"أنظر إلى عدونا وأنا سأنظر إليك يا أبن أبي لاتقلق.."
حدّق جومالي لثوانٍ نحو أخيه الذي يرتخي بين يديّه وقد تلاشت انفاسه أثر كتمه لدموعه، رفعهُ بعدها بشدة وقوة وهزّه وهو يقول صارخًا بغضب وقهر: لن تفعل!، ابتعد صالح قليلاً واتكئ بيديّه على الأرض يتنفس بعمق، ثم ما لبث أن رفع رأسه نحو أخيه وعقد حاجبيه، ليسأل بخفوت: أنت..؟ كيف؟، ليقل جومالي وهو يتمعن في الآخر: ليس الآن..، ثم أخذ هاتف صالح من على الطاولة ووضعه أمام أخيه وهو يقول: أسمعني يا صالح.. أرجوك ساعدني وأبقى في وعيك وأتصل على ياماش حسنًا؟ أنا سأذهب لأتفقد الخارج، ليهمس صالح بعد لحظه: لاتقلق.. لقد غادروا، التقط جومالي سلاحه بهدوء وذهب ناحية الباب دون أن يردّ، بينما أمسك صالح هاتفه بأيديٍ ترتجف، خرج جومالي يفتح الباب ببطء وحذر وهو يشدّ على سلاحه الذي في يده، ليرى أمامه أشجارًا كثيرة.. على مايبدو أنهم وسط غابةٍ ما حتى وقع بصره على سيارة بالقُرب من المكان، ضيق عينيه قليلاً ليتأكد من أنها سيارة صالح.. لم يذهب إليها بل عاد إلى الداخل حيث أخيه، ليجده يقلب الهاتف بين يديّه وعندما لمحه صالح قال: فتحته ولكن انتهى شحنه قبل أن أتصل، ليلتقط جومالي الأغراض جميعها ومدّ ذراعه نحو أخيه وهو يقول: أتركك منه.. هل تستطيع النهوض؟، نظر صالح نحو أخيه للحظاتٍ وقد شعر بأكثر شيء يكره.. الشفقة، فتجاهل ذراع أخيه ونهض متحاملاً على نفسه، لم يكن الوضع سيئًا كما كان قبل دقائق.. يبدو أن تأثير ما وضِع لهُ في ذلك الشراب يخفّ تدريجيًا، نهض صالح بقوة وأحد كفيّه يقبض على الهاتف بإحكام تحت أنظار جومالي الذي عرف ما يشعر به الآخر فتراجع بخفه، خرجا.. وحين رأى صالح سيارته ابتسم ساخرًا بقهر، فيا ليت ذلك الكبير يقتله وينتهي بدل أن يعبث بحياته هكذا.. يجلبهُ ليكسره ويدمره ثم يتركه مع أشياءه وكأن شيئًا لم يحصل، التقط جومالي المفتاح من فوق مقدمة السيارة وهو يتنهد بغضب، وصعد إلى مقعد السائق وشغل المحرك ليتحركا، بينما في الحفرة حيثُ ياماش الذي يجلس وهو يضع يديّه على رأسه وعلى بُعد خطواتٍ منه وليّ الذي يتفقد فرحات ورجله وهو يتمتم بكلماتٍ تبدو كالشتائم الظاهرة من قلقه.. هتف فرحات بنبرةٍ خافته ويائسه: انقطعت الإشارات جميعها وموقعهم ليس واضحًا يا أخي، التفتوا جميعهم في لحظتها إلى الأشقر الذي ضرب رأسه بقوة مراتٍ متتالية، فتقدم وليّ فورًا ومنعه بإمساك يديّه وأبعادها ليقل بهدوء: اهدأ يا ياماش!، فنفى الآخر برأسه وعاد ليضربه بخفه وهو يقول: كانوا هنا.. كانوا هنا قبل ساعتين أمامي، كيف يحدث؟ كيف اختفى أثرهم هكذا كيف!، عمّ الصمت للحظة ثقيلة وقلقِه حتى هتف وليّ بهدوء: سنجدهم.. لاتقلق، رفع ياماش رأسه ليقل: أخي جومالي بعد والدتي.. أنا خائف يا وليّ، نظر الأخير ولا يعلم ماذا يقول بينما تلك الكلمة التي قالها جومالي منذ أسبوع.. "أنا التالي بعد والدتي" أو بالأحرى سمعها من كنان كانت ترنّ في رأس ياماش الذي كان يخاف في كل ثانيةٍ أكثر من التي قبلها، كان خائفًا على صالح بالطبع ولكنه بسبب هذه الكلمة تضاعف خوفه أكثر وأكثر على أخيه جومالي خصوصًا.. نهض بسرعة وهو يقول: سنبحث في كل مكان، ليقل وليّ فورًا: هذا مستحيل! انتظر قليلاً لنتأكد من كل شيء ثم سنفعل ماتريد، نظر ياماش إلى وليّ بشيءٍ من الخوف والغضب والحزن، ربت وليّ على أكتافه بخفه واستدار سريعًا عائدًا إلى رجله وفرحات، وعودةً إلى الإثنان.. التفت جومالي الذي كان صامتًا قلقًا ومستغربًا من أخيه الذي كان ينظر إلى الأمام بنظرٍ شارد، لم يسند رأسه أو ذراعه.. بل كان يجلس بشكل عادي ومستقيم، عاد جومالي بنظرة إلى الطريق وهو يتنهد بخفه، يعلم أنه ليس الوقت المناسب للكلام أو حتى السؤال.. فتابع القيادة بذاتِ صمته، لحظاتٍ حتى هتف صالح بخفوت وهو ينظر إلى الأمام: أذهب إلى المستشفى، التفت جومالي بغرابة ليقل: ماذا؟ هل بك شيء؟، فعاد صالح قوله بجمود: أذهب إلى المستشفى، سادت لحظة صمت حتى قال جومالي مجددًا: هل أصابك سوء؟ ماذا أعطاك ذلك ال*** أخبرني، لم يُجب صالح وكأنه لا يريد تشتيت عقله عن ما يفكر به الآن.. ولا يفكر سوى بموضوع إدمانه على الأدوية الذي تفوّه به الكبير وأيضًا سر معرفة الكبير بهذا وكيف عرف.. بينما زفر جومالي بقوة وشدّ على المقود غضبًا من صمت أخيه، توقفا أمام مستشفى الحفرة بعد وقت فنزل صالح بسرعة متجهًا إلى الداخل، بينما التقطت أعين جومالي قبل لحاقه بأخيه أحد شباب الحفرة في اروقة المستشفى الخارجية فندهَ عليه ليأتيه الآخر ركضًا وهو يهتف: أخي جومالي! نحن نبحث عنكم، فقال الآخر: حسنًا لا تُطيل.. نحن بخير أذهب وأخبر ياماش وقُل له سنأتي بعد قليل، وفي الداخل توجّه صالح فورًا إلى مكتب الطبيب فريد.. دون موعد دون أن يسجل أسمه كمراجع حتى، فتح باب المكتب ليجد فريد يتكلم مع مريض له، ليقل صالح فورًا مخاطبًا المريض: أعذرني وضعي طارئ وأريد أن أتحدث مع الطبيب، ليقل فريد باستغراب: انتظر دقيقة يا أخي صالح، رفع الأخير اصبعه في وجه فريد وكأنه يُصمته بأدب، وأعاد بنظره إلى المريض الذي نهض وهو يومي إلى الطبيب بخفه، فقال فريد: لا تؤاخذني.. وتعال غدًا لنكمل المراجعة ياعمي، خرج المريض مع دخول جومالي الذي وقف بجانب الباب صامتًا، تقدم صالح نحو مكتب فريد الذي وضع مرفقيه على الطاولة وهو ينظر بعتاب، توقف صالح ليقل وقد انحنى قليلاً يسند يديّه إلى المكتب: منذ متى؟، عقد فريد حاجبيه بعدم فهم ثم التفت بعينيه نحو جومالي الذي ينظر بحدّه وهو يعلم ما يقصده أخيه، ليردف صالح: منذ متى وأنا مدمنٌ على الأدوية؟، تنهد فريد في لحظتها عندما فهم غضب الآخر ثم قال: أولاً اهدأ..، ظلّ صالح صامتًا ينتظر اجابة الاخر فأردف فريد: منذ فترة قصيرة جدًا، ضيق جومالي عينيه بينما قال صالح وهو ينظر بحدّه: وأنا للتو اعرف؟، تنهد فريد بخفه وكاد يقول شيئًا لولا صالح الذي ضرب الطاولة ليقل: هل تعطيه تقريرًا كل يوم عن حالتي وتجعله يعلم بكل شيء؟، رفع فريد يديّه قليلاً وهو ينظر باستغراب ليقل: اليس أخوك؟ كان قلقًا عندما علم بالأمر وطلب إخفاءه عنك لأنه يعلم بأنك لن تتقبل هذا، تحولت ملامح صالح لأخرى مُدهشة، ليقل بخفوت: ماذا؟ من تقصد؟، كان صالح من غضبه يقصد الكبير وبأن فريد يُعمله بوضعه بشكلٍ ما.. ولكن فريد قال بعد لحظة صمت: اقصد السيد ياماش.. تناقشنا في هذا الموضوع قبل أسبوع ونصف تقريبًا عندما أتيتَ إلى الطوارئ مغشيًا عليك وطلب مني ألا أخبرك
<<فلاش باك>>
ليلة كشف سّر اكين.. وسقوط صالح آنذاك واستيقاظه في المستشفى صباحًا، حين خرج هو واكين ذهب ياماش إلى مكتب فريد للإطمئنان على أخيه قبل أن يخرج.. دخل وبعد جلوسه هتف فريد: لم أستطع التحدث مع أخيك أو معكم بشكلٍ جيد، وبصراحة حاولت أن أتكلم مع أخيك الكبير لكنه ربما يغضب بسرعة ولا يُصغي، مسح ياماش رأسه متعبًا ثم قال: أخبرني أنا.. وبكل صراحة أيها الطبيب لا تخفي عني شيء، استقام فريد من خلف مكتبه واتجه ليجلس أمام ياماش، عمّ الصمت للحظات انقبض بها قلب ياماش فقد شعر بأنه يوشك على سماع شيء سيء، ليقل فريد: أخيك صالح .. بدأ أو دخل في مرحلة اعتياد.. أو بمعنى تفهمه إدمان على أحد الأدوية، تجمد ياماش مكانه للحظات وهو ينظر بصدمة، ليقل: كيف؟ هو يأخذها لأنك وصفتها له كيف تصبح إدمانًا؟، ليقل فريد: أجل.. وصفته له كمسكّن لآلام رأسه المزمنة التي كان وما زال يعاني منها، لكن جسده اعتاد عليه وأصبح يطلب المزيد لتخفيف الألم، ومع الأسف لم يعد يستخدمه كعلاج فقط بل كحاجة جسدية ونفسية يومية وهنا تحديدًا تبدأ مرحلة الاعتياد الجسدي أو الإدمان، وضع ياماش رأسه بين كفيّه وهو يقول: ارجوك يالله.. ليس مجددًا، فقال فريد بعد لحظات: أعلم بأن جسده قد مرّ بهذا الشيء من قبل وأعلم أن أخيك قوي.. حقًا هو شخص قوي ولهذا لا يريد الاعتراف بضعفه لذلك أريدك أن تتحدث معه اليوم وتأتوا لنضع خطة علاج جديدة، ظلّ ياماش يخبئ وجهه لدقائق حتى استجمع نفسه ثم رفع رأسه ليقل: لن أخبره.. ليس الآن، عقد فريد حاجبيه ليردف ياماش: صدقني إن عرف الآن في حالته هذه سيغضب من نفسه ويرفض العلاج..، أغمض فريد عينيه بقلة حيله ثم قال: أعرف أنه لن يتقبل هذا بسهولة.. ولكن إخفاء الأمر قد يزيد الخطر فهناك أعضاء في جسده ستتأثر من هذا الاعتياد ومناعته ليست جيدة كثيرة، صمت الإثنان للحظاتٍ حتى هتف فريد مجددًا حين رأى نظرات ياماش التي تترجم الرجاء: لكن يمكنني أن أتعامل مع هذا الوضع بطريقة مختلفة.. سأبدأ بتخفيف جرعاته تدريجيًا وتغيير الأدوية إلى بدائل أضعف، ولكن سيواجه بالطبع بعض الأعراض، اومى ياماش بخفه مقتنعًا دون تردد، فكتب فريد وصفة أدوية جديدة وشرح بعض الأمور لياماش.. ياماش الذي حمل هذا الهمّ لوحده آنذاك خوفًا على أبن أبيه..
