Part 49

386 24 19
                                        

"جئتُ لنسرق لحظة هدوءٍ من هذا العالم"
كانت الورشة غارقة في صمتٍ ثقيل إلا من صوت أنفاسٍ متسارعة تتردد بقوه وسلاحًا يرتجف بين أنامل مُثقله.. جلس اكين أرضًا إلى الجدار وسلاحه في يده مرفوع نحو رأسه "أفعلها أيها الجبان.." تمتم بها بخفوتٍ وهو يبتسم ثم أغمض عينيه وكأنّه ينتظر رصاصةً تُريحه من كل هذا، وفي الخارج كان صوت الطرق العنيف لا يزال يتردد بقوه، فاشتدّ أصبع اكين على الزناد ولم يتبقى بينه وبين نهايته سوى أنفاسٌ قليلة.. لكن في لحظةٍ مباغته اندفعت قوةٌ نحوه اسقطت السلاح حتى ارتطم وانزلق بعيدًا من يده واسقطت اكين أرضًا على أثر قوة إندفاعها، شهق بقوه والتفت بسرعه ليجد كاراجا تُبعد قبعتها السوداء وهي تنظر بأعينٍ كالشرار، وسُرعان ما قالت: هل هكذا ستحل الأمر أيها الأحمق؟، أنزل اكين بصره ووجههُ مشحون بالألم وكأن كلماتها قد هزتهُ من أعماق روحه، حاول أن يستعيد أنفاسه لكنه ظلّ متسمرًا في مكانه وهو تائهًا بين الخوف والندم، بينما الأخرى التي تنظر بحدّه وغضب تقدمت خطوة منه وهي تتُبع: أتظن أن الموت سيُريح ضميرك؟، ليقل اكين بصوتٍ يرتجف وهو يحاول النهوض: لا سبيل لي سوى هذا..، لترّد الأخرى بنبرةٍ مرتفعه: أصمت! لا تتحدث كأنك الوحيد الذي يحمل وزرًا! كلنا نحمل أوزارنا لكننا لا نهرب إلى الموت كالجبناء، ليقل اكين فورًا وهو يضرب الأرض بقبضته: أنا لستُ جبانًا!، وفي تلك اللحظة توقف صوت الطرق العنيف على الباب وساد صمتٌ مفاجئ، التفتت كاراجا بسرعة نحو الباب وبالمثل اكين الذي كان لا يزال على الأرض، رفع بصره ببطء وقلبه يخفق بقوة، تقدمت كاراجا بسرعه وامسكت اكين تحاول رفعه وهي تقول: سنذهب بسرعه، نظر الآخر بغرابة واستهزاء، وقبل أن يتفوه بكلمه وقبل أن تحاول كاراجا الخروج باكين لكيلا يواجه أعمامه الآن فُتح الباب فجاءه ودخل جومالي كالإعصار، تقدم وهو يُبعد أحد الكراسي من طريقه بعُنف وعينيه على أبن أخيه، بينما الأخير ثبت مكانه وهو ينظر إلى الأرض، حاولت كاراجا أن تقف أمامه ولكن جومالي صرخ وهو يقول: أبتعدي من أمامي!، توقف أمام اكين مباشرةً ونظر إلى عينيه التي تتحاشاه، ظلّ ينظر لثوانٍ ثم رفع يده بعنف ورفع فكّ اكين حتى جعلهُ ينظر إليه، وقبل أن يفتح جومالي فمه بسؤال بل حتى قبل أن ينطق بكلمة، قال اكين باستسلامٍ غريب: فعلت..، امال جومالي برأسه وقد ضيّق عينيه التي امتلئت بدموعٍ متجمده ترفض النزول، ليهمس وكأنه ليس جومالي بل شخصًا آخر: لماذا؟، لتقترب كاراجا قليلاً وهي تقول: ليس الآن ياعمـ..، قاطعتها صرخة جومالي الذي قال: أصمتي، أبتعدت لمكانها وهي تمسح رأسها بتوتر، ليقل اكين: فعلتها.. أنا من أنقذ يوجال من ذلك الحريق ليعود وينتقم، وأنا من سمح لآزار بمحاولة قتلكم في السجن، وأنا من حاول قتل عمي ياماش مرارًا، وأنا من كان شريكًا في مقتـ..، صمت وهو يضرب صدره بخفه وقد ضاقت أنفاسه ليصفعه جومالي بقوة جعلتهُ يسقط أرضًا، وحين تقدمت كاراجا نحوهم منعها سلاح جومالي الذي أخرجه بلمح البصر ووجهُ نحو اكين، لتصرخ فورًا وهي تقول: لا ياعمي!، ليصرخ جومالي ولم يسمعها: وتقولها بكل جرأة أيها ال***؟، لتلتفت كاراجا حين سمعت مكابح سيارةٍ ما، فرأت سيارة صالح وهو يترجل منها بسرعه وكأنه يُسابق الوقت، لتتسع أعينه حين رأى أخيه يوجّه سلاحه نحو اكين فتقدم بخطى متسارعه حتى وقف على مقربة منهم ليقل بهمس: إياك يا أخي!، ليقل اكين وهو يمسح دماء أنفه ويتنفس بقوه: اتركه ليفعلها يا عمي صالح، ليصرخ صالح: أخرس!، ليلتفت جومالي نحو صالح ليقل بعد ثوانٍ: منذ متى وأنت تعرف بأمر هذا الخائن؟، ليرّد صالح وأعينهُ على السلاح: أنزل هذا السلاح أولاً.. لاترتكب خطأً تندم عليه، ليقل جومالي وقد غزا الحقد ملامحه: أنا لا أندم على قتل قاتل أبي، تردد صالح لثوانٍ ولكنه قال جملتهُ التي كان وقعها أقوى من أي ألمٍ أو وجع: إذن أقتل قاتل أخيك أولاً، ناقلت كاراجا أنظارها بين أعمامها بقلق بينما مال جومالي برأسه وهو ينظر إلى صالح، وثوانٍ حتى أرتخت يده التي تُمسك بالسلاح فتنهد صالح بعمق ولكن جومالي أقترب منه ببطء ليقل نبرةٍ لم تكن صراخًا كعادته بل همسًا مشحونًا بشيءٍ أعمق من الغضب: أنت ماذا تريد مني يا صالح؟، ليقل صالح: أن تترك الولد وشأنه، رمى جومالي سلاحه بقوة مع دخول وليّ وتولغا وجيلاسون الذي لحقوا بهم، تفاجئ تولغا بوجود كاراجا وجيلاسون بالمثل بينما تقدم جومالي حتى مسّك ياقة صالح ليصرخ به بقوه وبصوتٍ متقطع من القهر: يقول أنه كان شريكًا.. في مقتل.. مقتل أبي!، أغمض صالح عينيه بألم بينما تقدم وليّ بصمت وكأنه يريد تهدئة الأمر ولكنه لا يستطيع ولا يجرؤ على ذلك، ليقل اكين يوجّه كلامه إلى صالح وقد نهض على قدميه بصعوبه: أنا ال*** فلا تحاول دفعهم عن فعل الصواب ياعمي، وعلى حين غرة أفلت جومالي صالح وأتجه نحو الآخر بغضبٍ كبير ولكمه بقوة مرة أخرى، ولم يكتفي بل الحقها بواحدة أخرى جعلت توازن اكين يختل لوهله، ومن ثم التفت وهو يلهث من الغضب وأعينهُ كالشرار يبحث عن سلاحه، فاندفع صالح بسرعة خاطفة نحو السلاح المتدلى على الأرض حين فهم مايفكر به أخيه، رماه بقدمه نحو وليّ الذي أسرع والتقطه بقلق، ليقل صالح فورًا: لن نُحاسب بعضنا البعض ونحن بهذا الغضب من بعد الآن، ألم تقلها أنت يا أخي؟ كلنا أخطأنا.. أنا وأنت وياماش، والآن لا تجعل اكين استثناءً، لم يرّد جومالي بل تراجع نحو اكين وقبض على عنقه بقوه، ليهرع صالح فورًا فأخرج جومالي سلاحًا آخر لايعلم صالح من أين أخرجه وخمّن أنه سلاح اكين، وفجاءة عادت اللحظة إلى صراعٍ بين الوقت والعقل، كان جومالي يضع فوهة السلاح على جانب وجه اكين، بينما الأخير يحاول جاهدًا ألا ينهار أكثر رغم أن كل شيء فيه منهارًا، كان جومالي يُمسك عنق اكين بيد ويضغط بالسلاح على رأسه باليد الأخرى، أنفاسه تتسارع وعيناه تتأججان بالغضب والخذلان والوجع، أما اكين فكان ساكنًا لا يقاوم لا يستنجد، فقط يُحدق نحو الأرض بنظرةٍ خاوية، رفع صالح يده بهدوء وهو يتقدم خطوة بهدوء ليقل برجاء: أرجوك.. لا تُكرر فعل هذا، لا تُكمل ما بدأه الآخرون، لكن الآخر لم يستمع أو لم يريد سماع ما قاله أخيه، فقال وهو يُقرب السلاح أكثر من عنق اكين: ماذا فعلنا لك لتفعلها؟ كيف فرطت بأبي ياهذا؟، وبلحظة تهور ركضت كاراجا واندفعت نحو عمها وهي تُبعد السلاح، فتراجع جومالي إلى الوراء مع تقدم صالح الذي حاوط أخيه بذراعيه فورًا وهو يقول بهمس: أرجوك لاتفعل، أعلم أنك غاضب لذلك لاتفعل، تجمد جومالي بينما تقدم وليّ وسحب اكين بسرعة وقلق ليُخرجه من الورشة بينما أشار تولغا بغضب إلى كاراجا لتخرج هي الأخرى، نظر صالح إلى وليّ ليُشير له الأخير بأن الأمر لديه، فخرجوا ناحية السيارة بشعور تعجزه عن وصفه الكلمات، فتح وليّ باب السيارة وأدخل اكين الذي أصبح كالتمثال يُقيدونه وكأنه في غير عالمه، أغلق الباب مع كلمة تولغا الذي قال يوجهّ كلامه إلى كاراجا: ماذا تفعلين هنا؟ وترمين نفسك أمام عمكِ المجنون ذاك؟