"المهم أن الطفل الذي لا ذنب له قد نجا"
كانت آصلي تفكر بالإنقضاض على الحارس أمامها لكنها لم تتحرك فقد سبقها أحدهم ووجّه ضربة قوية إلى رأس الحارس الذي كان يصوّب سلاحه نحوها فسقط أرضًا، التفت الطبيب سريعًا نحو الغرفة ليجد آصلي تزفر بقوه وإدريس جامدًا في مكانه، تقدم بسرعه وهو يسأل: هل أنتِ بخير؟، القت نظرة على إدريس ثم قالت بخفوت: أنا بخير، همس الطبيب لها وهو يُشير إلى إدريس بعينيه: هل هو؟، اومت آصلي ومن ثم استقامت واتجهت لخارج الغرفة تتفقد الممرّ وهي تقول: الأحمق كان يصرخ.. هل كُشف أمرنا؟، فقال الطبيب وهو يقترب من إدريس: بالتأكيد كُشفنا ألم يصرخ هذا في وجهك قبل قليل؟، ومن ثم جثى أمام إدريس وهو يقول: كيف حالك يا إدريس؟، لم يَخفَ على الطبيب شحوب وجه الصغير ولا نظراته المتّسعة التي كانت تصرخ بالخوف والرعب، ولم يتلقى أي إجابة بل على العكس.. تمايل إدريس ببطء نحو الجدار وكأنه يفقد توازنه، فأسرع الطبيب إليه وأمسكه قبل أن يسقط ليرتخي جسد الصغير بين يديه كليًا، هتفت آصلي بقلق عندما لاحظت ما حصل: ماذا حدث؟، ليقل الطبيب وهو يتفحص إدريس: يبدو أنه فقد وعيه، وأردف وهو ينهض حاملاً إدريس: يجب أن نخرج، التقطت آصلي مسدس الرجل الميت بسرعه وسحبت الزناد وهي تقول بحزم: هذا الطفل سيخرج من هنا سالمًا... وسيعود إلى والده، ومن ثم التفتت تنظر إلى الطبيب وهي تردف: أتبعني وأبقى خلفي تمامًا..، تقدّمت آصلي بخطى ثابته وبعينيها إصرارًا لا يُشوبه خوف، تسير أمام الطبيب الذي يحمل إدريس بين ذراعيه، تسير وهي ترفع السلاح أمامها تُراقب كل زاوية تمرّ بها بحذر، ومع كل خطوة يزداد إصرارها بإخراج إدريس من هنا رغم إدراكها أنهم قد يُحاصرَون في أي لحظه، هتف الطبيب بخفوت وهو يسير خلفها: هل أخبرتِهم؟، فأجابته بهدوء: أجل أرسلت رسالة لفارتولو..، وفجأة، دوى صوت إطلاق النار من الأعلى بقوةٍ ملأت أرجاء المكان، لكنهم لم يتوقفوا.. بل تابعوا سيرهم بهدوء وقد بات واضحًا أن صالح ومن معه اقتحموا المكان بالفعل، وأمام المركز.. كان ياماش ووليّ تولغا اكين جيلاسون ومعهم عدد قليل من رجال وليّ يقتحمون المكان خلف رجلٍ يتقدّمهم بجنون.. لا يكترث لروحه ولا يهاب الرصاص، يرفع سلاحيه ويُطلق النار على هذا وذاك وكل ما يشغله هو شيئًا واحدًا "الوصول إلى أبنه" تجاوزوا الممرّ بسرعه، وحين وصلوا إلى المكاتب الفارغه باغتهم فوجٌ من الرجال خرج فجاءه وبدأ بإطلاق النار بلا توقف، صرخ تولغا وهو يحتمي بأحد المكاتب: أنهم كثيرون!، أحتمى الجميع وانحنى وليّ بسرعه وهو يضع يده على رأسه ليتفادى وابل الرصاص وهو يشتم في داخله ويقول: من أين خرج هؤلاء؟ خارج المركز لا يوجد أحد!، ومع تطاير الرصاص من كل جهه صرخ ياماش وهو يتبادل إطلاق النار مخاطبًا صالح: صالح! توقف!، لكن الأخير لم يسمع ولم يرى شيئًا أمامه، فانطلق ياماش نحوه بكل قوته ودفعه جانبًا ليقعا معًا خلف إحدى الطاولات المقلوبه، ليصرخ صالح بغضب وهو يحاول النهوض: ما الذي تفعله!، فأجابه ياماش مُمسكًا به من كتفه: هل تريد أن تصل إلى إدريس ميتًا!، ثبت الآخر في مكانه وهو يتنفس بقوه وعينيه تشتعلان غضبًا، أعتدل ياماش وهو يحتمي بالطاوله ونهض صالح ببطء وحذر.. وما إن التفت إلى الجهة المقابلة حتى رأى عدة رجال يخرجون وهم يهمّون بإطلاق النار، فإندفع إلى الأمام مغطيًا بنصف جسده ظهر ياماش الذي كان يطلق النار على الرجال في الجهة الأخرى، ولم يكاد يلتفت ياماش حتى ضرب صالح طاولة مكتب أمامهم فسقطت لتصبح درعًا يقيهُم من الرصاص القادم من الجهة الأخرى، نظر ياماش بقلق بينما اتسعت عينا صالح في صدمه.. فهُم الآن محاصرون من الجهتين! إذن أين أبنه؟ وأين آصلي التي قالت أن أبنه أمامها، وفي الأسفل.. كانت آصلي قد فتحت الباب قليلاً لتراقب ما يحدث في المركز، لمحت العديد من الحراس يملئون المكان من الجهتين، وفي المنتصف رأت صالح وياماش يختبئان خلف المكاتب، أغلقت الباب بسرعه وهي تشتم بغضب، ثم التفتت إلى الطبيب وقالت: أنهم محاصرون، زفر الطبيب بقوه وقال: ماذا سنفعل؟، دفعته آصلي بذراعيها بخفةٍ بعيدًا عن الباب ثم نزلوا بسرعه عبر السلالم وهي تُجيب: سأبحث عن مخرج هنا فلن نتمكن من الخروج من حيث دخلنا، ثم نظرت إلى إدريس وسألت: هل حالته سيئه؟، نظر الطبيب إليها ليُجيب: أن تلقى جرعاتٍ من العقار الذي يجلبون الأطباء من أجله فهذا أمر طبيعي وليس خطير، لكن يجب أن نسرع، أومت وهي تقول بتوتر: تمام فقط أنتظر لدقيقه، وعندما أنهت جملتها هذه.. ثبتت أنظارها على شيء ما في الجدار، كان صندوق تحكم كهربائي، تقدمت نحوه ورفعت الغطاء ببطء لتجد أمامها سلسلة من المفاتيح وقاطعًا رئيسيًا بارزًا يتوسطهم، أبتسمت للحظه وقد خطرت لها فكره، ثم استدارت نحو الطبيب الذي فهم ما كانت تفكر فيه على الفور، نظرت إلى القاطع الرئيسي وتفحصته وهي تقول: إن قطعنا الكهرباء الآن..، قاطعها الطبيب وهو يقول بسرعه: ربما سنتسبب بمشكله!