Part 63

242 17 10
                                        

"من بقيّ من العائلة!"
من اختار هذه الأغنية؟، قالها الكبير وهو يمعن النظر في شاشة الحاسوب أمامه، تلك الشاشة التي تعرض بل تبث ما يجري داخل المستودع في هذه اللحظة، ليقل رجله: أمرتنا ياسيدي أن نضع أغنية كعزاءٍ أخير فوجدنا أن هذه هي الأنسب، طرق الكبير بقطعة الشطرنج قليلاً مستمتعًا بما يراه ثم قال: جميل.. رومانسية ممزوجةٍ بالمأساة "ثم أردف وقد ضحك بسخريه" وتزداد جمالاً مع منظر زوجته وهي تتقدم نحوه وقد أصبحت في هذه اللحظة أرملة، مرّت لحظة صمت حتى سأل الكبير: الطفل في مكانه أليس كذلك؟، فأجاب الآخر: اجل يا سيدي، وبخصوص كاميرات غرفة الطفل لقد تعرضت للتلف وسنعمل على إصلاحها في أقرب وقت، فقال الآخر: المهم.. دعوهُ هناك حتى أفكر ماذا سأفعل، فـ سافاش لم يعد هنا ليتدبر هذه الأمور الجانبية بعد الآن، ثم أردف وكأنه تذكر شيئًا: صحيح.. هل هناك خبرًا عنه؟، نفى الآخر برأسه وهو يقول: مع الأسف لا زلنا نبحث ولكن لا أثر لسافاش، هُنا أشار الكبير بذراعه نحو الباب فامتثل الآخر وخرج باحترام، وفي ذلك المستودع.. حيثُ يخيّم الخوف والقلق، دخل وليّ وهو يقبض على سلاحه، وسُرعان ما اتسعت عيناه فورًا لما رآهُ وسمعه.. الأغنية والجثة المعلقة وداملا وحال الأخوة، توقف في مكانه ببطء حين أمسكت داملا بطرف الوشاح تريد إزاحته لترى وجه زوجها.. أغلق ياماش إحدى أذنيه وهو يقف ساكنًا في مكانه وكأنه ليست لديه قوة ليتحرك.. بينما كان صالح يراقب ذراع داملا فقط، يُحدق بها وكأنه يخشى رؤية شيءٍ آخر.. وجه أخيه المشنوق مثلاً، التقط اكين سلاحه بغضب وتقدم نحو السماعة الكبيرة التي كانت تبث الأغنية مرارًا وتكرارًا، أطلق رصاصتين بعنف أخرستا الصوت تمامًا وعمّ الصمت في المكان فورًا.. ترددت داملا قليلاً ولكنها قبضت على طرف الوشاح بقوة وسحبته إلى الأسفل حتى سقط أرضًا من على الجثة.. أغمض صالح عينيه بقوة بينما أرخى ياماش ذراعيه ببطء وهو يحملق في الجثة التي لا تُشابه أخيه ابدًا.. تراجعت داملا وهي تقول: الحمدلله.. ليس.. ليس هو، وتشبثت دون أن تعي بذراع كاراجا التي وضعت يدها على صدرها حين أدركت أن المعلّق ليس عمها جومالي بل شخصٌ آخر مجهول، التفت ياماش نحو صالح وهو يقول بتلعثم: ماذا يحصل..؟، ابتلع صالح ريقه ثم رفع سلاحه وأطلق النار على الحبل من الأعلى حتى انقطع وسقطت الجثة.. بينما عودةً إلى مكتب الكبير.. الذي سقطت قطعة الشطرنج من بين أصابعه وهو ينظر بأعين متسعه نحو الجثة من خلال الشاشة، ليهمس: ليس جومالي..!، وسرعان ما زمجر غاضبًا وهو ينادي رجاله، فـ دلف أحدهم بسرعة بينما استقام الكبير وهو يُشير إلى الشاشة قائلاً: ماذا يحصل في المستودع؟ أين جومالي كوشوفالي ومن هذا المعلّق؟، ومن خلال عينيّ الرجل اللتين اتسعتا وهو يُحدق في الشاشة كان واضحًا أن أمرًا خاطئًا قد حدث، فقال بتردد: لا أعلم يا سيدي.. لقد حقنّا وعلّقنا جومالي كوشوفالي ولم يتراجع الرجال الذين وضعناهم هناك إلا بعد وصول الاخوة إلى المستودع، اقترب الكبير بغضب وهو يقول: كيف لا تعلم أيها ال***؟ هناك جثة معلّقة في المكان الذي كان من المفترض أن أشاهد فيه جومالي كوشوفالي بعيني!، ثم قبض على عنق رجله بقوة وأردف صارخًا: من الذي يلعب معي وبكم أيها الحمقى! من الذي يجرؤ على تخريب انتقامي؟ من يحاول العبث بانتقامٍ أفنيتُ سنوات عمري وأنا أخطط له!، نفى الآخر برأسه وهو يقول: والله فعلنا كما أمرت ياسيدي ولـ..، دفعه الكبير بعنف ثم تنهد بعمق وعاد ليلتفت وهو يُشير بسبابته يأمره: أريد أسماء كل من كانوا في المستودع، من أول حارس إلى آخر أحمق لمس الحبل.. الآن!