Part 66

272 13 8
                                        

"هل لدى أحدكم سيجارة؟"
هناك هديةٌ تنتظرك في السطح، هذا ما قالهُ كارتال وهو ينظر نحو صالح الذي تململ في مكانه وأغمض عينيه وهو يعود لوضعية الاستلقاء قائلاً: أرسلها لاحدٍ آخر واذهب وأغرب من هنا، صمت كارتال لثوانٍ ثم قال: صحيح.. كم يبلغ طولك؟، فتح صالح عينيه ونظر إلى السقف دون أن يُجيب أو أن ينظر إلى الآخر من غرابة وغباء السؤال، بينما أردف كارتال: ألم تجد واحدة بطولك لتعانقها؟ اختي بالكاد يتجاوز رأسها كتفيك، غطى صالح عينيه، وما هي إلا لحظة حتى ضحك بقلة حيلة عاجزًا عن كتم ضحكته حتى قال كارتال الذي ابتسم قليلاً: أنا أتكلم بجدية هنا، مسح الآخر وجهه وهو يتنهد ليقل: حبًا فالله اعتقني واذهب ارجوك، صمت كارتال للحظاتٍ ثم قال بهدوء وهو ينظر بتركيز: هي تحبك.. هل تعلم هذا؟، ظلّ صالح ينظر نحو السقف وكأن الآخر ليس موجودًا، ليردف كارتال: حقًا ستكون أحمقًا إن لم تشعر بهذا، وقبل أن يهتف بكلمة أخرى رفع صالح ذراعه السليمة نحو ظهر السرير ووضع إصبعه على زر استدعاء الممرضين دون أن يضغطه، لم يتحرك كارتال في البداية بل نظر إلى ذراع الآخر ثم إلى وجهه ليقل ببطء: ماذا تفعل؟، فأجاب صالح بهدوء متعمّد وهو لازال ينظر إلى السقف: سأُنهي الحديث بطريقتي إن لم تذهب، ضحك كارتال بسخرية ليردّ: أنا قلت لك سابقًا حديثنا لم ينتهي..، هُنا اعتدل صالح حتى جلس ونظر إلى الآخر وقد ثبّت بصره عليه ليقل: لماذا أتيت؟ ماذا تريد مني؟، ليردّ كارتال بهدوء: قلت لدي هدية على أسطح المستشفى ستعجبك، ظلّ صالح صامتًا ومن خلال نظراته بدا أنه يسخر منه ليردف الآخر بقلةِ صبر: سافاش في الأعلى.. وإن كنت تريده تعال والحق بي، ثم لفّ وشاحه على وجهه قبل أن يخرج دون أي كلمة اخرى وكأنه يؤجل الحديث ويعلم جيدًا بأن صالح سيصعد إلى الأسطح.. بينما الأخير فقد شرد وهو ينظر إلى باب الغرفة وكأنه يستوعب ويزن كلمات كارتال ببطء، لحظاتٍ طويلة وفُتح الباب وظهر هذه المرة جيلاسون وهو يحمل كوب شاي وما لبث أن نظر باستغراب حين رأى صالح واقفًا يرتدي حمالة الذراع، ليقل: إلى أين يا أخي؟، فأجاب الآخر بهدوء وهو يلتفت: سأستنشق بعض الهواء، ثم أردف مازحًا وهو يلتقط كوب الشاي من ذراعي الآخر: أنت أبقى هنا يابني كي لا يظنوا أنني هربت، ثم خرج دون أي يُعطي جيلاسون فرصة للردّ أو السؤال..
––––––––––––––––––––
منزل العائلة..
عادت داملا من المطبخ متجهةً إلى الأعلى لتجده واقفًا عند باب المنزل وهو يخلع سترته قادمًا من المكتب، توقفت هي بالمثل ونظرت إليه ونظراتها تشرح الكثير.. لكنها صمتت وتوجهت نحو السلالم ليُمسكها جومالي من ذراعها وهو يقول بنبرةٍ خافته: داملا.. انظري إليّ، رفعت بصرها ونظرت إليه لتقل بهدوء: آسيا تنتظرني.. أسرع وقُل ما لديك، ثم قبل أن يتكلم قالت هي فورًا: ولكن هل أقول لك؟ لقد اعتدتُ يا جومالي، ولم أعُد أريد شيئًا سوى أن تعود إلى فراشك في نهاية اليوم، أن تعود إلى ابنتك التي تنتظرك كل ليلة، ليقل جومالي: هذا أنا هذا جومالي وأنتِ أكثر من يعرفني، أومت هي بيأس ثم قالت: أعرفك.. وأعرف أنك تفعل كل شيء لأجل هذه العائلة ولا تتردّد في الموت من أجلها، ولهذا تخلّصتُ من طفلي.. طفلنا حين هدّدك شاتاي به وبي ألا تذكر؟، هُنا أرخى جومالي بصره بمزيجٍ من الغضب والحزن لذكر هذه الأمور بينما أردفت هي: أنا لا ألومك لأنك فكرت وأردت إنقاذ ابن أخيك، لكنني ألومك لأنك لم تخبر أحدًا.. لم تخبرني أنا ولا أخوتك، بل تناولت معنا غداءً أخيرًا ثم ذهبت، قالتها بثباتٍ وهدوء على عكس المتوقع ثم سحبت ذراعها من يده.. ليس بعنف بل بذلك الهدوء الموجع، ليقل هو وقد مسح وجهه بقلةِ صبر: لم يكن لدي خيارًا آخر ماذا افعل؟