، لتقل آصلي بحدّه: ولكننا لا نملك ترف الإنتظار! الطفل في خطر وفارتولو ومن معه في الأعلى محاصرون، إن لم نفعل شيئًا الآن.. سنموت، وبدون أدنى تردد أخرجت سكينتها بسرعه وقطعت القاطع، فانطفأت الأضواء دفعة واحده ليعمّ الظلام فجاءه، وتبع ذلك صفير إنذار قصير سرعان ما أنقطع هو الآخر، تراجعت آصلي خطوة وهي تهمس: هيّا فلنخرج بهدوء..، بينما في الأعلى فبعد إنقطاع الكهرباء المفاجئ خيّم سكونٌ ثقيل لدقيقة خرساء لم يُسمع خلالها سوى صوت أنفاسهم المضطربه، ثم ما لبث أن أنكسر الصمت بطلقات نارية متقطعه أطلقها الحراس في محاولة للسيطرة على الموقف، شّد ياماش على ذراع صالح وهو يقول: ماذا يحدث؟، ليهمس صالح بخوف: أبني يا ياماش.. أبني، ونهض يريد الذهاب وهو لايعلم إلى أين، فمسكه ياماش وهو يقول بخفوت: أتوسل إليك لا تتهور، لم يجب صالح بل تجمد في مكانه حينما ارتدّ شيء على قدمه، انحنى قليلاً ومدّ يده ليتحسسه، فوجد شيئًا على الأرض، أمسكه ببطء ورفعه ليكتشف أنها سكين، عندها تصلّب تمامًا.. فهو أدرك فورًا أنها سكينة آصلي، فالتفت نحو ياماش الذي لازال ممسكًا بذراعه وهو يتلفت حوله بحذر وتأهب وسط هذا الظلام الدامس، ليهمس صالح: هي من قطعت الكهرباء!، ليقل ياماش بذات الخفوت: من؟، ليقل صالح: تلك المراة، ليقل ياماش: متأكد؟، وقبل أن يتمكن صالح من الرد دوى صوت أحد الحراس وهو يصرخ بغضب ويطلق النار: من ال*** الذي قطع التيار؟، نهض صالح بسرعه وأطلق الرصاص عشوائيًا بإتجاه مصدر الصوت وكأنه يحاول تشتيت إنتباههم، وعلى الفور أندلع تبادل ناري كثيف بين الطرفين.. رصاصٌ أعمى لا يعرف طريقه، بينما آصلي التي توترت من الرصاص الذي ثار مجددًا.. لكنها تنهدت بعمق وهي تُمسك بذراع الطبيب وتمشي بهدوء على حافة الجدار تحتمي بالعتمة وتدعو أن لا تصطدم بأي حارس أو تستقر بهم أي رصاصة طائشه، وعندما وصلوا بلمح البصر ناحية الممرّ الذي يؤدي إلى الخارج، ناولها الطبيب إدريس بسرعه وهو يقول: أخرجي أخرجي فورًا، شدّت آصلي ذراعيها حول إدريس وتابعت سيرها بخفه، وبينما كانت تبتعد ظلّ الطبيب واقفًا في مكانه للحظات يستمع لحفيف خطاها يتلاشى شيئًا فشيئًا، استدار حين لاحظ أن صوت خطواتها أبتعد، أخرج سلاحًا خبأه في سترته وسحب زناده وهو يقول: حان الوقت لإستخدامك، كان ينوي إطلاق النار وتشتيت الحراس حتى يخرج الذين في الداخل بسرعه مستعنين بالظلام، ولكن من غير سابق إنذار عاد الضوء ليُنير المكان بأكمله، فشتم الطبيب في داخله وهو يلتفت ليتفقد مكان خروج آصلي فتأكد أنها قد خرجت، ليهمس: جيد أن التيار الإحتياطي لم يعمل إلا بعد خروجك..، لكن في جزء من الثانية داهم المكان أفراد الشرطه، فاتسعت عينا الطبيب وهو يرى جنود وحدة التدخل السريع يقتحمون المكان ويصرخون به "أنبطح على الأرض!" فما كان منه إلا أن رمى سلاحه فورًا وجثى على الأرض دون تردد، رافعًا يديه إلى رأسه في استسلام كامل، وفي الداخل.. أنقطع صوت الرصاص فجاءه تزامنًا مع عودة التيار الكهربائي الذي أنار المركز بأكمله، نظر صالح إلى السكين التي لا تزال في يده فأدرك أن حدسه كان في محله.. أنها سكينة آصلي، نهض بعنف والغضب الذي خمد في داخله لدقائق فقط عاد يشتعل، فرفع سلاحيه مستعدًا لإطلاق النار ولكن دخول الجنود وصراخهم أوقفه كما أوقف الجميع من حوله، بينما في الخارج قبل ثوانٍ حيثُ آصلي التي ما إن خرجت حتى وجدت الشرطه تحيط بالمكان من كل جانب، فصرخ داهان بغضب وأمر من معه بسرعة إنزال أسلحتهم التي كانوا قد وجهوها تجاه آصلي عندما رأى أنها تحمل إدريس، تقدم داهان وهو يسألها فورًا: هل هذا أبن فارتولو؟، أومت بشّك فاستدار داهان فورًا وأمر جنوده بنقل إدريس إلى سيارة الإسعاف التي وصلت معهم، ثم صرخ في عدد من رجاله "إلى الداخل معي!" عندما أخذ الجنود إدريس من آصلي كانت الأخيرة على وشك العودة إلى الداخل ولكن الجنود أوقفوها بأسلحتهم وأمروها بالإبتعاد، فتراجعت ببطء وعيناها معلّقتان على باب المركز، أما في الداخل فكان الجنود ينتشرون بسرعه ويتوزّعون بإحتراف بين الغرف والممرات، مثبتين سيطرتهم الكاملة على المكان، وقف الجميع تدريجيًا يرفعون أيديهم ويرمون أسلحتهم أرضًا، وفي تلك اللحظة كان صالح يُمرر نظراته بين الجنود والحراس المقيّدين على الأرض حتى وقعت عيناه على الطبيب.. كان أحد الجنود يُقيده، تحرك صالح بسرعه وقفز من فوق طاولة المكتب متجهًا نحوه، لكن صراخ أحد الجنود الذي كان يقف عند الممرّ ورفعه لسلاحه نحو صالح قائلًا "أثبت مكانك!" جعلته يقف مكانه، لكن فجاءه أُنزِل سلاح الجندي بقوه ليرتد الجندي إلى الخلف بدهشه، ولم يكن سوى داهان الذي تجاوزه بثبات وهو يقول بحزم دون أن ينظر إليه "دعهُ يمر" التفت الجندي بدهشة إلى من أنزل سلاحه، لكنه ما لبث أن انصاع للأمر فور أن أدرك من صاحبه وتراجع إلى الخلف بخطواتٍ سريعه، ليقل داهان بخفوت وهو يقترب من صالح: أبنك بأمان في الخارج.. خرجت به امرأة، ليُكمل الطبيب على حديث داهان: مغشيًا عليه لكنه بخير، ارتجف قلب صالح بشدّه وخطى بسرعه نحو المخرج لكنه قبل أن يقطع المسافة، أوقفه صوت أحد الحراس "هو نفسه من أستقبل آصلي والطبيب حين دخلا متخفّيين"، قال الحارس بسخرية وهو يحدّق فيه: فارتولو.. التفت الجميع وليس فقط صالح الذي توقف مكانه والتفت ببطء، ليُكمل الحارس: وأنت ياحضرة الشرطي، رفع داهان يده مشيرًا للجندي بأن يتراجع وألا يُسكت الحارس، ثم أقترب بصمت وبخطواتٍ بطيئه لكن ثابته، فتابع الحارس مخاطبًا صالح: وصلت إلى أبنك.. لكنك لن تصل إلى ما تريد الوصول إليه، وأضاف وهو يُشير إلى أحد زوايا المكان: أنصحكم بأن تخرجوا بسرعه إن كنتم تخافون على حياتكم، نظر الجميع إلى حيث يُشير الحارس، فوقعت أنظارهم على مؤقت قنبلة يعدّ للإنفجار بعد "ثلاثين ثانيه" أرتسمت الصدمة على وجوههم جميعًا، وفي تلك اللحظة رفع ياماش يديه نحو أذنيه بهدوء وكأنه يحاول أن لا يسمع، فهذا الصوت.. صوت المؤقت، أعاده إلى ذلك اليوم المشؤوم، اليوم الذي لا يزال يُلاحقه في كوابيسه، كان وجه ياماش شاحبًا لكنه تماسك وتقدم بسرعه نحو صالح وهو يهتف بأسمه محاولًا دفعه بعيدًا، لكن الآخر بقي جامدًا في مكانه لا يتحرك وعيناه ثابتتان لا تفارقان الحارس في الجهة الأخرى.. ذاك الذي ما زال يبتسم بثقه، تراجع داهان خطوتين وهو يهتف بصوتٍ عالٍ "اخرجوا! الآن الجميع إلى الخارج" سحب وليّ تولغا واكين معه إلى الخارج بينما تسارع الجنود في سحب الرهائن أو الحراس إلى الخارج بدورهم، وأما صالح، الذي بدا وكأن العالم قد أغلق عليه، وقف وعيناه لا زالتا ثابتتان على الحارس الذي لم يكتفي بل أضاف: أتعلم؟ هذه رسالة يعلمها الجميع، هو أنك "لن تصل"، زفر ياماش بغضب، لكن داهان تقدم فجاءه وهو يدفع صالح وياماش بقوة نحو المخرج صارخًا بصالح: أبنك في الخارج يا هذا وأنت تقف هنا! لم يتبقى وقت، التفت إلى المؤقت 19.. 18.. 17.. ثم صرخ بجنديٍ كان يحاول سحب الحارس الذي لازال يبتسم: أتركه وأخرج المكان سينفجر!، انطلق الجميع دفعة واحده وكأن صراخ داهان أعاد الأخوة إلى وعيهم، فواحد منهم كان قد شرد بفكرة تلاحقه دائمًا وبالكلمة التي يسعى الكبير لإستفزازه بها، بينما الآخر عاد بذاكرته إلى ذلك اليوم المشؤوم الذي فقد فيه والده، بينما في الخارج آصلي التي تقف بالقرب من سيارة الإسعاف التي يفحصون في داخلها إدريس مبدئيًا، استدارت لترى صالح وياماش وداهان ومن خلفهما وليّ تولغا الطبيب جيلاسون وشباب الحفرة والجنود يركضون نحوها بشكلٍ غريب، ثبتت في مكانها وعيناها تُتابعهم بحذر كأنما تتأكد من أن الجميع قد نجا، لتسمع أحدهم يصرخ "سينفجر" فأتسعت عيناها للحظه لكن بديهتها جعلتها تتحرك بسرعه.. فأغلقت باب سيارة الإسعاف بقوة لحماية من بداخلها، ثم ركضت إلى جانب السيارة وألقت بنفسها خلفها لتحتمي، وفي اللحظة ذاتها دوّى الإنفجار.. انفجارٌ عنيفٌ اهتزّت به الأرض تحتهم، تصاعدت ألسنة اللهب من المركز، وتحول إلى كومةٍ من الأنقاض في لحظات.. تناثرت الشظايا والحجارة في الهواء مما دفع الجميع إلى الإنبطاح على الأرض، ياماش وداهان ووليّ.. الجميع ألقوا بأنفسهم أرضًا يحمون رؤوسهم من الشظايا المتطايره بإستثناء صالح الذي انحنى قليلاً وتعثر على وقع الانفجار ولكنه لم يتوقف، كان قلبه يدق بعنف وعيناه مثبتتان على سيارة الإسعاف حيث أبنه، لم يركض فرارًا من الموت، بل ركض ليتمكن من حماية أبنه، وصل إلى سيارة الإسعاف وفتح بابها ليرى المسعفُ يُمسك رأسه مذهولاً من قوة الإنفجار وأبنه الذي عاد لنصف وعيه لتوه متكور على نفسه يضع يديّه على رأسه وهو يرتجف، صعد صالح وبدون أن ينطق بكلمه سحب إدريس إلى حضنه فورًا، سحبه كأنما يستعيد جزءًا من روحه سُلب منه منذ أيام..، ليهمس بنبرةٍ مكسوره "بني.." ضمّه إلى صدره وشعر بجسد أبنه يرتجف بين ذراعيه، كانت أنفاس الصغير متقطعه ويداه الصغيرتان تمسكان بقميص والده بقوه، ومن تحدى الموت قبل قليل.. والذي كان وسط وابل الرصاص، أنهار الآن للحظةٍ وكأن جسده وعقله لم يصمدا أمام كل هذا العنف إلا ليصلا إلى هذه اللحظه.. لحظة إحتضانه لأبنه، لحظة عودة روحه إليه، دفن صالح وجهه في شعر أبنه وهو يضحك باكيًا والدموع تتساقط من عينيه دون إراده، بينما نهض الجميع من على الأرض وأخذوا يتلفتون حولهم، تسارعت خطى ياماش وتولغا فورًا نحو سيارة الإسعاف واستند وليّ على أحد رجاله يراقب المشهد بعينين مرهقتين، تنفّس الصعداء حين رأى إدريس في أحضان والده وكأنّ عبئًا ثقيلاً قد أزيح عنهم جميعًا، بينما داهان الذي مسح وجهه بغضب، سأل أحد جنوده: هل يوجد مصابين؟، نفى الجندي برأسه وهو يقول: لا ياسيدي، ولكن بعض المدنيين عادوا إلى الداخل حين خرجنا من المكان، نظر داهان إلى المركز الذي تحول إلى أنقاض لازالت النيران تلتهمها ثم قال بغضب يأمر جنوده: افحصوا الأنقاض وتأكدوا من سلامة الجميع وأنقلوا الأسرى الذين نجوا إلى مركز الشرطه، ومن ثم زفر بغضب وهو يقول بخفوت موجهًا أنظاره مرةً أخرى إلى المركز: انتحاريون مجانين!