، تجاهلتهُ كاراجا ولم تنظر إليه بينما بقيّ جيلاسون ينظر إلى اكين من خلف الزجاج بشيءٍ من الغضب، ليقل وليّ: أنا سأصطحب اكين وأنتما أبقيا هنا، ليقل تولغا فورًا: لا سنذهب إلى المنزل، قالها وهو يتقدم نحو كاراجا، وقبل أن يُمسك بذراعها أبتعدت الأخرى لتقل: إياك! أنا سأبقى مع اكين، ثم نظرت إلى وليّ لتقل: لنذهب إلى منزل عمي صالح خارج الحفرة فأنا أعلم أنهم لن يرغبوا برؤية اكين ابدًا، وذهبت تصعد إلى السيارة دون انتظار اي رد أو خوض أي نقاش، تنهد تولغا بقوه بينما قال وليّ وهو يزفر بقلق: أذهب يا جيلاسون إلى ياماش في المقهى.. لا تتركه لوحده، وفي الجهة الأخرى وعلى عتبة باب المقهى يجلس ياماش مطأطئ الرأس، يُحدق في يديه بهدوءٍ مُريب يختلط بصمتٍ ثقيل كأنه يحبس داخل صدره إعصارًا من الألم والخذلان، هل يضرب؟ هل يهدم؟ هل يكسر؟ أم أن الجرح هذه المرة أعمق من أن تُداويه الأفعال؟ كلما حاول أن يلتقط خيط أمل بسيط، فكرة تقول له أن الأمور قد تتحسن ولو بنسبة ضئيلة، تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن ويأتي شيء ما يكسر هذا الأمل ويجعله يبدو كسراب بعيد مستحيل المنال.. أبن أخيه! أخيه الذي كان يحبه أكثر من جميع أخوته، سليم الذي ضحى بنفسه فداءً للحفرة، الآن أبنه يخونهم جميعًا، قتل جده.. تعاون مع أعدائهم وقتل إدريس كوشوفالي وجرّ عمه ياماش إلى هاوية لا مفرّ منها حين أصبح قاتل أبيه، شعر ياماش بيد ميكي تربت على كتفه بخفه، رفع بصره بهدوء ليقل ميكي: لا تؤاخذني يا أخي ولكن الأمر عاجل، مال ياماش برأسه وضيق عينيه، ليقل ميكي: المستودعات..، بينما عودة إلى الورشة حيث لا يزال الأخوين على حالهما، قال جومالي بخفوت وهو يشعر بذراعي صالح تشّد عليه: كيف نظرت الى أعيننُا يا صالح؟ كيف نظرت الى عينيّ ياماش وأنت تعلم أن أبن أخيه كان سببًا في معاناته؟، لم يجب الآخر بل أبتعد عندما شعر بدوارٍ مُفاجئ، وذهب بخطواتٍ مترنحه وأستند على أحد الطاولات وهو يضغط على رأسه بعنف، ليُتبع جومالي الذي لم يتحرك من مكانه ولم يبرح نظره الجدار: كيف تُخفي عنّا شيئًا كهذا ياصالح؟، لم يجد جومالي إجابة سوى الصمت، ليقل مجددًا: هل تحميه وتدافع عنه لأنكما نفس ال***؟، التفت جومالي فجاءه عندما سمع صوت ارتطامٍ عنيف، فوجد الآخر ساقطًا على الأرض، ركض لا إراديًا وقد تلاشى غضبه وقهره عند رؤيته لأخيه على الأرض، جثى على ركبتيه ورفع رأس صالح فورًا يضرب وجنتيه بخفه وهو ينده بأسمه ولكن لا إجابة من الآخر الذي فقد وعيه فورًا لحظة سقوطه، صرخ ينده على الذين في الخارج، فدخل تولغا وجيلاسون بسرعه وهلع، تقدم تولغا يركض وهو يقول: ماذا فعلت له أيها المجنون؟، نظر جومالي بغضب وحدّه ليقل جيلاسون: ماذا حصل يا أخي؟، ليقل جومالي وهو يتفحص صالح وقد أتاهُ قلق أنه أصيب بشكلٍ ما، ولكنه لم يجد أي أثرٍ لدماء أو إصابه وأساسًا لم تُطلق رصاصة ابدًا، فقال تولغا وهو يحاول رفع صالح: اللعنه.. لم يأخذ دواءهُ، فدفع جومالي تولغا جانبًا وحمل أخيه بسرعه ليركض وراء جيلاسون نحو السيارة..
––––––––––––––––––––
مركز الشرطة..
في غرفة التحقيق وفي الجانب الآخر خلف الزجاج، ينظر معاون داهان إلى الأخير بحزن وقهر، بينما كان داهان ينظر إلى الطاولة بإبتسامة لم تزل من وجهه منذ دخوله لهذه الغرفة مُقيّد اليدين، مرتّ لحظات ليدخل أحد المحققين إلى الغرفة، تقدم وجلس أمام داهان بعد أن وضع الملف على الطاولة، نظر إليه داهان بهدوء وبرود، ليقل المحقق بعد أن تمعن في النظر إلى وجه الآخر قليلاً: الضابط داهان كارا برتبة نقيب في شعبة الجرائم الخاصه.. مُحال أن تكون جالسًا أمامي الآن كمشتبه به في جريمة قتل، رفع داهان حاجبيه قليلاً دون أن يفقد ابتسامته بينما فتح المحقق الملف بهدوء وهو يُتبع: قبل أشهر فقط، كنتَ على رأس العديد من العمليات الخاصة التي أطاحت بعصابات التهريب والمتاجرة الغير قانونية في البلاد، شهاداتك مشرفة ونتائج تحقيقاتك لا تشوبها شائبة.. والآن؟ أنتَ مشتبهٌ به في جريمة قتل عميد الشرطة السابق، نظر داهان بثباتٍ إلى عيني الآخر وكأن الأمر لا يعنيه، ليقل المحقق مجددًا وقد اسند ظهره إلى كرسيه: العميد سحب سلاحك قبل يومين من مقتله، وتم تسليم السلاح رسميًا إلى خزنة المركز، والآن ذات السلاح بذات الرقم التسلسلي وُجد بجوار جثته، ومن ثم أخرج ورقة من الملف ولوّح بها أمام داهان وهو يُكمل: هذه رسالة مكتوبة بخط يدّ العميد نفسه، يعبر فيها عن شكوكه تجاهك، "ثم قرأ منها بصوتٍ ثابت مسموع" أخشى أن داهان لم يعد كما عهدته.. تحركاته الأخيرة تُثير قلقي وأخشى أن يكون هناك ما هو أخطر من مجرد تجاوزات مهنية أنه متهور وينوي سوءًا تجاهي، ثم أغلق الملف ونظر إلى داهان مجددًا: وُجدت هذه الرسالة بجانب جثته.. لا أقول إنها دليل قاطع لكنها مربكة خصوصًا حين يُضاف إليها وجود سلاحك في موقع الجريمة، لم يُجب داهان بل نظر إلى يديه لثوانٍ ثم قال: وأنت يا حضرة المحقق أتعلم ما هو المُربك حقًا؟ أنتم تملكون أدلة صحيح.. لكنها مريحة جدًا جدًا ومنسقة جدًا، وكأن شخصًا ما أراد أن نراها دون جهد اليس هذا بحد ذاته يثير الشك؟
=صحيح.. ولكن لم تخبرنا أين كنت ليلة وقوع الجريمة؟
–أنا التزم حقي في الصمت فقط
="بعد أن نظر مطولاً" عميد الشرطة يُقتل في منشأة مهجورة وتُزرع بجانبه رسالة مكتوبة بخط يده وسلاح رسمي خاص بك، والمفارقة؟ ذلك السلاح سُلّم إلى خزنة المركز قبل يومين بقرارٍ رسمي من نفس الضحية وهو العميد، وهذه مفارقة لا تحدث إلا إذا كان أحدهم.. أرادك متهمًا، ثم فتح الملف بلمح البصر وأخرج عدّة صور، وضع الأولى أمام داهان وهو يقول: هذا أنت في مكتب العميد قبل أيام.. دار بينكما نقاش حاد وخرج عن السيطرة حتى أنك حاولت التهجم عليه لولا معاونك الذي أمسكك في اللحظة الأخيرة ومنعك، ثم وضع الصورة الثانية ليُتبع: وهذا أنت بالأمس في الساعة الخامسة مساءً في شقتك برفقة معاونك، ثم وضع الصورة الثالثة: وهنا تخرج من شقتك مع غروب الشمس، صمت لحظة قصيرة ثم وضع صورة رابعة وقال بنبرة أثقل: وهذا أنت في محطة بنزين عند الساعة الحادية عشرة مساءً.. أي بعد مقتل العميد بساعة حسب توقيت الوفاة الذي قدّره الطبيب الشرعي، ظلّ داهان صامتًا ينظر إلى الصور بسخرية دون أن يلمسها بينما أردف المحقق: أعطني تفسيرًا واحدًا منطقيًا لاختفائك خلال الساعات الخمس الماضية قبل أن تظهر فجاءة في محطة البنزين، أعاد داهان ببصره إلى الآخر ليقل بهدوء: وهل لديك تسجيلات تُثبت أنني كنت في موقع الجريمة؟
=لا.. لكن قُربك الزمني والمكاني ووجود سلاحك والرسالة كافٍ لتحريك الشك
–الشك؟ الشك مرحلة أولى في تحقيقٍ لجريمة لكنه ليس حُكمًا، وأنت قلتها بنفسك.. سلاحي كان مُسلّمًا رسميًا للمركز والرسالة كُتبت بخط يد العميد لكن هل تأكدتم أنها كُتبت فعلاً قبل وفاته؟
=تقصد أن الرسالة مزوّرة؟
–لا.. لا أقصد شيئًا أنا فقط أطرح سؤالاً لم تسألوه أنتم بعد
="بعد لحظة صمت" هناك من يريدك في هذا الموضع أيها النقيب داهان.. وأنا لا أظن أنك أحمقًا حتى ترتكب جريمة بهذا الوضوح وتترك كل هذه الخيوط خلفك، ولكن أخبرني فقط بشيء واحد.. من تعتقد أنه يقف خلف هذا؟، صمت داهان ولم يُجيب فاستقام المحقق وهو يهم بجمع الصور وأعادتها إلى الملف ليقل بعدها: سأُمهلك حتى الصباح وبعدها سيُعرض ملفك على النيابة وإذا لم تقل شيئًا قبل ذلك..، صمت قليلاً ليُكمل: أنت تعرف الباقي اساسًا لا أحتاج لإعلامك، أبتسم داهان ورفع يده بتحية خفيفه وكأنه يسخر ويشكر في نفس الوقت..
