Part 68

213 17 11
                                        

"سلمّه لنا وإلا سيسوء وضع اخيك الأصغر"
تراجع خطوة.. خطوتان.. أكثر، وفجاءه دوى ضجيجٌ في المكان، وتداخلت الأصوات من حوله مع بعضها البعض مما جعلهُ يغلق عينيه بقوة، دار رأسه حتى سقط أرضًا إلى الخلف.. ولكنه قبل أن يُلامس الأرض انتفض فجاءه، فتح عينيه على وسعها واعتدل بسرعة، نظر حوله لبرهة.. فـ وجد الجميع جالسين كما كانوا.. وفورًا نظر إلى باب غرفة العمليات فـ وجده مغلقًا، ثم أنزل بصره إلى مسبحته ليراها في كفّه لا تزال سليمة كما هي.. شدّ عليها بقوة ليتأكد أنها حقيقية ولم تنقطع.. وأن هذا الممرّ الهادئ الآن هو الواقع وأن باب غرفة العمليات لا يزال مغلقًا ولم يخرج منه أحد بعد، حلمًا كان أو كابوس! اللعنة فهو لم يغفى سوى لدقائق وربما لثوانٍ حتى، تنهد بخفه ثم التفت نحو كاراجا التي كانت تقف أمامه.. وضعت ذراعها على كتفه وهي تسأل بقلق: امجا؟ ما بك انتفضت هكذا هل أنت بخير؟، استقام ليقل وقد تجاهل سؤالها: هل خرج أحد من هناك؟، قالها وهو يُشير بعينيه نحو غرفة العمليات، نفت كاراجا برأسها ثم قالت: أنت متعب ياعمي ولم تنم منذ البارحة، لماذا لا تذهب لترتاح؟، ناظرها الآخر بسخرية وهو يقول بهمس: أذهب وارتاح وأخي في الداخل!، ثم ابتعد ناحية الممرّ الآخر مع تقدم ياماش برفقة وليّ وتولغا، وسرعان ما لاحظ الأصغر ابتعاد أخيه وهو يمسح وجهه بعنف، ليسأل كاراجا حين اقترب منها: ماذا حدث؟ هل خرج الطبيب؟، عاودت كاراجا النفي برأسها لتقل: فقط عمي جومالي غفى لدقائق واستيقظ بشكلٍ غريب، لحق ياماش بأخيه، بينما وقعت عينا تولغا على كاراجا، فبادلته الأخيرة هذه المرة بحدّةٍ كبيرة ثم ابتعدت وعادت إلى مكانها بجانب أخيها، بينما في الجهة الأخرى أمسك ياماش بذراع جومالي بخفه لكي يوقفه، فـ توقف الآخر ليسأله الأصغر: ماذا حدث؟، تنهد جومالي بقوة ثم أجاب: لاشيء بيبي فقط سأذهب لإحضار بعض الماء، رفع ياماش حاجبيه ولم يقل شيئًا، فمسح الأكبر وجهه بهدوء ليقل: غفوتُ لدقيقتان ورأيت حلمًا أزعجني قليلاً، ابتسم ياماش بحزن وهو يردّ ليطمئن أخيه ونفسه في آنٍ واحد: سيكون بخير أنها عملية بسيطة يا أخي، نظر جومالي لوهلةٍ نحو ياماش الذي لا يعلم حقًا سبب خوف أخيه، لا يدرك أن كلمات وليّ وكلمات صالح السابقة لا تفارق ذهنه منذ أيام.. ربت الأكبر على كتف ياماش وهو يقول مبتسمًا بخفه: سيكون بيبي.. أنت عُد إلى هناك، سأشرب بعض الماء ثم آتي، فقال ياماش وهو يحاوط كتف أخيه: يوجد ماء هناك، تعال معي حتى لا يخرج فريد ونحن لسنا هناك، بينما وعودة إلى الممرّ الآخر.. جلس تولغا بجانب ليلى مخاطبًا إياها لكن عينيه كانتا نحو كاراجا التي تجلس بصمتٍ بجانب اكين: كيف حالكِ يا ليلى؟، أومت الاخيرة بهدوء دون إجابة ثم سألته: أين كنت طوال هذه المدة التي مضت؟، فردّ الآخر بخفوت: برلين.. وها قد عُدت، رمقته كاراجا بحقدٍ بعد كلمته هذه ثم نهضت لتبتعد قليلاً وهي ترجع شعرها الى الخلف بغضب، ومع تقدم جومالي وياماش عائدين نحو الممرّ فُتح باب غرفة العمليات وخرج فريد بملامح هادئة ومطمئنة، شدّ جومالي قبضته على مسبحته بقوة بعد أن توقف وهو يراقب ملامح فريد بدقه وكأنه يحاول قراءة الإجابة قبل أن ينطق بها الآخر، لم يتكلم أحدًا منهم أو يسأل.. فقط ظلّوا يترقبون فريد.. فهتف الأخير: اطمئنوا.. العملية نجحت دون أي مضاعفات وهو بخير، ابتسم ياماش وزفر الجميع بأنفاسٍ قد حُبست منذ دخول صالح قبل اكثر من ساعةٍ ونصف.. تراخت كفّ جومالي المُمسكة بالمسبحة وهو يغمض عينيه بهدوء وبراحةٍ لأن كابوسه لم يتحقق، بينما أرجعت ليلى شعرها إلى الخلف وهي تتنهد بعمق، ليتبع فريد: فقط يحتاج إلى بعض الوقت ليستعيد وعيه، وحتى ذلك الحين.. سيبقى في الملاحظة لمدة أربعة وعشرين ساعة كما اتفقنا قبل دخوله، هُنا قالت ليلى: ولكن هل يمكننا رؤيته؟، نفى فريد برأسه وهو يُجيب: ليس الآن.. ليس قبل أن نراقبه جيدًا ويستقر ضغطه تمامًا، سترونه صباح الغد إن شاءالله، هُنا قال جومالي الذي وضع ذراعيه خلف ظهره بنبرةٍ ثقيلة: دكتور.. أنا سأرى أخي بعد قليل، تنهد فريد بإرهاق ومن ثم نظر إلى ياماش يطلب منه التدخل، لكن الأخير صمت وهو يرفع كتفيه بقلة حيله، ليقل فريد بنبرةٍ لا تقبل الجدال: اعتذر ولكن لن أسمح، وبعد جملة فريد هذه وقبل أن يتكلم جومالي، خرج الطبيب الآخر وهو يقول بهدوء: زال البأس..، ليسأله ياماش وهو يقترب قليلاً: كيف جرت العملية؟، فأجاب الطبيب: جيد.. أخرجنا الرصاصة دون أي ضرر للعصب والنزيف كان محدودًا، كل ما سيشعر به هو القليل من التعب وثقل في الذراع لا اكثر، وبالنسبة لوضعه ربما أخبركم الطبيب فريد نحن سنضعه في وحدة الملاحظة لأربعة وعشرين ساعة، وأيضًا حتى نطمئن على الأعصاب وتحسبًا لأي مضاعفات، مسح جومالي وجهه بعنف بينما أومى ياماش وهو يتنهد بخفه فـ ربت فريد على كتفه وهو يقول: أنتم اذهبوا إلى المنزل وارتاحوا ولا تقلقوا بشأن صالح فهو عنيد وقوي كعادته، ومجددًا أومى ياماش هذه المرة شاكرًا وهو يقول بخفوت: سلمت يا فريد، ذهب الأخير ولحق به جومالي فورًا دون أن يُلاحظه أحد، التفت ياماش نحو الباقون ليراهم ينظرون إلى بعضهم بصمتٍ مُريح، ليقل: الحمدلله هو بخير كما سمعتم.. هيّا إلى المنزل حتى لا يطردونا، تحركوا ببطء بينما أقترب ياماش من اكين وهو يقول: بما أنك لن تعود معنا فـ أنتبه لعمك واتصل بي فورًا إذا حدث أي شيء حسنًا؟ أنا سأحل بعض الأمور في الحفرة، أومى اكين ثم تقدم وربت على كتف تولغا وهو يقول: أهلاً بعودتك..