، ابتسمت هي بحزن ثم قالت: هذا ما تقولونه دائمًا، لا خيار آخر.. لا وقت.. لا مجال للشرح.. لكن الغريب أنكم دائمًا تجدون خيار الصمت وفعل ما في رأسكم، صمت جومالي لوهلة، فما قالته كان صحيحًا حتى وإن لم تكن تفكر بالطريقة ذاتها التي كان يفكر بها، لحظاتٍ حتى حاوط كتفيها وشدّ عليهما وهو يقول: ما تقولينه صحيح، ولكن زوجكِ ثور كما تقولين دائمًا ياوردتي ماذا تفعلين؟ كان الله في عونكِ، ضحكت بخفه فابتسم هو، ثم لم تمرّ سوى ثانيةٍ حتى ضربته على كتفه تُبعده وهي تقول بحدّه وقد رفعت سبابتها: لن تُقدم على أي فعلٍ مرة أخرى قبل أن تفكر في أثره علينا، عليّ أنا وابنتك أولاً قبل أي شيء هل فهمت؟، أومى هو بصمت بينما أردفت داملا بعد ثوانٍ وقد أرجعت شعرها إلى الخلف: صحيح كيف أصبح أخيك؟ إن كنت ستذهب إلى المستشفى غدًا سأذهب معك لأطمئن على ياسمين، هُنا تنهد جومالي بقوة ليُجيب: لا أعرف.. ولكنه سيصبح بخير رغم صحته المعقدة، بينما في الجهة الأخرى حيثُ المكتب.. دخل محمود بهدوء بعد أن طرق الباب، فاستقام ياماش من خلف المكتب ملتقطًا هاتفه ليضعه في جيبه وهو يقول: هل كل شيء على مايرام؟، أومى محمود بصمت ثم لاحظ ياماش أن الآخر يحمل كيسًا في يده، لينظر بتساؤل وحينها رفع محمود الكيس وناوله إلى الآخر وهو يقول: وجدناها ملقاة في الفناء الخلفي يا أخي، ربما رُميت من الشرفة، التقطها ياماش وحين القى نظرةً عليها أغمض عينيه بقوة ويأس.. كانت أدوية أخيه.. أدوية صالح التي رماها من الشرفة بالأمس في لحظة غضب، تنهد بخفه وهو يهمس: ما الذي تحاول فعله ياصالح؟ جعلي أجنّ؟
––––––––––––––––––––
عودةً إلى المستشفى..
هتف كارتال الذي يجلس أرضًا وهو يعبث بولاعةٍ في يده: سرقتُ بعض المهدئات والمنومات من الأسفل وجعلته ينام طوال اليوم لكي لا يزعجني، رمى صالح كوب الشاي في أحد الزوايا بعد أن أنهاه بغضبٍ طفيف ثم نقل بصره نحو الآخر ليسأله: كيف وجدته؟، نظر كارتال نحو سافاش الذي كان ممددًا على الأرض مقيّد اليدين والقدمين، ثم أجاب: والله ستندهش من هذه الصدفة.. أحد رفاقي من أصحاب القوارب الذين تعرفتُ عليهم مؤخرًا لديه ورشات مشبوهة، أخبرني أن هناك رجلاً طلب منهم تزويده بعدد قليل من الرجال بحجة أن لديه عملاً ما، ثم تبيّن لاحقًا أن هذا الرجل ليس سوى مساعد هذا الكلب، قال الأخيرة وهو يُشير إلى سافاش بعينيه، ثم أردف: وبعد محاولاتٍ ومُحايلات استطعت انتزاع بعض المعلومات من الرجال الذين كلفّهم بمهمة والذين أُرسلوا إليك خصيصًا حين وقع الهجوم في مواقف المستشفى، وعلمتُ أيضًا أنه رافقهم بقناصته كي لا تفشل خطته في القضاء عليك، مسح صالح وجهه بسخريه ليقل: ما شاء الله يدك تصل إلى كل شيء، هُنا قال كارتال بابتسامة: وماذا ظننت؟ موتي والتحرك في الخفاء أفاداني كثيرًا، عمومًا.. بما أنه كان ينوي القنص فمن المؤكد أنه يحتاج إلى مكانٍ مرتفع، ولا يوجد سطح قريب من المستشفى سوى سطح المستشفى نفسه، لذا صعدتُ إلى السطح و..، توقف لثانيةٍ يمسّد لحيته ثم أردف: هل تعلم؟ أظن أن حمايتك أصبحت أمرًا غريزيًا فـ لو تأخرتُ لثانيةٍ واحدة فقط لكانوا يرفعون جنازتك غدًا، زفر صالح بانزعاج ثم تقدم قليلاً حتى جلس على الأرض متكئًا بظهره على الحافة، مسّد بعدها ذراعه المصابة بخفه وقد انعقدت ملامحه وجعًا، ها هو الألم اشتدّ رغم الحمالة التي تثبتها.. وهذا طبيعي فقد حركها أكثر مما ينبغي، ثوانٍ قليلة ثم أخرج هاتفه من جيبه، ليسأله كارتال الذي كان يراقبه: ماذا ستفعل؟، ليقل صالح ونظره على الهاتف: اتصل بياماش ماذا سأفعل يعني؟، صمت كارتال بينما اتصل صالح بياماش وأخبره بكل شيء.. وختم المكالمة التي لم تتجاوز دقيقة واحدة بجملة "وأحضر مقصًا معك" ثم أغلق الهاتف ليقل كارتال مستغربًا: مقص! لماذا؟، أعاد صالح هاتفه إلى جيبه ثم رفع بصره نحو الآخر ليُجيب ببرود: سأقص شعره، ابتسم كارتال بسخريه ثم قال وهو ينظر إلى سافاش: أنت محق شعره طويل كال***، عمّ بعدها الصمت لدقائق طويلة.. كان صالح ينظر إلى السماء المظلمة فوقه وهو يتنفس بهدوءٍ وبطء، وكارتال شاردًا في الأرض حتى قال دون أي مقدمات: قلت أن عبدالله لم يمُت وكان مشلولاً وأنك قتلته في ليلة اختطاف ابنك سابقًا أليس كذلك؟