عليها بلا سبب، أعلم أن الحماية في غريزتنا لكن الأمر معها مختلف.. وأنت تعلم هذا لكنك تخشى الاعتراف به حتى لنفسك، عمّ الصمت للحظاتٍ ثم ضحك صالح ليقل: ماشاءالله.. هل منحوك شهادةً في تحليل النفس البشرية إلى جانب شهادة الكيمياء؟، لم يستطع ياماش كتم ضحكته فضحك وهو يقول: تسخر دائمًا! يستحيل أن تأخذ الأمور بجدية، صمت صالح شاردًا فحدّق ياماش في وجه أخيه بحزن ليردف: لا تُجهد نفسك.. فأنا أكثر من يعلم بأن الأمر مؤلم أن تفتح قلبك من جديد.. ويحتاج إلى وقتٍ طويل، فقط حاول أن تستوعب ما تشعر به حقًا وأن تفهم كل شيء تدريجيًا وبهدوء، وفي تلك اللحظة.. وخلف الجدار تراجعت ليلى خطوة إلى الوراء وابتسامةً صغيرة ارتسمت على شفتيها وكأنها سمعت ما يكفي لتطمئن.. اصطدمت بإحدى الممرضات دون انتباهٍ منها أثناء ذهابها فاعتذرت مبتسمةً وهي تغادر الممرّ الطويل، بينما وعودةً للأخوين.. مسح ياماش وجهه ليقل: هل تحدث مع ذلك الحيوان إذن؟، أومى صالح وقال: لكن دعك من هذا الآن لا تهتم.. دع زوجتك تستيقظ واطمئِن عليها ثم سنتحدث..
––––––––––––––––––––
عودةً إلى داهان وآصلي..
هتفت وهي تنظر بطرف عينها تتفحص معاون داهان: قال أنه يعلم كل شيء، فرفع معاون داهان نظره نحو الأخير الذي كان مستلقيًا يراقبه بابتسامه، فقال معاونه وقد عاد بنظره إلى آصلي: وتفاصيل التفاصيل ايضًا، رفعت الأخرى عينيها لتقل: اووه وماهي تفاصيل التفاصيل؟، فجلس الآخر متربعًا ليقل: سيكون من دواعي سروري أن أرويها لكِ حتى وإن كنتِ أحد أبطالها، ابتسم داهان وهو يقول: لن يصمت الآن، لم تستطع آصلي منع ابتسامتها الخفيفة لتقل: هيّا لنرى.. أروِها أيها الغريب، فقال الأخر وقد نظر إلى السماء لوهلة: كان مساءً كئيبًا وباردًا كهذا.. استمعنا لما دار بينكِ وبين فارتولو وبوصولكِ لذراع الكبير اليمنى، ثم قال لي داهان أن أجد عنوانكِ، ويا للعجب! في خلال ذلك اكتشفنا أشياءً كثيرة.. "مستشفى ^^^ لإعادة التأهيل الجسدي" "مستشفى ^^^ للأمراض النفسية"، قاطعهُ داهان بسرعة وهو يقول: ياهذا!، التفت آصلي نحو داهان وهي تشدّ قبضتها من غضبها فرأته ينظر بغضب نحو معاونه ليردف: تلك تفاصيل لا حاجة لأن ترويها، هدأت هي نفسها وعاودت تنظر إلى المعاون لكن نظرتها أصبحت حادة وكأنها تودّ لو تخترق الآخر بعينيها، فابتلع المعاون ريقه قليلاً ليقل: حسنًا.. اعتذر، على كل حال.. في تلك الليلة وحين حلّ المساء، ذهب داهان إلى موقعكِ بعد أن أعطيتهُ العنوان لكنه لم يجدكِ في شقتكِ، فانتظر هناك لساعتين كاملتين حتى عدتِ، هتف داهان فورًا بسخريه: اووها! هل فعلت شيئًا كهذا؟، ابتسم معاونه بينما تأففت هي لتقل مخاطبةً داهان: هل حقًا سيروي كل شيء؟، أومى داهان وهو يرفع حاجبيه ليُكمل معاونه: تحدثتم واتفقتم على الوصول والتلاعب بالكبير معًا وكلاً منكما لهُ غايته، ولكن في حادثة مؤسفه أتهموا هذا الجميل، فقال داهان وهو يُشير إلى نفسه بتباهي: أنا الجميل..