، أومى الآخر بهدوء ثم تحرك ذاهبًا، ولاحقًا.. في مواقف السيارات الخاصة بالمستشفى، تقدمت ليلى نحو سيارتها بخطواتٍ خفيفه، وكأن الثقل الذي كان جاثمًا على صدرها قد تبخر مع كلمات فريد المطمئنة قبل قليل، تشعر برغبة عارمة في البكاء.. ليس حزنًا هذه المرة بل إمتنانًا لأن القدر لم يسرق منها تلك الفرصة التي لطالما تمنتها، صعدت إلى سيارتها وجلست خلف المقود، أسندت رأسها إلى الأمام لوهلةٍ وهي تغمض عينيها هامسةً: الحمدلله..، بينما على بعد أمتار وحيثُ مخرج المستشفى، وقف تولغا وهو يراقب ظهر كاراجا التي كانت تسير بجانب عمها ياماش، تردد للحظة.. ولكنه هتف بنبرةٍ هادئة: كاراجا..، توقفت الأخيرة ببطء.. ولكن دون أن تلتفت، بينما أكمل ياماش طريقه متظاهرًا بأنه لم يسمع ليتركهما يتحدثان، ظلتّ الأخرى ثابتة في مكانها مع تقدم تولغا بهدوء وهو يضع ذراعيه في جيوبه، وقف بجانبها تمامًا ثم قال دون أن يفكر كثيرًا: أريد أن اسألكِ عن حالكِ ولكنكِ لا تبدين بخير..، ابتلعت الأخرى غصتها وابتسمت باستهزاء وهي تستدير لتنظر إليه من رأسه حتى قدميه، لتقل بعد ثوانٍ: وأنت تبدو بخير، أنزل تولغا بصره حزنًا ببطء، بينما أردفت هي وقد أمسكت بأطراف معطفه الطويل لترتبه بطريقةٍ عنيفة قليلاً: ماشاءالله.. معطف أنيق ووجهٌ مشرق، السفر والبُعد عن الحفرة أفاداك حقًا، أشاح تولغا بنظره مرةً أخرى وهو يبتسم بقهر ثم رفع كفّه ليمسح دمعةً سقطت رغمًا عنه، أنزل بعدها ذراعه فورًا إلى يديها الممسكتين بمعطفه ليُمسكها، ولكن الأخرى سحبت ذراعيها بسرعة وعادت تنظر بحدّه، ليقل تولغا وهو يتقدم خطوة نحوها: اسمعيني يا كاراجا..، رفعت الأخيرة كفّها ووضعته على فمه تُصمته وهي تقول: إياك! لا تقُل شيئًا بعد رسالتك الأخيرة! أنت اخترت طريقك وأنا سأذهب في طريقي وانتهى، ثم دفعته بعنفٍ طفيف وابتعدت تاركة الآخر ينظر إلى ظهرها بحرقه، خرجت وتوجهت بترنح نحو أحد الكراسي التي أمام المدخل، جلست عليه وهي تمسّد صدرها بخفه، وما لبثت أن وضعت كفّها على فمها وانهمرت دموعها.. ظلّت للحظاتٍ على هذه الحال إلى أن توقفت سيارة بالقُرب منها، ترجل جيلاسون وهو ينظر بخوفٍ وقلق، وسرعان ما تقدم نحوها بسرعة وهو يهتف: كاراجا؟، رفعت الأخيرة رأسها ببطء وهي تحاول مسح وجهها بسرعة قبل أن يقترب، لكن دموعها التي لم تتوقف وملامحها كانت تفضح كل شيء، وقف الآخر أمامها مباشرة ثم انحنى قليلاً والخوف والاضطراب يملئان وجهه ليقل: ماذا حدث؟ هل حدث شيء لأخي صالح؟ لماذا تبكين هكذا!، نفت هي برأسها ثم دون أن تقاوم التعب والإرهاق اقتربت واحتضنت جيلاسون بقوة وهي تقول بنبرةٍ مبحوحه ومتقطعة: لا.. عمي بخير لقد خرج من العمليات وهو بخير الآن، عقد جيلاسون حاجبيه باستغراب وهو يبادلها العناق، مرّت لحظة ليسأل هذه المرة بهدوء: إذن ما بكِ؟ لماذا أنتِ بهذه الحالة؟، لتُجيب الأخرى: لقد عاد.. أب ابني عاد، رفع جيلاسون حاجبيه بدهشة وارتخت يديّه عن ظهرها ببطء.. بينما عند مدخل المستشفى.. كان تولغا متجمدًا مكانه من صدمته رغم شكوكه وهو يراقبهما من بعيد.. وسرعان ما عاد أدراجه إلى الداخل بغضبٍ وقهرٍ كبيران..
––––––––––––––––––––
مركز الشرطة..
كان يقف وهو يضع يديه خلف ظهره بهدوء، ينظر إلى المدير الجديد للمركز خلف مكتبه، هذا المدير الذي كان يتوق لعودة داهان إلى عمله منذ توليه إدارة المركز، تصفح بعض الملفات ثم قال بابتسامةٍ كبيرة: جيد.. بل جميل جدًا يا داهان! لهذا.. لهذا أنا طلبتُ منهم الإسراع في إنهاء إجراءات عودتك واستلامك لشارتك فور تبرئتك، فـ خلال يومان فقط منذ عودتك نفذتَ أربعة عمليات صادرنا من الكثير والكثير من خلالها، ابتسم داهان بخفه بينما أردف المدير وهو يستقيم بهدوء: أطنان من المواد الممنوعه وأسلحة غير مرخصة وبدأنا باتخاذ إجراءات قانونية بحق عشرة أشخاص، ثم توقف وأشار إلى داهان بأن يجلس وهو يردف سائلاً: قلت لي من هو الذي أدلى لكم بالأماكن وأوقات الشاحنات وخروجها من الحدود؟، فأجاب الآخر وهو يرتخي بظهره: أخبرتك من قبل ياسيدي.. تلك المرأة آصلي إردام، مسّد المدير ذقنه ثم قال: قرأت ملفها.. وأنه يحتوي على الكثير من الشُبهات، أومى داهان وهو يردّ موضحًا بهدوء: أعلم.. ولهذا السبب وجدت أنها مناسبة، فـ من المستحيل أن يتوقع الكبير أنها مخبرة لنا، هُنا أشار المدير بسبابته وهو يقول: أنا أثق بك "ثم أردف بابتسامة" مكتبك جاهز.. لقد جعلتُ من كان يقطن فيه ينتقل إلى مكتبٍ آخر لتعود أنت إلى مكتبك، هزّ داهان رأسه ممتنًا ثم نهض ولكن قبل أن يستدير هتف لمدير: ومعاونك سيستمر إلى جانبك كما كان، وبالمناسبة أين هو؟ لقد ناديتكم ولم يأتي سواك، فأجاب داهان: ذهب ليتحدث مع آصلي بشأن القادم وسيعود بعد ذلك، أومى المدير بهدوء ثم نهض وهو يقول: أريد عملاً جيدًا وجهدًا كبيرًا من كليكما وخصوصًا منك أنت يا داهان، أريد أن نعثر على ذلك الكبير حتى يرى الجميع قوة هذا المركز حين يُطيح برئيس أكثر المنظمات تفرعًا، لاحقًا.. رفع داهان هاتفه إلى أذنه وهو يلتقط بعض الفطائر من غرفة استراحة المركز، تناول منها ببطء منتظرًا ردّ الآخر الذي لم يكن سوى معاونه، فأجاب الأخير وهو ينزل من سيارته: للتو توقفت أمام الشركة لم أتكلم معها حتى الآن ما بك!، مضغ داهان ما في فمه وهو يبتسم حتى كاد يضحك ليردّ: اسألها عن حالها فقط وإن كانت تحتاج لشيء فهي تعمل معنـ..، قاطعهُ الآخر: اجل وسأقول لها أن هناك ضابط مجنون ازعجني من اجلكِ، اتسعت ابتسامة داهان ليردف معاونه: انظر.. لا اعلم إن كان يجب علي أن أقول هذا أم لا لكن دعني أكون صريحًا، هذه المرأة لا تُطمئنني، تلاشت ابتسامة داهان ليردّ: اعلم.. ولكن ثق بي ياهذا، نزع الآخر نظارته الشمسية وهو ينظر إلى مدخل الشركة ليُجيب قبل أن يغلق الهاتف: أنا أثق دائمًا، وفي الجهة الأخرى.. تحديدًا في الأعلى وحيث مكتب آصلي التي وقّعت بشكلٍ روتيني على بعض الأوراق الخاصة بالشاحنات والبضائع، وأمامها.. كان الكبير يجلس وقطعة الشطرنج بين أصابعه كعادته، ليهتف بعد لحظات: تتوقعين من هو؟