––––––––––––––––––––
الحفرة..
وقف ياماش في أحد مستودعات الحفرة، وقف أمام صناديق تحمل أسلحة بمختلف الأنواع والأشكال ثقيله وخفيفه، وصناديق أخرى تحمل أعدادًا ليست بالقليلة من طرود المخدرات، وعلى طرف المستودع جثة رجل غريب، ليقل ميكي: الرجل حاول قتل كنان يا أخي ولكننا تصرفنا قبله، ولكن هذه البضاعة لم تُكن هنا حين أحضرنا بضاعتنا اليوم، هذه ليست لنا، ليبتسم ياماش وهو يقول: البضاعة المسروقه..، تبادل الشباب نظرات قلق من حوله بينما هتف ياماش بحدّه وهو ينظر إلى البضاعة أمامه: أغلقوا المستودع وفتشوا المستودعات الباقية، ولن يعلم أحد بأمرها حتى أقول لكم ولن يلمسها أحد حتى يأتي أصحابها، عقد ميكي حاجبيه ونظر إلى فرحات الذي رفع كتفيه بعدم فهم، خرج ياماش ومشى خطوات وهو يُغمض عينيه التين ستنفجران من قوة الضغط، ليجذب إنتباهه صوت محركات سيارة جيلاسون الذي توقف على مقربة منه، نزل منها مهرولاً وتقدم نحو ياماش ليقل: لقد أخذنا أخي صالح إلى المستشفى يا أخي، اتسعت عينا ياماش فور سماعه لكلمات جيلاسون هذه، بينما في المستشفى كان جومالي يمشي ذهابًا وإيابًا يضع يديّه خلف ظهره وهو يضغط على قبضتيه بقوة وكأنه يقاتل جيوشًا داخله، لم ينطق منذ لحظة دخولهم المستشفى ولم يلتفت إلى أحد البته، بينما تولغا الذي يجلس القرفصاء ويستند بظهره على الجدار بالقُرب من غرفة الطوارئ وهو يُمسد رأسه بين الحين والأخرى، لحظاتٍ وخرج الطبيب فريد اخيرًا من الغرفة فانتبه الإثنان، وقف تولغا أولاً وأقترب جومالي بخطوات ثقيلة وعيناه مثبتتان على الطبيب، ليقل الأخير: استقر وضعه الآن.. فقد وعيه نتيجة هبوط حاد في الضغط والتوتر الحاد حالته مستقرة بالنسبة لوضعه لكننا قررنا إبقاءه تحت المراقبة حتى الصباح، ليقل جومالي: بالنسبة لوضعه؟، نظر فريد إليهما لثوانٍ وكأنه يبحث عن شخص ما، وهو بالفعل كان يبحث عن وليّ ولكنه ليس هنا، ليسأل: أين السيد وليّ؟، ليقل جومالي بحدّه وهو يُشير ناحية الغرفة قاصدًا صالح: أنا أخاهُ الأكبر فلماذا تبحث عن وليّ ياحضرة الطبيب؟، فأشار فريد لجومالي لكي يذهب معه لمكتبه، فتبعه جومالي بلا تردد وبقي تولغا أمام الطوارئ، في مكتب فريد جلس الأخير خلف مكتبه بينما وقف جومالي أمام المكتب، ليقل فريد: أنت تعلم وضعه اليس كذلك؟، ليقل جومالي فورًا: نعلم، تنهد الآخر ليقل: إذًا فأنتم تعلمون أنه يتحرك بجسدٍ يُقاوم أكثر مما يحتمل وإن استمر على هذا الحال قد لا يصمد كثيرًا، لم يعلق جومالي فتابع فريد: سأقولها بكل صراحه، إصابته لايمكن التهاون معها فهو نجى بمعجزة.. أعصابه تضررت والتنفس لديه ليس طبيعيًا وجسده سيضعف مع مرور الوقت إن استمر هكذا، مرتّ ثوانٍ اقترب بعدها جومالي من المكتب ليقل بخفوت وغضب: أخي ليس ضعيفًا، أنزل فريد نظره ليقل: لا أحد يشك في قوّته خصوصًا بعد ما مرّ به، لكن الجسد ليس درعًا أبديًا خصوصًا إن لم يُصغِ لصاحبه، تنهد جومالي بقوه وكأنه يمنع نفسه من الإنفجار غضبًا ليقل: وماذا تريد منه؟ أن يجلس في ركنٍ ويتنفس بهدوء؟، صمت الآخر ولم يرّد وقد لاحظ غضب جومالي، ليردف الأخير: أختصر.. هل حالته خطيرة؟، نظر فريد بصمت لثوانٍ وكأنه يُعيد ترتيب كلماته بعناية ثم قال: أجل.. حالته خطيرة، ارتجفت أجفان جومالي قلقًا ولكنه بقي صامدًا وكأنه يتحدى الكلمات نفسها، ليُتابع فريد بجديّه: ليست خطيرة بمعنى أنه على وشك الموت، ولكنها خطيرة بمعنى أن كل أزمة قادمة ستكون أثقل من سابقتها، الضغط.. التوتر.. الانفعالات القوية.. الإرهاق الجسدي.. أي من هذه العوامل كفيل بأن يُفقده الوعي مجددًا وربما لن يكون محظوظًا في كل مرة ليستفيق بعدها، أقترب جومالي أكثر ليقل بنبرةٍ مشحونه: وما الذي يُمكن فعله؟، ليقل فريد بهدوء: نحن نُعالج الأعراض ونُهدئ نوبات الخطر لكن جسده منهك والحل ليس دواءً فقط بل نظام حياة مختلف تمامًا، راحة وانضباط وابتعاد تام عن أي صدمات جديدة و.. والجزء الأهم.. يحتاج إلى دعم نفسي ايضًا، هنا استدار جومالي بغضب وخرج وهو يُتمتم: هُراء..، وفي الجهة الأخرى وبالضبط أمام منزل صالح خارج الحفرة توقفت سيارة وليّ وترجل منها قبل كاراجا واكين الذي يمشي معهم بصمت، طرق الباب ففتح مراد بعد لحظات، وما إن رآهم حتى شعر ببعض الريبة والغرابه، ليقل وليّ عندما لاحظ نظرات مراد: ماذا! هل نسيت من نحن؟، نفى الآخر برأسه وأبتعد عن الباب وهو يقول: لم أنسى ولكن أخي صالح لم يقل بأنكم ستأتون، ليقل وليّ بخفوت بعد أن دخلا اكين وكاراجا إلى الداخل: هُم في أمانتك الآن، نظر مراد إليهما ثم أعاد بنظره إلى وليّ ليقل: لماذا؟، ليقل وليّ: لنقُل تلخبطت الأمور، المهم الآن أنتبه لهما ولن يخرجا من المنزل خصوصًا الشاب دون علم صالح أو علمي أنا حسنًا؟، اومى مراد ليأتيهم صوت كاراجا التي أتت تُخاطب وليّ: أنا سأبقى هنا أخبر أعمامي بذلك ولا تدعهُم يقلقون، اُغلق الباب بعدها وعاد وليّ إلى سيارته، فوجدّ هاتفهُ يرنّ، أجاب ليأتيه صوت تولغا الذي أخبره بما حصل، فشغل المحرك بسرعه مُتجهًا إلى المستشفى..
