Part 44

295 20 3
                                        

"هذه المرة لم أصفعك أمام أبنك"
الواحده ليلاً.. وبعد ساعات من الخبر الموجع الذي أبلغهُ الطبيب لصالح، كان الممرّ المؤدي إلى غرفة إدريس هادئًا كسكون الغرفة نفسها، لا يُسمع داخلها سوى صوت الأجهزة الطبيه الخافت، كان يجلس على كرسي بجانب السرير منحنيًا برأسه فوق يد أبنه الصغيرة وقد غلبهُ النعاس، لم يكن نائمًا بحق بل معلقًا بين اليقظة والهرب، بين صوت الطبيب الذي لا يغادر رأسه كصدىً لا يتوقف، ووجه إدريس الشاحب الذي لا يغيب عن ناظره حتى وهو مغمض العينين الآن، ثم.. كُسر الصمت بصوتٍ خافت في الممرّ تعقبهُ خطوات متسارعه ثم صوت جومالي يتعالى بحدّه "أنت ماذا تقول أيها ال***؟" تلاهُ تولغا وهو يقول غاضبًا "هل تزعجك الحقيقه جومالي كوشوفالي؟" ومن ثم صوت كاراجا المتقطع "لاتصرخوا نحن في مستشفى!"، فتح صالح عينيه ببطء ورفع رأسه عن يد إدريس، مرّر كفيّه على وجهه بإرهاق ثم نظر نحو الباب وقد اشتدّ صوت الجدال، نهض من مكانه بعد أن ألقى نظرة أخيره على أبنه وأتجه يفتح الباب، فوجد الثلاثة أمام الغرفه، جومالي الذي يمسح شعره بغضب وتولغا الذي يجلس بإبتسامةٍ ساخره وكاراجا التي تقف بين الإثنين وكأنها تحاول تهدئتهُم، نظر إليهم للحظات وقال وهو يُغلق باب الغرفة خلفه: ماذا يحصل؟، فأجابت كاراجا فورًا: لاشيء ياعمي..، قاطعها تولغا وهو يقول: لاشيء؟ يأتي ليتفقد حال إدريس وكأنه لم يكن هو من أخذه من منزل أخي ومن سهّل عليهم اختطافه!، قالها وهو ينظر إلى جومالي، فتقدم الأخير بغضب ينوي الهجوم عليه لولا أن صالح أوقفه بقوه ودفعه بعيدًا ومن ثم التفت صالح إلى تولغا ليقل بحدّه: أذهب الآن وسنتحدث لاحقًا بشأن ما تفوّهت به، خفض تولغا عينيه ولم يُجادل، بل نهض بهدوء وتجاوزهم ذاهبًا دون أن ينبس بكلمه، فأردف صالح يُخاطب كاراجا وهو ينظر إلى ظهر تولغا: الحقي به يا أبنتي وعودا إلى المنزل، أومت كاراجا بصمت ولحقت بتولغا الذي أبتعد دون أن يلتفت، فيما بقي هو واقفًا في الممرّ مع جومالي، التفت إلى أخيه ليقل: لا تأبه بكلامه، ليقل جومالي وهو ينزع قبعته: من أين أتيت بهذا الرجل!، لم يجب الآخر بل جلس على أحد الكرسي وعيناهُ لاتزالان نحو أخيه، فوقف جومالي أمامه ليسأل هذه المرة بقلق: هل ما قالتهُ كاراجا صحيح؟ أعطوا إدريس دواء.. ولا أعرف ماذا، تنهد صالح بقوه وأجاب وهو ينظر للأسفل: أجل.. الطبيب يقول أنهم حقنوه بمادة لمحاولة غسل دماغه، ربما لن يتذكر من يكون ومن نكون نحن عندما يستيقظ..، زفر جومالي بقوه وسكت للحظه قبل أن يقول: ولكنه حي.. وهذا ما يهم الآن ونحن أحياء ايضًا وسنذكره بمن نكون، ظلّ صالح صامتًا وفي لحظتها تقدم جيلاسون ناحيتهما ليقل: بحثت في ممرّات المستشفى جميعها ولم أجد أي فرد من الشرطه.. هل ذهبوا يا أخي؟، فأجاب صالح وهو ينهض: أجل ولكنهم يدورون هنا من حينٍ لآخر، ومن ثم التفت إلى جومالي ليردف: لم يكن هناك داعٍ لقدومك ألم يُطمئنك ياماش؟، فعل جومالي حركة فمه المعتاده ثم ارتدى قبعته من جديد وأشار بسبابته قائلاً: سيد صالح.. تفضل وألحق بي إلى الخارج أريد التحدث معك، وتجاوزه ذاهبًا لخارج المستشفى، تنهد صالح والتفت نحو جيلاسون الذي أخرج علبة سجائر وناولها لصالح وهو يقول: هذا ما استطعت إيجاده يا أخي فالمتاجر مغلقه كما تعلم، أومى صالح بخفه ووضعها في جيبه ليقل: أجلس هنا يابني حتى آتي لاتتركه لوحده، قال الأخيرة وهو يُشير بعينيه لغرفة إدريس، فأومى جيلاسون ولحق صالح بأخيه..