، رفعت أنظارها نحوه ثم قالت: من تقصد؟، ليقل الآخر وهو يمسّد لحيته: من يلعب في الخفاء.. من أنقذ اخاهم الأكبر والطفل، تجاهلتهُ الأخرى لتقل بعد لحظة: بالمناسبة سمعت أن فارتولو لديه طريق جيد لخروج الشاحنات، نظر الكبير إليها بتساؤل فأردفت هي بنبرة استفزاز: من حدودنا إلى إيران ثم إلى أفغانستان طريق مؤمن تخرج منه البضائع بشكلٍ منظم ورائع، إن أردت رأيي حاول أن تطّلع عليه وتكشفه لكي لا تُتعبك الشرطة، ضحك الكبير بسخرية ليقل: نحن نصدر إلى أوروبا أيضًا ياعزيزتي إن لم تكوني مدركة وليس فقط أفغانستان، تنهدت الأخرى بضجر ثم دفعت الأوراق ناحيته وهي تقول: هل أُعطي هذه للشرطة؟، ثم صحّحت جملتها بسخرية وهي تبتسم: عفوًا.. أقصد هل أُعطيها لابنك؟، نظر الآخر بحدّه ثم قال: لا.. لقد أعطيتُهم ما يكفي منذ يومين، دعيه ينشغل بها بينما تخرج هذه الشاحنات من الحدود، رفعت آصلي كتفيها بلا اهتمام واتجهت نحو النافذة وماهي إلا لحظاتٍ حتى طُرق الباب.. وفتح فورًا دون أي تردد، ظهر من خلفه معاون داهان وهو يقول: السكرتيرة تقول أن لديكِ ضيفًا مهمًا، لكنه ليس أهم من الشرطة أليس كذلك؟، صمت وتجمد فورًا حين رأى من يجلس خلف المكتب.. عدنان! والد صديقه الذي من المفترض أن يكون في أنقره الآن، ماذا يفعل هنا؟ بينما الكبير الذي اعتدل بخفه، كاد قلبه أن يخرج من مكانه ظنًا منه أن ابنه أتى برفقة معاونه..
––––––––––––––––––––
المستشفى..
دخل فريد إلى مكتبه وهو يمسّد رقبته بإرهاق، وحين أغلق الباب وجد جومالي جالسًا يقلب مسبحته بين أصابعه ببطء وهو شاردًا في الفراغ.. تقدم دون أي كلمة خلف مكتبه ليسمع جومالي يهتف ولا يزال شاردًا: هل تعب كثيرًا؟، جلس الآخر بهدوء وأجاب بعد ثوانٍ: لا.. أخبرتكم يا سيد جومالي كل شيء على مايرام، التفت الآخر بعينيه وبنظرةٍ لا يمكن وصفها ليقل: أثناء عملية رأسه قبل أشهر.. هل تعب كثيرًا؟، صمت فريد للحظة بدت طويلة حين أدرك سؤال الذي أمامه ثم اسند ظهره وهو يقول بخفوت: كانت معقدة ولكنه تجاوزها، شدّ جومالي على مسبحته ثم قال: لا تجاملني أيها الطبيب فريد، تنهد الأخير بهدوء ثم قال بعد لحظة: نعم.. تعب كثيرًا ودخل في غيبوبة لمدة أسبوعين، ثم بقي أسبوعًا في المستشفى وخرج بعد ذلك على مسؤوليته حين تحسن وضعه قليلاً، وما بعدها تعرفه ياسيد جومالي، شرد الأخير ببصره قليلاً وتوقفت حركة المسبحة بين أصابعه للحظة حتى عاد يقلبها ببطءٍ أثقل من السابق بألف مرة، ليقل بخفوت: أعرف ما بعد ذلك لكنني أريد أن أسمعه منك أنت كطبيب، خلع فريد معطفه ببطء وهو يُجيب: ما بعد ذلك انه لم يمنح جسده الوقت الكافي ليتعافى، تجاهل التحذيرات مني وتصرف وكأن الأمر انتهى لمجرد خروجه من غرفة العمليات واستيقاظه من الغيبوبة، لكنه قوي.. قوي وبخير وسيظلّ بخير إن شاءالله، عمّ الصمت لثوانٍ حتى قال جومالي: هل كان لوحده؟، نفى الآخر برأسه ليقل: كان ذلك الرجل موجودًا.. أسمه كارتال على ما أظن، هو من رتب الأمور في المستشفى وقتها وبقينا في منزله لبعض الوقت، وأخته السيدة ليلى كانت هناك أيضًا تطمئن عليه كل يوم، كان فريد يريد طمأنة جومالي بأن صالح لم يكن لوحده وقتها، لكنه لم يكن يعلم أنه بذلك جعل الآخر يشعر بالقهر اكثر فأكثر.. كارتال! ذلك الرجل الذي يظهر كبطل في كل مرة، كان إلى جانب أخيه في أصعب أوقاته بينما هو لا! استقام جومالي بعد كلام فريد الأخير وهو يقول: صالح لا يشكي.. لا يتكلم.. لكنك أنت ستفعل، فـ عندما يأتي إليك كما أتى قبل أن يُصاب ستخبرني بصفتي أخاه الأكبر، ستقول لي كل شيء يمرّ به ويشكو منه، هل نحن على وفاق؟، لم يجد فريد سوى أن يومي بخفه، وفي الجهة الأخرى.. دلف تولغا إلى غرفة صالح بعد أن أخبره وليّ بها، وليّ الذي ذهب لإحضار بعض الماء حين شعر بأن تولغا ليس بخير، بينما الأخير وما إن أغلق الباب حتى ذهب فورًا إلى دورة المياة، غسل وجهه بعنف مرارًا وتكرارًا ثم أرخى يديّه ليتمعن في معصمه حين انزاح كمّ معطفه قليلاً.. معصمه الذي يحمل آثارًا لغرزٍ ليست بقديمة.. كان ينظر إلى تلك الندوب التي لم تكن مجرد جروح جسدية، بل كانت تذكره بأول يومٍ لوصوله إلى برلين، حين استسلم إلى اليأس وقرر أن ينهي كل شيء بعد ان انتقم وقتل المتسبب في عذابه.. الندوب التي كان يخفيها تحت أكمام معطفه الأنيق كما قالت كاراجا، طرق وليّ باب دورة المياة وهو يقول: أخرج يا هذا وإلا كسرتُ الباب! ما بك؟ ماذا حصل معك قبل قليل؟، استجمع الآخر نفسه وخرج وهو يُرجع شعره إلى الخلف قائلاً: لماذا لم تخبرني أن أخي صالح أُصيب قبل عدة أيام؟، ناوله وليّ علبة ماء ثم تراجع حتى جلس على الأريكة ليُجيب: كيف سأخبرك وأنت في بلدٍ آخر؟ وأخيك بخير لم تكن إصابته خطيرة، أنت اخبرني ماذا حصل معك في الخارج؟ هل تحدثت مع كاراجا لهذا تبعثرت هكذا؟، شرد تولغا لوهلةٍ وهو يتذكر نظرة كاراجا الحادة له وفي المقابل دموعها وهي تعانق جيلاسون، فقال بمرارة: لقد قالت أنني أبدو بخير.. وأن المعطف الأنيق والسفر أفاداني، صمت وليّ ولا يعلم ماذا يقول.. وما هي إلا ثوانٍ حتى قال تولغا مغيرًا الموضوع: سننتظر عودة أخي صالح إلى غرفته ثم سأخبركم بما توصلت إليه هناك، ارتشف وليّ من علبة الماء خاصته ثم قال: عنيد.. لماذا لا تخبرنا الآن ثم تخبر صالح لاحقًا؟، نفى تولغا برأسه وهو يردّ: لا.. أخي سيعلم أولاً، أعلم أنه غاضب.. ذهبتُ وهو لا يريد ولم أتصل عليه طوال غيابي، لكنه سيرى أن ذهابي قد أثمر بنتيجة، عقد وليّ حاجبيه بصمت.. بينما تنهد تولغا ثم أردف: سأذهب لأرى إدريس حقًا اشتقت لذلك المشاكس..