––––––––––––––––––––
شقة ليلى..
تقدمت إلى الصالون وهي تحمل كوبين من الشاي، وضعت أحدهما أمام كارتال الذي وصل للتو بعد أن ألقى قنبلته وفضح سر اكين أمام الجميع في الحفرة، لتقل هي بهدوء: هل تظن الجميع مثلك لا ينامون ليلاً؟، ضحك بخفه ليقل: من قال بأنني لا أنام؟ عمومًا جئت لكي أتحدث معك بخصوص موضوع ما، عقدت الأخرى حاجبيها لتقل: أي موضوع؟، ليقل كارتال بعد أن ارتشف من كوبه دون ان ينظر: استقالتكِ من الصحيفه مثلاً، ابتلعت ليلى ريقها لثوانٍ ثم قالت بهدوء: وهل هو أمر يستدعي هذه الجدية؟ الصحافة مهنة ويمكنني أن أعود إليها متى ما شئت، ليقل كارتال وقد أبتسم بخفه: لا تضحكي عليّ، أنتِ لا تتركين شيئًا تحبينه إلا إذا كان هناك سببًا، لم تتوقفي عن الكتابة حتى في أسوأ أيامك فما الذي تغير الآن؟، صمتت الأخرى للحظاتٍ ثم قالت بذات الهدوء: احيانًا نحتاج إلى التوقف قليلاً لا أكثر.. وأنا أريد تغيير الصحيفه هذا كل ما في الأمر، تأملها كارتال لوهله ثم سأل: ومراجعاتكِ؟ هل ذراعكِ لا زالت تؤلمكِ؟، نفت برأسها ثم قالت محاولة إخفاء رغبتها في البكاء: مجرد مراجعات لا أكثر فقط للإطمئنان، تنهد كارتال بعمق ولم يُقنعه كلامها ولكنه صمت لأنه شعر بعدم رغبتها في الحديث، فاستقام ليقل: كوني بخير.. هذا مايهمني، ابتسمت وأومت بخفه، فاستدار كارتال ناحية الباب وخرج وهو يقول بإغاضه: أذهبي إلى النوم أيتها الأميرة لن نُسهركِ أكثر من هذا، ضحكت هي بخفه وذهبت لتُقفل الباب بعد أن خرج أخيها وهي تتنهد بقلقٍ وخوف يلازمانها منذ أيام..
––––––––––––––––––––
مستشفى الحفره في ظُهر اليوم التالي..
ارتفعت أحدى يديّ صالح واضعًا إياها على مقدمة رأسه، كان ياماش الذي يجلس على الكرسي بالقُرب منه يراقبه، لحظاتٍ وأبعد صالح يده والتفت عندما لاحظ وجود ياماش، فنظر لوهله وقد تمَلك قلبه القلق، نهض جالسًا ببطء وتلفت حوله قبل أن يُعيد بنظره مرة أخرى نحو ياماش الذي لا زال ينظر بصمت، ليقل صالح بخفوت: ماذا حدث؟، تنهد ياماش بخفه وهو يرّد: لم يحصل شيء.. فقط تعبتَ قليلاً هل أنت بخير الآن؟، نظر صالح ليديّه قليلاً ومن ثم إلى أخيه ليقل: أنا بخير، مرّت لحظات ليردف صالح بعد أن نهض جالسًا ومسد رأسه قليلاً: ياماش..، ليقل ياماش فورًا: هل فقدت وعيك من قبل بهذه الطريقة؟، اومى صالح برأسه ثم قال: دعك مني، نهض ياماش واقفًا وأقترب من الآخر ليقل: لا تُتعب نفسك هكذا، طبيبك فريد يقول بأن أشعتك سليمة ولكنك تحتاج لبعض الـ..، قاطعهُ صالح وهو يقول: ياماش.. أريد منك أن تسمعني، نفى ياماش برأسه وأقترب أكثر ليُقبل رأس أخيه وقال: أنا أسمعك دائمًا يا صالح.. ولكن الآن لا أستطيع، ذهب بعدها ناحية الطاولة وهو يقول: أغراضك مع أخي جومالي.. وسيراك الطبيب لنطمئن عليك ومن ثم سنخرج، وفي الخارج تقدم جومالي نحو وليّ الذي كان يجلس أمام الغرفة ليقل بحدّه: أين ياماش؟، أستغرب وليّ نبرته هذه ولكن لم يعلق فربما الأمر يخص ماحدث في الليلة الماضية، ليُجيب: في الداخل، وقبل أن يدخل إلى الغرفة سمع صوت كاراجا التي تقدمت وهي تسأل: هل عمي بخير؟، أومى وليّ ونهض حين رأى تولغا واكين الذي تقدم من وراء كاراجا بنظراتٍ متعبة ومرهقة وقلقة، فهو أتى ليطمئن على عمه ولعلهّ سيندم، ليشتعل الغضب في عروق جومالي حين رأى اكين وتقدم بسرعة ليمنعهُ وليّ بينما هتف الآخر بحدّه: أنت ماذا تفعل هنا أيها الخائن؟، لتقل كاراجا بغضب: ليس وقته ياعمي، ليُتبع وليّ على كلام كاراجا: صحيح يا جومالي ليس وقته، ليحاول الأخير دفع وليّ وهو يصرخ بغضب: ليس وقته؟ هذا الخائن ليس منّا من بعد الآن!، بينما وعودةً إلى الداخل، أبعد صالح الغطاء عنه ونهض ليسمع في لحظتها صراخ جومالي في الخارج، فهرع إلى الخارج وخلفه ياماش، دفع جومالي وليّ بعيدًا وتقدم نحو اكين ناويًا ضربه لولا صوت صالح الذي صرخ وهو يتقدم نحو أخيه: آبي..، التفت جومالي إلى الآخر بإرتياح يشوبهُ غضب، ليقل صالح وهو يقف أمام أخيه: كفى يا أخي أرجوك، بينما بقيّ ياماش أمام باب الغرفة ينظر ببرود ولكن النار تشتعل في داخله، والتقت عيناهُ بأعين اكين الذي تجمعت الدموع في عينيه، ليقل جومالي بصراخ: يكفي؟ لماذا تدافع عنه؟ هذا الرجل قاتل أبيك!، أغمض صالح عينيه بقوة ليقل: لا تفعل يا أخي، استدار جومالي وهو يمسح وجههُ بعنف وسُرعان ما عاد وهو يقول بحدّه مؤشرًا بأصبعه: هذا لن يبقى هنا إن كنت تريدهُ حيًا ولن أراهُ في الحفرة من بعد الآن، ليقل صالح بحدّه هو الآخر: ستطرده؟، أنزل ياماش رأسه وهو يبتسم باستهزاء، فبرغم من أنه لو كان في مكان صالح لدافع عن اكين ايضًا فهُم في النهاية عائلة مهما ارتكبوا من أخطاء، إلا أن ما كان يؤلمه حقًا هو ذلك التجاهل البارد من صالح لما فعله اكين، وكأن أثر تلك الفعلة على ياماش لا يعني شيئًا، ليقل جومالي وهو يقترب من صالح: أجل أطرده..، ليقل صالح فورًا بغضب: قُل لي ماذا حصل عندما طردت ياماش من الحفرة؟ الم يقع في أيديّ ذلك ال*** جنكيز؟، عقّد جومالي حاجبيه وثبت ياماش نظره على صالح، بينما بقي الجميع صامتين، ليُكمل صالح بغضبٍ أكبر: وماذا حصل عندما طردتني؟، ومن ثم أقترب من أخيه بقهرٍ وحزن وهو يردف: الم أذهب لأفغانستان ال*** لأصبح دمية في يّد العم؟، ليقل جومالي بحدّه: لا تخلط الأمور، أبتسم صالح بقهر ليقل: لا أخلطها.. لكننا هذه المرة لن نكرر الخطأ ذاته للمرة الثالثة، لن نطرد واحدًا منّا مجددًا لن نتركه يسقط في أيدي عدونا، ومن ثم تنهد ببطء ليقل: أرجوكم أفهموا، شدّ جومالي على قبضتيه ليردف صالح: صحيح لقد ارتكب خطأً وأرغب في ضربه وخنقه تمامًا كما ترغبون أنتم ولكن..، لتقل كاراجا: افهموا عمي ولا تدعوه يتحدث كثيرًا فهو مُتعب، وإن كنتم ستطردون اكين فلن يخرج وحده من الحفرة.. شريكته إيفسون لا تزال في قلب منزلنا، التفت الجميع بصدمة، لا بسبب ما قيل ولا لحقيقة الأمر التي يعرفونها جيدًا، بل لأن كاراجا ما زالت ترى إيفسون كقاتلة جدها، ليقل ياماش الذي تقدم ببطء: الم ننتهي من هذا الموضوع؟