<<نهاية الفلاش باك>>
أرخى صالح رأسه ببطء وهو يغمض عينيه بقوة وقد ضاق صدره، ولكنه سرعان ما رفع رأسه وهو يقول: لهذا تغيرت الأدوية..، ثم استدار خارجًا دون أن يكمل الحديث فمنعه جومالي الذي أمسك ذراعه بخفه والآخر لم يقاوم بل توقف وأخذ نفسًا عميقًا، ليهتف جومالي مخاطبًا فريد: أيها الطبيب.. هل أنت من أجرى العملية لأخي في ذلك الوقت؟، أومى فريد بخفه ليسأل جومالي مجددًا: حسنًا هل أتى أحد وسأل عنه؟ احدًا ليس منّا يعني، شرد فريد قليلاً ومن ثم نفى برأسه ليقل: وأنا بالطبع لن أُدلي لأحدٍ غريب بمعلومات مرضاي وخصوصياتهم، أومى جومالي ليقل: جيد..، ومن ثم رمق أخيه بخفه مترددًا بإخبار الطبيب بأنه تعاطى شيئًا في ذلك الشراب، ولكن جملة صالح اصمتتهُ كليًا وجعلتهُ يتراجع عن ما كان يريد قوله.. صمت حين سمع أخيه يمسد عينيه وهو يقول: أريد أن أنام، فشدّ جومالي على ذراع أخيه قهرًا وتراجعوا إلى الخارج، وفي منزل العائلة بعد دقائق.. خرج ياماش بسرعة من المكتب وهو يبحث عن مفاتيح سيارته.. وخلفه وليّ فقد أتى الشاب وأخبرهم بقول جومالي بأنهما بخير في المستشفى، فلم يترددا في الذهاب وخصوصًا ياماش خوفًا من أن شيئًا حصل لصالح، لتستوقفهم سيارة الأخير التي دخلت من البوابة وتوقفت في موقفها بالقُرب منهم، مسّد ياماش صدره بعنف حين رأى أخيه الأكبر يترجل من السيارة وبجانبه صالح، فتقدم بسرعة يعانق جومالي الذي بادله بصمت، فصل عناقه وهو يقول: الحمدلله، والتفت حين رأى صالح يخطوا بخفه وببطء ينوي الذهاب إلى المنزل ولكنه ينظر إلى ياماش، فتوجّه الأخير نحوه فورًا حتى توقف أمامه ليسأل بخفوت وبملامح قلقه: هل أنت بخير؟ قالوا لي أنكما ذهبتما إلى المستشفى ماذا حصل؟، وبتعب.. وبخطواتٍ ثقيلة تقدم صالح حتى حاوط ياماش بذراعيه معانقًا إياه بوهن وإرهاق، بادله ياماش بقوة خفيفة ولكنه لم يمنع نفسه بعد ثوانٍ من أن يلتفت نحو جومالي متعجبًا ومتسائلاً وخائفًا، ليجد الأكبر يستند بذراعيه على السيارة وهو ينظر أرضًا، فتملكه الخوف أكثر، ابتعد صالح قليلاً ليقل ياماش: لقد فقدت عقلي حين اخبرني وليّ بأن احدهم قتل مراد وأخذك، اتسعت عينا صالح شيئًا فشيئًا جعلت ياماش يصمت، التفت صالح نحو وليّ ببطء ليهتف بترددٍ وخفوت: مراد..؟، أغمض وليّ عينيه بينما قال ياماش بخفوت وندم: ظننتُ أنك تعلم..، أبتسم صالح بحزن وقهر ليهمس وهو يُشير بإصبعه: سآخذ حق الجميع.. وأولهم سعادات، ودلف إلى الداخل تحت أنظار ياماش الذي التفت نحو أخيه الأكبر ليقل بقلق وبدون نفس: ماذا حصل؟ أين كنتما؟ من أخذكم؟، فقال جومالي: الآن أذهب ولا تُفارق أبن أبيك وأنا سأخبرك لاحقًا، دلف ياماش إلى الداخل خلف أخيه فلمحه يذهب إلى الشرفة، ولكنه قبل أن يذهب توقف قليلاً والتفت نحو جومالي الذي دخل خلفه ليسأله بحدّه وغضب: كيف سأكون بجانبه وأنا لا أعلم ماذا حصل معكم يا أخي؟ حبًا فالله أخبرني فأنا أكاد أجّن هُنا، فقال جومالي بغضب وحدّه: لقد جعله ذلك ال*** الكبير يرى مقتل سعادات، انهارت ملامح ياماش فورًا ونظر بغير استيعاب.. وما هي إلا لحظات حتى استند على أقرب شيء بلغته ذراعاه فهو كاد يسقط لوهلةٍ من وقع ماسمع، بينما اكمل جومالي: ذلك اللعين هو من قتلها ليس العم ال***، تقوست شفتي ياماش ليقل: هاير.. لم يحصل يا أخي، ارجوك قُل لي بأن هذا لم يحصل، ابتلع جومالي غصته وقال وهو يُشير بسبابته إلى صدره: وجعلني أرى صدمته وأنا مُقيد اليدين لا أستطيع فعل شيء، ومن ثم توجّه ناويًا الذهاب إلى الشرفة ولكن ياماش أمسكه بقوة، التفت جومالي ليُقربه الأصغر منه وهو يقول: لا تذهب.. دعه، نظر جومالي إلى أخيه الذي كان على دراية كاملة بما يشعر به أبن أبيه الآن حقًا.. فمن اختبر هذا الألم وعاش وطأته يعرف تمامًا أثره على الآخرين ويعي أيضًا ما قد يُخفف عنهم هذا الثقل قليلاً، مسح ياماش وجههُ وهو يحاول استجماع نفسه لثوانٍ ثم التفت متجهًا نحو الأعلى، بينما عادت خطوات جومالي إلى الخارج بقهرٍ شديد، لاحقًا.. نزل ياماش برفقة إدريس وقبل أن يقتربا من الشرفة جثى على ركبتيه أمام إدريس وهو يُمسك بيديّه، مسح وجهه قليلاً ليقل مُخاطبًا الصغير بهدوء: والدك حزين امجاجم..