––––––––––––––––––––
عودةً إلى الشركة..
توقف معاون داهان وهو عاقد حاجبيه، بينما ظلّ الكبير جالسًا يترقب الآخر بنظراته، لتهتف آصلي: ما هذه المفاجأة؟، نقل الاخر أنظاره بين الاثنان ثم هتف وقد ثبّت بصره على الكبير: عم عدنان ماذا تفعل هنا؟، قُضي الأمر.. فـ ضابط شرطة نبيه وذكي بالطبع لن تنطلي عليه الأكاذيب أيًا كانت، خصوصًا وأنه في هذه اللحظة بعد سؤاله سمع صوتًا يأتي من اللاسلكي الخاص بالكبير والذي وضعه على الطاولة، صوتًا يقول: المختبرات التي لم تكشفها الشرطة تعمل والشحنات الجاهزة ستخرج الليلة إلى الحدود يا سيدي، هل من أوامر أخرى؟، لا زال الاخر عاقد حاجبيه ولكن هذه المرة اتسعت عيناه بخفه واستصعب فهم الأمر رغم وضوحه الآن.. أغلق الكبير الجهاز مع التفات المعاون نحو آصلي وهو يقول باستغراب: ماذا يحدث؟ ماذا يفعل العم عدنان هنا في مكتبك؟ هل تتلاعبين به؟، رفعت الأخرى حاجبيها باستهزاء لتردّ: يا لك من أحمق! تجاهلت ما سمعته من خلال اللاسلكي قبل قليل وتقول بأنني اتلاعب به؟، هُنا التفت الآخر نحو الكبير الذي تقدم بهدوء نحوهما، ثم قال وقد تراجع قليلاً بحذر: داهان قال لي أنك عُدت إلى أنقره..، ثم أردف بنبرةٍ حاده: هل ستخبراني ماذا يحصل أم..، فقاطعهُ الكبير فورًا: أم ماذا؟ لسوء حظك أنك أتيت في هذا الوقت بالذات أثناء وجودي، لتقل آصلي بسخريه تخاطب الكبير: بهذه السرعة؟ ألن تحاول التهرب واختلاق كذبة؟ فهذا معاون ابنك!، ظلّ الأخير يُناقل أنظاره بينهم باستغرابٍ وقلق، بينما أجاب الكبير وهو يلتفت نحو آصلي: ولأنه معاون ابني.. فلن يخرج من هذه الغرفة بعد أن عرف ما عرفه، فهمت آصلي مقصد الكبير وتأففت بقوة.. بينما تراجع المعاون بضع خطواتٍ إضافية وقد تحسس سلاحه بآليةٍ دفاعية، وفي لمح البصر، خلعت آصلي كعبها من قدمها ورمته بقوةٍ ودقة نحو ذراع الآخر، وحين ترنح وقبل أن يستجمع نفسه ويرفع يده مرة أخرى نحو سلاحه كانت هي قد أحاطت برقبته وثبّتت ذراعه بقدمها بعيدًا عن السلاح، وفي خلال كل هذا كان الكبير قد أقفل باب المكتب.. ساد الصمت من حولهم بعد أن أُقفل الباب، كان يتنفس بصعوبة تحت قبضة آصلي والتي كانت تثبته بوضعية شلّت حركته تمامًا عدى عيناه اللتان كانتا تجولان في المكتب بذعر، ذهب الكبير نحو طاولة المكتب ولم يحرك ساكنًا طوال العراك القصير بل كان يراقب ببرودٍ مُريب، وضع اللاسلكي في جيب معطفه ثم استدار وتقدم بضع خطواتٍ ببطء وهو يقول: اووف.. حقًا حذاء ذو كعب عالٍ في يد امرأة مثلها أخطر من رصاصة في يد شرطي ماهر، ليهتف الآخر بغضب: مستحيل.. كيف!، ابتسم الكبير حين لاحظ أن الذي أمامه قد بدأ في ربط الأمور ببعضها، ليردف وقد انحنى قليلاً ليصل إلى مستواه: داهان يحبك.. وأنا كذلك، أو بالأحرى كنت أحبك يابني، وللأسف أنت ستجبرني على فعل ما قد يزعج ابني، عقد الآخر حاجبيه ولازال يتنفس بقوة بينما نظرت اصلي بترددٍ عجزت عن فهمه.. ليردف الكبير: ستجعل الكبير يأخذ منه معاونه وصديقه وأكثر من يثق به، ضحك المعاون بشدة وهو يضع رأسه على الأرض.. ضحك بهستيريا ممزوجة بالصدمة، ليقل من بين ضحكه: لا يعقل.. الكبير؟ أنت هو الكبير الذي نبحث عنه يا عم عدنان؟، لم يُجب الأخير بكلمة بل نظر إليه ببرود، أما آصلي التي ضغطت على رقبة المعاون اكثر لتُصمته، كانت عينيها تلمعان بترددٍ غريب وهي تنظر إلى الكبير، هل حقًا سيقضي على المعاون بدمٍ بارد؟ اعتدل الكبير واتجه نحو الباب ليتكئ عليه وهو يقول آمرًا: تعاملي معه أيتها المرأة، نظرت الأخرى إليه بدهشةٍ أخفتها.. فقد اختارها هي أن تقتله.. ليصرخ المعاون وهو يحاول الإفلات من قبضتها: *** هل أنتم عصابة يا هذا؟ خونه *** كلاب ماذا ستفعلون؟، ليُجيب الكبير بحدّه: كما فعلت وقتلتُ عميد مركزكم من قبل، ثم غضب وصرخ بقوة وكأنه انفجر تمامًا بسبب جميع ما حدث سابقًا.. من فشل خطط انتقامه وإحباط قتل جومالي إلى مقتل سافاش: لن يستطيع *** منكم أن يقف في طريقي هل سمعتم؟ كلكم ستموتون تباعًا حين يعلم أحدكم أو حتى يشك ولو بمقدار ذرة بما أُخفيه، اتسعت عينا المعاون وهو يكاد لا يصدق ما يسمعه ويراه، بينما عاود الكبير الصراخ وهو يُشير إلى آصلي: اقتليه!، فصرخت الأخرى بالمثل وهي تُحكم قبضتها بصعوبة على المعاون: هل تهذي؟ هنا والآن!، فردّ الآخر بحدّه وغضب: إذن ما رأيكِ أن نتركه ليذهب ويخبر داهان بكل شيء هاا؟، صمتت الأخرى بينما هتف المعاون بصوتٍ مختنق: اللعنة عليكم.. كيف تفعل هذا بداهان.. كيف تفعل هذا بابنك كيف!، لم يردّ الكبير بل ظلّ ينظر نحو آصلي ينتظرها تنفذ أمره، لم يكن مجرد أمر بل كان اختبارًا لولائها أيضًا، وما هي إلا ثوانٍ حتى اتخذت قرارها واعتدلت سريعًا لتقبض على عنق المعاون الذي رفع إحدى يديه وقبض على شعرها بعنف ليسحبه بقوةٍ جعلتها تتأوه متألمه، فـ صفعته كردّ فعلٍ تلقائي لما فعله، ثم أبعدت ذراعه بقدمها وعاودت الضغط على عنقه بقوة كبيرة لتقطع أنفاسه..