، التفت بعدها إلى وليّ الذي يمسد رأسه بخفه ليقل: وليّ جوهر؟ أرى أنك تركت أسهمك العقاريه وأصبحت تقتحم الأماكن وتطلق النيران، تجاهله وليّ وذهب ناحية الآخرون، تقدم الطبيب ناحية آصلي التي تتفقد ذراعها ليقل: هل أنتِ بخير؟، اومت دون أن تتكلم فتنهد الطبيب بقوه ليقل بنبرةٍ أقرب للسخريه: نحن ماذا فعلنا؟، نظرت آصلي إليه بصمت بينما أردف هو: كيف أستطعنا أن نخرج من ذلك الظلام أحياء؟، بينما داخل السياره أبتعد صالح عن أبنه حين لاحظ إرتخاء جسد ليهتف بقلق: ماذا يحصل؟، ليُجيب المسعف فورًا: لاتقلق لا يوجد خطر حقيقي، لكن من الضروري أن نذهب إلى المستشفى في أسرع وقت لإجراء الفحوصات والتأكد من سلامته تمامًا، آتاهم صوت ياماش برفقة تولغا: هل هو بخير؟، التفت صالح نحوهم وخرج من السيارة مع حديث المسعف مرة أخرى: هو بخير ولكن سنطمئن عليه أكثر في المستشفى، تقدّم تولغا على حين غرة واحتضن صالح بإبتسامةٍ امتزجت بدموعٍ فاضت فجاءه من عينيه، شدّ صالح على ظهر تولغا للحظه وكأن عناق الآخر أعاده إلى الواقع بعد كل ما مرّ به، ربّت ياماش على ظهر صالح من الجهة الأخرى بينما أبتعد تولغا ببطء حين شعر بحرارةٍ ولزوجه في يده التي لامست عنق صالح، نظر إلى راحته ليجدها ملطخة بقليلٍ من الدماء، حدّق بها للحظه قبل أن يقول بقلق: آبي! أنت تنزف، التفت ياماش ناحيتهم فورًا وأقترب وهو يتفقد صالح ويسأل: أين؟ هل أُصبت؟، أنزل صالح ايديّ ياماش وهو يقول بخفوت: مجرد خدش، ليأتيهم صوت وليّ الذي هتف: وأنا خُدشت ايضًا، قالها وهو يُشير الى رأسه، وسرعان ما أردف: الجميع بخير والطفل بخير ايضًا وهذا ما يهُم، تنهد الجميع بينما هتف المسعف لداهان الذي تقدم نحوهم: حالة الطفل مستقره ياحضرة النقيب ولكن يجب أن يذهب إلى المستشفى، أومى داهان بخفه ونقل نظره إلى صالح وهو يقول: أذهب وأعتني بأبنك الآن ثم سنتحدث لاحقًا، تقدمت آصلي برفقة الطبيب لتسأل: الطفل بخير اليس كذلك؟، أومى المسعف بخفه فتقدمت هي أكثر وقالت توجّه كلامها لصالح: المهم أننا تمكنا من إخراجه وسيصبح بخير..، رفع صالح بصره نحوها لكنه لم يتحدث، فقط اومى برأسه امتنانًا..
––––––––––––––––––––
مكتب الكبير..
كان المكان غارقًا في صمتٍ ثقيل.. نوافذه مغلقه والإضاءةُ خافته ورائحة التبغ تملأ الجو، يجلس الكبير خلف مكتبه وعيناه مثبتتان على قطعة شطرنج يُمررها بين أصابعه ببطء وكأنه يلعب لعبةً في عقله لكن عقله كان شاردًا بعيدًا عن القطعة التي بيده، دخل أحد رجاله بهدوء كالذي يحمل خبرًا قد يُكلفه حياته، توقف على بعد خطوات من المكتب ويداه خلف ظهره منتظرًا إذنًا ليتكلم، فأتاهُ هذا الإذن الذي ينتظره عندما قال الكبير بهدوء وهو لم يرفع عينيه عن القطعه التي بيده: تكلم، ليهتف رجله فورًا: المركز الذي يُشرف عليه سافاش.. دُمّر، توقف لثانية لكنه أكمل دون إنتظار رد: الشرطة اقتحمته، ولكن انفجارٌ عنيف قضى على المكان، والطفل نجا.. عاد إلى والده، قال الكبير بخوفٍ نجح في إخفاءه وهو يرفع عينيه ولكنه لم ينظر مباشرة إلى رجله: هل أصيب أحد من الشرطه؟، فأجابه رجله: لا.. فارتولو ومن معه ورجال الشرطه جميعهم خرجوا سالمين، لم يتحرك الكبير بل ظلّ يداعب قطعة الشطرنج بوجهٍ جامد لكن عينيه ضاقتا قليلاً، وبعد لحظات وضع قطعة الشطرنج على المكتب بحركةٍ بطيئه متعمده ثم أسند ظهره إلى كرسيه ليقل بنبرةٍ هادئه ساخره: عاد إلى والده؟، عمّ الصمت لثوانٍ نهض بعدها الكبير بهدوء وتقدم حتى وقف أمام رجله ليسأل: وأين سافاش؟، بينما في الجهة الأخرى وفي مكان سافاش الذي هتف يخاطب رجله: أتفقت مع مغنيةٍ صوتها رائع حقًا ستأتي في ليلة الإفتتاح، ليقل رجله: صدقني هذا الإفتتاح سيكون رائعًا، لقد أصابني الحماس مبكرًا يارجل!، رنّ هاتف سافاش في لحظتها، فأخرجه وأجاب بنبرةٍ هادئه: نعم؟، ثوانٍ وأنقلبت ملامحه وأرخى الهاتف من على أذنه ببطء وهو ينظر بصدمةٍ إلى الفراغ أمامه، كأنّ الكلمات التي سمعها للتو لم تُطرق أذنه بل أخترقت أعماقه وهدمت خُططه وما بناه منذ أشهر، أقترب رجله منه بقلق من ملامحه وسأل: ما بك؟ ماذا حدث؟، لم يُجبه الآخر بل سلّمه الهاتف بصمت ثم استدار ومشى بضع خطوات مبتعدًا وهو يضع يديّه على خصره يحاول إستيعاب ما سمِعه للتو، أخذ رجله الهاتف ووضعه على أذنه، وما إن سمع بضع كلمات حتى شحب وجهه ليقل بخفوت: ماذا؟ المركز دُمّر؟، لم يُجبه الطرف الآخر بشيء سوى التأكيد، فأغلق الهاتف ببطء والتفت نحو سافاش الذي لا يزال يُعطيه ظهره ليهمس: كيف حدث هذا؟، عندها استدار سافاش ونظر بغضبٍ وذهول في آنٍ واحد ليقل بحدّه: هذا الفارتولو أقترب كثيرًا..، صمت للحظه ثم أضاف وهو يُمرر أصابعه على ذقنه: لم يكن من المفترض أن ينجو الطفل.. لم يكن من المفترض أن تُكشف الخطة بهذه السرعه!