، رمقتهم آصلي بجمود ليردف معاونه: اعتقلوه وكنتِ أنتِ في منزل الطبيب وبقيتِ هناك ليومين ثم اختفيتِ.. حتى ظهرتِ مجددًا في شركة كارتال تكين وقد أصبحتِ على رأس إدارتها، فقال داهان: وفي الوقت المناسب كما أردنا.. حقًا أهنئكِ، قلّبت آصلي عينيها بينما أكمل معاونه: وطبعًا بفضل تقرير الوفاة المزوّر للعميد أُعيد فحص الأدلة، حتى وقت الوفاة كان مزيفًا! سُرق سلاح داهان ووُضع في مسرح الجريمة داخل ذلك المستودع الصناعي والأهم من ذلك.. أن العميد لم يمُت برصاصات أو شنقٍ متعمد كما قالوا بل بسبب مادة حُقن بها، نهضت آصلي بعد هذه الكلمات ونفضت ملابسها وهي تقول: وما شأني أنا أيها الأحمقان؟، ثم التقطت كتابها وهي تردف ببرود: حقًا أنصحكما بالذهاب إلى المستشفى الذي كنتُ فيه كما علمتمُ حين بحثتم خلفي.. فهُم الأفضل في التعامل مع المجانين أمثالكما، أحدكما يروي القصص والآخر يتباهى وكأنه بطلها، ابتسم داهان بينما صمت الآخر لتردف آصلي: وأنت يا من أنتهت صلاحيته.. دعنا نتكلم مثل البشر الطبيعين، فنهض داهان بالمثل ليقل: صحيح.. لم أعرف بعد ما الذي جرى معكِ بالضبط، هل التقيتي بالكبير بعد أن تولّيتي رئاسة شركته؟، صمتت الأخرى لوهلةٍ ثم قالت: قلت لك دعنا نتكلم مثل البشر الطبيعين.. وعندها سأخبرك، ثم استدارت ذاهبةً ليهمس هو "وكأنكِ طبيعية!" ثم سمعتهُ يهتف: هل تشربين معي كوبُ قهوة كالبشر الطبيعيين إذن؟ حتى يتسنى لي أن أعرف ما الذي جرى معكِ؟، رفعت يدها وهي تهتف بصوتٍ عالي دون أن تلتفت: سأفكر، واختفت من أنظارهم فتقدم معاون داهان نحو الأخير وهو يقول: منتهي الصلاحية..؟، ابتسم داهان ليقل: دعك.. أنها امرأة غريبة الأطوار، ليقل معاونه: حسنًا هل لي أن أعرف أنا في ماذا تحدثتم ليلة مقتل العميد وكيف قبلت هذه المرأة الغريبة أن تعمل معك؟، فقال داهان وهو يغمُز بعينه: تؤ.. هذا شيء لن يعلم به أحد.. حتى من يقرأ هذه السطور الآن، عقد الآخر حاجبيه ليرنّ هاتفه.. فأخرجه من جيبه وما إن ألقى نظرة على الشاشة حتى أدارهُ نحو داهان الذي التقط أسم والده، فقال معاونه: هل أخبرت والدك بخروجك؟ لأن المحامي ذكر أنك منعته من إخباره، فقال داهان وهو يستدير ليذهب: أريده أن يسمع مني وسأخبره صباحًا فأنا لا أريده أن يتعنى بالقدوم الليلة إلى إسطنبول..، وفي الجهة الأخرى حيثُ الكبير الذي وضع هاتفه من يده وهو يهمس: الجميع لا يُجيب..، ثم التقط قطعة شطرنج وراح يطرق بها على طرف الطاولة بشكلٍ متكرر بينما كانت عيناهُ معلقتين على الشاشة أمامه، الشاشة التي تُظهر ياماش الصغير مستلقيًا على سريرٍ في مكانٍ ما، وبعد لحظات دخل أحد رجاله باحترام ليقل: سيدي.. حتى الآن لم يرسل سافاش أي إشارة تدلّ على الخطر أو الأمان وهذا أمر مُريب، فحتى رجاله يؤكدون الشيء ذاته، فقال الكبير وهو لا يزال ينظر إلى الشاشة: يبدو أنه فقد خاتمه، اذهبوا وتسلّلوا إلى الحفرة لتجدوه وتُحضروه، لكن أولاً.. أعطني الهاتف، وفورًا أخرج رجلهُ هاتفًا قديمًا، فكّ غطاءه الخلفي والتقط شريحة اتصال صغيرة، أدخلها في مكانها بعناية ثم انتظر قليلاً حتى ظهرت الإشارة على الشاشة، وحينها رفع رأسه نحو الكبير الذي قال: ليس فارتولو.. ولا والد الطفل، بل ضحيتنا القادمة.. أتصل على جومالي كوشوفالي، أدخل الآخر رقم جومالي ثم تقدم ووضعه أمام الكبير وهو يقول: إنه جاهز للإتصال متى شئت ياسيدي..