––––––––––––––––––––
الحفره.. منزل العائله
جلس ياماش على الأريكة في غرفته وهو يُمرر يده برفق على رأسه، دخلت إيفسون القادمة من غرفة الأطفال ووقفت عند باب الغرفة تُحدق به لثوانٍ قبل أن تتقدم وتجلس أمامه تسأله بهدوء: هل إدريس على مايرام؟، أومى وهو يتنهد بإرتياح، ولكن ملامح القلق التي على وجه إيفسون لم تتلاشى بل سألت مرةً أخرى: لكنك لا تبدو بخير، لم يُجب ياماش فورًا بل ظلّ ساكنًا في مكانه كأن الكلمات التي تدور في صدره أعجز من أن تُقال، أغمض عينيه للحظه ثم فتحهما ببطء وكأنه يحاول أن يهرب من صورةٍ تطارده رغمًا عنه.. قال اخيرًا بنبرةٍ خافته: كنت مشغولًا بالبحث عن إدريس... ولم يكن هناك مجال لأي شيء آخر، كنت أركض وأتحرك لا أسمح لنفسي بأن أتوقف، لا للتفكير ولا حتى للحزن ولو للحظه، والآن..، أقتربت إيفسون قليلاً لتقل بخفوت: والآن ماذا حصل؟، فنظر ياماش إلى عينيها ليقل: الآن أصبحت أكرهُ هذا البيت، ومن ثم مسح وجههُ ليردف: على كل حال.. هل نامت ماسال؟، أومت إيفسون وقالت: اووه منذ ساعات.. وكانت تسأل عنك فهي لم ترك منذ الصباح، تنهد ياماش مرةً أخرى ليقل: في الصباح إن استيقظ إدريس سأصطحبها إليه هي وآسيا، أبتسمت إيفسون لتقل: متى سيخرج؟، نفى ياماش بكتفيه فقالت إيفسون بخفوت: المهم أنه بخير وفي أحضان والده الآن..، وفي الأعلى كان اكين يجلس بجانب ياسمين التي تستلقي وهي تغمض عيناها باكيةً، ليقل اكين: ياسمين.. أرجوكِ لا تفعلي هذا بي، فتحت الأخرى عيناها وهي تقول: لا أستطيع التحمل يا اكين، الأصوات لا تصمت بل عادت أسوء من قبل، فأقترب اكين ووضع كفّه على كفّها وهو يقول: وأنا لا أستطيع رؤيتكِ هكذا، أعدكِ سأرى طبيبكِ وأعدكِ.. أعدكِ أننا سنذهب من هنا لكي تتعالجي فقط أعطيني بعض الوقت، نهضت ياسمين ببطء لتقل: عمك.. أخي صالح تعالج يا اكين الم تقل لي هذا؟ كيف تعالج لماذا لا أتعالج أنا مثله؟، تنهد اكين بحسره بينما وضعت هي يدها على بطنها لتقل: أشعر أنني سأفقدهُ يا اكين.. سأفقد أبني، عمّ الصمت لثوانٍ شدّ بعدها اكين على كفّ زوجته وهو يقول بهدوء: لن تفقديه.. هل تسمعينني؟ لن أفقدكِ ولن نفقد أبننا، ياسمين.. أنا قلت لكِ قبل قليل ووعدتكِ.. إن لم نجد في هذا المكان علاجًا لكِ سنذهب حيث يوجد، سنسافر إن اضطررنا وسأكون معكِ في كل خطوه، ولكن أرجوكِ لا تستسلمي الآن فقط تحملي لبعض الوقت حتى أتدبر أمري وبعدها سنذهب فورًا، هزتّ رأسها بتردد ثم عادت لتستلقي وهي تمررّ كفّها على بطنها خوفًا وقلقًا..