، أقترب رجله وهو يقول: وماذا ستفعل؟، نظر سافاش بخوف لم يستطع إخفاءه: الكبير سيقتلني..، ظل الرجل يحدّق في سافاش للحظةٍ وكأنه ينتظره أن يُكمل لكن الآخر لم ينطق بل جلس على أقرب كرسي وكأن ساقيه لم تعودا تحتملان الوقوف، مررّ يده على وجهه بتوتر وهو يُتمتم: لم أكن مستعدًا لهذا.. لم أكن مستعدًا، وفي تلك اللحظه دخل رجلان إلى المكان وتوجّها مباشرةً نحو سافاش الذي ما إن وقعت عيناهُ عليهما حتى أدرك فورًا أنهما قدِما من أجله، توقفا أمامه ليقل أحدهما: سيد سافاش.. الكبير يريدك الآن، أبتلع سافاش ريقه ببطء واستقام ليقل: تمام.. فلنذهب، ومن ثم أقترب قليلاً ناحية رجله وهمس في أذنه: إن سمعت بخبر موتي.. فهناك فلاشات في سيارتي القديمه داخل صندوق مخفي تحت المقعد، سلّمها لفارتولو.. فلن يكون موتي بلا فائده، اتسعت عينا رجله بدهشه لكنه التزم الصمت ولم يرد، فذهب سافاش مع رجال الكبير، ليهتف رجله وهو يراقبهم يبتعدون: أنه مختل عقلي!
––––––––––––––––––––
الحفره.. المقهى
حيثُ جومالي الذي يدور ذهابًا وإيابًا وهو يُمسك هاتفه بين يديّه بقوه وكأنه على وشك فقدان أعصابه، دخلت عليه كاراجا وهي تسأل بتوتر: ماذا حدث معهم ياعمي؟، فأنفجر جومالي وهو يلوّح بالهاتف في الهواء: لا يُجيبون على هذا الهاتف ال***! أنا هنا أموت قلقًا وهم لا يُجيبون لا يقولون ما الذي حدث معهم ولا يقولون إن كان إدريس بخير أو..، توقف فجاءه وكأن الفكرة نفسها لا تُطاق.. وسُرعان ما رمى بالهاتف على الطاولة بقوه وعاد ليدور وهو يمسح وجهه بنفاذ صبر، فالتفتت كاراجا التي تقف عند باب المقهى حين سمعت صوت محركات سيارات توقفت أمام المقهى، فرأت اكين وجيلاسون وشباب الحفرة قد عادوا مُنهكين.. بعضًا منهم ملابسه ملطخة بالغبار والدماء البسيطه، لكن ملامحهم تحمل شيئًا من الإرتياح، فهتفت كاراجا وهي تخرج: لقد عادوا ياعمي، توقف جومالي عن الدوران فورًا وهرع إلى الخارج، توقف قليلاً وهو ينظر إليهم مستغربًا ليسألهم فورًا: ما حالتكم هذه؟ ماذا حدث معكم؟ أين البقيه؟، ليُجيب اكين بسرعه لكي يُطمئن عمه: كل شيء على مايرام ياعمي وكلنا بخير ووجدنا إدريس..، التفت جومالي واضعًا كفيّه على وجهه بشعورٍ من الإرتياح بعد قلقٍ كاد أن يودي به، فقد كان يلوم نفسه بشدة على ما جرى لإدريس، ولو أن مكروهًا أصابه.. لظلّ جومالي يحمل هذا الذنب حتى آخر يوم في حياته، لتقل كاراجا مبتسمه: وأين هم؟، فأجابها جيلاسون: ذهبوا إلى المستشفى إدريس بخير ولكن قالوا شيء.. يجب أن يُجروا له فحوصاتٍ وماشابه لكي يتأكدوا من سلامته، التفت جومالي ليسأل فورًا: أي مستشفى؟، ليقل اكين وقد علِم غاية عمه فهو بالطبع يريد الذهاب: عمي صالح سيُحضره إلى مستشفى الحفرة ولكن الشرطة سترافقهم لذا لا تفكر في الذهاب ياعمي، عقدّ جومالي حاجبيه ليقل: شرطه؟، أومى اكين وهو يقول: أجل.. فلولا ذلك النقيب وأفراد الشرطه لحاصرونا حتى الموت، لتقل كاراجا: المهم أن إدريس بخير وأنتم بخير ايضًا، ليقل جيلاسون: أنا سأذهب إلى المستشفى لأطمئن عليهم، فقالت كاراجا وهي تهّم بالصعود إلى السياره: سأذهب معك، ليُخاطب جومالي جيلاسون بحدّه: أخبرني بما يحصل معهم ولا تغلق هاتفك مثلهم كي لا ***، أبتسم جيلاسون وتحرك ذاهبًا، بينما تمتم جومالي: أصبحت الشرطة تطوّقنا من كل الجهات وجومالي سيستمر بالهروب حتى وهو داخل حفرته، أبتسم شباب الحفرة وجلس اكين على عتبة باب المقهى وهو يبتسم بالمثل من كلام عمه، لكن رنين هاتفه مجددًا جعله يعبس ويزفر بضيق.. ومثل كل مرة منذ الصباح تجاهل هذا الإتصال ايضًا كما تجاهل سابقاته التي كانت جميعها من كارتال، بينما في شركة كارتال الذي أغلق هاتفه ووضعهُ على الطاولة بسخريه ليتمتم: أهرب كما تشاء يا اكين ولكن عاجلاً أم آجلاً ستُجيب على إتصالاتي، لحظاتٍ ودخل عليه أحد رجاله وهو يقول: سيدي..، نظر كارتال ليقل وهو ينظر بطرف عينه: خبرًا حصري؟، أومى رجله ليقل: فارتولو إستعاد أبنه، هربت إبتسامة من شفتيّ كارتال لم يستطع منعها، وأعتدل في جلسته وهو يُمرر يده على ذقنه ويقول: اخيرًا..، ثم حدّق في رجله وأردف: هل الطفل بخير؟، أومى رجله وأجاب: لكن المبنى الذي كان يُحتجز فيه الطفل قد دُمّر بالكامل ويبدو أن الشرطة تدخلت في اللحظات الأخيره، نهض كارتال من خلف مكتبه وهو يُمسك ذراعه المعلقة إلى رقبته وأتجه نحو النافذة وهو يقول: منذ الليلة الماضية علمت أن فارتولو قد وجد خيطًا يقوده إلى أبنه.. وكان هذا الخيط هو تلك المرأة ولهذا السبب تركته يذهب معها، استدار بعدها ليُواجه رجله وهو يقول: هل عُرف من فجّر المبنى؟ هل كانت الشرطة أم أحد رجال الكبير؟، أجابه رجله: لا نعلم ولكن التوقيت يوحي أن احدًا تعمّد محو الأدله.. أو محو الحقيقة لكي لا يصلون إلى الكبير، أبتسم كارتال وعاد ليجلس وهو يقول: ليحترقوا جميعًا.. هذا لا يهمني، المهم أن الطفل الذي لا ذنب له قد نجا..