––––––––––––––––––––
الحفرة.. منزل صالح
وقد أظلمت السماء وحلّ الليل.. في المرآب كان يتصبب عرقًا وهو يتحسس الخاتم بإبهامه.. مترددًا في ما إن كان عليه أن يفعل أم لا، لم يكن خاتمًا عاديًا بل يحملُ في جوفه جهاز تتبع صغير قادر على إرسال إشاراتٍ محددة.. "إشارة خطر أو إشارة أمان" كما أمر الكبير وقتها، صفن قليلاً وهو يفكر "هل ينتظر الكبير أن اضغط هذا الشيء لكي يأتي وينقذني؟" مرّت لحظات حتى انعقدا حاجبيه بغضب.. "لقد أضعتَ فرصتك الذهبية للوصول إلى الكبير يافارتولو.. وسأُريك كيف تغرس ذلك المقص في فخذي" وفي لحظةٍ لا يعلم كيف.. وقع بصره على المقص الملقى في زاوية المرآب، المقص الذي أخرجوه من فخذه ورماهُ ميكي دون انتباه، اتسعت ابتسامته من خلف قطعة القماش.. وبلا تردد اعتدل في جلسته رغم الألم والحمى التي بدأت تتفاقم بسبب التهاب جرحه، زحف ببطء وقوة وهو يكتم أنفاسه وصرخاته كي لا يُفضح أمره حتى وصل إلى المقص بعد معاناة، التقطه بيديه المقيّدتين إلى الأمام ثم تكوّر بجسده حتى تمكّن من قطع الحبال التي تقيّد قدميه ونجح، نزع حذاءه وجواربه وثبّت المقص بين أصابع قدميه بإصرار ليُكمل تحرير نفسه، وتمكّن بعد محاولاتٍ مؤلمة من قص الحبال التي تقيّد يديه أيضًا.. ثم أزاح القطعة التي تُكمم فمه لكنه سُرعان ما صفن فيها ببلاهه واستيعاب ليهمس: كنتُ قادرًا على نزعها حتى قبل أن أُحرر قيودي! يا لك من أحمق يا سافاش، ارتدى جواربه وحذاءهُ مجددًا ثم التقط المقص ونهض بصعوبة وهو يعرج ببطء متجهًا نحو بوابة المرآب.. ألغى فقلها ورفعها قليلاً وتنهد براحة حين رأى أن الظلام قد حلّ.. فهذا سيُسهل عليه الهروب والتسلل كثيرًا، خرج وهو يكاد يصرخ من شدة ألم فخذه ثم أغلقها بهدوء حتى لا تُصدر صوتًا، جلس وهو يلهث ثم بدأ يزحف جالسًا يسحب قدمه خلفه لكنه ما لبث أن استقام ببطء حين سمع حركة قريبة، التفت نحو الجدار فرأى أحد رجال وليّ الذين يحرسون المنزل يتحدث على الهاتف، فاقترب منه بلا تردد وانقضّ عليه وهو يغرس المقص في رأسه، تراجع قليلاً وفتّشه بسرعة حتى أخذ سلاحه وهو يهمس: جيد.. فلتخرجوا أمامي إن استطعتم، واصل طريقه وهو يعرج من شدّة الألم يبحث عن مخرجٍ بعيدٍ عن أنظار الرجال، وبعد أن قطع مسافة وتفحص المكان وصل إلى فناء منزل العائلة.. اقترب بخطواتٍ حذرة من بين الأشجار ثم تجمد في مكانه.. لقد رآها! رآها واتسعت ابتسامته وهو يقول: كنتُ أعلم.. كنتُ أعلم أن خروجي من هنا سيكون إما بإنقاذكِ أو بأن تكوني أنتِ من تُنقذني، بينما وعلى بعد مسافة وأمام منزل العائلة ترجلت ليلى من سيارتها فتقدم محمود