، صمت إدريس ينظر ببراءة ولم يقل شيئًا ليردف ياماش: ألم تقل لأبيك بأنك لن تتركهُ لوحده وستكون بجانبه مهما يحصل؟ ألم تتعاهدا بذلك حين ذهبت أمك إلى المكان الأفضل؟، أومى الصغير ليُكمل ياماش بعد أن تنهد بقوة ليمنع دموعه: أنه حزين على والدتك.. أذهب إليه يابني، أتجّه إدريس نحو الشرفة ليجد والده يستلقي على الأريكة بصمتٍ وشرود وحين أقترب لمحه صالح وحاول الاعتدال ببطء وهو يراقب أبنه يتقدم نحوه، جلس إدريس بجانب والده الذي كان يتكئ بإحدى يديّه ولم يستقم بشكلٍ جيد، ليقل صالح بهدوء وهو يمسح على رأس أبنه: هل حصل شيء يابني؟ هل تريد هاتفي مرةً أخرى؟، ليقل إدريس: هاير.. هل أنت حزين بابا؟، نظر صالح إلى أبنه لوهلةٍ ثم بلع ريقه ليقل: لا يابني لماذا تسأل؟، ولكن الصغير في لحظة صغيرة أقترب وسحب بذراعيه الصغيرتين رأس والده إلى حضنه الصغير وهو يقول: أنا حزنت أيضًا وبكيت ولكن أمي ذهبت إلى مكانٍ أفضل، ارتجف جسد صالح وهو يشعر بحرارة يديّ أبنه على وجهه ورأسه، كان عناقًا بريئًا ومن مصدر القوة الوحيد الذي يحارب صالح لأجله.. لذلك أغمض عينيه بقوة وهو يحاول كبت دموعه.. ولكنه لم يستطع أبدًا فانهمرت دموعه وهو يهمس بنبرةٍ لم يسمعها سواه: سامحني لأنني لم أحميها جيدًا.. ولأنني تركتك تصبح يتيمًا مثلي، وترك رأسه بعد لحظة يرتخي في حضن أبنه الصغير وكأن العالم كله ضاق إلا بهذا الحضن الطاهر، تراجع ياماش إلى الداخل بعد أن رأى حال أخيه وهو يمسح دموعه هو الآخر وخرج متجهًا إلى المكتب حيثُ جومالي، دخل ليجد الآخر يضع رأسه على الطاولة بصمت، جلس الأصغر دون أن ينطق بكلمة، وثوانٍ حتى هتف جومالي: جلس أمامه بكل بساطة يُحادثه ويخبره بكل شيء كما لو كان يروي حكايةً لغريب.. كيف صبر لعشرون عام ولم يبحث عن صالح فقط لكي لا يقتله فورًا.. يريد تعذيبه بنا، وكيف قتل سعادات بعد أن اخبرها بكل شيء وجعلهُ يرى ذلك الفيديو وجعلني شاهدًا على كل هذا، نظر ياماش الى رأس أخيه ولم يردّ بل شدّ على قبضتيه بينما أردف الأكبر: قال "حان الوقت لتتقبل بأن زوجتك قد ماتت" وكأنه يعلم جيدًا بأن صالح لم يتقبل هذا الأمر أبدًا، عمّ الصمت لثوان سأل ياماش بعدها وهو يمسح وجهه: كيف حصل؟ كيف ذهبت إليهم وأنت من كنت في المقهى اليوم؟، ليقل جومالي وهو يرفع رأسه: حصل وانتهى.. وهل تعلم من أخذني إليه؟، عقد ياماش حاجبيه ليكمل جومالي: صاحب الوشم والشعر الطويل، اتسعت عينا ياماش قليلاً ليقل: سافاش..؟، أومى جومالي ليُجيب ساخرًا: أجل.. كما رسمه إدريس بالضبط ولكنه كان يرتدي قناعًا فلم أتعرف على ملامحه، مسح ياماش وجهه ليقل: إذن ما نبحث عنه موجود حقًا..، ثم أردف وقد عاد ينظر إلى أخيه: ألم تروه؟ ألم تروا الكبير؟، فلتت ضحكة ساخرة من جومالي ليقل: كان مغلفًا من رأسه حتى قدميّه، ليقل ياماش وهو ينظر إلى الفراغ: كنتُ بجانب صالح هذا الصباح.. ليتني لم أذهب بدونه إلى المقهى.. ليتني لم أذهب، في دقائق حصل كل هذا! ليقل جومالي وهو ينظر إلى النافذة: لا تتكلم بشيء معه الآن.. سنتكلم حين يهدأ، ومن ثم أردف وهو ينظر إلى أخيه: ألم أقل لك لا تُفارقه؟، فقال ياماش: إدريس بجانبه وهو أكثر ما يحتاج إليه صالح الآن، ولاحقًا.. خلال منتصف الليل، دلف ياماش إلى الشرفة وهو يحمل غطاءً لأخيه الذي ينام منذ ساعاتٍ على حاله، توقف قليلاً يتأمله ومن ثم تنهد بخفه ووضع الغطاء عليه، جثى بجانب الأريكة ليسمع صوت خطوات جومالي الذي تقدم بهدوء ويديّه خلف ظهره، تنهد بقوة واستقام ليقل جومالي: أذهب لكي تنام.. أنا بجانبه، نظر ياماش بتردد فأصرّ الأكبر: لا تنظر هكذا أقول لك أنا بجانبه هيّا أذهب..، أومى ياماش وقال وهو يرمق صالح بسرعه: إن استيقظ أيقظني فورًا يا أخي، وتجاوز جومالي ذاهبًا بينما راقب الأخير ذهابه وهو يبتسم على الإثنان واهتمامها ببعضهما، خرج ياماش من الشرفة ليُقابل اكين وكاراجا اللذان يجلسان في الصالون، أبتسم لهم بالإجبار ليقل: اذهبا إلى النوم، لتقل كاراجا: ألم يستيقظ؟، نفى ياماش برأسه ليقل: ولا أريده أن يستيقظ الآن دعوهُ ينام، ليقل اكين: هل أخبرَكم بما حدث ياعمي؟، نفى ياماش برأسه ليقل: ليس وقته الآن غدًا سنتحدث..