––––––––––––––––––––
مستشفى الحفره..
خرج صالح من عند أبنه الذي لا يزال فاقدًا لوعيه تحت تأثير الأدوية أو الجرعات التي حُقنت به قبل نصف ساعة من قدومهم وإقتحامهم للمركز، خرج الطبيب خلفه ونهض وليّ وياماش وتولغا بترقب، واستدار صالح فورًا نحو الطبيب وسأله بقلق وحذر: كيف حاله؟ هل سيستفيق قريبًا؟، فأجابه الطبيب بهدوء: حالته مستقره مبدئيًا والفحوصات الأوليه تُشير إلى أنه ليس مصابًا بإصابات جسديه.. لا كسور لا نزيف داخلي، لكنه يعاني من إرهاق شديد وسوء تغذية واضح، ليقل صالح بقلق: سوء تغذيه؟، أومى الطبيب: أجل جسده يُعطي مؤشراتٍ بذلك لكنه أمر يمكن علاجه بسهوله إن تلقى رعاية صحيه وغذائيه مناسبة خلال الأيام القادمه وبعد قليل سنُجري فحوصات شامله لنتأكد من كل شيء ونطمئن عليه، ليسأل صالح مجددًا بقلق: ومتى سيستفيق؟ فأجاب الطبيب: خلال ساعات إن شاءالله، أومى صالح بينما تقدم ياماش وأحتضنه بخفه وهو يقول: هو بخير.. بخير، بادله صالح وهو يومي بخفه، أبتعد ياماش حين رنّ هاتفه فهتف: أنا سأذهب للحفرة فأخي جومالي سيضربني لأنني لا أجيب على إتصالاته، والتفت ذاهبًا دون أن ينتظر ردًا، ولاحقًا.. في غرفة الطوارئ، كان صالح يجلس على السرير بينما كانت ممرضة تضمّد جرح رقبته.. وضعت اللاصق وجلبت بعض المحاليل، فعقد صالح حاجبيه مستغربًا ولم يكاد يسألها عن سبب المحاليل حتى سعل بشدة وهو يضع يده على صدره، فدخل طبيبه فريد وهو يقول: وتريد أن تسأل عن سبب هذه المحاليل وأنت تسعل بهذه الطريقه؟، رفع صالح عينيه بتعجب من قدوم فريد، فدخل بعده وليّ وهو يقول: أنا أخبرته.. فأنت أهملت نفسك بما فيه الكفايه، أبتسم فريد وهو يتقدّم مقتربًا من السرير، ثم التفت إلى الممرضة وقال: أتركي لنا الغرفه..، وما إن خرجت حتى أقترب فريد من صالح وفتح ملفًا صغيرًا وهو يقول: السعال الحاد، ضيق التنفس، الحمى الخفيفه التي سجّلتها الممرضة قبل قليل.. كلها أعراض لا يمكن تجاهلها في حالتك وخصوصًا تاريخك الطبي، وضع فريد الملف جانبًا وسحب سماعته من عنقه وانحنى قليلاً يستمع إلى صدر صالح بدقه، تنقل بين الجهة اليمنى واليسرى بينما صالح ينظر إلى وليّ بصمت والآخر يُبادله ايضًا بصمت، عقد فريد حاجبيه وهو يستقيم واقفًا مجددًا ليقل: سأطلب إجراء صور مقطعيه للصدر وأخرى للرأس، بالإضافة إلى تحاليل دم شامله.. ولن تتهرب هذه المرة كما فعلت سابقًا، فلا جدوى من التأخير خاصة بعد ما تعرضت له مؤخرًا من مجهود وإنفعالٍ جسدي، أشاح صالح بنظره وهو يقول: أبني هناك وأنتم تطلبون مني هذا؟، ليقل وليّ بغضب طفيف ونبرةٍ عاليه قليلاً: يكفي ياهذا.. لن تتعذر بأبنك فهو بخير ويبعد عنك بضعة أمتار فقط وحوله جنودًا يحرسونه، ضحك فريد على غضب وليّ بينما قال صالح: حسنًا ياهذا لاتصرخ!، رفع فريد يديّه ليقل: واخيرًا بدأ يستجيب، ثم أكمل بجديه: المحاليل ستساعد في إستقرار وضعك، وسنراقب حرارتك وضغطك خلال الساعات القادمه وإن ظهرت مؤشرات لعدوى تنفسيه سنبدأ العلاج فورًا، نظر صالح للحظة قبل أن يُشيح بنظره مجددًا وهو يُتمتم بصوت بالكاد يُسمع: افعلوا ما تشاؤون.. فقط أخبروني حين يستيقظ أبني، خرج فريد ولحقه وليّ بعد لحظات بالتزامن مع دخول الممرضة التي بدأت بتركيب المحاليل لصالح، سأل وليّ فريد قائلاً: هل تظن أن حالته قد تتدهور؟، توقف فريد للحظة بعيدًا عن باب الغرفه واستدار ليواجه وليّ: لا أستطيع أن أقطع بشيء الآن، العلامات الحيويه مستقره ولكن جسده أُنهك وصدره لا يحتمل المزيد من الإجهاد، ليسأل وليّ: هل هناك شيء محدد يجب أن نخشاه؟