، تحرك بصر صالح حتى وقع على الآخر بحدّه تملؤها الدهشة، ليقل بعد لحظة: هل تريد أن تتحدث معي ولا تملك سوى أسئلتك السخيفة هذه أم ما هي قصتك؟، تنهد كارتال بقلةِ حيله ثم قال: أخبرني فقط هل قتلته حقًا تلك الليلة أم لم تقتله؟، عقد صالح حاجبيه بغضب ليقل: ماهي غايتك؟، تأفف الآخر ثم ردّ: فقط أجبني، ليقل صالح بحدّه: وفي ماذا ستفيدك الإجابة الآن أيها *** وأنت من ظنّ أنني أهذي وفقدتُ عقلي حين أخبرتك تلك الليلة!، ضيق كارتال عينيه بعد أن تنهد قليلاً ليقل: يعني أنت قتلته ولا تشكّ في ذلك؟، مسّد صالح عينيه لوهلةٍ وهو يحاول أن يبقى هادئًا ليهتف: لا تغضبني لا أريد أن أنفعل، اجل قتلته ووضعت رصاصةً في رأسه بعد أن غرست سكينتي في ذراعه، هُنا تنهد كارتال بعمق ليقل: جيد.. لا زلت متمسكًا بعقلك ولم يصل الكبير لغايته، نظر الآخر باستغراب ولكن استغرابه لم يدُم حتى أردف كارتال وهو يُخرج هاتفًا من جيبه "انظر إلى هذا" ثم أدار الهاتف نحو صالح ليظهر مقطع فيديو بالصوت والصورة لتلك الليلة.. ذلك الكوخ وذلك الكرسي المتحرك الذي كان يجلس عليه عبدالله.. كان المقطع مُصورًا بواسطة كاميرا موضوعة في إحدى الزوايا وقد التقطت كل شيء، منذ لحظة دخول صالح إلى المكان والحديث الذي دار بينه وبين عبدالله ثم قتله للأخير وخروجه بعدها، تجمد صالح بشكلٍ غير ملحوظ وهو ينظر إلى هاتف كارتال بأعين لم ترمش حتى، وحين أنتهى الفيديو.. قال كارتال بخفوت: أعتذر لأنني لم أصدقك.. وهذا ما أقصده حين قلتُ لك أن الكبير يريدك أن تشكّ بكل شيء حتى بنفسك وأفعالك، رفع صالح بصره نحو وجه الآخر وابتلع ريقه بخفه ليردّ: هل تريد مني أن أصفق لك أم ماذا؟، ابتسم كارتال بحزن بينما أردف صالح سائلاً: كيف حصلت على هذا الفيديو؟، أشار الآخر إلى سافاش وهو يقول: عندما أخذناه من الكوخ قبل ثلاثة أيام واستجوبه أحد رفاقي بعنف، دلّنا على مكانٍ يخصه كانت مكتبة صغيرة مليئة بالكثير من الرسومات القبيحة، وجدنا على حاسوبٍ كان هناك ملفات عن تجارب أدوية وما شابه وكان هذا الفيديو من ضمنها.. والأهم بالنسبة لي، مسح صالح وجهه وأسنده رأسه إلى الخلف متنهدًا بضيق.. وماهي إلا لحظاتٍ حتى هتف كارتال ببرودٍ يشي بالندم: لو أخذتك معي في تلك الليلة حين تركتُ منزل عبدالله.. لأنقذت نفسي وأنقذتك من كل هذا، نظر صالح ببطء إلى الآخر ليهتف: حقًا؟، أشاح كارتال ببصره ثم أشعل سيجارةً أخرجها من جيبه دون تردد، بينما أردف صالح وقد عاد يسند رأسه متأملاً السماء فوقه: أنظر كم عمرك.. وأنا كم عمري! أصبح لدي أبن الآن.. ابن في السادسة من عمره، نحن لم نعُد أولئك الصغار، قالها صالح دون إنفعال.. دون استهزاءٍ أو تهكم فقط حقيقة خرجت منه كما هي، أدار بعدها رأسه ونظر إلى كارتال مجددًا ليُكمل: أنا لم أعُد ذلك الطفل الذي كنت تساعده، ولا أنت ذلك الشاب الذي ظنّ دائمًا أن الرحيل في كل مرة يكون حلاً، شدّ كارتال على قبضته ولكنه ظلّ صامتًا ينظر إلى صالح، ليواصل الأخير كلامه وقد ابتسم باستهزاء: تتحدث وكأن الزمن توقف عند تلك الليلة.. أكثر من عشرين سنة عشناها ومضت، أنا فعلتُ فعلتي وهربت ثم تمكنت من إنشاء حياةٍ جديدة لنفسي وأصبح لدي ابن.. وأنت مع الأسف لم تستطع، بل حتى الفتاة التي أحببتها.. ماڤي.. أظهرت لها نفسك بأبشع الطُرق لكي تتركك وتذهب، تراخت ذراع كارتال التي تحمل السيجارة بقهر حين ذُكرت حبيبته.. وكذلك لسماعه كلمات صالح هذه، تلك الكلمات ذاتها التي كان قد قالها هو سابقًا، مضت ثوانٍ ليقل بخفوت: وفي النهاية جميعنا دفعنا الثمن، نفى صالح برأسه وهو يردّ فورًا: تؤ.. أنا دفعت ثمن بقائي حيًا لكن أنت ومنذ تلك الليلة تحاول إعادة كتابة القصة، عقد كارتال حاجبيه بحدّه ليسأل: أي قصة؟