، ومن ثم أردف وهو يربت على ظهورهم: هيا اذهبا إلى النوم، بينما جومالي الذي توجّه لطرف الأريكة ليجلس بهدوء، والآخر كان نائمًا وصدره يعلو ويهبط بخفه، فتمتم جومالي: ماذا أعطاك في ذلك الشراب يا صالح..، ثم رفع ذراعه ووضعها على ظهر أخيه بخفه ولكن سُرعان ما انتفض الأخير جالسًا، فقال جومالي فورًا: أنه أنا.. اهدأ، أمعن صالح النظر في أخيه وبادلهُ الآخر بهدوء وهو يشدّ على قبضته.. فلمسته الآن كلمسة الكبير حين أنهى لقاءهُ مع صالح، لهذا فزّ الآن بينما تفقد الأخير ما حوله لوهلةٍ ومن ثم عاد ليستند بظهره على الأريكة وهو يغمض عينيه ثم فتحها ليتنهد بقوة، فقال جومالي: هل أنت بخير؟، لم يُجب صالح بل تقدم إلى الأمام نحو الطاولة ليسكب لنفسه بعض الماء، فمنعه جومالي الذي سكب لأخيه ومن ثم ناوله كأس الماء فشربه الآخر دفعة واحدة، ليسمعوا صوت خطوات ياماش الذي تقدم ليجلس بجانب صالح من الجهة الأخرى، فقال جومالي حين رآه: ألم تذهب لتنام يابني؟، نفى ياماش بعينيه ليقل صالح وهو يلتفت ناحية ياماش: كم الساعة؟، صمت الإثنان ولم يجيبا، وحين رأى صالح نظراتهم ضحك بخفه وهو يعود ليستند برأسه: لا تنظرا هكذا وكأنني سأموت بعد لحظات..، ليقل ياماش فورًا وهو يتنهد بقوة: يااا صالح لماذا تقول هذا الكلام؟، فوضع صالح كفّه على كف ياماش ليقل بنبرةٍ لا تخلو من السخرية: وكأن ماحصل اليوم يحصل للمرة الأولى..، صمت ياماش وأرخى بصره قليلاً ليقل جومالي: أخبرنا إذن ماذا حصل، نظر صالح قليلاً ثم قال: لا أتذكر جيدًا الآن لكنني ذهبتُ إلى الشركة لكي اتحدث مع مراد ولم أجد سوى رجال ال*** الذين أرغموني على الذهاب معهم طواعية، ومن ثم أردف وهو يشدّ على قبضته بخفه مقهورًا: وقتلوا مراد..، زفر ياماش بقوة ليقل بعد لحظاتٍ غاضبًا: عديم الشرف.. كيف! كيف يأتي ويفعل شيئًا في وقتٍ لا نتوقعه وبطريقة لا نتوقعها أيضًا! سأجّن.. وعديم الشرف الآخر استطاع أخذ أخي جومالي من وسط الحفرة، ليقل صالح باستغراب: عديم الشرف الآخر..؟، تنهد ياماش بخفه وأجاب بعد ثوانٍ: سافاش.. من نبحث عنه موجود حقًا وهو الذي أخذ أخي جومالي إلى موقعكم، نظر صالح بغضب ثم التفت نحو جومالي الذي نهض وركل الطاولة بغضب مع اندهاش الإثنان.. فهو قد تذكر كلمات الكبير "أخيك ربما سينسى غدًا ماحصل هنا أو ربما لن يخبركم بكل ما جرى"، ليهتف ياماش باستغراب: آبي..؟، مسح جومالي وجهه ثم التفت ليقل: بيبي أذهب لتنام ألا ترى عينيك بالكاد تفتحهما؟ سنكمل حديثنا في الصباح، نظر ياماش بشّك ليُتبع صالح الذي ضغط على كفّ ياماش: أنا بخير كما ترى.. أذهب لترتاح وكما قال أخي سنتحدث صباحًا، رمقهم ياماش بخفه ليقل: هل تحاولان أبعادي؟، فقال جومالي: الله الله ولماذا نفعل ذلك؟ أساسًا أنا أيضًا سأذهب لأنام وصالح سيعود للنوم، تجاهل ياماش كلام أخيه واقترب من صالح ليقل: صالح..، وضع صالح كفه على وجه ياماش بشكلٍ عفوي وهو يقول: لا تتحدث يا أبن أبي أذهب لتنام، أبعد ياماش كفّ صالح عنه ليقل بإصرار: أنت لم تكن بخير اليوم.. لذلك غدًا سنذهب إلى المستشفى، عقد صالح حاجبيه وسُرعان ماقال: لا يوجد داعي لذلك قلت لك أنا بخيـ..، فقاطعهُ ياماش وهو يقول: سنذهب يا صالح.. ألم تعدني؟، فأجاب الآخر فورًا: وعدتك ولكن الآن لا يمكن.. ليس وقته، فتقدم جومالي ورفع ياماش من ذراعه وهو يقول: هيّا.. أذهب لتنام، أومى ياماش وذهب بقلةِ حيله فهو حقًا يشعر بنعاسٍ شديد والآن يمكنه أن ينام بعد أن اطمئن قليلاً على أخيه.. بعد ذهاب ياماش نظر صالح نحو جومالي بشيءٍ من الشّك، ليقل بعد لحظات وهو ينظر إلى ظهر أخيه: هل أنت غاضب أم أن هذا يتهيأ لي، أغمض جومالي عينيه لوهلةٍ ثم استدار وتقدم حتى جلس على الطاولة مقابل أخيه ليقل: لماذا لا تريد الذهاب إلى المستشفى؟، انقبض صدر صالح ولكن جومالي لم ينتظر كثيراً فسأل مجددًا: ماذا أعطاك في ذلك الشراب؟، أغمض الآخر عينيه بخفه وأشاح برأسه قليلاً وهو يتنهد ليقل: أنت كنت خلف ذلك الزجاج أليس كذلك؟، صمت جومالي للحظة مستغربًا ثم قال بخفوت: ألا تتذكر؟، فأجاب صالح: بلى أتذكر عندما أتيت أنت بعد خروجهم، ولا أعلم ماذا وضع في ذلك الشراب ولكنني شربته مثل الأحمق..، صمت جومالي لثوانٍ أقترب بعدها اكثر نحو أخيه وثبتّ بصره عليه ليقل: حسنًا ما الذي تتذكره مما حدث؟