، أومى رجله سريعًا وهمّ بالخروج ولكن الكبير أوقفه وهو يتبع: وابحثوا عن جومالي كوشوفالي.. أريده حيًا كان أم ميتًا هل فهمت؟، وحيثُ الأخوة.. تقدم ياماش الذي كان الأقرب إلى الجثة بعد سقوطها بفعل صالح وتفقدها ولكنه لم يتعرّف عليها، تقدم وليّ نحوه بينما همس الأشقر وهو يستقيم ويضع يديّه على رأسه: هل يلعب مجددًا؟ هل يلعب معنا عديم الشرف ابن ال***، التفت صالح حوله لوهلةٍ ثم استدار ينظر إلى داملا وابنة أخيه، ليقل بخفوت وغرابة: ربما يكون هذا فخ..، ولم يكمل جملتهُ حتى هتف متين الذي كان يقف بالقرب من البوابة بقلق: أحدهم قادم.. يبدو أنها الشرطة، فـ تراجع وليّ بسرعة وهو يقول بنبرةٍ عاليه: فلنخرج.. فلنخرج الآن!، ثم سحب ذراع ياماش ودفع صالح من كتفه وهو يقول: هيّا ارجوكم، خرجوا بلا روح.. وبعقولٍ مشغولة بأخيهم، ولاحقًا توقفت السيارات أمام منزل العائلة.. وفي سيارة صالح كان ياماش الذي يجلس بجانبه يغطي وجهه بكفّيه يائسًا.. اجل يائسًا تمامًا، فهو لم يخطر في باله منذ رأى ما رآهُ في ذلك المستودع سوى والدته حين اختُطفت، وحين وجدوا قطعة الشطرنج اللعينة تلك برفقة وشاحها، ثم وجدها اخيرًا.. ولكن أين؟ في المشرحة وقد ماتت مشنوقة، واما ذلك الأسمر الذي مسح وجهه وهو يتنفس بقوة ليقل بهمس: مستحيل.. لن يستطيع فعل شيء لأخي جومالي، هُنا ضحك ياماش وهو لا يزال يغطي وجهه، ضحك بغصةٍ وهو يقول بغير عقل: كان يشعر.. كان يودعنا، قال لي كونوا إلى جانب بعضكم، هو بعد والدتي.. لم.. لم نستطع حمايته، هُنا هتف صالح بنبرة عاليه: هاير! لن يحصل شيئًا كهذا، ثم ترجل مسرعًا ولكنه رأى داملا تتقدم نحوه بغضب رغم كاراجا التي تحاول منعها، لتقل بحدةٍ ووجع: أين زوجي؟ أين جومالي!!، مسّد صالح رأسه مع خروج إيفسون من المنزل ومن خلفها ليلى.. ثم أردفت داملا: ذلك الهراء في المستودع..، ترجل ياماش من السيارة وهو ينظر بتوهان.. بينما ابتلعت داملا ريقها بقوةٍ لتتبع وهي تنظر نحو الاثنان: ستجدونه! ستجدونه ياهذا فلديه ابنةً في الداخل تنتظره، ثم تراجعت إلى داخل المنزل وتبعتها كاراجا التي وضعت أحد كفيّها على معدتها وغطّت فمها بالآخر تحاول إخفاء رغبتها في التقيؤ.. صمت الجميع بقلق ليأتي محمود في لحظتها راكضًا بتردد وفي يده رسالة.. تقدم وليّ من خلفه وهو يسمعه يقول بنبرةٍ متردده مخاطبًا صالح الذي كان واقفًا مكانه بلا حراك: هذه لك يا أخي، التفت صالح ولمح أسم "الصغير" على الظرف، فالتقطها بعنف ومزقها إلى نصفين بغضب وهو يصرخ: فليذهب إلى الجحيم، ثم سمعوا صوت إيفسون التي هتفت: أخيك هو من ذهب إليه بقدميه يا ياماش، تجمد الأخير وبالمثل صالح من كلمات الأخرى بينما انحنى وليّ قبل اكين والتقط رسالة كارتال التي مزقها صالح وحاول جمعها بصمت، ليقل ياماش وهو يتقدم ببطء: ماذا؟ كيف!، ابتلعت الأخرى ريقها قليلاً ثم التفتت نحو ليلى التي تنظر بصمت ولكنها أومت لكي تشجعها على قول ما ستقوله، فـ عاودت إيفسون النظر إلى زوجها واقتربت اكثر لتقل: لإنقاذ ابنك..، ارتخت ملامح ياماش فورًا بغير فهم بينما اتسعت أعين الباقين باستغراب، ليقل ياماش بخفوت: مـ.. أي.. ابن؟، فأجابت إيفسون وهي تحاول منع غصتها: ابن نهير، ارتفعت ذراع ياماش بلا وعي ليضعها على صدره وضغط عليه بقوة بينما ظلّ بصره ثابتًا على ملامح زوجته التي حاولت الكلام اكثر لكن غصتها حالت دون أن تنطق بكلمةٍ أخرى، وحين لاحظت ليلى ذلك اقتربت قليلاً وهي تعقد ذراعيها إلى صدرها، وقالت بخفوت تشرح لهم ما أخبرتها به إيفسون قبل قليل أثناء غياب البقية وانتظار عودتهم: ذلك الرجل أيًا كان.. يبدو أنه هددّ أخيكم بابنك يا ياماش، الطفل الذي ذهبت إيفسون لتأخذه بطلبٍ من والدته وحين كادت أن تعود به إلى هنا اعترضوا طريقها واختطفوه أثناء الحادث الذي حصل، فلتت ضحكة من ياماش بينما وضع صالح ذراعيه على رأسه وهو يهمس: كنت أعلم أن الحادث لم يحدث من فراغ، ليقل ياماش بغير استيعاب: أنتِ ماذا تقولين؟ ابني؟ ابني من نهير؟ كيـ..، وسُرعان ما استدار وهو يضرب السيارة بقدمه صارخًا: لا تُفقدوني عقلي! لا تجعلوني أجنّ مرة أخرى!، فردّت إيفسون بنبرةٍ عالية: لم أكن أعلم ولم أستوعب الأمر سوى حين ذهب أخيك في الخامسة ليحضر الطفل ولكن لم يعُد أحدًا منهما حتى الآن، قاطعها صالح وهو يقول: الخامسة.. ماذا يعني هذا؟، تنهدت الأخرى لتُجيب: لقد أتى إلى المستشفى بالأمس حين استيقظت ليسألني وأخبرته بما حصل.. وحذرني ألا أخبر أحدًا منكم وخصوصًا ياماش، ثم تحدثت إليه صباحًا وقال في الخامسة مساءً سأحضره، تراجع صالح قليلاً مسترجعًا ومستوعبًا حُواره مع أخيه الذي لم يكُن حوارًا عاديًا بقدر ما كان حوار وداع، وتذكر رنين هاتف أخيه قُرب الخامسة مساءً وخروجه السريع بعدها ولم يراه أحد منذ ذلك الحين، ليقل ياماش وهو يرفع ذراعه: والآن! والآن تفكرين أن تخبريني! بعدما تمكن من استدراج أخي باستخدام ابني! أي ابن اساسًا؟ ابني الذي لا أعرفه!، ثم التفت نحو صالح وهو يقول: يقولون ابن يا صالح! أنا لا أعرف ابني! كيف عرفه ذلك ال*** الكبير! ابني واخي!، ثم تحرك بخطواتٍ سريعة نحو البوابة وقد فقد أعصابه، أمسكه صالح فورًا بحركة تلقائية ولكن الآخر حاول الإفلات من ذراعيّ أخيه وهو يقول بغصةٍ وضغط كبير: من بقيّ من العائلة! من بقيّ أيها ال***، توقف الجميع بصمتٍ وعجز بينما سقط صالح على ركبتيه برفقة ياماش حين إزدادت قوى وتشنجات الأخير وتمكنت منه هذه النوبة بقوة.. تراجعت ليلى بخوف وحزن بينما حاولت إيفسون الإقتراب وبالمثل وليّ واكين ولكن صالح منعهم وهو يحتضن أخيه من الخلف ويحاول تثبيت عنقه بيديّه اللتين ترتجفان بعجزٍ لم يعرفه من قبل بينما قلبه يتعصر ألمًا ووجعًا.. فلا أحد يلومهم على جنونهم وقلة حيلتهم حين تتوالى عليهم المصائب والمحن بشكلٍ صادم وموجع وغير متوقع.. لاحقًا حيثُ المكتب، استند صالح بثقل على أقرب كرسي، بينما ابتعد وليّ عن الأريكة وهو ينظر بشيءٍ من القهر، فقد نقلوا ياماش إليها بعدما غلبهُ النوم إثر النوبة التي اجتاحته، أغمض صالح عينيه وهو يضع أحد كفيّه على جانب رأسه بهدوء ويحاول التنفس بانتظام، تنهد وليّ وهو يعلم جيدًا أن الآخر يحاول تهدئة نفسه حتى لا يفقد عقله من كثرة الضغط، ثم أخرج الرسالة من جيبه.. رسالة كارتال وقال وهو يمدها نحو صالح: انظر إلى هذه الرسالة، اعتدل الآخر ببطء وهو يقول: لستُ في حالٍ لأقرأ رسائل كارتال، ثم مسح وجهه برجفه ليقل: ماحصل هناك خاطئ.. لماذا ينادينا لنرى جثة غريبة؟، كاد أن يتحدث وليّ ولكن الآخر أتجه نحو الباب وهو يردف: سأجده.. سأجد أخي، ياماش قال أنهم وجدوا مكان سنذهب إليه، وقبل أن يخرج فتح اكين الباب قبله ودلف قائلاً وقد سمع جملة عمه الأخيرة: للتو أتينا من ذلك المكان ياعمي.. فارغ مهجور لا شيء، حينها هتف وليّ بنبرةٍ عاليه: الرسالة تقول أن أخيك بخير!، توقف صالح وثبت في مكانه، ثم ما لبث أن التفت ينظر بصمت إلى وليّ الذي أردف: لم أفهم كيف يكون كارتال! ألم يمُت هذا الرجل؟ ثم انني لم أستوعب شيئًا من هذه الرسالة لكنها تقول أن أخاك بخير، هرع صالح فورًا والتقط الرسالة ليقرأها بعد أن جمعها بسرعة "أخيك وابن أخيك بخير أيها الصغير لاتقلق، انتظر اتصالاً حتى تتأكد وتطمئن" رفع صالح رأسه بغرابة نحو اكين الذي تقدم قليلاً وهو يقول بغير استيعاب: دقيقة! هل قُلتم كارتال ياعمي أم أنني أتخيل هذا؟، ليقل وليّ: دعك من هذا.. هل هذه الرسالة صادقة؟ وكيف! لم أفهم، ليقل صالح وهو ينظر إلى الفراغ: أخي بخير..، وكأنه كان يبحث عن أي خيطٍ ولو ضئيل يقول هذا وحين أتاه.. صدّقه فورًا، متشبثًا به كأملٍ يُطمئنه بأن أخاه بخير ولم يُصبه مكروه، ليقل اكين وهو يقترب قليلاً بتردد: امجا.. أنا لا أفهم شيء، ما علاقة كارتال؟ وهل عمي جومالي بخير حقًا؟، وعلى بُعد مسافةٍ بعيدة.. وفي وسط قاربٍ هائم فوق مياه البحر وقد شارفت الشمس على الغروب كليًا، استيقظ جومالي وفتح عينيه ببطء على أثر اهتزازات القارب تحت جسده بفعل اضطرابات أمواج البحر، اجل جومالي بشحمه ولحمه.. أعاد إغماض عينيه للحظاتٍ محاولاً استعادة وعيه كاملاً، آخر ما يتذكره هو وجوه الرجال المقنعين في ذلك المستودع وحبلاً معلقًا في منتصفه، ثم وخزة في رقبته و لاشيء آخر.. نهض فورًا وهو يمسح وجهه وحركة القارب غير المستقرة تكاد تزيد من دواره، تلفت حوله لوهلة.. بدا لهُ أنها غرفة صغيرة في أسفل قارب بحر، فهو قد لمح السلالم الخشبية الضيقة المؤدية إلى الأعلى، شرد وهو يشعر بغرابةٍ ثقيلة، هل مات؟ أم أنه يحلم؟ كيف يذهب إلى الموت بقدميه ثم يستيقظ هنا؟ نهض بحذر ومرّر يده على خصره سريعًا كعادته لكنه لم يجد سلاحه كما توقع، فـ تذكر رجال الكبير حين أخذوا سلاحه وقبعته ومسبحته وكل شيء.. ولكن هذا لم يمنعه من الصعود إلى الأعلى بشجاعة، صعد السلالم ببطءٍ شديد وتباطأت خطواته اكثر حين لمح ظهر رجل جالسًا يقود القارب وفي حضنه طفل صغير يلهو بهدوء، ظلّ جومالي واقفًا لثوانٍ يُحدق محاولاً استيعاب المنظر أمامه، المنظر الذي بدا أنه من صنع خياله أو حلمًا ما، وسُرعان ما اتسعت عيناه فجاءه حين أدرك، الطفل الصغير.. الطفل نفسه هو ابن أخيه، ذلك الطفل الأشقر الذي كان الكبير قد أرسل لهُ صوره! رفع الرجل رأسه ببطء دون أن يلتفت حين شعر بوجود جومالي، بينما تقدم الأخير بحذر وهو يقول: ياماش..!، كان يريد التأكد أكثر من أن الطفل هو ابن أخيه حقًا فالتفت الصغير بابتسامةٍ بريئة جعلت جومالي يتنهد بقوة وقد اطمئن أن طفل أخيه بخير، ترك الرجل ياماش جونيور الذي نزل من فوق الكرسي وذهب باتجاه جومالي وهو يقول: عمي جومالي..، انحنى الأخير ببطء ودهشه من معرفة الطفل له.. ليردف الصغير: سنذهب إلى أبي قريبًا حين ينتهي البحر أليس كذلك؟، لم يُجب الآخر بل تحرك بصره نحوه الرجل الذي لم يلتفت حتى الآن، فتقدم نحوه بحدّه وهو يقول: من أنت؟..
––––––––––––––––––––
مكتب الكبير..
تراجع من أمام النافذة وهو يضحك استهزاءً بعدما أخبره رجله بأن طفل ياماش قد اختفى من المكان الذي كانوا يُخفونه فيه، لحظاتٍ وتنفس بعمق رغم نيران الغضب التي تشتعل به ثم جلس ووقع بصره على الشاشة التي لا زالت تبث المستودع حتى الآن، ليرى رجال الشرطة يطوقون المكان، لم يأبه ابدًا، ولكنه في حيرةٍ من أمره.. هناك شخص ما يعبث به في الخفاء، يحرك الخيوط كما يعبث هو بحياة صالح تمامًا، هذا الشخص على ما يبدو هو من أنقذ جومالي.. وهو من أنقذ الطفل ايضًا، وربما.. وربما يكون سافاش بين يديّه، لحظاتٍ ومسّد عينيه ليهمس: فكر يا عدنان.. أعثر على ذلك الذي يعبث بك وعندها ستتمكن من إكمال انتقامك دون أن يُعرقله أحد، ثم رفع بصره مجددًا نحو الشاشة ليرى الشخص الذي جعله يتجمد لوهلةٍ في مكانه، ابنه.. داهان الذي كان يتجول في أرجاء المستودع بخطواتٍ هادئة وهو يقول بسخريةٍ غاضبة: لقد حصل استعراضٌ هنا، وثوانٍ حتى انحنى قليلاً ليتفحّص الجثة من بعيد وهو يردف: ماذا حصل وال***، وحين أنهى جملتهُ هذه سمعوا أحد أفراد الشرطة يقول مخاطبًا معاون داهان: هناك كاميرا مخفية في هذه الزاوية ياسيدي إضافةً إلى السماعات المثقوبة بالرصاص، فتقدم داهان مع قول معاونه الذي يمشي بجانبه: اتفقنا أنني أنا من سيتدبر أمور المركز لذا وجودك هنا خطأ يا داهان، أنت موقوف ولا يحق لك التواجد في مسرح جريمة، لم يُجب الآخر ليردف معاونه: أجل أنت أصمت وأفعل ما تريد وأنا من سيتحمل العقوبة إن علموا أنني أشركتك في مهمتي، فقال داهان وهو يطلب من أحدهم سُلمًا وقفازات ليتمكن من الوصول إلى إرتفاع الكاميرا وتفقدها عن قُرب: أنسيت كيف وصلنا نحن إلى مسرح الجريمة هذا؟