، فأجابه الآخر دون تردّد: أنه لو أخذتني معك في تلك الليلة أو عدت مبكرًا لكان كل شيء أفضل وهذه كذبة..، ابتسم كارتال بسخريه ثم قال: وما هي الحقيقة إذن؟، هُنا نظر صالح إلى الآخر مطولاً، والآخر يُبادله النظرات منتظرًا الإجابة.. وبعد أن ابتسم صالح بخفه وبصدق هذه المرة، قال: الحقيقة أنك نادم.. ولا تزال تعيش في تلك الأيام بينما العالم قد تحرك منذ وقتٍ طويل، أنت حتى الآن تناديني بذلك اللقب وتطرق تلك الطرقات ال*** "ثم تلاشت ابتسامته وتنهد ببطء ليردف" أنت ما زلت هناك وأنا هنا.. وهذا الفرق بيننا، أطفأ الآخر سيجارته في الأرض بعنف ثم قال بنبرة استهزاء: كنتُ أظن انك ستفهمني، ليردّ صالح بهدوء: صدقني أفهمك، وأنا لا ألومك على رحيلك ولا حتى على تأخرك في المجيء قبل أن أقتل عبدالله وأولاده، لكنني ألومك لأنك عدت بعد كل هذه السنوات بطريقة بشعة، أجبرتني على العمل معك وهددتني بعائلتي حتى لو كنتَ مجبرًا وقتها، خطفت وهددت أبناء أخي.. ومع كل هذا تريد أن تُصلح الماضي بينما أنا أحاول حماية ما بقي من حاضري، ولأقول لك؟ كلٌ منّا مسؤول الآن عن ما يفعله اليوم لا عن ما لم يفعله قبل عشرون سنة، ساد الصمت للحظةٍ طويلة حتى قال كارتال وهو يعتدل واقفًا: ما زلت تتحدث كثيرًا كما كنت في صغرك، ثم مسح وجهه بغضب ليردف: ولأقول لك أنا؟ ربما لم أعُد ذلك الشاب الذي لم يملك أبدًا رفاهية اختيار الطريق، وربما فعلاً ما زلتُ سجين تلك الليلة وتلك الغرفة المظلمة التي قتلتُ فيها والدي، لكن كما قلت يا ابن الحاضر فلنفكر الآن في القادم ولنعمل معًا للوصول إلى ذلك الكبير، ثم أردف لحظة دخول جومالي وياماش ومن خلفهما وليّ: سألتني ماذا أريد منك؟ أريدك أن تثق بي مجددًا، تقدم الآخرون باستغراب بينما أكمل كارتال وهو يُشير إلى سافاش بعد أن رمقهم بسرعة: هذا يجب أن يموت قبل الغد.. اقتلوه بأبشع طريقة ولكن ليس قبل أن يتكلم ويخرج ما بجعبته، ثم خطى حتى كاد يتجاوزهم لكن جومالي أوقفه دافعًا إياه وهو يقول بغضب: إلى أين؟ دوار البحر قد غادرني ولن تذهب سالمًا الآن، دفعه كارتال بالمثل وهو يقول بحدّه: لا تعبث معي، واتجه فورًا نحو السلالم ليغادر المستشفى بأكمله، وقبل أن يلحق به جومالي غاضبًا صرخ صالح وهو يستقيم ببطء: دعهُ يا أخي، وقف ياماش أمام صالح وقد ثبّت بصره على الممدّد أرضًا ثم رفع نظره إلى ابن أبيه ليقل: ألم أقل لك ارتح قليلاً؟، وأتبع جومالي على كلام ياماش: اجل يا هذا لماذا نجدك على الأسطح هل جننت؟، ابتسم صالح بخفه ليقل: احاول اكتساب بعض عاداتك الغريبة أيها الأخ الكبير، فعل جومالي حركة فمه المعتادة ثم التفتوا ينظرون إلى سافاش وبعدها إلى وليّ الذي سأل: كيف وجده كارتال؟، أخبرهم صالح بشكلٍ مختصر.. حتى قال جومالي بحدّه: إذن دعونا نُنهي الأمر ونقتله هنا، ليهتف ياماش وصالح في نفس اللحظة: مستحيل!، فقال جومالي بغضب مخاطبًا صالح: كاد يقتلك اليوم ياهذا! وتريد إبقاءه حيًا حتى الصباح ليهرب مرةً أخرى؟، هُنا قال وليّ: ما يقوله صالح صحيح.. يجب أن نستجوبه فقد قال انه يعلم هوية الكبير، صمتوا لوهلةٍ حتى تقدم صالح وهو يمدّ ذراعه السليمة ليلتقط المقص من أيدي ياماش ببرودٍ مخيف، ثم حدّق في سافاش ليقل بهدوء: هذا لن يموت حتى يدفع ثمن كل سوءٍ فعله وخصوصًا لأبني، لاحقًا.. وعلى مشارف الصباح.. كانت الممرضة تغيّر الضماد الخاص بذراع صالح حتى دخل فريد برفقة الطبيب الآخر وجومالي الذي لم يغادر طوال الليل، بل بقي يجوب أرجاء المستشفى كما فعل جيلاسون قبله، تقدم فريد وضيق عينيه ليسأل: هل ارتحت جيدًا؟، أومى صالح وهو يصرّ على أسنانه حين شدّت الممرضة الضماد، ليهتف الطبيب الآخر: مع الأسف لن نستطيع إجراء العملية اليوم، مسح جومالي رأسه بقوة بينما ابتسم صالح بسخريه ثم قال بخفوت وهو يزفر ببطء: كنت أعلم.. جسدي دائمًا يختار التوقيت الخطأ، صمت الطبيب بينما قال فريد بهدوء: جسدك منهك وليس في حالٍ ليختار شيئًا، لم يردّ صالح وهو يراقب ذراعه بينما قال جومالي: هل تشرحون بشكل أوضح؟