، هُنا ابتلع صالح ريقه قليلاً بصمت بينما حاول جومالي ضبط أعصابه ليسأل مرةً أخرى: قُل لي يا صالح لا تجعلني أفقد عقلي.. ماذا تتذكر بعد ذلك الشراب الذي شربته؟، أبتسم صالح قليلاً وقد أرخى رأسه ليقل: أنا عرفت ما تقصده ولأقُل لك.. أنني أتذكر ذلك الفيديو جيدًا وأتذكر صوتها..، تنهد جومالي بخفه ثم نهض واستدار وهو يمسح رأسه قائلاً: وحديثه معك هل تتذكره؟، صمت صالح قليلاً وهو ينظر إلى أخيه باستغراب: ما الذي تريد قوله يا أخي؟ أنا لم أفقد عقلي حسنًا لأخبرك لقد أخذوني من الشركة وخدروني لأستيقظ على تلك الطاولة، تكلم تكلم تكلم ثم أحضر ذلك الحاسوب وذلك الفيديو وغادر، ومن ثم ظهرت أنت وعدنا معًا بسيارتي التي جلبها من الشركة و تركها في الخارج..، ثم أردف دون انتظار: هل تحدث معك أم أنه فقط جعلك ترى ماحصل؟، صمت جومالي وماهي إلا ثوانٍ بعد تفكير بسيط حتى نفى برأسه وهو يقول مغيرًا الموضوع: لم أتحدث مع ذلك ال*** فقط وضعني في تلك الغرفة لأرى.. وحسنًا لا تتكلم ولا تشغل بالك بالتفكير الآن، صمت صالح وهو ينظر بشّك لكنه لم يتكلم..
––––––––––––––––––––
الحفرة صباحًا.. المقبرة
كان يمشي ببطء شديد وكأنه يتردد في القدوم أكثر، وحين اقترب استند بإحدى ذراعيه على حجر قبر والده.. التفت برأسه ليلمح شاهد قبرها.. قبر زوجته، ولكنه لم يذهب ولم يتقدم بل اعتدل واستند بكلتا ذراعيه وابتسم بخفه وهو ينظر إلى شاهد قبر والده، ليهتف بعد لحظات: أنا ماذا عليّ أن أفعل يا أبي؟، هل أنظر إلى نفسي لأحافظ على ما تبقى لي من قوة وعقل.. أم أنظر إلى عدوي الذي يصاحبني كظلي؟، ليسمع صوتًا يأتي من خلفه: أنظر إلى عدونا وأنا سأنظر إليك يا أبن أبي لاتقلق..، أغمض صالح عينيه وهو يبتسم بحزن بينما تقدم ياماش وحاوط كتف صالح بذراعه ليقل مخاطبًا قبر والده: دعك منه يا أبي فهو يريد إزعاجك باشياء يُخبئها عنّا لا أكثر، أرخى صالح كتفيه ليقل دون أن يلتفت: وأنت.. ألا تخبئ عني شيئًا؟، فعقد ياماش حاجبيه وابتعد ليقل: أنا؟، رفع صالح حاجبيه بخفه ووضع يديّه في جيوبه ليقل: حديثك مع الطبيب فريد مثلاً.. لنقُل مثلاً يعني، أرخى ياماش نظره ليقل: لهذا ذهبت إلى المستشفى بالأمس؟، فأجاب صالح وقد عاد لينظر لشاهد قبر والده: ذلك الكبير.. هو من أخبرني بهذا.. يعلم كل صغيرةٍ وكبيرة يا ياماش ولم يقتلني في شبابي فقط ليجد الوقت المناسب لكي يتفنن بما سيفعله، تقدم ياماش قليلاً واتكئ على الحجر ليقل: أعتذر.. لأنك سمعت منه ولم تسمع مني.. ولكن كيف عرف بأمر الأدوية!، التفت صالح بعينيه ليقل: تسألني؟ بسببه ذهبت إلى الطبيب المسكين وهاجمته ظنًا مني أنه من رجاله المنتشرين، ليقل ياماش يحاول التخفيف من حدة الموضوع: حركة تليق بفارتولو..، ضحك صالح بخفه مجاملاً ثم تنهد ياماش قليلاً ليقل: سنجد أبنه ياصالح..، لم يستطع الآخر منع ابتسامتة المستهزئة من تأمل وكلام ياماش لكن الأخير أصرّ: لكل منّا نقطة ضعف كما قال كارتال.. وانظر أنني اتفق معه بالكلام، قال الأخير بمرح جعل صالح يبتسم ليردف: سنبحث عنه وسنجده.. لكن بعد أن نجد ذلك المدعو سافاش، عمّ الصمت لثوانٍ حتى قال ياماش مجددًا: والأمر الآخر.. الطبيب فقط خفف الجرعات عنك ولن تشعر بألم قوي، ولأنه ليس في حالٍ للغضب أو حتى للنقاش الحاد اومى بخفه ثم استدار يمشي ليقل: سأذهب مع إدريس في مشوار صغير فقد وعدته بأن آخذه ليزور ليلى، مشى ياماش بجانبه ليقل: ليس وقته يا صالح.. ارتح قليلاً أنا سآخذه، فردّ صالح فورًا: لا أريد أن ارتاح أو أن اجلس فارغًا.. فعقلي سينفجر هكذا، عمّ الصمت مرةً أخرى حتى توقفا أمام السيارة فقال ياماش: لا تذهب لوحدك إذن، استدار صالح وربت على وجنة ياماش ليقل: ماذا سيحصل بعد؟ لاتقلق، ثم أردف بنبرةٍ مازحة: هل تعلم؟ بدأت أفكر بوضع ثلاثة حراس يرافقون كلاً منا حتى إلى دورة المياه، ضحك ياماش وابتسم صالح ليقل وهو ينظر لضحكة أبن أبيه: هكذا..، ثم اقترب قليلاً ليردف: فليفعلوا ما يفعلونه.. لن ننهار، ثم رفع إصبعيه ليقل: حسنًا من الممكن أن ننهار قليلاً فقط ولكن لن نسقط، تنهد ياماش بخفه وتقدم ليعانقه، بادله صالح وهو يربت على ظهره ليقل ياماش: لن ننهار..