، ضحكت كاراجا لتقل: لم ننتهي بعد إن كنتم ستبدؤون بأمر اكين الآن، أنا لا أقول افعلوا شيئًا لكن إن كنتم ستحاسبونه فحاكموها معه، ليس من العدل أن تُغلقوا ملفها وتتغاضوا عن أمرها ثم تلومون اكين وكأنه وحده من أقترف كل شيء، ضيّق ياماش عينيه وقد فهم من كلام كاراجا بأنها تعلم عن أمر اكين من قبل، ليصرخ بشكلٍ مُفاجئ وغريب وهو يلتفت نحو صالح: منذ متى تعلمون؟، صُدم الجميع من نبرة ياماش.. كانت تحمل في طياتها جرحًا عميقًا، ليس غضبًا عاديًا بل قهرًا متراكمًا، نظروا إليه جميعًا أما هو فكان يُحدق في وجه صالح فقط، لتهتف كاراجا بجرأة: أنا أعلم منذ ليلة قتلي لزوجي، تراجع تولغا بخفه وهو ينظر إلى كاراجا بنظرة غريبه، بينما نظر ياماش إليها ثم إلى صالح الذي قال بهدوء رغم ما يجتاحه من تعب وحزن: منذ فتره قليلة، أبتسم ياماش بسخرية ليقل بخفوت: كيف تفعل هذا بي يا صالح؟، ومن ثم تجاوزهم وذهب ليقترب جومالي من صالح وهو يقول: أنا قلت يا صالح، هذا لن أراهُ في الحفرة سيذهب ويغرب عن وجهي لكي لا أصبح قاتل أبن أخي، ليقل صالح بنفاذ صبر: سامحني يا أخي ولكنني لن أسمح لك..، ومن ثم استدار وسحب اكين من ذراعه ليخرجا من المستشفى، ليضرب جومالي الكرسي بقدمة بقوة ليقل: حتى وهو للتو قد استيقظ ذهب يركض ويدافع عن ذلك ال***!, وفي الخارج ترك صالح ذراع اكين، والتفت على حين غرة ليصفع اكين صفعة خفيفه ليست بالقويه، التفت اكين للجهة الأخرى على وقع الصفعة بينما رفع صالح سبابته وهو يقول بحدّه وغصه: أنت..، التفت اكين إلى عمه ليردف صالح: ماذا سأفعل أنا الآن؟ أصبحت في وجه المدفع من جديد، أغمض اكين عينيه لوهله بينما تقدم صالح خطوة وهو يقول: أنظر إليّ، فتح اكين عينيه وثبتها على عمه ليُكمل صالح: أنا لست ملاكًا يا اكين.. وقد أخطأت بما يكفي كي لا أملك الحق في محاسبتك، ولكنني أقف هنا لأنني لا أريد أن يُكرر ما حدث معنا معك، لا أريدك ضحية مثلنا، ارتجفت شفتا اكين وكأنه ينوي قول شيء ولكنه لم يستطع، أقترب صالح اكثر حتى رفع يده ومسك ياقة اكين بخفه ليقل: لا تجعلني أندم على دفاعي عنك، ومن ثم ذهب ناحية السيارة فلحقهُ اكين بصمت، بحث صالح عن مفتاحه في جيوبه ولكنه لم يجده، ليرفع نظره ناحية باب المستشفى فوجد جومالي بسُترته الطويلة وقبعته يخرج متجهًا إلى سيارته، فأشار لاكين بأن يقف وتحرك ذاهبًا نحو أخيه، رآه جومالي من بعيد ولكنه صعد إلى سيارته متصنعًا عدم الإهتمام والرؤية، فركض صالح عندما رأى جومالي يتحرك بسيارته، توقف الأخير فورًا حين وقف صالح أمام السيارة، وترجل منها وهو يُتمتم: حسبنا الله..، تقدم صالح بصمت ومدّ يده لينظر جومالي إلى كفّ صالح الممدودة ومن ثم إلى اكين الذي يقف بجانب سيارة صالح، أعاد بنظره إلى صالح وتقدم خطوتين ليقل: هل تتصنع الأدب الآن وأنت تُراددني قبل قليل؟، ليتنهد صالح بخفه قبل أن يردّ: أنا ليست القدرة على الكلام والصراخ يا أخي، وستفهمون قريبًا، فعل جومالي حركة فمه المعتاده ثم أخرج مفتاح السيارة لكنه شّد على كفّ صالح وهو يقرّبه منه ليقل: كنت سأسألك إن كنت بخير، لكنك تركض وتثرثر وكأن لا شيء حدث ولم تقع البارحة، نظر صالح بهدوء ليقل: أنا معتاد، لم يعلق جومالي وأقترب أكثر ليقل بحدّه: إن رأيتهُ مرة أخرى يا صالح، سأراهُ قاتل أبي ولن أكون مسؤولاً عمّا قد يحدث بعدها، خرج وليّ ومن معه وتقدموا نحو صالح الذي أبتسم بسخرية على كلام أخيه ليقل: أنا لا أطلب منك أن تغفر له ولا أن تنسى، فقط لا تكن مثله، وأفلت كفّه من يد أخيه وتجاوزهم ذاهبًا تحت أنظار جومالي الذي راقب ظهر أخيه بنظراتٍ لا توصف، لحق وليّ بصالح وأمسك تولغا كاراجا التي كادت تلحق بوليّ من ذراعها بقوة وهو يقول: دعيهُم.. أريد أن أتحدث معكِ، نظرت إليه الأخرى لوهلة ولم ترفض بل ذهبت معه نحو سيارته، بينما التفت صالح إلى وليّ الذي قال بغضب طفيف: هل أصبحتَ تنام في المستشفيات وتنهض فقط لتُتعب نفسك من جديد حتى تسقط مرة أخرى؟، نظر صالح بصمتٍ وحزن ليتقدم وليّ أكثر حتى وضع يده على كتف صالح ليردف: أنت مُتعب أذهب لتستريح وتحدث مع الطبيب وأنا سأُعيد اكين إلى منزلك، نفى صالح برأسه وناول المفتاح اكين ليقل: أنت ستقود هيا لنذهب، لم يأخذ اكين المفتاح بل نظر إلى عمه ليقل: أذهب إلى الطبيب ياعمي وأنا سأنتظرك هنا، أبتسم وليّ وأخذ المفتاح وهو يقول: سلم فمك، هيا لنعود إلى الداخل ياصديقي، وفي الداخل وقبل أن يدخلا وليّ وصالح إلى مكتب فريد كان ياماش خارجًا لتوه منه، توقف صالح ينظر إليه بينما رمقهم الأشقر بهدوء واستدار ذاهبًا، ليقل وليّ بهدوء وابتسامةٍ خفيفة: لم يخرج إلا بعد أن أطمئن عليك، تنهد صالح بحزن ليقل: لن أسامح نفسي يا وليّ، ولا أجرؤ حتى على تبرير ما فعله اكين خصوصًا تجاه ياماش.. فما فعله لم يكن مجرد خطأ بل كان أثره على ياماش شيئًا مختلفًا عنّا تمامًا، أعمق من أن يُفسّر وأثقل من أن يُحتمل وأوجع من أن يُغتفر، ليقل وليّ: جميع الأمور ستهون، فقط الأمر يحتاج إلى قليل من الوقت، ليقل صالح: سيفهمون..، ومن ثم التفت نحو وليّ حين قال الأخير: ماذا ستفعل بكارتال؟، تنهد صالح بقوه وغضب ليقل: لا شيء.. دعنا أولاً نواجه ما يحدث داخلنا ثم نتفرغ لما في الخارج، ليقل وليّ: وأخوتك ألن يفعلوا شيئًا؟، نفى صالح برأسه ليقل: ياماش ذكي ولن يتحرك في هذه اللحظة.. وأخي جومالي رغم تهوره لن يُقدم على شيء قبل أن يتحرك ياماش، صمتا لبرهة أمام الباب قبل أن يطرقه وليّ بهدوء ويدخل برفقة صالح..
––––––––––––––––––––
شركة كارتال..
كان يتحدث مع أحد رجاله في الشركة يسأله عن سير الأعمال وما شابه قبل أن يدخل أحد رجال الكبير، فطلب من رجله أن يخرج ليجلس رجل الكبير مكانه دون أن ينبس بكلمة ليقل كارتال وهو يضع قدمًا على الأخرى: ماذا حدث؟ الم يصله التحديث بأنني أحرقت السندات ووضعت البضاعة؟، ليقل الآخر: ولكن السندات مزيفة
=لم أكن أعلم..
–الم تقل بأن من أحضرها هو حفيدهم؟
=تقصد أبن أخيهم؟ أجل لكنني لم أعلم بأنها مزيفة، ومن الواضح أن لا أحد كان يعلم بأمرها.. سوى فارتولو
–وكنان؟
="بعد أن صمت قليلاً" أرسلتُ رجلاً متخفيًا ليلة أمس فور دخولي إلى الحفرة ليقتله، لكنني لم أتلقى أي خبر منه حتى الآن
–هل يعني هذا أنهم كشفوه وقتلوه؟
=ربما..