––––––––––––––––––––
الحفرة.. المقهى في اليوم التالي
دخل متين ليجد ياماش برفقة وليّ وتولغا يتحدثون، وما إن رأى الأشقر قدوم متين حتى استقام وهو يقول: هل تم يا متين؟، أومى الأخير ثم أجاب: اجل يا أخي استلمنا البضائع ليلاً بالأمس وصرّفنا الضروري منها اليوم، ولا يزال هناك ما يكفي لعمل الشباب في الأيام القادمة، تنهد ياماش بخفه ثم قال: جيد.. إذن أصبحت الأمور على مايرام، ربت بعدها على كتف متين ثم التفت يخاطب وليّ وقد نظر إلى ساعة يده: ابن أبي سيخرج إلى غرفته بعد نصف ساعة وأنا لم أكتب رسائلي بعد..، غصّ وليّ بكوب الشاي الذي ارتشف منه ثم قال بضحكةٍ خفيفه وهو يمسح فمه: ألم تكن مزحة؟، ابتسم ياماش ورفع حاجبيه نافيًا ليقل: تؤ.. نحن لا نمزح يا وليّ، هُنا سأل تولغا بشيءٍ من الاستغراب وهو يستقيم: رسائل ماذا؟، فردّ ياماش: لا عليك، أنت من سيجلب إدريس إلى المستشفى أليس كذلك؟، أومى تولغا بهدوء فأردف ياماش: جميل وأخي جومالي أساسًا ذهب قبلنا إذن.. نلتقي هناك، وفي الجهة الأخرى حيثُ الميناء، الذي توقف به قاربان منذ دقائق.. خرج من إحداهما كارتال وهو يلفّ وشاحه الشتوي على رأسه كعادته، هتف مخاطبًا من يصاحبونه في القارب: سأذهب وأعود بعد دقائق، ثم قفز بعدها وتقدم وهو يضع يديّه في جيوبه، مشى بخطواتٍ طبيعية وسط ضجيج الميناء والحشود التي تملأه في هذا الوقت.. تسلّل بينهم دون أن يلفت الانتباه وعيناه تجولان بهدوءٍ حِذر معتاد، توقف حتى استند على السور الذي يقابل الساحل، أخرج سيجارة من علبة السجائر خاصته دون أن يشعلها، بل ادارها بين أصابعه وهو ينتظر الرجل الذي كلفّه بمراقبة الأوضاع من حين لآخر مقابل مبلغًا من المال، وبعد لحظات.. اقترب الرجل ووقف بجانبه متكئًا على السور هو الآخر وكأن الأمر محض صدفة، ليهتف كارتال ببرود دون أن ينظر إليه: ما أخبار الكوشوفالي، ليُجيب الآخر: لم يتحركوا منذ أيام سوى إلى المستشفى واستلام بعض البضائع، عقد كارتال حاجبيه ثم همس وقد أخذ نفسًا من سيجارته: أنا متأكد من انهم علِموا شيئًا من سافاش، لكن ربما لا يريدون التحرك الآن، ثم صمت قليلاً ثم أردف: وصالح؟
–لا زال في المستشفى، خضع بالأمس للجراحة التي كان ينتظرها منذ أيام وسمعت أن وضعه جيد
=والكبير هل هناك أثر؟
–لا شيء.. لا أثر لتحركه أو تربّصه بالكوشوفالي، وشركاته لا تزال تعمل
=محزن.. لا يعلم انني سأنتزعها من بين يديّه قريبًا لأستعيد شركاتي وتعب سنواتٍ طويلة عملت بها معه
–هناك شيء آخر.. أحدهم يبحث عنك، التفت كارتال باستغراب بينما أردف الرجل: هل تعرف أحدًا يدعى جوزيف؟ رجلاً روسيًا مات في السجن هنا في تركيا قبل أشهر؟، اطفأ كارتال سيجارته وأرخى رأسه يضحك بخفه من دهشته ويأسه، ليردف الآخر: أحد اقربائه هنا يبحث عنك، ويراقبون ذلك المدعو صالح أيضًا، وكذلك أخاه الأصغر الذي يدعى ياماش، أومى كارتال بسخريه ليقل بخفوت: بالطبع نحن كنا شركائه وسبب سجنه، وياماش هو بلّغ عنهم تلك الليلة، ثم اعتدل وأدخل ذراعه في جيب سترته ليخرج منه مبلغًا من المال وهو يقول: سلمت وانتهى عملك، ابتعد ولا تراقب اكثر، ثم استدار مبتعدًا وهو يقول مخاطبًا نفسه: أقسمتُ أن لا أتحدث معك مجددًا ولكن ماذا نفعل؟ زيارة المريض واجبة يا صالح..
––––––––––––––––––––
المستشفى..
فتح جومالي الباب بهدوء، ليقع بصره على أخيه الجالس بهدوء على طرف السرير وهو يتفحّص ذراعه، وما إن سمع الآخر صوت الباب حتى رفع رأسه ببطء وسرعان ما ابتسم وهو يقول: أخيرًا.. لو اتيتم غدًا جنم، ليقل جومالي وهو يضيق عينيه: وتجلس أيضًا! احترم انك خرجت من غرفة العمليات بالأمس ياهذا، فردّ صالح وهو يعتدل بخفه: قالوا أن الاستلقاء الطويل ليس في صالحي ثم انني مللت من النظر إلى السقف، نزع جومالي قبعته وهو يغلق الباب خلفه مبتسمًا ليتقدم نحوه وهو يسأله: كيف حالك إذن يا قطعة الأسد؟، أومى صالح بهدوء وهو يُجيب: بخير هناك دوار يزعجني لكنهم يقولون انه طبيعي، ثم أردف فورًا: لماذا أتيت لوحدك؟ أين الباقون؟، ليُجيب جومالي وهو يقف أمام أخيه وقد انحنى قليلاً: سيأتون..، ثم أردف وهو يقترب قليلاً ليتمعن في ذراع صالح: حرك أصابعك لأرى، امتثل الآخر لكلام أخيه وحركها بخفه وهو يبتسم بخبث، ثم وعلى حين غرة مدّ ذراعه الأخرى وتحديدًا إصبعه نحو عيني جومالي ولكن الأخير ابتعد سريعًا وهو يقول: لاان! هل تريد نزع عينيّ؟، ضحك صالح بخفه وهو يضع كفّه السليم على المصابة.. ليقل: انني أمزح فقط، ثم أرخى بصره نحو ذراعه مرة أخرى وحاول تعديل الضماد بينما وقف جومالي وهو يراقب أخيه.. نظر مطولاً وهو يسترجع كلمات وليّ وفريد.. مرّت لحظة قصيرة ورفع يده ليمسح على شعر الآخر، ثم تقدم وعانق رأس الأسمر الذي تجمد لوهلة.. فقد عادت به ذاكرته إلى أول مرة احتضنه فيها إدريس قبل أن يموت.. أول مرة يعانقه فيها والده، والآن أخيه الأكبر يحتضنه بالطريقة ذاتها.. لم يرفع ذراعه ولم يبادله العناق فقط ظلّ ساكنًا كما كان مع والده، وبعد لحظة.. ابتعد جومالي ببطء عند دخول ليلى التي ابتسمت بهدوء وبلا إرادة وهي ترى صالح مستيقظًا وجالسًا، تقدمت نحوهم بينما قال جومالي وهو يبتعد خارجًا ليتركهما لوحدهما: سأتكلم مع طبيبك وأعود، خرج جومالي وتقدمت ليلى اكثر حتى جلست ووضعت حقيبتها على السرير بجانبها، لتسأل حين رأت ملامحه المُشتته: هل أنت بخير؟ مابك؟