، ولاحقًا.. خرجت ليلى من غرفتها بشعرها المبلول من الاستحمام وهي تحمل حاسوبها بين يديّها، لتقابل الخادمة التي وضعت أطباق الفطور على الطاولة التي في الصالون، فقالت ليلى بهدوء: لماذا اتعبتي نفسكِ حقًا لا شهية لديّ، لتقل الأخرى: هذا أقلُ شيء أقدمه لكِ في ظلّ ماتعيشينه الآن.. وبعد المعروف الذي فعلتهِ لي، حقًا لولاك لكنتُ الآن في الشوارع بلا بيت أو مأوى، ابتسمت ليلى بهدوء دون أن تردّ وجلست، تنهدت ببطء عندما رأت بعض الأوراق على طرف الطاولة، أزاحتها بحزن ووضعتها على الأريكة، ثم ما لبثت إلا أن سمعت طرقًا خفيفًا على الباب، فاستقامت بعد أن أشارت للخادمة بأنها هي من ستفتحه، وحين فتحته ابتسمت فورًا حتى بانت أسنانها وهي ترى صالح يتكئ على الجدار وإدريس أمام الباب يحمل في يده دفترًا ومن الواضح أنه هو من كان يطرق، انحنت واحتضنت الصغير الذي قال: جئت لأرى منزلكِ، ابتعدت عنه قليلاً وهي تتصنع الحزن لتقل: فقط لترى منزلي؟ يعني ألم تكن تريد رؤيتي؟، التفت الصغير نحو والده ليقل: ليس هكذا! أنا قلت لك بأنني أريد زيارة أختي ليلى اليس كذلك يا أبي؟، ليقل صالح بمُكر هادئ: لا ياروحي قلت أنك تريد رؤية المنزل، ابتسمت ليلى بينما قال الصغير معاتبًا بانزعاج: يااا بابا!، ضحك صالح بخفه ليقل مخاطبًا ليلى: والله الحق يُقال هو من طلب زيارتكِ قبل أن تطلبيها أنتِ، ابتسمت وربتت على وجنتي إدريس ثم هتفت بلطف: هيّا أدخل، دخل الصغير بينما استقامت هي ونظرت إلى صالح لتقل بامتنان: سلمت..، ابتسم صالح وعمّ الصمت لثوانٍ حتى قال وهو يُشير إلى السلالم: هل أنا مطرود؟، ضحكت ليلى لتقل: بالطبع لا.. تفضل، دخل ونزع سترته ليلمح الخادمة فعقد حاجبيه ليسأل ليلى التي تقف بالقرب منه: هل لديكِ ضيوف؟، نفت برأسه لتقل بعد أن تنهدت بخفه: لا.. هذه كانت تعمل في قصر أخي، وبعد ما حدث ولأنه لم يعد لديها مكانًا تذهب إليه فعائلتها خارج البلد ستشاركني السكن لفترة، أومى هو بهدوء وتقدم مع قول ليلى: للتو وضعنا أطباق الفطور هيّا فلنأكل جميعًا، فقال ادريس وهو يجلس: أنا أكلت لا أريد، وأتبع صالح: وأنا ايضًا بالعافية لكِ يبدو أننا اتينا في وقتٍ غير مناسب، وقبل أن تعاتب ليلى الآخر قال الصغير بعفوية: لا.. أنت لم تتناول الفطور معنا يا أبي، نظر صالح إلى أبنه بجمودٍ مضحك بينما ابتسمت ليلى لتقل: إذن اترك الكذب يا صالح وتعال لتجلس، رفع الأخير إصبعه ناحية الصغير مهددًا بلطف ومن ثم جلس وتنهد بخفه وهو ينظر لابتسامة أبنه..
––––––––––––––––––––
شركة كارتال..
كانت تمشي ذهابًا وإيابًا داخل المكتب وكأنها تنتظر شيئًا ما.. لحظاتٍ حتى سمعت صوت خطوات قريبة فاتجهت فورًا ناحية الطاولة والتقطت بعض الأوراق وتصنعت بأنها تتصفحها، فُتح الباب ولكنها لم تلتفت واستمرت في الانشغال المزيف بالأوراق، حتى سمعت صوتًا يقول: أيتها السيده..، رفع رأسها ببطء لتقل: ليس الآن.. أنا مشغولة، عمّ الصمت للحظاتٍ حتى شعرت بأحدهم يقف خلفها تمامًا، فاستدارت ببطء لترى رجلين ببدلاتٍ رسمية يقفان باعتدال، تأملتهُا للحظة وقد ارتسمت ابتسامةً خفيه على شفتيها لتقل: عساهُ خير؟، فقال أحدهم: تفضلي معنا..، عقدت حاجبيها لتقل متصنعةً الاستغراب: عفوًا ولكن إلى أين؟ ومن أنتم؟، فقال أحدهم: ستعرفين عندما نذهب.. ولا تخافي لن يحصل لكِ شيء، فهمست: تركت الخوف منذ أن كنتُ طفلة، ذهبت بعدها خلف المكتب لتلتقط سترتها تحت أنظارهم الحذره وخرجوا ذاهبين بهدوء.. ولاحقًا بعد وقتٍ طويل في الطريق والانتظار كانت تقف أمام نافذةٍ كبيرة في وسط صالون لمنزلٍ في أحد مناطق أرياف إسطنبول بينما انتشر في أنحاء المنزل رجالٌ مترقبين ينتظرون قدوم سيدهم، بعد لحظاتٍ زفرت واستدارت وهي تعقد يديها إلى صدرها لتقل: من ننتظر؟ ماذا يحصل هنا؟