–لا.. وصلنا إليه من خلال جهاز التتبع الذي وضعناهُ في سيارة وليّ جوهر
=بالضبط، إذن التزم الصمت ونفّذ ما أقوله وإلا أقسم لك إن ظهرت براءتي وهي ستظهر قريبًا.. وعدتُ إلى مهنتي سأجعلهم ينقلونك إلى أبعد مركز في أطراف المدينة لتبقى هناك مع الكلاب الضالة
–إن كانت هذه الكلاب لا تنوي إرسالي إلى السجن العسكري كما تفعل أنت الآن فأنا راضٍ بذلك، ضحك داهان وهو يصعد على السُلم بعد أن ارتدى قفازاتٍ لتمنع بصماته من إتلاف الأدلة، مدّ ذراعه نحو الكاميرا.. وحينها تمعن الكبير في وجه أبنه القريب جدًا من الشاشة.. بادلهُ داهان وقد ارتسمت على شفتيه ابتسامة خفيفة، فقد راودهُ شعور غريب بأن أحدهم يراقبه، شعور جعلهُ يسكن لثوانٍ وهو يحدق في العدسة مباشرةً، وبسبب ابتسامة ونظرات ابنه هذه.. مدّ الكبير ذراعه ودفع الشاشة بقوةٍ خفيفه حتى سقطت من على الطاولة، ثم التقط قطعة شطرنج وراح يعبث بها وهو ينظر نحو النافذة بحدّه.. في المقابل انتزع داهان الكاميرا وتفحصّها جيدًا قبل أن ينزل من على السُلم ويناولها لأحد عناصر الشرطة وهو يسأل: هل نستطيع استخراج أي فيديوهات منها؟، تفحصّها الآخر قليلاً ليُجيب ببعض التردد: هذه الكاميرا تبدو احترافية والسؤال هنا ليس هل نستطيع استخراج التسجيل بل أين تم حفظ التسجيل، ليقل المعاون: أرسلها إلى الأدلة الجنائية وسنرى، ثم التفت نحو داهان ليردف: اذهب.. لا تورّط نفسك فـ محاكمتك قريبة، قلّب الآخر عينيه ليقل: صرعتني ياهذا حسنًا سأذهب، ثم اقترب قليلاً ليردف بخفوتٍ حذر: تأكد من هوية المقتول واجمع كل ما يخصه من معلومات وانتبه أن تخسر أيًا من هذه الأدلة، وتولّ الإشراف عليها بنفسك هل تفهمني؟، أومى الآخر مع تراجع داهان وقد رفع ذراعيه قليلاً وهو يخاطب جميع العناصر في الموقع: أيها العناصر المهذبون.. لن تفشوا أنني كنتُ هنا أليس كذلك؟، فأبتسم الجميع بصمت..
––––––––––––––––––––
الحفرة.. المكتب
وقد خيّم صمتٌ غريب، ولكنه ليس أشدّ غرابةً من ذلك الهدوء الذي أحاط بهم جميعًا، وليّ.. اكين.. وياماش الذي استيقظ منذ وقت ولكنه لم يتحرك من مكانه ابدًا، وكاراجا التي برفقتهم تجلس بجانب أخيها وهي تهزّ قدمها بتوتر، وصالح.. الذي كان جالسًا يسند ذراعيه إلى مرفقيه مُمسكًا بالورقة يُعيد قراءتها للمرة الألف وكأنه يبحث بين سطورها عن شيءٍ مجهول، ابتلع اكين ريقه ليقل: لماذا نجلس هكذا؟ هل سنُصدق رسالةً مجهولة المصدر وننتظر اتصالاً قد يكون كاذبًا؟، ليهمس ياماش: ليست كاذبة، هُنا استقام اكين ومسّد رأسه وهو يضحك قليلاً حتى قال: هل تسخرون مني يا عمي؟ أنا من قتلتُ ذلك الرجل! لقد فجّرته في تلك السيارة ولم أغادر المكان حتى رأيتها رمادًا، ليقل وليّ: هل أنت متأكد؟ عمك يقول أن هذه الرسائل كتبها كارتال قبل موته ولكن هذه الرسالة تحديدًا من الواضح أنها كُتبت اليوم.. الآن بالذات!، هُنا هتفت كاراجا بتشتّت: ما يُثير استغرابي حقًا هو ماحدث في ذلك المستودع، ليتبع وليّ: بالضبط، لماذا يدعوكم لرؤية جثة غريبة كما قال صالح؟ هل يعقل أن يكون كارتال إن كان حيًا فعلاً قد أحبط ما كان الكبير يخطط له؟، عاد اكين ليجلس واضعًا رأسه بين كفيّه بغير استيعاب وهو يتمتم: هل يعقل أنه لا يموت حقًا!