، مسح صالح وجهه ثم ابتسم وهو يقول بمزاح: بخير كما ترين يا سيدة ليلى، فقط توقعت أن أول من أراه سيكون أنتِ ولكنكِ خيبتِ ظني، عبست الأخرى وهي تقول: لا تتذمر يا صالح فلو لم يحتجزني صاحب البناية في تحقيق مطول منذ الصباح الباكر بسبب انقطاعي عن المبيت في شقتي لفترةٍ طويلة لكنت هنا قبل أن تخرج حتى، ابتسم الآخر بهدوء وهو يهزّ رأسه ليقل: لا أتذمر أنا فقط أردت أن أراكِ أولاً، مالت الأخرى نحوه حتى وضعت رأسها على كتفه واحتضنت ذراعه السليمة وهي تقول: لم أنم منذ البارحة من قلقي عليك، أسند هو رأسه برفق على رأسها وأغمض عينيه بصمت من الدوار والتعب، مرّت لحظاتٍ من السكون.. حتى سأل بخفوت: أين إدريس لماذا لم يأتي معكِ؟، ابتعدت ليلى بهدوء لتُجيب: سيأتي لا تقلق، وفي هذه اللحظة وعند ذكر الصغير، فُتح الباب ودخل وهو يحمل في يده وردة صغيرة، وما إن رأى والده حتى ركض ليعانقه، فقالت ليلى وهي تبتسم: ببطء يا إدريس لا تؤلم والدك، شدّ الأخير على عناق ابنه وهزّه بمزاح وهو يقول: أي ألم هذا الذي سيمنعني من معانقة ابني؟، ثم ثوانٍ وفصل العناق وراح يقبل يديّ ابنه ليسأل وهو يغمز بعينه: هل هذه الوردة لي؟، نفى الصغير برأسه ومدّها نحو ليلى وهو يقول: هذه لأختي ليلى أنت ستكون لك زهورًا كثيرة، التقطت الأخرى الوردة وداعبت أنف إدريس بإصبعها وهي تقول: سلمت أيها الصغير، بينما عقد صالح حاجبيه بابتسامة وسأل: من أحضرك؟، وقبل أن يُجيب أتى صوتًا من ناحية الباب قائلاً: أنا..، رفع صالح رأسه وبصره ببطء نحو تولغا الذي يضع يديّه في جيوبه وينظر بابتسامة، تلاشت ابتسامة صالح وحلّت محلها نظراتٍ متفحصه ومرتاحة في آنٍ واحد.. ليقل إدريس: لقد عاد أخي تولغا يا أبي ولعب معي أنا وياماش جونيور طوال الصباح، تنهد الأسمر بخفه ومسح على شعر ابنه ليقل بعد لحظة: من الجيد أنه عاد كدتُ اعتقد أنه نسينا، ليقل الآخر وهو يتقدم بسرعة: هل هذا ممكن يا أخي؟ أموت ولا أنساكم، ليفتح صالح ذراعه وهو يقول: تعال إلى هنا ياهذا، فتقدم الآخر فورًا مع ابتسامة ليلى.. عانقهُ وهو يقول: الحمدلله على سلامتك.. اعتذر لانني لم أكن هنا، فسأل صالح وهو يفصل العناق: هل أخبرك وليّ لذلك عُدت؟، نفى تولغا برأسه ليُجيب: لم أعلم إلا حين وصولي إلى الحفرة وكدت أفقد عقلي، ثم جلس بجانب صالح وهو يردف: وهناك شيئًا آخر ساخبرك به لاحقًا، اكتفى صالح بإيماءةٍ خفيفه ثم سحب رأس الآخر وعانقه مره أخرى، ليأتيهم صوت ياماش الذي قال بيأسٍ مصطنع وهو يقف بالقُرب من الباب حاملاً باقة كبيرة من الزهور تتخلّلها أوراق وكروت صغيرة: حقًا؟ وماذا أفعل بباقة الزهور وبرسائلي هذه يا ابن أبي؟، ابتسم تولغا بينما ضحك صالح رغم إرهاقه وهو يغطي عينيه والدهشة الهادئة أحتلت وجه ليلى، ليهمس صالح: كنت أمزح يابني هل حقًا كتبت رسائل؟، تقدم ياماش ووضع الباقة على الطاولة الصغيرة واتجه نحو ابن أبيه، دفع كتف تولغا بإصبعه وهو يقول: ابتعد هيّا ابتعد، نهض الآخر وابتعد وهو يرفع ذراعيه باستسلامٍ مضحك، فـ اقترب ياماش من صالح ونظر إليه من أعلى لأسفل بتفحص ثم قال: لماذا نهضت؟ حتى لو شعرت انك بخير يجب أن ترتاح، ليقل صالح وهو يرفع حاجبيه: ألن تعانقني أيها الطفل؟، فركض إدريس حتى صعد إلى السرير وعانق والده، وهُنا قال صالح مازحًا وهو يشدّ على ظهر ابنه: لقد ضاعت منك الفرصة يا ابن أبي، فتقدم ياماش وعانق الاثنان بالإجبار وهو يقول: أنا لا تضيع مني الفرص وسأعانقك رغمًا عنك..
––––––––––––––––––––
في وسط الغابة.. مساءً بعد غروب الشمس
ترجل داهان من سيارته وهو يضع هاتفه على أذنه ولكن لا تزال نغمة الاتصال تتكرر بلا جدوى، وحين انقطع الخط أرسل رسالة صوتية بنبرةٍ امتزج فيها الضيق بالقلق: لماذا لا ترد منذ الأمس ياهذا؟ لم تاتي إلى العمل اليوم ولم أجدك في شقتك، وآصلي قالت لي انك خرجت من الشركة بسرعة حين أتاك إتصالاً من والدتك، هل تعبَت مجددًا وذهبت إليها؟ أجب واجعلني أطمئن وإلا وضعتك في التوقيف ليومين دون طعام، زفر بعدها بقوة ووضع هاتفه في جيب معطفه، مسح وجهه ليسمع بعدها صوت أحد عناصر يقول: بلاغ من مجهول قادنا قبل عشر دقائق إلى جثة رجل رُميت هنا يا سيدي ونحن ننتظر وصول فريق الأدلة الجنائية، تقدم داهان بخطواتٍ ثابتة نحو منطقة طوّقت بالأشرطة الصفراء، وعناصر الشرطة يدورون بمصابيحهم اليدوية في خضم هذا الظلام، تجاوز الأشرطة ليسأل وهو يستمر بالتقدم: هل حددتم هوية الجثة؟، فأجاب الآخر بنبرةٍ عملية: ليس بعد، التقط داهان أحد المصابيح من أحد العناصر ثم انحنى وجثى على ركبتيه بالقُرب من الجسد المغطى وهو يهمس: سنعرف حين يأتي فريق الأدلة، ثم استدار مع قول العنصر: هناك أثر قاتم على العنق فقط ولم نلاحظ شيئًا غير ذلك، أشار داهان إليهم بأن يزيحوا الغطاء، فحذوه عن الجسد وحينها.. صمتت الغابة بأكملها، حتى صوت أحذية العناصر على أوراق الشجر الساقطة اختفى تمامًا، ارتجف قلبه بشكلٍ فضيع واتسعت عيناه وكأنه رأى شبحًا أو شيئًا لم يتخيله أبدًا، الجسد المكشوف أمامه ونصف الوجه الظاهر للجثة لم يكن مجرد شخصًا عابرًا بل كان معاونه.. صديقه واكثر من وثق به واعتمد عليه، سقط المصباح من يده وهو يردد ببطءٍ قاتل: لا لا لا!، ثم صرخ فجاءة بالعناصر: ارفعوا الإضاءة يا***، وجّهوا المصابيح نحوه ونحو الجثة وابتعدوا بغرابه بينما ركع داهان كليًا هذه المرة وهو يضع أحد كفيّه على فمه متأملاً وجه الآخر الشاحب والخالي من الحياة بصدمة..