، لم يُجيبها أحد فتصنعت الانزعاج وعادت تنظر إلى النافذة وهي تنتظر على أحرّ من الجمر قدوم من تريد لقاءه منذ وقتٍ طويل، وماهي إلا لحظات حتى فتح باب المنزل ودلف أحد الرجال ليُعطي إشارةً لأقرب رجل إليها، فتقدم الأخير وأخرج سلاحه ليُوجهه نحو رأسها والأخرى تنظر باستغراب ولم تتحرك منها شعره، ليقل بخفوت حاد وهو يسحب كرسيًا ليضعه بالقرب من النافذة: أجلسي وتابعي النظر إلى الأمام.. وإن حاولتي الالتفات ستندمين، جلست هي دون أي تردد ووضعت قدمًا على الأخرى بصمت، لتسمع صوت الباب يُفتح وصوت خطوات تتقدم إلى الصالون، فمالت برأسها قليلاً وكأنها تريد الالتفات ولكن السلاح منعها بالطبع، تقدم الكبير الذي لم يكن يرتدي قناعًا هذه المرة.. بل قبعةً كبيرة تغطي أغلب وجهه وهو ينظر إلى الأسفل، وسُرعان ما أشار إلى سائقه الذي تقدم خلفه، فذهب الأخير فورًا نحو آصلي بينما هتف الكبير بنبرةٍ بارده مخاطبًا رجاله: اختفوا، تراجع جميع الرجال إلى خارج الصالون بينما وضع السائق السلاح على رأس آصلي وانسحب الآخر يلحق بالرجال الذين قبله، لم يبقى في الصالون سوى الكبير والسائق وآصلي التي تنظر إلى الخارج من النافذة، نزع الكبير قبعته وتقدم ليضعها على الطاولة وهو يقول: لنرى من هي هذه المرأة القوية..، ضيقت آصلي عينيها قليلاً عندما سمعت صوته ولكنها ظلتّ صامته لتقل: ما كل هذا الاستعراض؟ ومن أنت؟، أخرج الكبير سيجارة من علبة راقية كانت موضوعة على الطاولة، أشعلها ثم قال: قوية.. وتُجيد التخفي والتمثيل ايضًا، عقدت آصلي حاجبيها ولم تقل شيئًا فأردف الكبير بعد أن أخذ نفسًا من سيجارته: آصلي إردام.. كيف استطعتي تحويل أسهم كارتال إليك؟، صمتت الأخرى قليلاً لتقل: وما شأنك؟ هل هذه لعبة؟ من أنت؟، ضحك الكبير ضحكة استقرت في مسامع آصلي التي شدتّ على قبضتها بهدوء عندما اقشعر بدنها من ضحكته، ليقل: ومستمرة بالتمثيل! أنتهى المشهد التصويري يا سيدة عودي إلى طبيعتك، لم تتكلم الأخرى ليردف الكبير وقد تقدم أكثر حتى بات على بعد خطوتين منها ليقل: يا شقيقة من وضعت صورته على لوحتي..، اتسعت عينا آصلي بخفه ولكنها قالت بهدوء: عفوًا؟، ليقل الكبير: أخيكِ ذهب إلى ألمانيا قبل أسبوع.. يقطن عند أحد معارف فارتولو أسمه حيدر، عدلت آصلي قدميها وتحركت قليلاً ليلصق السائق فوهة السلاح على رأسها حين لاحظ تحركها، لتقل هي بحدّه: عن ماذا تتكلم أنت؟، ليقل الكبير وهو يتراجع ليتكئ بجسده على الطاولة: أجل.. هكذا أنتِ على طبيعتك المتعجرفه..، ثم أردف وهو يُشير باصبعه: مثل ما استطعتِ أخذ كنان من رجالي وتسليمه إلى فارتولو، ومثل ما اوقعتِ بابن المدير لتجعليه يحوّل كل أسهمه بل أسهمي أنا بأسمكِ قبل موته، لاحظت آصلي أنها باتت معروفة لدى الكبير أو ربما كان يعرفها أساسًا، وليس إلا من خلال سماعه لحديثها مع صالح في منزل الطبيب حين كان داهان يستمع إليهم عبر جهاز التنصت آنذاك، لتقل هي بهدوء: حسنًا.. فهمنا أنك تعرف كل شيء أيها الكبير، قالت الكلمة الأخير بصوتٍ مرتفع، فابتسم الكبير ليقل: الحمدلله أنتهى المشهد التصويري..، وأخذ نفسًا طويلاً من سيجارته مجددًا ليقل: أولاً سؤال بسيط أريد له إجابة واضحة، رفعت آصلي أحد حاجبيها ليردف الكبير: لماذا تسعين ورائي؟..
––––––––––––––––––––
عودةً إلى شقة ليلى..
تقدمت الخادمة ووضعت أكواب الشاي على الطاولة أمامهم وكأس ماءٍ أمام ليلى.. وغادرت بينما كان صالح يتأمل بشرود ليلى وأبنه اللذين يجلسان وهما يتصفحان دفتر رسومات إدريس.. لحظاتٍ واعتدلت ليلى حين لاحظت نظراته لتقل: هل أنت بخير حقًا؟ وجهك يبدو متعبًا، أومى صالح بخفه وهو يقول بخفوت: أنا بخير، بينما قال الصغير: لقد كان حزينـ....، فقاطعهُ صالح فورًا بهدوء: اولوم!، صمت الصغير وليلى بالمثل دون أن تصرّ أو تسأل مرةً أخرى ليردف صالح بلطف: هيّا دع ليلى ترى جميع رسوماتك ألم تقل لي هذا في السيارة أثناء قدومنا؟، أومى إدريس وفتح أحدى الصفحات ليقل: انظري.. هذا صديقي الجديد، أغمض صالح عينيه بقوة وهو يهمس: ليتني مزقت هذه الرسمة..، بينما صفنت ليلى في الرسمة لوهلة، ليسأل الصغير ليلى ببراءة: هل أعجبتكِ؟ لقد قال أنه يحب الرسم ولديه مختبر أدوية، رفعت ليلى رأسها ونظرها نحو صالح بغرابةٍ وخوف، بينما رفع الآخر حاجبيه قليلاً بحزن يطلب منها مجاملة الصغير، ولكنها هتفت بكلمةٍ جعلتهُ يتصلّب مكانه.. كلمةً جعلته يفتح عينيه على وسعهما.. قالتها وهي تنظر بخوف واستغراب تارةً إلى الرسمة وتارةً إلى أعين صالح: هذا سافاش!
إلى اللقاء في البارت القادم..
أنت تقرأ
لا يوجد سوى الألم..
أدب الهواةسيناريو بأحداث مختلفه للجزء الرابع "Çukur" *ملاحظه: هذه المره الأولى لي في كتابة شيئًا ما..