––––––––––––––––––––
المستشفى..
كان جومالي ينتظر صالح في الخارج بعيدًا عن مدخل المستشفى، أقترب صالح حتى وقف إلى جانبه دون أن يتحدث وبعد ثوانٍ أخرج جومالي ولاعه من جيبه ومدّها نحو الآخر دون أن يلتفت، نظر صالح بغرابة ولكنه التقطها ببطء وأخرج علبة السجائر، التقط واحده وناول العلبة لجومالي الذي التقط منها واحدة بدوره وقال بعد لحظات: كان أبي يكره هذه العادات السيئه، توقف صالح عن أشعال سيجارته حين سمع هذه الكلمات، فأخذ جومالي الولاعة منه وأشعل لنفسه وهو يردف: ولكنه كان يفعلها، ومن ثم أعاد الولاعة إلى صالح الذي ظلّ صامتًا يمسك بسيجارته دون أن يشعلها، ليُكمل جومالي: إدريس كوشوفالي.. الذي لم يراهُ احدًا منكم في شبابه، كنت أراه يُشعل سيجارته ليلاً في المكتب كلما حدث أمر أو تشاجر مع أحد، وأنا أصبحت مثله حين دخلت إلى السجن.. كانوا يهرّبون السجائر إلى الداخل يوميًا وكأنها السبيل الوحيد ليشعروا ببعض الحرية، وأنت من الواضح أنك اكتسبت هذه العادة بعد ما حصل معك، كان صالح واقفًا بجانب أخيه، لا يُجاريه بالكلام ولا يُقاطعه فقط يتأمل الأرض أمامه، ليُكمل جومالي: جميعنا اخطأنا.. أنا وأنت وياماش والجميع، توقف لثوانٍ وأردف بجمود: أتعلم لماذا غضبتُ من تولغا؟ لأنه قال ما أُردده لنفسي منذ أيام.. فلو لم آخذ إدريس من منزلك لما أختُطف، لم يُجب صالح فتنهد جومالي بخفه وقال: ألم تقل لي حين كنت تلكمني في المقهى بعد هروب العم أنني السبب في موت أخي سليم لأنني قتلت إريك؟، رمى بعدها سيجارته أرضًا وأطفأها بقدمه ثم أردف وهو ينظر أمامه: كنتَ محقًا.. لو لم أفعل لما حدث ماحدث، وياماش لو لم يفعل ما فعله آنذاك لما ذهبت سعادات، وأنت لو لم تفعل ما فعلته لما ذهبت أمي، ثم التفت ينظر إلى الآخر وهو يُكمل: أترى؟ جميعنا كنا أسبابًا.. وكل واحد منا يحمل جرحًا مختلفًا لكنه من نفس السكين، أغمض صالح عينيه بقوة حين ذُكرت هذه الجروح التي لم تلتئم بعد وشدّ قبضته دون أن يدرك، التفت بعدها ينظر إلى جومالي ليقل: لماذا تتحدث بهذا الكلام الآن؟ أنا لا ألوم أحدًا وما يحدث الآن هو نتيجة أفعالي أنا وحدي فذلك الـ..، قاطعه جومالي بصفعةٍ ليست قويه بل أقرب للعتاب أو التوبيخ، ظلّ صالح مُلتفتًا إلى الجانب تحت وطأة الصفعه.. لم يُبدي دهشةً لكنه في الوقت ذاته لم يكن يتوقعها، بينما هتف جومالي: ذلك ال*** لم يعُد يستهدفك وحدك هل تدرك هذا؟ لقد أخذ والدتي، فلا تجرؤ على القول إنك ستحل الأمر بمفردك فهذا أصبح إنتقامًا يخصنا جميعًا، قال الأخيرة وهو يُحدق في وجه صالح بحدّه، ليردف بعدها: ولست أنت من يُقرر هذا، أنت تحارب أجل ولكننا نحارب جميعًا.. من أجلنا من أجل أطفالنا ومن أجل هذه العائلة التي كادت أن تُمحى مرتين ولن نسمح بأن تُمحى تمامًا في الثالثه، عمّ الصمت لثوانٍ تمايل بعدها صالح نحو صدر أخيه فجاءه، هل هو تعب أم ندم؟ أم أنه رأى للمرة الثانية أن أخاهُ رغم أفعاله وأخطاءه لا زال يهتم؟ أغمض عينيه لوهلةٍ وهو يستند برأسه على صدر جومالي، تنهد الأخير بعمق وهو يفعل حركة فمه المعتاده، رفع بعدها يده ليضعها على ظهر صالح بحنانٍ خشن يشبهُ طباعه، ليقل بعدها بخفوت ولم يجد سوى هذه الكلمات ليخفف بها عن أخيه: مضى وذهب ياصالح..، لاحقًا عاد الإثنان إلى مدخل المستشفى، فقال جومالي قبل أن يدخلا: أنا سأعود إلى الحفره.. إن حصل شيء أتصل عليّ، أومى صالح والتفت ليدخل ولكن جومالي أوقفه وهو يقول: هذه المرة لم أصفعك أمام أبنك، ولا تقلق إن فكرت بصفعك مرة أخرى فلن يكون أمامه ايضًا، واستدار ذاهبًا بينما ضحك صالح بخفه فجومالي لم ينسى كلماته هذه.. تنفس بعمق وعاد إلى الداخل حيثُ أبنه..
––––––––––––––––––––
مركز الشرطه..
تهز آصلي قدمها بغضب بينما الطبيب في الناحية الأخرى ينظر إليها بإبتسامه، التفت آصلي إليه لتقل: أيها الطبيب.. منذ أن أُدخلنا إلى التوقيف وأنت لا تتوقف عن الإبتسام، ماذا؟ هل يروق لك ما يحدث؟، لم تختفي إبتسامته بل مال برأسه قليلاً ليُجب: أنا فقط أحاول أن أفهم، نظرت آصلي ببرود لتقل: وما الذي تحاول أن تفهمه؟، ليردّ الطبيب بهدوء: أحاول أن أفهم الدافع الحقيقي خلف ما فعلتهِ يا آصلي، أنتِ لم تكوني مُجبره ومع ذلك عرضتِ حياتكِ للخطر من أجل طفلٍ لا تربطكِ به أي علاقة أو رابطة دم، لم ترد الأخرى بل أبتسمت بإستهزاء، ليردف الطبيب: "الخير يجازى بالخير" هذا ماقلتهِ لي عندما سألتك عن سبب مساعدتكِ لفارتولو، فهل تسمحين لي بسؤالٍ آخر؟، ظلتّ نظرات آصلي كما هي ساخرة ولم ينتظر الطبيب ردًا أو موافقه فسأل فورًا: ماهو الخير الذي فعلهُ فارتولو ليجعلكِ تخاطرين بنفسكِ من أجل أبنه؟، لتقل آصلي: وأنت؟ ألم تخاطر؟، أبتسم الطبيب ليقل: أجل ولكن ليس من أجله بالطبع! فأنا لا أعرفه، خاطرت من أجلكِ أنتِ، نظرت آصلي إليه مطولاً لتقل بعد لحظات بسخريه: شكرًا جزيلاً على مخاطرتك! يا لك من طبيبٍ رائع، ضحك الطبيب بخفةٍ ولم يُجب، عمّ الصمت لثوانٍ قالت بعدها آصلي بخفوت: أعِلم هذا أيها الطبيب، بعضنا لا يحتاج روابط الدم ليشعر بأن عليه أن يحمي احدًا.. هذا ما تعلمتهُ أنا منذ سنوات، فُتح الباب بعدها ودخل داهان بخطواتٍ هادئه وفي يده ملف ورقي، نظر داهان إلى العنصر وأومى له بالخروج، أغلق العنصر الباب