، تنهد فريد ببطء وأجاب: ما أخشاه هو إلتهاب رئوي مفاجئ أو اختلاطات عصبية متأخره مرتبطه بالإصابة القديمه في الرأس.. لذلك طلبت صورًا مقطعيه وتحاليلاً شامله، نحن يا أخي وليّ لا نعالج فقط آثار يومٍ واحد أو عدة أيام بل آثار سنوات من الإهمال والإجهاد والتاريخ الطبي المعقّد، أشاح وليّ بنظره وقد شعر بشيء ثقيل يُخيم على صدره، ولم يُجيب بل أومى بصمت، رفع فريد يده ينظر لساعته ثم قال: سأبقى في المستشفى الليله أريد الإشراف على حالته بنفسي.. وإن أظهرت الصور أو التحاليل أي شيء مقلق فسأبلغكم فورًا، أجاب وليّ بهدوء: وأنا سأبقى هنا ايضًا، فقال فريد وهو يبتسم: بالطبع ستبقى.. لأنك الآن ستذهب لتجلس بجانب صديقك لنضمد جرح رأسك ونُعطيك بعض المحاليل ايضًا ألم تخبرني بأنك تشعر ببعض الدوار؟، رفع وليّ يده ووضعها على رأسه وهو يقول: بالطبع سأذهب لأجلس أتظنني مثل صالح لا أكترث بصحتي؟، أبتسم فريد وذهب.. وعاد وليّ إلى الغرفه بينما في الجهة الأخرى من المستشفى وتحديدًا في مكتب الطبيب الذي يُشرف على علاج إدريس، دخل عليه داهان بهدوء وخلفه معاونه فنظر الطبيب بإستغراب، تقدم داهان وهو يُخرج من جيبه بطاقة هويته الرسميه وعرضها على الطبيب قائلاً: النقيب داهان كارا من وحدة الجرائم الخاصه.. الطفل إدريس كوشوفالي الذي باشرت حالته قبل قليل هو ضحية قضية اختطاف أستمرت عدة أيام، ونحن بصدد فتح ملف تحقيق رسمي حول الحادثه، نظر الطبيب إلى بطاقة داهان لثوانٍ ثم رفع عينيه وقال: لم أكن أعلم أن الأمر يتعلق بجريمة اختطاف فقد أُدخل الطفل كحالة طارئه دون أي معلومات مرفقه، لكن بما أن هناك ملفًا جنائيًا فسأُباشر الإجراءات اللازمة فورًا، التقط داهان ملفًا من معاونه الذي يقف خلفه وسلمّه إلى الطبيب وهو يقول: هذا إذن قانوني يخولنا طلب نسخة من التقارير الطبيه ونتائج الفحوصات وايضًا تقريرًا أولي عن وضعه عند لحظة دخوله، أومى الطبيب بخفه وهو ينظر بتوتر.. وعودة إلى صالح دخل وليّ إلى الغرفة بهدوء وتقدم حتى جلس على كرسي بجانب السرير، فسأله صالح بهدوء: قلت أن هناك جنودًا يحرسون أبني؟، أومى وليّ ليقل: النقيب سيفتح ملفًا جنائي على ما أعتقد..، مسح صالح وجهه وهو يقول: دخلت لطريقٍ خاطئ ياهذا..، أرتخى وليّ على كرسيه ليقل: لماذا تقول هذا؟، تجاهله صالح وسأله: ياماش وتولغا أين؟، فأجاب وليّ: عادا إلى الحفرة.. ياماش سيذهب ليُطمئِن جومالي وتولغا ذهب ليُحضر لك ولإدريس بعض الملابس النظيفه، نظر صالح إلى الفراغ لثوانٍ وكأنه يستوعب تبعات كل ما حدث خلال الساعات الأخيره، ليقل بخفوت: كل ما أردته هو أن يعود أبني إليّ سالمًا.. لم أفكر بما سيأتي بعد ذلك، تنهد وليّ ليقل: لا تشغل بالك ولا تفكر في أي شيء الآن دعنا نرتاح قليلاً اليوم، لم يُجب صالح بل أغلق عينيه لثوانٍ.. لكنه فتحهما عندما شعر بأحدهم يقترب منهم، ليرى الممرضة تقترب ناحية وليّ وهي تحمل بعض الضماد والمحاليل، فسأله صالح: مابك؟، ليُجيب وليّ: خدش رأسي يحتاج إلى تضميد، صمت صالح فبدأت الممرضة عملها وحين أنهت تضميد الجرح وضعت بعدها محلولاً بسيطًا لوليّ فقط ليُبعد عنه الدوار وخرجت، فنظر وليّ إلى صالح الذي كان ينظر إلى ذراع وليّ ثم نظر إلى نفسه وإلى المحلول المعلق، وسُرعان ما أنفجر ضاحكًا دون مقدمات، ضحكة صادقه خرجت من صدرٍ كان مُتعبًا مثقلاً، عقدّ وليّ حاجبيه ليهتف صالح من بين ضحكه وهو يميلُ برأسه إلى الخلف: قبل قليل كنّا محاصرين بمطرٍ من الرصاص والآن نحن محاطون بالمحاليل.. أنظر إلى حالنا، أنفجر وليّ ضاحكًا هو الآخر، وبعد أن صمتّ الإثنان هتف وليّ وهو يستند برأسه إلى الخلف: أنه التعب يا صديقي.. عاجلاً أم آجلاً سيضعك على السرير وسيجعلهم يعطونك السوائل سواءً كنت مجرمًا أو بطلاً، لم يعلق صالح بل استند برأسه هو الآخر وأغلق عينيه للحظة وهو يتنفس بعمق وراحة لإيجاد أبنه سالمًا..
––––––––––––––––––––
مكتب الكبير..