، ليتكلم الطبيب بهدوء: الأمر بسيط بالنسبة للجراحة، ولازال جرح الذراع مستقر والنزيف متوقف، لكن جسده مرهق إلى حدٍ لا يسمح لنا بالمخاطرة الآن كما قال طبيبه فريد وهو من سيتولى شرح الأمر لكم بشكل أوضح، فالقرار في النهاية يعود إليه وإن رأى أن حالتك تسمح بالخضوع للجراحة، فستُجرى لك في أقرب وقت ممكن، ثم تراجع وهو يغادر الغرفة مع نظرات جومالي القلقة حين تقدم فريد وهو يقول: جسدك رغم الراحة التي نالها بالأمس لا يزال منهكًا وأعصابك كذلك، وضغطك الذي تم قياسه قبل قليل كان منخفضًا قليلاً، إضافةً إلى مرحلة تخفيف الأدوية التي تمرّ بها، وأنا قلت لكم بالأمس إدخالك الآن لعملية حتى لو كانت بسيطة قد يفتح بابًا لمضاعفات نحن في غنى عنها، ظلّ صالح صامتًا وجومالي أيضًا حتى دخل ياماش وهو يقول حين رآهم سويًا: اووه اجتمعتُم بدوني، ولم يلبث أن تراجعت ملامحه حين لاحظ ملامحهم المحبطة، ليهتف سائلاً فريد: هل هناك شيء؟، نفى الآخر برأسه ثم قال: كما قلتُ بالأمس سنضطر لانتظار فترة أطول ربما تصل إلى عشرة أيام حتى يستقر وضعه قبل أن يخضع للعملية، تنهد ياماش بخفه ونقل بصره نحو ابن أبيه ليراهُ شاردًا في ذراعه وقد شدّ على قبضته السليمة.. ليقل مازحًا يحاول رفع معنوياتهم: ابن أبي تحمل شظية في رأسه لثلاثة سنوات.. ألا يستطيع الآن أن يتحمل رصاصة بسيطة؟، هُنا قال صالح بخفوتٍ ساخر: ها ها اجل صحيح، ثم رفع أنظاره نحوهم ورمقهم بحدّةٍ هذه المرة ليقل: ضحكنا.. واستمعنا وسخرنا ولكن يكفي.. "ثبت بعدها بصره على فريد ثم أردف" أخرج هذا الرصاصة من يدي، عمّ السكون لثوانٍ بعد كلمته هذه.. نظر ياماش إلى جومالي الذي أغمض عينيه وكأنهما كانا يعلمان جيدًا أن هذه هي نهاية السخرية التي لازمت صالح طوال الأمس، تقدم فريد خطوتان ليقل بهدوء ولكنه حازم: اسمعني يا أخي صالح.. أنت قوي وتتحمل وأنا أعرف هذا، لكننا نحن الأطباء ندرك تمامًا ونحسب حساب أن أصغر سبب ولو بدا تافهًا قد يتسبب بكارثةٍ كبيرة، مسح صالح وجهه بينما أكمل فريد: التخدير ليس أمرًا سهلاً كما تعتقدون، عمّ الصمت مجددًا وقد تنهد صالح بعمق ليقل فريد هذه المرة بلين: أنا فقط أريدك أن تدخل إلى العملية وأنت قادر على الخروج منها واقفًا كما دخلتها لا منهكًا أكثر مما أنت عليه الآن، نظر صالح لوهلةٍ ثم أومى بقلة حيله، فابتسم فريد وتراجع وهو يقول: سآتي لأطمئن عليك مجددًا، ليقل صالح: بعد أن أخرج لساعتين لدي عمل، ولم يكاد فريد أن يبدأ بالرفض والعتاب حتى قال ياماش: عندي.. أمر بسيط يجب أن ننجزه خارج المستشفى ثم سنعود، صدقني لو كان بيدي لما أخرجته لكنه عنيد، رفع فريد يديّه استسلامًا وهو يقول بنبرة تحذير: ساعتان فقط لا أكثر ودون أي مجهود يُذكر، وإن شعرت بدوار أو ألم غير معتاد تعود فورًا دون نقاش، خرج بعدها برفقة الممرضة التي أنهت عملها.. ومن ثم خرج ياماش وهو يقول مخاطبًا أخويّه: أنا أنتظركما في السيارة فـ متين يقول أن ذلك الحيوان قد بدأ يستيقظ، وما إن أغلق ياماش الباب ونهض صالح نحو الطاولة ليلتقط سترته حتى هتف جومالي: هل ستثق في ذلك ال*** كارتال؟، توقف صالح مكانه للحظة حين سمع سؤال أخيه.. وراح يفكر في الحديث الذي دار بالأمس بينه وبين كارتال.. ثم اعتدل ووضع سترته على كتفيه وهو يلتفت نحو أخيه ليُجيب: ذلك ال*** أنقذك، فعل جومالي حركة فمه المعتادة ليقل: والله يعلم ما هي غايته الحقيقية، لم يُجيب صالح وهو يتفقد هاتفه بينما صمت جومالي وهو يقلّب أعينه ليردف: اووه.. صحيح نسيت أنه الرجل البطل الذي ينقذ الجميع بدافع الخير، تنهد صالح بانزعاج ليقل: حبًا فالله أصمت لستُ في مزاجٍ للعراك، وذهب متجاوزًا أخيه الذي مسح وجهه بحدّه وهو يهمس: قليل الأدب..