وهو يقول: أعطيني المفتاح يا أختي لأركُن السيارة لكِ، فقالت هي فورًا بابتسامة: لا لا.. أنا لن أبقى فقط أتيتُ لرؤية الصغير ثم سأذهب، فتراجع محمود وشردت هي ولم تختفي ابتسامتها.. ففي هذه المدة القصيرة جدًا بدا وكأنها أصبحت واحدةً منهم.. اعتادوا وجودها واعتادت هي عليهم بطريقةٍ ما، تركت أغراضها ومفتاحها داخل السيارة التي لم تُقفلها فهي كما قالت لن تبقى كثيرًا، وذهبت متجهةً إلى المنزل، فتحت داملا الباب فدخلت ليلى وهي تقول: هل إدريس مستيقظ؟، أومت الأخرى وهي تقول: ويسأل عنكِ وعن والده..، نظرت ليلى بحزن ثم تقدمت نحو الصالون مع سؤال داملا: كيف حال إيفسون؟، فأجابتها بهدوء: لم تستيقظ بعد.. ولكنها بخير، تنهدت داملا بحزن ثم هتفت وهي تتجّه نحو المطبخ: سأحضّر لنا بعض الشاي، أوقفتها ليلى وهي تقول: لن أبقى..، اكتفت داملا بإيماءةٍ مستغربه بينما تقدمت الأخرى وجلست مع الأطفال على الأرض.. ثم قالت تخاطبهم بعفويه: ماذا تلعبون؟، فقالت الفتاتان بنفس الوقت: نركب هذه المكعبات، فابتسمت بهدوء ثم زحفت ببطء حتى اقتربت من إدريس الذي كان مستلقيًا على بطنه وهو منشغلًا بدفتره ولم يُدرك قدومها بعد، نغزته بكتفه وهي تقول: أيها الصغير.. ألن تُريني رسمتك؟، فالتفت إدريس مبتسمًا ثم نهض جالسًا وهو يقول: إذا أنتهيتُ منها سأجعلكِ ترينها، ثم سأل فورًا: أين أبي؟، فأجابت وهي تُزيح بعض خصلات شعره عن وجهه: والدك بجانب عمك ياماش.. وسيأتون قريبًا حسنًا؟، أومى الصغير ثم لمحت ليلى مسبحة على الأرض، التقطتها ثم قالت وهي تضع إصبعها على أنفه: هل تلعب بمسابح والدك؟، نفى الصغير برأسه وهو يقول: هذه لي.. أنها لجدي وأصبحت لي، أرخت ليلى بصرها بينما عاد إدريس إلى دفتره، ثوانٍ وأعادت المسبحة إلى مكانها ثم أخرجت أخرى من جيب بنطالها.. ولم تكن سوى مسبحة صالح التي نسيها مع أغراضه اليوم، أعادت لهُ هاتفه ومفتاحه لكنها احتفظت بالمسبحة، فهمست وهي تتحسسها بيدها: وهذه لم أستطع إعادتها، ثم قبّلت الصغير من رأسه بحزن.. واستقامت تنوي الخروج وهي لا زالت تُمسك المسبحة بيدها، قاطعتها داملا وهي تتقدم نحوها لتقل: لماذا تذهبين؟ أبقي هنا فالليل قد حلّ، ابتسمت ليلى ونفت برأسها وهي تقول: أنا معتادة على شقتي.. والليل لا يُخيفني، فقالت داملا بقلة حيله: حسنًا إذن.. إلى اللقاء، خرجت ليلى وتقدّمت نحو سيارتها، صعدت وجلست على مقعدها وهي تتنهد بقوة.. وقبل أن تغلق الباب باغتها سافاش من المقعد الخلفي وقد أحاطها بذراعيه فجاءه وغطى فمها، فانتفضت رعبًا وسقطت المسبحة من يدها خارج السيارة لتستقر على الأرض، ليقل