كان سافاش يجلس أمام الكبير الذي يُثبت نظره عليه وهو يضع قدمًا على الأخرى بهدوء مُريب ومُخيف بالنسبة لسافاش الذي يهزّ قدمه بتوتر، هتف الكبير اخيرًا بنبرةٍ خافته لا تخلو من الحدّه: أخبرني.. من فجّر المركز؟، رفع سافاش رأسه ببطء، وقال: أنا.. أنا من وضع ووزّع المتفجرات حول المركز، لكن فقط لحالات الطوارئ.. لم يكن مُخططًا أن تُستخدم إلا في حال أنكشف الأمر لكي لا يبقى شيء يقود إليّ أو.. إليك، ظلّ الكبير صامتًا للحظاتٍ طويله حتى شعر سافاش بأن أنفاسه أصبحت أثقل من أن تُحتمل، ليقل الكبير: وهل تُسمي ما حدث خطة طوارئ؟ المركز دُمّر.. رجالك ماتوا.. والطفل خرج حيًا.. والشرطه؟ الشرطة دخلت إلى عقر دارك يا..، همس سافاش فورًا: سافاش يا سيدي.. والشرطة كما قلت داهمت المكان، ولو لم يفجروه رجالي لكانوا وجدوا كل شيء، العقار والعينات والوثائق.. وربما حتى أسماء توصلهم إلينا، حدّق الكبير قليلاً ثم قال ببرود: تمام ولكننا نتحدث عن إخفاء أثر يا سافاش لا عن إثارة ضجيج يُسمع في جميع أنحاء إسطنبول، فأجاب سافاش بعد لحظة صمت: أعتذر.. ولكن هذا ما اتفقنا عليه منذ البدايه، أن الأولوية هي إبقاء هويتك مخفيه والوصول إليك مستحيل مهما كلّف الأمر، أغمض الكبير عينيه لثوانٍ وكأنه يفكر بعمق ثم فتحهما وقال: حسنًا.. سأعتبر أنك قمت بما يلزم، نظر سافاش إليه متفاجئًا فهو كان يظن أن هذا هو يومه الأخير في هذه الدنيا بينما تابع الكبير كلامه بنفس الهدوء الذي يزيد توتر سافاش بدلًا من أن يُريحه: أختف عن الأنظار ولكن لا تغادر المكان الذي ستفتتحه، قالها بنبرةٍ ساخره بعض الشيء، ثم أكمل وهو ينهض ويضع يدّيه خلف ظهره متجهًا نحو مكتبه: لن تتحرك ولن تراقب ولن تفعل شيئًا.. فنحن سنختفي لفتره، فالضجيج الذي أحدثتهُ أنت سيجعل تحركاتنا المقبلة مطلبًا لأولئك الذين يريدون الوصول إليّ، ثم استدار فجاءه ونظر إلى الآخر نظرة حادة جعلته يشدّ جسده تلقائيًا بتوتر: أي حركة خاطئه، أي اتصال غير مرصود، أي مبادرة غير مأذون بها.. تأكد بأنها ستكون الأخيره، أومى سافاش فورًا وهو يقول بخفوت: مفهوم ياسيدي. أشار الكبير بيده إلى الباب وهو يقول: أخرج، غادر سافاش بسرعه وهو يُخفي في صدره زفرةً ثقيلة لم يجرؤ على إطلاقها في حضرة الكبير، وما إن أبتعد عن باب المكتب حتى أسند ظهره إلى الجدار وهو يلتقط أنفاسه وكأنه نجا لتوه من حافة الهاويه.. خرج بعد لحظاتٍ وهو يُمسك هاتفه يُرسل رسالة صوتيه لرجله يقول فيها "لا تفعل شيئًا سخيفًا فأنا ما زلتُ على قيد الحياة.." وصعد إلى سيارته وهو يبتسم قلقًا وإستغرابًا وراحةً بنفس الوقت..
––––––––––––––––––––
مساءً.. في المستشفى
خرج صالح من الغرفة تاركًا وليّ الذي غفى من شدة التعب دون أن يشعر، ذهب بإتجاه غرفة أبنه فوجد تولغا وكاراجا يجلسان أمامها، أبتسم حين هرعت كاراجا إليه واحتضنته، لتقل وهي تبتعد: كيف حالك ياعمي؟، أومى بخفه وهتف لتولغا: لماذا لا تذهب لتستريح يابني؟، ليقل تولغا وهو يبتسم: أنا بخير ومرتاح لاتقلق، تركهم صالح ودخل إلى غرفة أبنه ليجد ممرضة تفحصه بهدوء، أبتسم وتقدم حتى جلس على طرف السرير، فقالت الممرضه: كل شيء على مايرام.. زال البأس، توقف قليلاً ينظر إلى أبنه بعد خروج الممرضه، تأمل ملامحه الصغيرة التي بدا عليها الإرهاق، شاحب الوجه ومُتعب ولكن أنفاسه منتظمه وصدره يرتفع وينخفض بهدوء كافٍ ليُطمئِن قلب والده، مدّ صالح يده ببطء ومررّ أصابعه على شعر أبنه برفق.. وكأن رؤية أبنه أمامه الآن وهذه اللمسات تكفي لتُزيل كل ما مرّ به من قلق وعذاب في الأيام الفائته، تمتم بخفوت وهو لايزال يُحدّق به: عُدت إليّ.. وهذا يكفيني الآن، فُتح الباب ودخل الطبيب برفقة كاراجا وتولغا، تقدم الطبيب بملامحٍ جعلت صالح يتوتر، فنهض سريعًا وهو يراقب الطبيب بترقب منتظرًا أن يتفوه بشيء، فقال الطبيب: الفحوصات المبدئيه كانت مُطمئنه من حيث المؤشرات الحيوية العامه كما قلنا.. ولكن نتائج تحليل الدم أظهرت شيئًا..، توقف للحظه ثم أردف: نتائج تحاليل الدم أظهرت وجود آثارٍ لمادة تُصنف ضمن العقاقير ذات التأثير العصبي المباشر، إنها مادة غير مسجله رسميًا في الهيئات الدوائيه وللأسف.. بحسب النتائج التي بين أيدينا فإن هذه الماده وهي عالية التركيز وسريعة الإمتصاص تعمل على تعطيل مراكز الذاكرة طويلة المدى، وقد تؤثر على الروابط العصبية المسؤولة عن الإدراك الزمني والإرتباط العاطف، لم يتكلم صالح.. ولم يتنفس حتى بل ظلّ واقفًا كأن جسده قد تجمّد، وتولغا وكاراجا ينظران بخوف وقلق، لتهتف كاراجا: ماذا يعني هذا؟، ليقل الطبيب: يعني تم إعطاهُ داوءً بهدف أعادة تشكيله، يعني بإختصار يمكنكم فهمه "غسيلُ دماغ"، صمّت الجميع بصدمه بينما واصل الطبيب بهدوء: حين يستيقظ سنُخضعه لتقييم نفسي وعصبي دقيق وسنراقب سلوكه.. إدراكه.. ذاكرته.. ومدى إستجابته للأشخاص والمواقف، إن استجاب بشكل طبيعي فهذه إشارة جيده، أما إن ظهرت عليه علامات تشوش أو نوبات هلع أًو فقدان إدراك.. فسنبدأ خطة علاجيه تدرجيه تعتمد على إعادة التأهيل النفسي والدوائي، تحركت عينا صالح ببطء نحو أبنه الممدد على السرير وكأن ما سمعه للتوّ لم يُفزع قلبه بقدر ما حطّمه كليًا، أقترب الطبيب قليلاً من صالح وختم حديثه قائلاً: أعلم أن ما أخبرتك به ليس سهلاً.. لكن الأهم الآن أنه في رعاية آمنه ونحن نتابعه لحظةً بلحظه، أنت أنقذت حياة أبنك يا سيد صالح.. والآن سنفعل ما في وسعنا لإعادة توازنه، خرج الطبيب تاركًا خلفه صالح الذي ظلّ على حاله ينظر إلى أبنه بصدمةٍ ووجعٍ لم يشعر بهما من قبل ابدًا..
إلى اللقاء في البارت القادم..
أنت تقرأ
لا يوجد سوى الألم..
Fanfictionسيناريو بأحداث مختلفه للجزء الرابع "Çukur" *ملاحظه: هذه المره الأولى لي في كتابة شيئًا ما..