–وماذا سنفعل الآن برأيك؟
=ما شأني؟ أنا أنفذُ الأوامر فقط
–ولكنك لا تنفذها بشكلٍ صحيح
=لنقل تلخبطت الحسابات قليلاً، نهض الرجل وأخرج من جيبه ورقة صغيرة ليقل بعد أن وضعها على الطاولة أمام كارتال: هذا عنوان صديقة تلك المرأة التي أنقذت كنان أسمها "نرجس" أذهب وأستجوبها عن مكان صديقتها، أخذ كارتال الورقة ببطء ونظر إليها دون أن يفتحها، ثم قال وهو يُعيد ظهره إلى المقعد: أعرفها..، ليقل الرجل وهو يهّم بالذهاب: لايهمني أفعل ما طُلب منك فقط، وخرج تاركًا كارتال يضحك مستهزئًا، لحظاتٍ ورنّ هاتفه، ليُجيب فأتاهُ صوت رجله الذي أخبره بأن ليلى خضعت لأشعة عديدة وتحاليل ليست لها علاقة بالإصابة السابقة، فتمكن القلق منه ونهض فورًا متوجهًا إلى شقة أخته.. بينما في الجهة الأخرى حيث منزل الطبيب، فتحت آصلي الباب لتجد رفيقها الطبيب يقف ويديّه في جيوبه، كادت تبتسم لوهله ولكنها رفعت حاجبها لتقل: لم أتوقع خروجك بهذه السرعة، فدخل الآخر وهو يقول: محاميكِ الذي أرسلته خبير ويبدو أنه جيد في مثل هذه الأمور، أغلقت آصلي الباب ولحقت بالطبيب الذي توجّه مباشرة إلى المطبخ، فتح باب الثلاجة وجثى على ركبتيه وأخذ يلتقط ما يجده أمامه ليأكله بنهم، ابتسمت بخفة وجلست مستندة إلى الأريكة لا تزال عيناها تتابعه بصمت، لحظاتٍ مرت نهض بعدها والتقط علبة ماء ليشربها، ثم تنفّس بعمق ونظر نحوها وجدها تميل برأسها قليلاً وتنظر إليه بنظراتٍ عادية وابتسامة بالكاد تُرى، صفّن فيها لثوانٍ ومن ثم التقط كرسيًا وتقدم حتى جلس أمامها ليقل: ماذا حصل معكِ؟، حكت له آصلي ما حصل خاتمة كلامها بـ: ومنذ يومين أجلس هنا لأريح رأسي قليلاً، ليقل الطبيب: كنت أعلم أن الأمر يخصكِ بشكل ما، ولكنني لم أتوقع أن لديكِ أخ، لم ترد آصلي فأردف هو بعد أن أستند بظهره إلى الخلف: سمعت أنهم اعتقلوا الضابط.. هذا جيد بالنسبة لكِ فلن يعلّق أو يلحق بكِ، ضيقت آصلي عينيها بدهشة ولكنها صمتت ولم تعلق، ليقل الطبيب مرة أخرى: هذا يعني أن عملنا مع فارتولو أنتهى؟، استقامت آصلي لتقل وهي ترفع بعض الدفاتر والكُتب الخاصة بها من الطاولة لتضعها في حقيبتها: أجل أنتهى عملنا ولكن الخطر لم ينتهي، ومن ثم التفتت نحوه لتُكمل: منزلك جيد.. هو حقًا مخبأ جيد لذا لن أقلق عليك، عقدّ الآخر حاجبيه ليقل: تقلقين؟ لماذا؟ إلى أين ستذهبين؟، توقفت آصلي للحظة ثم قالت دون أن تنظر إليه: إلى حيث أريد هذا ليس من شأنك، ساد الصمت للحظة قبل أن يقول الطبيب بخفوتٍ يكاد لا يُسمع: بل هو من شأني.. أنتِ من شأني منذ وقتٍ لا تعرفينه، رفعت حقيبتها عن الطاولة وأدارت له ظهرها كأنها لم تسمع أو كأنها سمعته ولم تُرد أن تسمع، فسأل هو بنبرٍة أثقل من صمته: أهذا.. وداع؟، أومت بخفه فنهض الطبيب وأقترب منها خطوة ليقل: كنتُ أظن أننا تجاوزنا مرحلة الاختفاء المفاجئ والغياب المقطوع، رفعت الأخرى حاجبها ببرودٍ مُعتاد وقالت: كل ما بيننا كان عملاً وأنتهى، أخفض الطبيب نظره لتتجاوزه آصلي دون أن تلتفت متجهةً نحو الباب وحين وضعت يدها على مقبض الباب سمعتهُ يقول: إن احتجتِ شيئًا.. أي شيء، قاطعتهُ هي بنبرةٍ حاده وناعمة في نفس الوقت دون أن تنظر: لا أحتاج شيئًا، وفتحت الباب وغادرت، أما هو فظلّ واقفًا في مكانه يُحدق في الباب المُغلق، بينما هي في الخارج وحين صعدت إلى سيارتها، أخرجت هاتفها وكأنها تنوي الاتصال بأحدهم، لكنها تراجعت ورمَت الهاتف بغضب على المقعد المجاور وهي تشتم في داخلها، لتهمس بتساؤل وغرابة: لماذا أعتقلوك أيها الضابط؟..
––––––––––––––––––––
أمام الساحل..
كانت سيارة صالح التي يقودها اكين متوقفة أمام الساحل، وفي الداخل.. يجلس صالح بهدوء إلى جوار اكين وهو يسند رأسه إلى المقعد، بعينين تائهتين نحو البحر بشرود، يحاول أن يتنفس بعمق كمن يهرب من ثقلٍ جاثم على صدره، أما اكين فكان هو الآخر شارد النظرات يُحدق في الأفق بصمتٍ ثقيل، مرت لحظاتٍ ليقل صالح بنبرةٍ هادئه: في الفترة الأخيرة أصبحت آتي إلى هنا كثيرًا.. لا لشيءٍ محدد فقط لأتنفس بعمق وأفكر بوضوح، ولكن عقلي الآن لا يساعدني، أنزل اكين رأسه حزنًا وشعورًا بالذنب، ليقل صالح بعد ثوانٍ: قال ياماش ذات مرة إنه يظن أنه اعتاد الفقد لكن روحه كانت تحترق في كل مرة.. وكان صادقًا، أنا ايضًا ظننت أنني اعتدت الخسارات، لكن الحقيقة أننا لا نعتادها أبدًا.. بل نُجبر على التآلف معها كما يفعل الجسد مع الألم المزمن، لا يقتلك.. لكنه لا يتركك، ليقل اكين وقد رفع رأسه لينظر إلى البحر مجددًا: هل سيُسامحوني؟، أبتسم صالح بحزن ليقل: لا.. ولكن سيتقبلون، ليقل اكين وأنظاره لا زالت على البحر أمامه: وهل هناك فرقًا بينها؟، ليقل صالح: فرق كبير، التقبل هو أن تُمنح فرصة للبقاء، أما المسامحة.. فهي أن يُمحى ما فعلت، وفي هذا العالم لا يُمحى شيء، ومن ثم اعتدل والتفت نحو اكين ليردف: لم نسامحك، ولم نسامح أنفسنا.. ولن نسامح، لن نسامح حتى نغفر لأنفسنا أولاً، وترجل من السيارة، انحنى حتى نظر إلى اكين من الزجاج ليقل: عُد إلى منزلي وأبقى بجانب مراد ولا تخرج أو تفعل شيئًا دون علمي، التفت اكين إلى عمه ليقل بعد أن نظر للحظات: لماذا تفعل هذا؟ أنا لا أستحق، صمت صالح وهو يتأمل وجه أبن أخيه المُرهق والمُتعب، ليقل بعد ثوانٍ: لأنني ذات يوم.. لم أستحق، ورغم ذلك بقي أحدهم إلى جانبي، وأبتعد بعدها عن السيارة بإتجاه السور وأتكئ عليه.. فتحرك اكين بالسيارة وذهب، لحظاتٍ ليّرن هاتفه، ليجد أسم ليلى، أجاب: أجل يا ليلى، ليأتيه صوتها الناعم الهادئ: كيف حالك؟، فأجابها هو بذات الهدوء: بخير.. وأنتِ؟، لتقل هي: بخير.. ولكن صوتك ليس جيدًا، صمت صالح لتردف ليلى بعد لحظة صمت: سآتي إلى الحفرة لأرى إدريس وفكرت أن أتصل لأتأكد إن كنت هناك، فأجابها: لستُ هناك، لتسأل هي بغرابه: لماذا؟ هل حصل شيء أين أنت؟، ليقل صالح بعد أن تنهد ببطء: أمام الساحل دون سيارة، فقالت ليلى دون أن تسأل: سآتي إليك، ليقل صالح فورًا: لا داعي لذلك، سأتصل بأحد الشباب ليأتي، فاعترضت الأخرى وقالت: سآتي يا صالح، ولاحقًا توقفت سيارة ليلى أمام الساحل، ترجلت منها وأخذت تنظر حولها تبحث عنه، فرأته على بعد مسافة يتكئ على السور بهدوء، فتقدمت وهي تبتسم ووقفت بجانبه دون أن تقول شيئًا، فالتفت صالح برأسه ليراها تبتسم، فقال فورًا عندما رأى ابتسامتها: حالكِ أفضل من المرة الماضية، أزاحت ليلى نظاراتها ووضعتها في جيب معطفها والتفت إلى البحر وهي تقول: الإنسان هكذا.. يومًا يكون سعيدًا ويومًا تعيسًا، ليقل صالح وقد نظر أمامه بالمثل: وبعضهم أيامه جميعها تعيسه وتوجد لديه لحظات قليلة فقط سعيده..، ابتسمت ليلى بخفة وقالت دون أن تُبعد نظرها عن البحر: ولذلك نحن نتمسك بهذه اللحظات القليلة، ثم التفتت إليه فجاءه وكأنها تذكرت شيئًا لتقل بجدية قلقة: صوتك كان غريبًا في الهاتف.. ماذا حدث؟، تنهد صالح بخفه ليُجيب: مُتعب فقط.. كنت في المستشفى ليلة أمس ولم أخرج سوى قبل ساعة، اتسعت عيناها قليلاً فسألت على الفور دون تردد: ماذا! لماذا؟