، بينما تنهدت كاراجا ثم قالت وعينيها على عمها: كيف تتأكد من أن كارتال شخصيًا كتب هذه الرسائل ياعمي؟، وضع صالح الرسالة على الطاولة وتنهد قبل أن يُجيب: أعرف..، هُنا نهض اكين مجددًا وهو يقول غاضبًا: لن نجلس يا عمي، لن نبقى هكذا.. دعونا نبحث عنه ارجوكم، هنا استقام ياماش بسرعة وعنف وهو يصرخ: أين سنبحث؟ دلني على مكانٍ لعين واحد فقط وسننطلق إليه ركضًا فورًا، ليردّ اكين بذات الصراخ: إذن هل ندعهُ يموت ويذهب؟، أغلقت كاراجا أذنيها بخفه وثبت وليّ مكانه وهو ينظر نحو صالح الذي ارتخى بظهره مغمضًا عينيه وقد مدّ ذراعيه على مقبضي الكرسي وثبتها بإحكام وبطريقةٍ أثارت استغراب وليّ الذي لم يكاد يخطو خطوتان نحوه حتى دوى صوت رنين هاتف صالح، فانتفض الجميع بترقب بينما اعتدل صالح على الفور وأخرج هاتفه من جيبه، ودون أن يُلقي نظرة على الرقم أو يتفحصّه أجاب فورًا على الاتصال، ليأتيهم صوته.. صوت أخيهم وهو يقول: صالح.. ياماش، هرع الأخير فورًا نحو الهاتف وهو يقول: آبي! هل أنت بخير؟، بينما غطى صالح عينيه وهو يستوعب صوت أخيه.. ليُجيب جومالي بنبرة حانية يُطمئنهم: اجل بيبي.. لا تقلقوا أنا بخير، أبعد صالح كفّه ليقل: افتح الكاميرا أريد أن أرى وجهك، ليقل جومالي: كامـ.. ماذا؟ كيف افتحها؟، هُنا جثى ياماش على ركبتيه مستندًا على كرسي صالح وهو يضحك قائلاً: حقًا أنه أخي جومالي، ضحك صالح بالمثل وقد تلفت أعصاب الاثنان معًا.. بينما تنهد اكين بعمق وهو يتجه نحو النافذة ليأخذ نفسًا قويًا، ومسحت كاراجا وجهها وهي تبتسم بإرتياح، وعند جومالي.. تقدم الرجل الذي معه على متن القارب ومدّ ذراعه نحو الهاتف وهو يحاول كتم ضحكته مع نظرات جومالي الحادة التي تكاد تخنقه، ضغط الرجل بإصبعه على الشاشة حتى ظهر اتصال الفيديو، وفي المكتب أتاهم صوت جومالي الذي وضع الهاتف أمامه حتى تظهر صورته وهو يقول: هل هكذا جيد؟، تنهد الاثنان بخفه وفورًا لاحظا البحر المُمتد خلفه.. ليسأل صالح: أين أنت؟ وماذا حصل؟، ليصرخ ياماش: هل ستُفقدنا عقولنا ياهذا؟ كيف تفعل شيئًا كهذا؟، رفع جومالي حاجبيه غاضبًا رغم تفهمه لغضب اخوته، ليتبع صالح: أخبرني هل أنت بخير حقًا؟ هل حصل لك شيء؟، ابتسم جومالي ليقل: أنا بخير يابني لم يحصل لي شيء، وأنا على متن قارب في وسط البحر، ليسأل صالح بعد أن ابتلع ريقه: قارب ماذا؟..، ولكن ياماش قاطعهُ وهو يسأل بتردد: وابـ.. ابني؟، تنهد جومالي وهو يُجيب دون الدخول في أي تفاصيل حاليًا: بخير، ليسمع صوت صالح الذي قال: من معك في القارب؟، هنا تحرك بصر جومالي حتى وقع على الرجل الذي ثبت مكانه حين سمع هذا السؤال، ليردف صالح: أخبرني هل..، تنهد جومالي بحدّه ثم قال مقاطعًا أخيه وقد أتاهم صوتهُ متقطعًا بسبب سوء التغطية: سأخبركم لاحقًا بما حدث، المهم الآن.. لا أستطيع إطالة الحديث، سيأتيكم موقع احفظوه جيدًا لأن هذا الرقم سيتلف، ستأتون إلى الموقع بعد ساعتين، وانقطع الاتصال لتصبح الشاشة أمامهم سوداء، وهُنا أسند الأشقر رأسه على ذراع صالح وهو يمسّد صدره بألمٍ كان ينهشه بقوة، بينما وضع صالح الهاتف على الطاولة وتراجع قليلاً إلى الخلف وعيناه لا تفارقان الهاتف، وعاد الصمت يخيّم على المكتب حتى نهضت كاراجا ومسحت وجهها وهي تقول: الحمدلله هو بخير.. سأذهب لأخبر داملا، وخرجت مع تقدم اكين الذي قال: يعني الرسالة صحيحة؟ كيف..! كيف يحصل هذا؟، تنهد وليّ بتشتّت وعدم فهم حقًا الأمر معقد حتى الآن، بينما ظلّ الأخوين على حالهما للحظاتٍ حتى أضاءت شاشة هاتف صالح برسالةٍ واردة، فالتقطه فورًا ورفع ياماش رأسه مترقبًا ليسأل: هل أرسل الموقع؟ أين؟