––––––––––––––––––––
ألمانيا.. برلين قبل يومان
في مكان حيدر وتحديدًا مكتبه.. كان تولغا جالسًا على الأريكة في أحد زوايا المكتب، ممدًا ساقيه وحاسوبه في حضنه، خرج حيدر من دورة المياة وهو يمسح يديّه، وحين اقترب من تولغا هتف: إلى متى ستضل هُنا؟، رفع الآخر حاجبيه ببرود ليُجيب: هل أنت منزعج من وجودي إلى هذه الدرجة؟، مسح حيدر وجهه بالمنشفة ثم رماها على الطاولة وهو يقول: اجل.. لماذا تترك أخيك فارتولو هناك وتأتي إليّ؟ لا.. ولم يمضي يوم واحد على قدومك حينذاك حتى حاولت الإنتحـ..، قاطعهُ تولغا هاتفًا بحدّه وهو يرفع عينيه من على شاشة الحاسوب: ألم أقل أننا أغلقنا هذا الموضوع؟، صمت حيدر وذهب ليجلس خلف مكتبه فـ فتح أحد رجاله الباب وهو يهتف: حيدر آبي.. هناك رجل يريد التحدث معك، نظر الآخر باستغراب ليردف رجله: أنه يحيى إردام الذي جاء قبل فترة، رفع حيدر حاجبيه وقد تذكر ثم قال: دعهُ يأتي لنرى ماذا يريد هذه المرة، ذهب الرجل ولحظاتٍ حتى دخل يحيى إردام.. رجلٌ في عقده الخامس بشعرٍ ولحيةٍ رماديين من اختلاط الشيب بما تبقى من السواد، هو ذاته من تبحث عنه آصلي.. الرجل الذي قتل عائلتها قديمًا بحادثٍ مُدبر، عمها وعمّ تولغا الذي لم يرفع بصره نحو الآخر سوى بشكلٍ عابر قبل أن يعود إلى شاشة حاسوبه بلا أي اهتمام.. تقدم الآخر واتجه حتى صافح حيدر باحترام ثم جلس مع قول الأخير: عساهُ خير؟ ألم تعجبك برلين يا يحيى؟، ابتسم الأخير ليقل: برلين جميلة يا أخي حيدر لكنها أصبحت خطرًا علي، ارتخى حيدر على كرسيه وهو يقلّب عينيه وقد عرف مقصد الآخر الذي أردف دون تضييع أي وقت: أنا أريد الخروج من برلين ومن ألمانيا كلها وجواز سفري غير نظامي، وليس هناك أفضل منك في مثل هذه الأمور يا أخي، ابتسم حيدر مجاملةً وهو يسند يديّه إلى الطاولة ليقل: قُل أنك لست شجاعًا لدرجة أن تبقى في مدينة أوروبية يا يحيى، فقال الأخير بخفوت وهو يقترب قليلاً: والله إن كانت الشجاعة تعني أن تُقتل بلا رحمة.. فـ إذن أنا لستُ شجاعًا، باختصار يا أخي أنا مُلاحق وهناك *** يطاردني وقد عرف أنني هنا لذلك أريد الخروج الليلة إن أمكن، ضيق حيدر عينيه وقد استشعر الخوف في نبرة الآخر، ليردّ بعدها بوقار: من هذا الذي يُطاردك يا يحيى ويجعلك تطرق بابي في هذا الصباح الباكر؟، تحركت عينا يحيى حتى وقعتا على تولغا الذي كان غارقًا في شاشة حاسوبه مائلاً بجسده ورأسه إلى الجهة الأخرى وكأنه لا يشعر بما يدور حوله، بينما هو كان يسمع حتى دون رغبةٍ منه، ليقل حيدر حين لاحظ نظرات الآخر: هذا الشاب مثل ابني.. فـ تكلم بأريحية، عاد يحيى ببصره وهو يقول: الكبير.. شخص يدعى الكبير لنقل كنت شريكة ويريد تصفيتي حين فضلّت شراكة أحدٍ آخر على شراكته، صدقني هذا لا يهم الآن، ارجوك يا أخي ساعدني لأخرج من هنا قبل أن يجدني، رفع تولغا رأسه بخفه واتسعت عيناه بدهشةٍ حين سمع ما تفوّه به الآخر.. أو بالأحرى الاسم الذي نطق به، هذا ما حكاهُ تولغا لصالح ووليّ وياماش وجومالي واكين الذي يقف بعيدًا متكئًا على الجدار، ثم ختم حديثهُ بـ: ما فهمته انه شريك للكبير واجتمع معه شخصيًا عدة مرات في السابق بشأن العمل، على كل حال.. هو سيأتي إلى تركيا بعد يومان لكي يتحدث معك يا أخي، وسيضمن حمايتك أو حمايتنا بمقابل أن يوصلنا إلى الكبير بشكلٍ ما، فلتت ضحكة سخرية من صالح الذي كان مستلقيًا وابنه نائمًا في حضنه، بينما صمت البقية للحظاتٍ وهم يناظرون بعضهم بهدوء حتى هتف صالح والنعاس يُداهمه: ولماذا لم يأتي معك؟ كيف نضمن انه سيصل إلى هنا بعد يومين؟ ربما يهرب، فأجاب الآخر بثقه: أخي حيدر سيضمن وصولهُ من برلين إلى إسطنبول وإلى أيدينا تحديدًا.. يعني لا مفر له، فـ سأل وليّ: لماذا لم يقل لك اسم وهوية الكبير إن كان قد يعلم واجتمع معه حقًا هاا؟، ليردّ تولغا: لا يعلم هويته لكن بينهم شراكة هو وإثنان آخرون من دولٍ أوروبية يجتمعون مثل الطاولة السرية أو ما شابه هذا ما قاله لي، هُنا قال ياماش بخفوت: وكيف سيجعلنا نصل إليه؟، تنهد تولغا بخفه وهو يُجيب: وهذا ما سنعرفه حين يأتي ويضمن الحماية، ليعاود ياماش القول بسخريه: حماية..، ثم مسح وجهه وأردف: هل يعقل أن الفرصة أتت إلى أقدامنا؟، ليقل جومالي هذه المرة بعد لحظة: وخرج من ذهابك فائدة حقًا، رمقه تولغا بصمت بينما هتف ياماش: حتى الآن لم نعثر على سيارة ذلك الحيوان سافاش، وبدأت أشعر انه كذب علينا، فردّ وليّ: لا أظن.. لدي احساس اننا سنجدها قريبًا، فـ عليشو خاصتكم يجد حتى النملة في جحرها، ابتسم ياماش للحظة حتى قاطعهم قول جومالي وهو يستقيم بخفه: تحدثنا كثيرًا..، التفتوا نحو الأسمر ليجدوه قد غفى كابنه ولم يقاوم نعاس عينيه اكثر من ذلك، لاحقًا.. كان الجميع قد ذهبوا باستثناء إدريس الذي بعناده بالطبع بقي بجانب والده، وعلى مشارف الفجر وقد مرّ الوقت بسكونٍ وهدوء.. فُتح باب الغرفة وتمعن القادم فورًا في الصغير الجالس على السرير لوحده يلعب بهاتف والده، التفت إدريس بشيءٍ من القلق ناحية هذا الغريب الذي دخل إلى الغرفة، أغلق كارتال الباب خلفه بهدوءٍ تام وهو يتأمل إدريس من بعيد.. بينما أقفل الأخير هاتف والده وهو يسأل: من أنت؟، عدّل كارتال وشاحه وهو يقترب بهدوء ليقل متجاهلاً سؤال الصغير: أين والدك؟