، ليقل بخفوت: لاشيء فقط إرهاق وتعب وأنتِ تعلمين وضعي، لتقل وقد اقتربت منه خطوتين: هل تضررت أعصاب رأسك أكثر؟، ليقل صالح دون أن ينظر: لا لم يحدث أي جديد سوى أن جسدي بدأ يتحدث بدلاً عني ويذكرني كل حين بأنني لست كما كنت، ظلت ليلى تنظر إليه بصمتٍ لم يدم طويلاً عندما قالت بلطف: إذن سنأكل، التفت إليها صالح ببطء مستغربًا ليقل: ماذا؟، فأشارت نحو مقهى بالقُرب منهم وقالت بإصرار: لن تقف هنا تحت هذا النسيم البارد بينما جسدك خرج من المستشفى للتو، تعال لنتناول شيئًا ساخنًا في هذا المقهى القريب، لم يمنحها صالح جوابًا لكنه مشى معها دون رفض، دخلوا إلى مقهى صغيرًا هادئ يطلّ على البحر، ذو طاولات خشبية بسيطة ونوافذ زجاجية عريضة تغمر المكان بالضوء، جلست على طاولة في الزاوية وما إن جلس صالح حتى لاحظ ابتسامتها الهادئة المستمرة، فسألها متعجبًا: ما سر هذه الابتسامة؟، رفعت كتفيها وهي لا زالت تبتسم، وسُرعان ما استدارت تمسح عينيها التي دمعتا قليلاً بطرف أصبعها، تنهد صالح وتقدم يسند ذراعيه على الطاولة وثبت بصره عليها، بينما هي ظلتّ تنظر إلى البحر من خلف الزجاج، ليقل بعد لحظات: أنا قلت أن بإمكانكِ التحدث إليّ يا ليلى، ما بكِ لستِ على ما يُرام؟، تنهدت هي بخفه واستدارت حين وضع النادل أكواب الشاي وبعض الشطائر، دفعت أحدها ناحية صالح الذي لازال ينظر إليها باستغراب وقالت: خُذ أشربه قبل أن يبرد ليُدفئ داخلك، أمسك الكوب ورفعه ليرتشف منه قليلاً، ومن أنزله وهو لازال ينظر إليها، ليقل: أنتِ تريدين قول شيء..، نفت برأسها لتقل: لن أزعجك فلديك ما يكفيك، عقدّ حاجبيه وقال: ولكن ربما أستطيع مساعدتكِ حتى لو لدي ما يؤلم رأسي، نظرت إليه لثوانٍ ثم استسلمت لتقل: قبل أيام خضعت لأشعة..، ليقل صالح: بخصوص ذراعكِ؟ صحيح كيف اصبحت؟، ابتسمت لتقل: بخير.. أفضل بكثير، ولكن الأشعة لم تكن تخص كتفي، صمت صالح ونظر إليها ينتظر إكمال الحديث، لتردف هي: أشعة لرأسي، توقف هو عن الحركة لوهلة وكأن الزمن تجمّد في تلك اللحظة الصغيرة بين كلمتيها، أشعة لرأسها؟ ظلّ صامتًا ينظر إلى عينيها محاولاً أن يقرأ ما لا تقوله وما تخفيه وراء هدوئها المبالغ فيه وابتسامتها المستمره، بينما قالت هي: ليست واضحة بعد.. هناك شيء يحتاجون لمراجعته بدقة، شيء يسبب لي الصداع المستمر وتشوشّ في الرؤية، لا أستطيع أن أجزم بشيء الآن ولا أريد أن أبدأ بالبكاء قبل أن يؤكدوا أي شيء..
––––––––––––––––––––
منزل صالح خارج الحفرة..
دخلت كاراجا وخلفها تولغا الذي يشّد على قبضتيه بغضب لا يعلم سببه، تقدمت كاراجا نحو الصالون لتجد اكين مستلقيًا على الأريكة ومراد يجلس بصمت، لتسأل هي اكين بعد أن جلست على الطاولة أمامه: أين عمي؟، فقال اكين ولم ينظر إليها: تركته عند الساحل، التفت تولغا نحو مراد ليسأل: هل تحدث معك؟، أومى مراد ليقل: أتصل بي وقال أن أبقى مع السيد اكين وألا يغادر المنزل، فالتفت كاراجا نحو اكين وقالت: عليك أن تقف ياهذا وتواجّه خطأك لا أن تتمدد بهذا الشكل وكأن لا شيء يعنيك!، تحرك اكين بعينيه ببطء ونظر إلى أخته ليقل بنبرةٍ مُتعبه: أقف من أجل ماذا؟ الجميع يكرهني ولا أحد يراني الآن سوى خائن ويريدون أن يتخلصوا مني، تركهم تولغا وذهب إلى الشرفة تحت أنظار كاراجا التي راقبته حتى خرج، لتقل بعد لحظاتٍ من تأمل وجه وعينيّ أخيها: إن لم يكن من أجلنا فمن أجل زوجتك وأبنك.. ومهما ارتكبت أخطاءً يا اكين فأنا وعمي صالح لن نرغب في التخلص منك ابدًا، فلو أردت أنا خصوصًا لفعلت ذلك منذ زمن، ليقل اكين بسخريه: ولماذا تدافعين عني وكأنكِ تحبينني؟، لتقل الأخرى بعد ثوانٍ: هل هذا حُب أم مرض لا أعلم، لم يقل الآخر شيئًا بل أغمض عينيه، وأتجهت كاراجا ناحية الشرفة دون أن تقول شيئًا آخر، وقفت وراء تولغا وضمت يديها إلى صدرها وهي تقول: قُل ما لديك، رفع هو حاجبيه واستدار نحوها ببطء ليقل: أقول ما لديّ!، ومن ثم أقترب قليلاً ليردف: قبل فترة سمعتكِ تقولينها وقبل قليل قلتيها مرةً أخرى، رفعت كاراجا أحدى حاجبيها وسألت: وماذا قلت؟، تنهد تولغا بغضب ومسح وجهه وعاد ببصره نحوها ليقل: كنتِ متزوجة؟ و.. قتلتِ زوجك؟، سكنت ملامح كاراجا للحظة وكأنها فقدت القدرة على التنفس، ولكنها رفعت عينيها إليه بهدوء غريب وأجابت: أجل، نظر تولغا للحظات بدهشة ممزوجة بشيء عجز عن فهمه، ليقل بعد لحظات: ليس لي الحق في السؤال عن ماضيك، ولكنك تلومينهم على هذا الشيء، لتقل كاراجا: أي شيء؟ بأنني قتلتُ زوجي؟، أغمض تولغا عينيه واستدار نحو السور وشدّ بقبضتيه عليه بقوه، لتقترب كاراجا لتقل: هل هذا ما تريد معرفته؟ أنني قتلت زوجي؟ أو الرجل الذي أحببته سابقًا؟، لم يُجب تولغا لتردف هي بحدّه: أجل قتلته، قالتها بنبرةٍ حاده ولكنها ثابتة.. لا تحمل خجلاً أو محاولة لتبرير بل وكأنها تُعلن شيئًا قُضي عليه منذ زمنٍ ولن يعود، ظلّ تولغا يستند إلى السور وعيناهُ تنظران إلى الفراغ أمامه، مرت لحظات قبل أن يقول دون أن يلتفت: هل أحببتهِ حقًا؟، فاجابت هي دون تردد: أجل، استدار ببطء ونظراته ثابته ولكنها متألمة وسألها: كيف يستطيع المرء قتل من يُحب؟، قالت كاراجا بهدوء وكأنها تردّد شيئًا فكرت فيه مرارًا: حين يخونك.. لا بكلمةٍ أو بفعلٍ رخيص بل بدمٍ غالي.. حين تُدرك أن كل ما عشته معه كان قائمًا على حقيقة مُرّه مخفيّه وأن قلبك كان وسيلة لا غاية..، عقدّ تولغا حاجبيه فتقدمت هي خطوتين لتُكمل: أسمه آزار كورتولوش كان شريكًا في قتل جدي، علمت بهذا في ليلة زفافي وقتلته حين أكدّ هو ذلك، اتسعت أعينُ تولغا قليلاً، فأردفت هي وكأنها تريد إخراج مافي في قلبها: وأنت؟ تذهب وتأخذ انتقامك ومن ثم تُصبح شخصًا آخر! أين تولغا الذي عرفته؟، نظر هو لثوانٍ ثم قال بسخريه: عرفته؟ لماذا لا تقولين تولغا الذي أحبتته؟، ضحكت كاراجا بخفه ثم قالت: وهل هذا ما يهمك؟، ومن ثم اردفت بنبرة غاضبه تحمل عتابًا كبيرًا: أنا لست دمية تُحركها كيفما شئت، تأتي حين تشاء وتذهب متى تريد، ثم تقول "لا تلمسني" حين يتطلب الأمر وجودي، ومن ثم تعاتبني لأنني لم أخبرك عن ماضيّ! هل تفهم هذا يا تولغا؟، نظر إليها الآخر طويلاً بأعينٍ دامعه، ثم تقدم ليقل: كاراجا.. منذ عودتي إلى الحفرة بعد خطف إدريس وأنا أشعر بالضياع، أخي صالح الذي اعتدت دائمًا أن يكون بجانبي وأن أشاركه كل ما في داخلي لم يتفرغ لي هذه المرة، أشعر أن لا مكان لي هنا.. وكأن الهواء يضيق من حولي وكأنني أختنق مثل ما كنت عندما أختفى أخي لشهر كامل بدون خبر، ظلّت كاراجا صامتة ليُكمل هو: وظهر شهرام فجاءه.. لم أكن مستعدًا لمواجهته مرةً أخرى كما توقعت تلخبطتُ وتشوشت ولا أصدق حتى الآن أنني قتلتهُ بيديّ هاتين، ظلّ صوته معلقًا في الهواء للحظاتٍ حتى همست كاراجا بنبرةٍ ناعمة لكنها جافة: لم تكن وحدك تولغا.. لكنك لم ترى أحدًا بجوارك، واستدارت لتذهب تاركة الآخر ينظر إلى ظهرها بندم وغضب وقهر في آنٍ واحد..