، فقال الاخر بعد أن تفقد الرسالة: ميناء ^^^، ليقل وليّ فورًا: ليس بعيدًا كثيرًا عن هنا.. إذن سنرسل بعض الشباب ليكونوا هناك، ليهتف اكين: ألم يقل بعد ساعتين؟، فأجاب وليّ: وإن يكن؟ سيكونون الشباب هناك حتى تمضي هذه الساعتان، وخرج ليلحق به اكين.. وبقي صالح وياماش الذي شدّ على ذراع أخيه وقد عاد ليستند برأسه عليها: ماهذا؟ ماذا يحصل لنا؟ كيف تنقلب الأمور رأسًا على عقب خلال ساعة واحدة فقط!، صمت الآخر وهو يغمض عينيه ويشدّ على هاتفه بذراعه الأخرى، ليردف ياماش وقد ظهرت الغصة في صوته رغمًا عنه: يقولون ابني ياصالح، ثم رفع رأسه ومسح وجهه قليلاً لينظر إلى أخيه بعينين حمراوتين، ثوانٍ حتى قال مجددًا: أنا قلت لك قديمًا سيكون لديّ ابنان..، فتح صالح عينيه وابتسم رغمًا عنه ليقل: اجل.. سمعت تلك المكالمة في أفغانستان ولم أفهم شيئًا وال***، ضحك ياماش من بين دموعه ثم سحب صالح رأس أخيه حتى أسنده على كتفه وهو يقول: لقد سمعنا ورأينا.. الجميع بخير وستلتقي بأبنك قريبًا حسنًا؟ لا تجهد نفسك كما حدث اليوم لقد أخفتني يابني، ابتلع ياماش ريقه وأومى بخفه، وفي هذه اللحظة ابتعد صالح بهدوء مغلقًا باب المكتب خلفه، ثم تقدم بخطواتٍ متثاقلة ومشى مسافة حتى انحنى واستند بذراعيه على ركبتيه محاولاً استيعاب ما حصل وتهدئة قلبه الذي يكاد يتوقف من القلق والضغط الذي يُحيط به من كل جانب، وعندما فتح عينيه شعر بالأرض تدور من حوله بشدّه.. أخذ نفسًا عميقًا ليأتيه بعدها صوت إيفسون التي هتفت: هل الطفل بخير؟، رفع رأسه ببطء دون أن يُجيب، ولم تنتظر الأخرى إجابة من الأساس إذ أسرعت متجهةً إلى المكتب حيثُ زوجها، عندها وقع بصره على ليلى التي كانت تقف أمام باب المنزل بهدوء، رمقها لوهلةٍ ثم اعتدل وتقدم نحوها ببطء حتى جلس على إحدى درجات السلالم، فـ اقتربت هي بالمثل وجلست بجانبه واضعةً ذراعها برفق على كتفه وكأنها تريد منحه بعض الثبات، بينما كان هو يمسح وجهه محاولاً استجماع نفسه.. لحظاتٍ ومدّت ذراعها الأخرى لتناوله علبة ماء وهي تقول بخفوت: كاراجا أخبرتنا.. الحمدلله أخيك بخير وتكلمتَ معه وكل شيء سيكون على ما يرام، التقط علبة الماء منها وهو يتنهد بخفه وقد تلاشى دوار رأسه قليلاً، ولكنه قبض عليها دون أن يشرب منها، وحين شدّت ليلى اكثر على كتفه مال برأسه حتى أسندهُ على كتفها بصمت.. فابتسمت بهدوءٍ لا يخلو من الحزن واكتفت بإحاطة كتفيه بذراعيها دون أن تتفوّه بأي كلماتٍ مبتذلة، وفي المكتب.. قالت إيفسون وهي تتقدم نحو ياماش الذي يجلس وهو يمسّد رأسه: هل هو بخير؟ هل ياماش بخير؟، نهض الآخر وهو يومي برأسه ساخرًا ليقل: وأسمه ياماش..، ثم ركل الطاولة بقوة وهو يصرخ: أخي كاد أن يموت يا إيفسون!، لتصرخ الأخرى بالمثل: لم أكن أعلم! كم مرة قلت أنني لم أكن أعلم؟ لم يخبرني أخيك أنه ذاهبٌ إلى الموت ولا أن ذلك ال*** استدرجه بالطفل ولم أستطع إخبارك، ليقترب الآخر وهو يقول بحدّه: لم تستطيعي!! أنا من كنتُ إلى جانبك منذ أن استيقظتي وحتى خرجنا من المستشفى، بل وكنتُ نائمًا بقربك الليلة الماضية ايضًا.. لم أذهب إلى أي مكان فكيف تقولين أنكِ لم تستطيعي إخباري؟، أرجعت الأخرى شعرها إلى الخلف ثم زفرت بقوة لتقل: كنت سأخبرك.. حين قلت لي اليوم أن أخيك يتصرف بغرابة، لكنك ذهبت بعد أن ندهَ عليك صالح هذه المرة أنت ذهبت، تأوه الآخر من صداعه وهو يستند على طاولة المكتب الكبيرة، ولحظاتٍ حتى قال بخفوت: أخبريني بما حدث، ومتى وكيف ذهبتي لإحضاره من والدته، أخبريني بكل شيء دون أن تتركي تفصيلاً واحدًا، فتنهدت الأخرى وجلست لتقل: أولاً أخبرني هل هو بخير؟، أومى ياماش برأسه ثم أخبرته الأخرى بكل شيء حصل، بداية من إتصال نهير ثم ذهابها إلى الشاطىء وصولاً إلى الحادث وما تلاه..