––––––––––––––––––––
منزل العائلة..
خرجت داملا برفقة ليلى وإدريس ليُقابلهم جيلاسون الذي هتف فورًا حين رأى الصغير: أخي صالح خرج من المستشفى وسيأتي إلى المنزل بعد قليل لبعض الوقت فلا داعي لذهابكم يا أختي ليلى، عقدت الأخيرة حاجبيها لتسأل: كيف؟ ولماذا خرج؟، بينما قال إدريس وهو يتقدم أكثر حتى وقف أمام جيلاسون: هل خرج أبي حقًا؟، ابتسم جيلاسون وانحنى على ركبتيه ليصل إلى مستوى الصغير وهو يُجيب: خرج لساعتين فقط.. سيراك ثم سيعود فهو لا يريدك أن تتعب وتأتي إلى المستشفى، لتقل داملا بخفوت تُخاطب ليلى: لقد أمسكوا بذلك الرجل وبالطبع سيتعاملون معه في أسرع وقت، نظرت ليلى إلى جيلاسون للحظة ثم قالت بخفوت: سافـ..؟، ولم تكمل الأسم حتى أومى جيلاسون بصمت فتصلّبت ملامحها لوهلة، لاحقًا.. ذهبت داملا برفقة محمود الذي سيوصلها إلى المستشفى لتطمئن على ياسمين بينما شدّت ليلى على ذراع إدريس برفق وأعادته إلى المنزل، ثم رأت جيلاسون الذي دخل خلفهما يصعد بهدوء إلى الأعلى فلم تتردد لتصعد خلفه بسرعة، دخلت إلى غرفة صالح تحديدًا لترى جيلاسون يفتش الأدراج الصغيرة ومن الواضح أنه يبحث عن شيء، ودون أن تتفوه بكلمة تقدمت نحو إحدى سترات صالح.. تلك السترة التي كان يرتديها عند عودتها من ذلك الكوخ وحين سلّمته السلاح الذي دافعت به عن نفسها، كانت تعلم جيدًا ما يبحث عنه جيلاسون الذي نظر إليها باستغراب حين أخرجت سلاح سافاش والتفتت إليه لتقل: صالح يريد هذا السلاح أليس كذلك؟، أومى جيلاسون بصمت ودهشة لتقل هي: إذن.. أنا من سيُعطيه إياه..
––––––––––––––––––––
زنزانة الحفرة..
فتح سافاش عينيه وهو يشعر بأنه قد استُنزف تمامًا.. كان يتصبب عرقًا من حمى أصابته حتى جعلت جسده بالكامل يرتعش من البرد، ثوانٍ قليلة ورفع رأسه ليجد نفسه جالسًا مقيدًا على ظهر الكرسي، وقد لُف حبلاً سميكًا حول معدته وصدره دون ذراعيه لتثبيته بإحكام، حاول تحريك أصابعه لكنه لم يشعر بها بل شعر بثقلٍ غريب وكأن يده قد انتهت عند معصمه، والضوء المسلّط فوق رأسه كان يمنعه من الرؤية بوضوح في البداية، لكن حين استقر بصره.. وجد نفسه يواجه انعكاسًا مرعبًا في مرآةٍ ضخمة نُصبت أمامه مباشرة، تجمد جسده وهو يشاهد ذلك المسخ القابع في المرآة.. لم يعُد ذلك الرجل الذي يفتخر بهيبته وعجرفته وشعره الطويل، بل وجد رأسًا حليقًا وأملسًا أظهر جلدة رأسه العارية التي لم يعتد رؤيتها، اخفض فورًا بصره بذعر نحو عنقه لتتسع عيناهُ أكثر وهو يرى الضمادات التي تغطي رقبته بالكامل.. لقد أُنتزع جلده وسُلخ ذلك الوشم وكأنهم محوا هويته قبل أن يمحوا وجوده، تسارعت أنفاسه بخوفٍ وهلع ولكن لم ينتهي.. بل الصدمة الكبرى كانت حين رفع يديه المقيدتين ليمسح وجهه، فصرخ صرخةً هزت أنحاء الزنزانة بالكامل حين اكتشف أن أصابعه جميعها قد فُقدت.. وضُمدت بقايا كفيه بضمادٍ أبيض تلطّخ ببقايا دماءٍ جعلتهُ ينهار كليًا، ليصرخ بصوتٍ مبحوح وهو يقول: ال*** ماذا فعلتم بي!، لحظاتٍ مضت وهو ينتحب على حاله حتى سمع صوت خطواتٍ تقترب منه، حينها رفع رأسه مرةً أخرى بسرعة وأُبعدت المرآة من قِبل متين وميكي، ليرى الأخوة برفقة وليّ يتقدمون نحوه ببرود، ليعاود الصراخ هذه المرة بشكلٍ أكبر وهو ينظر نحو صالح بملامحٍ احمرّت من الغضب والقهر: اللعنة عليك يا هذا! اللعنة عليك!! ستندم أقسم أنك ستندم على كل هذا يا ***، تقدم الأخوة دون أن يتفوه أحدٌ منهم بكلمة، جلسوا على كراسي وضعت بالقُرب من المقيّد أمامهم، واستند وليّ بكتفه على قضبان الزنزانة بهدوء، عاود سافاش الصراخ وقد اختلطت دماء وجهه بدموع الذُل التي انهمرت على وجنتيه: اقتلوني أيها ال***! لماذا تتركوني هكذا؟