––––––––––––––––––––
عودةً إلى صالح وليلى..
ساد الصمت بينهما لبرهةٍ طويلة بعد ما قالته ليلى، ثم رفعت الأخيرة كوبها وارتشفت منه بينما مسح صالح شعره بقلق، ليقل وقد رفع بصره نحوها: ولماذا لم تخبريني منذ البداية؟، نفت برأسها ولم يفهم هو ماذا تقصد ولكنه بقي صامتًا، لتقل هي بعد لحظات: استقلت من عملي..، فرفع صالح نظره بسرعة ليسأل باستغراب: لماذا؟، لتقل هي بهدوء: ليس بسبب نتيجة التحاليل والأشعة وماشابه، بل الصحيفة لم تعُد كما كانت وأنا أريد أن أبحث عن مكانٍ أفضل، جهة تُشبهني وتناسب ما أطمح له لا مجرد أخبار سطحية وسعيٌ وراء الإثارة فقط، ثم أكملت بسخريه هادئه: إذا سارت الأمور على مايُرام طبعًا، ليقل هو وقد أقترب قليلاً: ماذا قالوا يا ليلى؟ ماهو هذا الشيء وما مدى خطورته هل يحتاج إلى جراحة؟، لتُجيب وهي تعبث بكوب الشاي: ليس بالخطير وسأتابع مع الطبيب، الآن دعنا من كل هذا ياصالح فأنا أعتني بنفسي جيدًا، وربما.. كنت بحاجة لهذا التحول أصلاً للراحة ولإعادة ترتيب أولوياتي، ومن ثم أخذت قطعة من الفطائر وناولتها لصالح وهي تقول ضاحكة بخفه: مشاكل الرأس لاتنتهي وأنت خبيرٌ في هذه الأمور، ابتسم صالح بخفة وأخذ قطعة الفطيرة منها وهو يقول: أنت ماهرة في تغيير المواضيع، لتقل هي وقد تنهدت بعمق: لأنني لم أجلس معك الآن لأشكي لك أو تُسمعني شكواك، بل جئتُ لنتحدث بعيدًا عن كل شيء ولنسرق لحظة هدوءٍ من هذا العالم، نظر صالح إلى عينيها ثم إلى يديه بشيء من الغرابة التي لم تنعكس تمامًا على ملامحه، وكأنه لا يفهم نفسه في تلك اللحظة. استغرب مكانه.. حديثه.. جلوسه أمامها تحديدًا.. لا يدري ما الذي جعله يشعر براحةٍ خفيفة تسللت إلى قلبه وخفةٍ غريبة في روحه منذ أن جلس على هذه الطاولة، مرّت نصف ساعة دون أن يشعر.. دون أن يفكر بأيّ شيء وكأن كل ما يُثقله قد انزاح مؤقتًا، أخرج هاتفه ولكنه لم يجد أي اتصال سوى رسالةً من وليّ يقول فيها "مراد أخبرني أنك بقيت في الساحل.. وأظنك تحتاج لبعض الوقت لوحدك، انتبه على نفسك وإذا احتجتني أخبرني سآتي لأخذك فورًا" تنهد صالح ببطء وهو يبتسم وأعاد هاتفه لجيبه لتقل ليلى حين رأت إبتسامة: ماسبب هذه الإبتسامة؟، ليقل صالح: وليّ.. ذاك الصديق الذي لم أُدرك مدى وفائه إلا عندما وقف بجانبي في أشد لحظات حياتي دون أن ينتظر مقابلاً، ابتسمت ليلى لتقل: وأكوب الشاي والقهوة التي احضرها لك ألا تجعلك تراني وفيّه؟، ضحك صالح لأول مرةٍ ومن ثم استند للخلف وهو يقول: مرّ وقت طويل منذ أن جلست هكذا.. دون أن افكر بما ينتظرني خارج هذا الهدوء، لتقل ليلى بابتسامتها التي لم تزل: هذا لأنك لا تخصص وقتًا لتجلس بل تركض طوال الوقت، أرخى صالح بصره ليقل: أنا سأغادر فوقت الجلوس أنتهى، ونهض ليردف: سلمتِ يا ليلى..، والتقط سترته مع نهوض ليلى التي قالت: سنغادر معًا فسيارتك ليست هنا، لم يرد عليها الآخر بل كان ينظر إلى الأرض وسُرعان ما انحنى ليلتقط بيديّه شيئًا سقط من جيب سترته، نظرت ليلى إلى كفه فرأت شيئًا اسودًا صغيرًا، ضيق صالح عينيه وقد علم ماهو.. جهاز تنصت أو تتبع، فنظر حوله بحذر بينما تقدمت ليلى بعد أن ارتدت سترتها لتسأل: ماهذا؟، أعاد صالح الجهاز إلى سترته بعد أن عطّله ليقل وهو يرتديها: لاشيء..، ومن ثم خرجا وأثناء توجههما نحو سيارة ليلى لمحا شخصًا يجلس على مقدمة السيارة شابًا يبدو متعجرفًا، لتقل ليلى وهي تسير بجانب صالح: من هذا؟، ليقل صالح: لا تعرفينه؟، نفت الأخرى برأسها ليقتربا أكثر وحين أنتبه الشاب إليهما هتف صالح: أنهض من على السيارة ياولد، نظر إليهما الشاب بثقة بارده وعدم مبالاة ونهض واقفًا، فتقدمت ليلى نحو باب السائق بينما تجاوزه صالح متجهًا إلى الباب الآخر ولكن استوقفته كلمة الشاب الذي قال: فارتولو سعدالدين..، توقف صالح في مكانه للحظة ثم التفت ببطء نحو الشاب ينظر إليه بنظرةٍ متفحصّه، بينما ليلى التي للتو وضعت يدها على مقبض الباب توقفت حين سمعت الأسم ورفعت بصرها نحو صالح بقلقٍ واستغراب، ليسأل صالح بخفوت ولكن حاد: من أنت؟، أبتسم الشاب ببرود ليرفع صالح يده نحو سلاحه، فهتف الشاب: تؤ تؤ، ورفع يديه ليخرج رجالاً من جميع الجهات، يظهرون من بين المواقف والمارة وكأنهم كانوا ينتظرون الإشارة، نظر صالح حوله بسرعة يستوعب الموقف ثم التفت إلى ليلى.. التي رُغم الذعر الذي انعكس في عينيها بقيت واقفة بصمود ليقل بهدوء: أهدئي، أومت بهدوء ليتقدم الشاب خطوة نحو صالح وهو يقول: لا تقلق حبيبتك هادئه، لكنك جعلتني أنتظرك كثيرًا حتى خرجتَ من ذلك المقهى، نظر صالح وقد بدا وكأنه يعيد استيعاب كل ما حوله في جزءٍ من الثانية، ومن ثم قبض على سترته بإحكام وأعادها إلى مكانها دون أن يُخرج سلاحه ليسأل: من أرسلك؟، ليُجيب الآخر: الأفغاني الذي سرقتَ بضاعتة، ضيق صالح عينيه باستغراب ليقل: عن أي بضاعة تتحدث؟، لتهتف ليلى: من أنتم اصلاً؟، ليقل الآخر وهو ينظر إلى ليلى: ستعرفان عندما نذهب لرئيس العشيرة، ليقل صالح: أنظر إليّ أيها ال*** أغرب وأذهب وأبحث عن بضاعتك في مكانٍ آخر، نظر الآخر لوهله ثم رفع يده فتقدم رجلين بإتجاه ليلى وأمسكاها بعنف رغم مقاومتها، فهتف صالح بنبرةٍ عاليه: إياك!، ليقل الشاب: إذن ستأتي أنت وحبيبتك معنا، وعلى حين غرة ضُرب الإثنان على رؤوسهما وأخرج الشاب هاتفه وأتصل على أحدهم ليقل: عثرنا على الاثنين وسنجلبهما لك الآن.. وعاجلاً أم آجلاً سنعثر على البضاعة ايضًا..
أعتذر عن التأخير..
وإلى اللقاء في البارت القادم..

لا يوجد سوى الألم..حيث تعيش القصص. اكتشف الآن