––––––––––––––––––––
الميناء.. وقد حلّ الليل
توقفت السيارات بعيدًا قليلاً وفي النقطة التي حددها الموقع بالضبط.. ترجلوا ليُقابلهم متين ومن خلفه جيلاسون وميكي، تقدم متين وهو يضع ذراعيه في جيوبه بسبب برودة الطقس القارسة، ليقل مخاطبًا ياماش: لقد وصل قاربان منذ عشر دقائق ولكن لم ينزل منهما أحد، وأتبع جيلاسون على كلام متين: ونحن لم نتدخل أو نفعل شيئًا ننتظر وصولكم يا أخي، قبض صالح على سلاحه بهدوء وبالمثل ياماش الذي قال: فلنذهب.. وأبقوا حذرين، تأهبوا جميعًا وتقدموا برفقة إيفسون وداملا بالطبع.. فـ إحداهن تنتظر زوجها قلقةً، والأخرى تحمل على عاتقها مسؤولية طفلٍ في أمانتها تريد عودته والاطمئنان عليه، وقبل أن يقتربوا كثيرًا.. خرج من إحدى القاربان جومالي وهو يُمسك بذراع ياماش جونيور، ركضت إيفسون فورًا نحوهم مبتسمة، بينما تنفس البقية جميعًا دون استثناء الصعداء براحةٍ لرؤيتهم لأخ الحفرة جومالي بخير وسلامة، اقترب الأخير وناول إيفسون الطفل بعد أن حمله لينقله إلى الجانب الآخر خارج القارب، فاحتضنته إيفسون وراحت تُقبله بخفه وهي تُردد "أنت بخير.." وكأنه ابنها، واقترب صالح نحو أخيه بخطواتٍ مسرعة تمزج بين الراحة والغضب، انحنى قليلاً ومدّ ذراعه ليُمسكها جومالي الذي قفز وهو يُمسك معدته التي تقلّبت بفعل البحر، وزادت لوعته حين هزّه صالح بسبب عناقه له.. لكنه شدّ على ظهر أخيه وهو يقول: أنا بخير يابني، وخلال ثانية دفع صالح أخيه وابتعد عنه بغضب ليقل جومالي بدهشة: ببطء ياهذا!، ثم صمت وقد فعل حركة فمه المعتادة فـ كان يتوقع غضبهم وزعلهم هذا، ليُفاجئه الأصغر أيضًا بعناقٍ لا إرادي، عناقٍ شدّ عليه ثم بدأ يربت بل يضرب ظهر أخيه بعنف وهو يقول: يا ليتني أستطيع كسر رأسك، ثم ما لبث أن دفعهُ هو الآخر كما فعل صالح قبل قليل وابتعد غاضبًا، زفر جومالي ثم قال وهو يُشير بسبابته: انظر بيبي إن تحدثت معي بهذه الطريقة مرةً أخرى فأنا من سيكسر رأسك، كان اكين الذي ابتعد عنهم قليلاً يقترب ببطء من القارب وهو ينظر بحذر ويشدّ على سلاحه قاصدًا تفقد الشخص الآخر الجالس في ذلك القارب المظلم.. بينما جثت إيفسون على ركبتيها وشدّت على كتفيّ الطفل وهي تقول: ألم أقُل لك أننا سنذهب إلى والدك؟، ثم أشارت نحو ياماش وهي تردف: انظر هذا هو..، انحنى ياماش وهو ينظر بغصةٍ ودهشه، فتقدم الطفل نحو والده بهدوء حتى وقف أمامه، ليقل بنبرةٍ بريئة "بابا" ثم احتضنه بعدها فورًا فاشتعلت غريزة الأب في الأشقر الذي شدّ على حضن ابنه وهو يقول "بني.." ثم قبّله من رأسه وهو يلثم رائحته.. أبتسم جومالي بخفه وتنهد صالح بإرتياحٍ يشوبه غصة وهو يُشيح بنظره، وفورًا قاطعهم صوت صفعةٍ قوية، فـ رفع الجميع رؤوسهم نحو جومالي الذي كان يمسك خده بنظرةٍ حادة مُدهشة نحو داملا التي تُبادله بغضبٍ كبير، ولكنها لم تقل شيئًا ولا حتى كلمة واحدة.. بل اكتفت بهذه الصفعة التي اختصرت كل شيء وتراجعت إلى السيارة، ليسمعوا صوتًا ساخرًا قادمًا من القارب: يا لهيبة الرجل التي تتبدد حين يُواجه المرأة، أغمض صالح عينيه حين سمع هذا الصوت ولم يلتفت فـ سماعه كان كافيًا.. ومال جومالي برأسه غضبًا من كلام الآخر، واكتفى ياماش الذي لا زال يحتضن ابنه بنظرةٍ ساخرة، واما اكين.. فقد شدّ على سلاحه اكثر وهو يتراجع بعدم استيعاب، ساد صمتٌ ثقيل تقدم بعده صاحب الصوت حتى ظهرت لهم هيئته مبتسمًا وهو يعبث بسيجارةٍ غير مشتعلة بين أصابعه الأربعة، فقد كان الخنصر مفقودًا.. بل مقطوعًا، اتكئ على جدار القارب بنفس النظرة الباردة والساخرة التي يعرفونها ولكن هذه المرة بندبةٍ واضحة تخطّت جفن عينه السفلي خلّفها الانفجار الذي نجا منه.. ليردف بنفس ابتسامته وقد نظر إلى اكين تحديدًا: ألم أقل لك أنني لا أموت أيها الولد؟
إلى اللقاء في البارت القادم..

لا يوجد سوى الألم..حيث تعيش القصص. اكتشف الآن