، هُنا قال صالح وهو يمرر أصابعه على حمالة ذراعه المصابة مركزًا نظره عليها: إن كنت تريد الموت سريعًا فـ تكلم بكل ما تعرفه عن كبيرك، صمت سافاش وهو يلهث بقوة وماهي إلا لحظاتٍ حتى ضحك بشكلٍ هستيري، ظلّ يضحك والأخوة ينظرون ببرود، ليقل من بين ضحكه: أنت أضعت هذه الفرصة سابقًا، ومستحيل.. مستحيل أن تنتزع مني كلمة واحدة، ابتسم الثلاثة بهدوءٍ واستهزاء.. بينما تقدم وليّ ليقل مخاطبًا الأخوة: ماذا سنفعل إذن؟، هُنا قال ياماش وهو يرتخي على كرسيه مثبتًا بصره على سافاش: سيتكلم.. فليس لديه خيارًا آخر، ثم التفت نحو صالح ليردف: هل أخبرتهُ أن الكبير كان ينوي قتله في ذلك الكوخ لولا أن كارتال سبقه وأخذهُ من هناك؟، نظر سافاش بعدم فهم بينما أدرك صالح أن ياماش يكذب ليُرغم الآخر على الاستسلام والتحدث، ليقل سافاش وهو يسعل قليلاً: لستُ غبيًا لتكذب عليّ، ثم أدار رأسه ونظر إلى صالح تحديدًا وهو يتنفس بتقطع ليردف: ماذا تريدني أن أخبرك؟ اسمه؟ هويته؟ عمله القانوني والغير قانوني؟ أم خُططه التي كتبتها أنا لينتقم منك؟، لم يجد أي إجابةٍ منهم بل نظراتٍ صامتة وبارده لأبعد حد، فأردف بسخريه: ألهذه الدرجة يا فارتولو؟ وأنت من قضيت على أعدائك واحدًا تلو الآخر لا تستطيع الوصول إلى الكبير؟ ألهذه الدرجة أنت عاجز الآن؟، ظلّت نظرات الأخوة كما هي حتى انحنى صالح إلى الأمام قليلاً واتكئ بذراعه السليمة على طاولةٍ كانت أمامهم، ليقل بخفوت: دعني أقول لك باختصار.. إن تكلمت ستخون رجلاً لم ولن يتردّد يومًا في التخلي عنك كما تخلى عن من سبقوك، وأنت تعرف كنان بالتأكيد وما الذي حلّ به، وإن صمّت ستموت من أجل رجلٍ *** لن يذكرك وسيستبدلك فورًا هذا إن لم يكن قد فعل اصلاً، نظر سافاش قليلاً ليقل بخفوت وهو يلهث: أنا من جعل الكبير يقتل كنان إن كنت لا تعلم..، رمقه الآخرون بلا مبالاة ليردف هو: اقتلني.. اقتلني أليس هذا ما تريده؟، أومى صالح بهدوء وهو يعود ليرتخي على الكرسي قائلاً: فعلتُ كل ما أريده.. قصصتُ أصابعك.. حلقتُ شعرك.. نزعتُ وشمك.. وسأقتلك بطريقةٍ بشعة إن لم تتكلم، أما إن تعاونت وتكلمت فـ ستموت برصاصةٍ هادئة وسريعة من مسدسك الذي سيحضره أحدهم بعد قليل "ثم رمق أخويّه بهدوء ليردف" ألسنا كرماء؟، هُنا تكلم جومالي الذي كان صامتًا طوال الوقت يطرق بأصابعه على الطاولة بحدّه: كرماء وجدًا.. وإلا لكُنا قطعنا أطرافك أيضًا برفقة أصابعك أيها الحيوان الصغير، تقدم في لحظتها ميكي وهو يحمل بين ذراعيه علبة كبيرة بعض الشيء مليئةٍ بالوقود، ليقل ياماش وهو يُشير إليها: هذه هي الطريقة البشعة التي قالها صالح ليكن بعلمك، نقل سافاش أنظاره بينهم فردًا فردًا ثم قال بعد لحظة وقد ثبّت بصره على صالح: الموت إحتراقًا هاا؟، أومى الأسمر ببرود ودون أن يرّف له جفن.. وعلِم سافاش أنهم يعطونه مهلة ليفكر.. مضت ثوانٍ ليقل: سيارتي القديمة.. مرسيدس جي كلاس ورقم لوحتها ^^^ ستجد تحت المقعد صندوق مخفي يحوي فلاشات منسوخة لي أنا خصيصًا تُجيب على أسئلتك ولن أقول لك أكثر من ذلك، التفت ياماش نحو صالح ليقل: هل هذا يكفي؟، نظر الآخر إلى ابن أبيه ثم رفع كتفيه بخفه وبرود، بينما ظلّ بصر جومالي ثابتًا بحدّه على سافاش الذي قال بإرهاق: حسنًا.. أسمه عدنان، والباقي ستجدهُ في تلك الفلاشات والآن اتركني، ضيق صالح عينيه بسخريه ليقل ياماش وهو يستقيم: برأيي يكفي.. فلنُنهي هذا الأمر، استقام الثلاثة تحت أنظار سافاش المذعورة وهو يُحدق في علبة الوقود التي يحملها ميكي، تقدم وليّ مع سؤال صالح الذي يُناقل أنظاره بينهم: هل لدى أحدكم سيجارة؟