الآخر بخفوت: ششش.. لا تفضحينا يا جميلتي ودعينا نغادر من هُنا بهدوء، اتسعت عينيها حين سمعت صوته، بينما تأوه هو متألمًا ثم اردف: فلنخرج من هُنا بسرعة.. ولا تحاولي فعل شيء ارجوكِ، حاولت الإفلات منه لكنه أخرج سلاحه ووجّهه إلى خصرها وهو يقول غاضبًا: لا تُجبريني يا ليلى.. أعلم أنهم يستغلونك بشكلٍ ما حتى لو لم تدركِ هذا، وسنخرج من هنا دون أن يشكوا، أبعد يده ببطء فتنفست هي بقوة لتقل: كيف..؟ كيف أتيت إلى هنا؟ كيف دخلت إلى سيارتي أيها ال.. المعتوه؟ وماذا تقول؟، فشدّ سافاش على السلاح وهو يهمس بنبرةٍ مُتعبه: لا تتكلمي.. أخرجيني من هنا أولاً وإلا فصدقيني سيضغط إصبعي على الزناد بلا تردّد، ارتجف جسدها أكثر من ذي قبل.. فلم تجد إلا أن تشغل محرك السيارة وتتحرك بينما اختبئ سافاش في الخلف لكنه ظلّ يمدّ السلاح نحو خصرها بشكلٍ مخفي، لاحقًا توقفت أمام البوابة بينما كان محمود يفتحها، ثم تقدم الأخير نحوها وطرق على النافذة قبل أن تتحرك، فتحت النافذة وهي تتصبب عرقًا ليقل محمود: أبلا.. إن أردتي دعيني أرسل أحد الشباب معكِ فقيادتكِ بمفردكِ في هذا الليل ليست آمنه، رفعت ليلى بصرها نحوه وهي تحاول أن تُخفي اضطراب أنفاسها.. ملامحها كانت ساكنة لكن عينيها المرتجفتان فضحتا الرعب الكامن في صدرها، ضغط سافاش بالسلاح خفيةً فأجابت بسرعة وهي تبتسم مجاملةً: لا داعي الطريق قصير وسأكون بخير إن شاءالله، أومى محمود بخفه ثم تراجع ليدعها تخرج، فخرجت وهي تتمنى لو أن أحدهم يُلاحظ بأنها ليست وحدها في هذه السيارة.. رفع سافاش رأسه قليلاً وهو يبتسم ليقل: تابعي القيادة بهدوء حتى نخرج من هذه الحفرة، ثم تلمّس خاتمة وهو يهمس: وسنُطلق إشارة الأمان قريبًا..، وفي الجهة الأخرى بعد برهة.. وفي المقهى حيثُ جومالي الذي يقف على عتبته وهو يتنهد بعمق، تقدم متين بهدوء نحوه وهو يهتف: آبي.. هل ستعود إلى المستشفى؟، أومى جومالي ثم قال: كنتُ أريد الذهاب لذلك الحيوان في الزنزانة لكن ليس وقته..، فقال متين: ميكي قال بأنهم نقلوهُ لمنزل..، قاطعهُ اتصالاً واردًا من هاتف جومالي، فتراجع الأخير إلى المقهى دون أن يُبدي اهتمامًا يُذكر هذا إن كان قد سمع كلام متين أصلاً، كان رقمًا مجهولاً.. وضع جومالي الهاتف على أذنه مُجيبًا: نعم؟، فأتاهُ ذلك الصوت الآلي المنغرس في ذاكرته.. يقول بنبرةٍ مستفزة: أهلاً بضحيّتي القادمة.. التي ستأتي إلى قدميّ طوعًا..
إلى اللقاء في البارت القادم..
أنت تقرأ
لا يوجد سوى الألم..
Fanfictionسيناريو بأحداث مختلفه للجزء الرابع "Çukur" *ملاحظه: هذه المره الأولى لي في كتابة شيئًا ما..