، ليردّ إدريس ببراءةٍ وشيء من الغضب: أنا سألتك أولاً، هُنا رفع الآخر حاجبيه بابتسامة، وفي هذه اللحظة.. وقبل أن يُجيب لمح سلسلة فضية تحاوط عنق الصغير، تبدو وكأنها قلادة ما مخفيه تحت سترته الصغيرة، تلاشت ابتسامته ولم يستطع منع نفسه من رفع إصبعه السبابه مشيرًا إلى عنق إدريس ليسأل: هل هذه قلادة؟، فردّ الصغير: اجل.. قلادة أبي، عادت الابتسامة الحزينة إلى شفتيّ كارتال، مرّت لحظة ثم سأل مجددًا: وأين والدك؟، فـ أشار الصغير ناحية باب دورة المياة، هزّ كارتال رأسه بخفه ثم تقدم بتردد وجلس على السرير رغم ابتعاد إدريس بحذر، وحين لاحظ كارتال هذا.. قال بنبرةٍ هادئه: لا تخف أيها الصغير.. أنا صديق والدك ولن أؤذيك، ليردّ إدريس بعد لحظة وقد عاد يُمسك هاتف والده: أنا لست خائف ولن أخاف وأبي بجانبي، صمت كارتال بحزن لثوانٍ وقد عاد يتأمل إدريس دون شعورٍ منه، ليهمس بعد برهة: حقًا تشبه والدك، ثم  عاد ليصمت حتى سأل مجددًا وهو يُشير إلى القلادة بسبابته مجددًا: هل تحبها كما كان والدك يحبها؟، لاحظ إدريس أن الرجل الذي أمامه يملك أربعة أصابع فقط في كفّه.. ليس خمسة، ولم يُجب بل نهض من السرير بسرعة حين رأى صالح الذي كان يتكئ على الجدار قريبًا منهم بنظراته البارده نحو كارتال، التفت الأخير وما لبث أن نهض واقفًا وهو يضع يديّه في جيوبه ليقل بسخريه: كانت القلادة لا تفارق عنقك في صغرك، والآن ورثتها لابنك، مسح صالح على شعر ابنه وهو يقول بخفوت متجاهلاً كارتال: هيّا أحضر هاتفي لنخرج، صمت كارتال وهو ينظر.. راقب صالح الذي ذهب نحو سترته ليرتديها.. والصغير الذي توجّه نحو الهاتف ليحضره، رفع حاجبيه بخفه ثم هتف: ما هذا؟ هل أصبحتُ غير مرئي؟، تجاهله صالح الذي واصل ارتداء سترته بحذر وهو يغمض عينيه بقوة من يأسه، بينما تقدم الصغير نحو والده ثم ناوله الهاتف وهو يقول مشيرًا إلى كارتال: من هذا الشخص يا أبي؟ يقول انه صديقك، هُنا قال كارتال وهو يُشير بعينه: حقًا أجب يا والده من أنا؟، تنهد صالح بحدّه ثم فتح باب الغرفة وهو يُخاطب ابنه: تولغا في الخارج.. اذهب إليه يا بني وسآتي بعد قليل، فعل الصغير ما قاله والده وحين خرج أغلق صالح الباب بعنف طفيف ثم التفت وهو يقول: هل تريد أن أخبره من أنت ليخبر ليلى التي تظنك ميتًا؟ حبًا فالله يا كارتال عُد من حيث أتيت، وقبل أن يردّ الآخر التفت صالح ناويًا الخروج، لكن كارتال أمسكه من ذراعه ليمنعه فتأوه الآخر وشتم وهو يعاود الالتفات مجددًا بينما أبعد كارتال يده حين استوعب انه كان يسحب ذراع صالح المصابة، ليقل الأخير غاضبًا من وجع ذراعه: يا هذا ماذا تريد! سلمت وشكرًا لما فعلته ولإنقاذك لي في كل مرة ولكن يكفي.. لا تخرج أمامي!، مسّد كارتال لحيته قليلاً ثم قال ببرود: جرحتني! لو تصمت وتدعني أتكلم يا هذا، أساسًا أقسمت بعد حديثنا الأخير أن لا أتحدث معك مجددًا لأنني فهمت انك لن تثق بي ولكـ..، وقبل أن يُكمل كلامه قاطعهُ صالح بنبرةٍ مرهقه: بالضبط لن أثق، لهذا خذ نصيحة مني يا كارتال، اذهب وسافر.. ابتعد عن كل هذا وانظر إلى حياتك الباقية وعشها كما تريد بما أن الكبير يظنك ميتًا ولا يعلم بأمرك كما تقول، هذه فرصة لك صدقني ولو كنت مكانك لفعلت دون أن يرفّ لي جفن، تراخت ملامح كارتال وهو يميل برأسه متفحصًا، لكن الآخر التفت وخرج من الغرفة، ولم يتفوّه كارتال بكلمة أخرى ولم يلحق به.. سبب مجيئه كان لإخبار صالح بأمر قريب جوزيف، فقد أراد تحذيره ولكن.. يبدو أن الآخر مرهق، فما خاضه في الأيام الأخيرة كان كافيًا لجعله ينضغط جسديًا ونفسيًا، هذا ما دار في رأس كارتال الذي لفّ وشاحه قبل أن يخرج وهو يبتسم بسخرية، بينما عند صالح.. تقدم نحو ياماش وتولغا اللذان يقفان في انتظاره برفقة إدريس بعد أن انهوا إجراءات الخروج، ليهتف ياماش: عنيد.. ومصرّ على الخروج بمسؤوليتك، مسّد صالح رأسه قليلاً بإرهاق وهو يردّ: ألا تكفي الأيام التي قضيتها هنا؟، ربت ياماش على كتف الآخر ثم قال: حسنًا.. أخي جومالي ينتظرنا في الخارج هيّا فلنذهب، ثم خطوا للخروج.. وقبل أن يصلوا إلى ممرّ المخرج تقدم ممرض حتى اصطدم بياماش الذي تراجع قليلاً على أثرها، بينما أكمل صالح وتولغا سيرهما ولم ينتبهوا لتوقفه، اعتذر الممرض سريعًا وأكمل سيره متعجلاً، بينما رفع ياماش كفّه ليتلمس ذراعه الأخرى وقد شعر بوخزةٍ غريبة فيها، ثم عاد ليسير خلفهم حتى خرجوا ولا يزال الاشقر يشعر بالوخزة الخفيفة في ذراعه لكنه لم يُعر الأمر اهتمامًا كبيرًا، وحين اقتربوا من السيارات حيثُ جومالي الذي يتكئ على سيارته في انتظارهم.. توقفت بالقُرب منهم ثلاث سيارات جعلتهم جميعهم يلتفتون ببطء، فُتحت النوافذ الزجاجية للسيارات في وقتٍ واحد، وترجل منها أربعه رجال ببدلاتٍ رسمية داكنة يتوسطهم رجل يرتدي معطفًا صوفيًا طويلاً، تقدم نحوهم وهو يقول بنبرةٍ ثقيلة: فارتولو وياماش كوشوفالي، أشار صالح فورًا إلى تولغا بأن يُبعد الصغير وعيناه لا تفارقان الرجال أمامه، بينما اقترب جومالي بحذر مع قول ياماش الذي ضيق عينيه: نحن.. عساهُ خير من أنتم؟، لم يرد الآخر ومن ملامحه كان واضحًا انه لم يفهم ما قالهُ ياماش، لذا نظر إلى صالح وهتف بالروسية: جئت من اجل كارتال تكين.. نعلم انه لم يمُت ونعلم انك تعرف مكانه، لذا سلمّه لنا وإلا سيسوء وضع اخيك الأصغر خلال ساعاتٍ قليلة بسبب السمّ الذي حُقن به قبل قليل وترياقه بين يديّ..
إلى اللقاء في البارت القادم..

لا يوجد سوى الألم..حيث تعيش القصص. اكتشف الآن