، فعل جومالي حركة فمه المعتادة وهو يخرج علبة سجائر من جيبه وناولهُ وليّ ولاعة أخرجها من جيبه هو الآخر، ليقل صالح وهو يرمق علبة السجائر: حقًا أندهش من نفسي.. لم أدخن أي سيجارة طوال الأيام الماضية، إذن فليكن شرف هذه لك يا عديم الشرف، نفى جومالي فورًا بحاجبيه وهو يقول: أنا من سيُشعلها حرصًا على صحتك يا أخي الجميل، صمت صالح وتراجع ببطء إلى الوراء برفقة ياماش بينما أشعل جومالي السيجارة ووليّ إلى جانبه مع تقدم ميكي الذي راح يُفرغ كامل الوقود الموجود في العلبة على رأس سافاش الذي هتف صارخًا: تكلمت أيها ال*** قلتُ لك أسمه ألا يكفيك هذا؟، لم يجد ردًا من أحد سوى رذاذ الوقود الذي تسلل إلى فمه وأجبره على السعال بعنف، التفت جومالي لوهلةٍ نحو صالح الذي ظلّ ينظر ببرود، ثم تقدم وهو يمدّ السيجارة نحو شفتي أخيه قائلاً: نفسًا واحدًا لأجل خاطرك، هُنا ضحك صالح وابتسم ياماش.. ثم تلاشت ابتسامتهم حين قال أصغرهم وهو ينظر إلى سافاش الغارق بالوقود: ما نعرفه نحن.. هو أن رفع اليدّ على الأبرياء ممنوع، ليقل صالح بعد أن أخذ نفسًا من السيجارة: هذا واحد، أكمل ياماش: لقد لسمت ابن أخي.. وليلى التي أصبحت تعنينا، ليتبع صالح: وهذا إثنان، تراجع ياماش خطوتين ثم واصل: ويجب أن تموت "التفت إلى صالح بمزاح ليردف" هل هذا ثلاثة؟، عقد صالح حاجبيه وهو ينظر لثانيةٍ ثم قال بمزاح وهو يومي بخفه: اجل ثلاثة، تراجعوا بعدها أكثر والمقيّد ينظر إليهم بخوف، وهذا الخوف جعلهُ يتصنع الشجاعة عندما قال: اقتلني.. فـ لم يعُد لدي شيئًا لأخسره، حتى ليلى أخذتها أنت مني، ودون تردد.. ودون أن يسمعوا أي كلمة أخرى رمى صالح السيجارة بالقُرب من سافاش وفي اللحظة التي لامست فيها السيجارة الوقود سُرعان ما اشتعل الهواء دفعةً واحدة واندلعت النار وتزامنت مع صراخ سافاش الذي دوى في أرجاء المكان بأكمله.. تراجعوا بخطواتهم أكثر وأكثر وكان أول من أدار ظهره إلى النار هو صالح.. وما أن أدار ظهره ورفع رأسه حتى وجدها واقفة تنظر وعيناها مثبتتان على النار وعلى من لم يتوقف صراخه أبدًا، تجمد هو في مكانه ثم تقدم بسرعة نحوها وهو يرمق جيلاسون الذي يقف بجانبها بغضب، أمسك بذراعها برفق وأخرجها من الزنزانة بأكملها.. وهي لم تقاوم بل مسحت وجهها بخفه وسألت حين خرجوا إلى ضوء الشمس: هل مات؟، لم يُجيبها هو فورًا.. بل ترك ذراعها ببطء وشدّ على قبضته السليمة، فـ لم يكن ينبغي لها أن ترى كل هذا.. بينما ليلى كانت واقفة بثباتٍ مخيف وعيناها معلقتان على الباب الزنزانة حتى سمعت صالح يُجيب على سؤالها بخفوت: اجل.. مات، لم يظهر على ملامحها شيء في البداية، فقط أومت إيماءةً صغيرة بالكاد تُرى ثم أغلقت عينيها لثوانٍ.. وكأنها تستوعب أن كابوسها الذي طاردها قد انتهى واستفاقت منه بلا أضرار.. ودون أن يُصيب من تُحبه شيئًا، تنهدت بخفه ثم أخرجت سلاح سافاش من حقيبتها، لم تُسلمه لصالح.. بل ألقته بعيدًا وهي تقول: انتهى، ظلّ الأسمر صامتًا حتى خرج البقية من الزنزانة وهم ينظرون بهدوء.. ليقل ياماش وهو يتقدم نحوهما: دعونا نذهب إلى المنزل..، وهُنا كلاً منهم ذهب وصعد إلى سيارته.. وتقدمت ليلى حتى أمسكت بكفّ صالح وشدّت عليه ليُبادلها الآخر بهدوء حتى قالت وهي تنظر إلى عينيه: أنت مُدين لي بكوب قهوة.. هل ستُوفيه بما أن من عرقلهُ ذلك الوقت قد مات؟
إلى اللقاء في البارت القادم..

لا يوجد سوى الألم..حيث تعيش القصص. اكتشف الآن