خلفه مع تقدم داهان نحو القضبان وعينيه على آصلي بتفحص، بينما هي كانت تنظر إليه ببرود، فتح الملف ونظر لثوانٍ ثم هتف: آصلي إردام.. ورفيقكِ أيًا كان أسمه، فهتفت آصلي: أجل هذا أسمي، رفع داهان عينيه عن الملف وحدق بها بملامح لا توحي بشيء، ليقل: بحسب الشهادات والتقارير وُجدتِم في موقع غير مصرح به أثناء تنفيذ وحده خاصه عملية مداهمه، هل تنكرون هذا؟، عقّدت آصلي حاجبيها وهي تنهض ببطء لتقل: هل هذه جلسة تحقيق؟، ليُجيب داهان فورًا بسخريه: لا.. هذه زياره غير رسميه، أبتسمت الأخرى بينما راقبها الطبيب الذي ظلّ صامتًا وهي تتقدم حتى وضعت يديها على القضبان لتقل: ما الذي تريده إذن؟، ليقل داهان وهو يقترب قليلاً: سمعتني قبل قليل، التفتت آصلي تنظر إلى الطبيب ومن ثم أعادت بنظرها إلى داهان لتقل: وهل تتوقع أن أقول شيئًا مختلفًا عمّا تعرفه؟ ما حصل قد حصل وإن جئت لتبحث عن مبرراتٍ تُرضي أوراق تقاريرك فلن تجد، ليردّ الآخر بثبات: لم آتي لأبحث عن مبررات بل عن المنطق.. ما فعلتموه ليس خطأً مهنيًا فقط بل خرق واضح لحدود العملية الأمنيه، أنتِ لستِ ضابطه ولا موظفة رسميه ولا حتى من ذوي الطفل، وأشار إلى الطبيب وهو يردف: وهو ايضًا.. ومع ذلك كنتما في قلب النار، صمتت آصلي ليردف داهان: هل تربطكِ علاقة بفارتولو؟، فأجابت الأخرى: لا.. وإن أردتم أن تحاكموني لأنني أنقذت طفلاً بريئًا من براثن مجرمين.. فليكن، ظلّ داهان ينظر إليها لثوانٍ طويله، لاحظ بعض الكدمات التي تغطي وجهها والغبار العالق بملابسها، كما لم تغب عن عينه بقعة الدم التي لطّخت أحد أكمام قميصها إثر الإنفجار الذي وقع اليوم، ومن ثم نظر إلى الطبيب الذي كان صامتًا بشكلٍ غريب، عاد بنظره مرة أخرى إلى آصلي وأقترب أكثر حتى بات على بعد خطوه فقط من القضبان ليقل: غريب..، رفعت آصلي أحدى حاجبيها بينما أردف داهان: فتاة مثلكِ.. تقتحم وكرًا مسلحًا وتعرض نفسها للخطر وتقف في وجه رجال مدججين بالسلاح، ثم ترفض تقديم أي تفسير مقنع؟ هذا لا يدعو فقط للريبه.. بل بالبحث خلفكِ، أبتسمت آصلي لتقل: وأبحث خلفي إذن.. ماذا في ذلك؟، تراجع داهان نحو مكتب العنصر وهو يقول: إن لم يكن بينكِ وبين فارتولو علاقه أو معرفه فكل هذا الجنون غير مُبرر، عادت آصلي إلى كرسيها لتقل بسخريه: هل هذا استنتاجك بعد زيارة غير رسميه؟، ليقل داهان وهو يعبث بأوراقٍ على المكتب: لا.. هذا ما تقوله الأفعال لا الأقوال، ومن ثم التفت ليردف: التحقيق الرسمي سيبدأ صباحًا و.. سأتولى الإشراف عليه بنفسي، وخرج وهو يهتف: سأطلب من وحدة الإسعاف التابعة للمركز بإرسال حقيبة إسعافات.. لا نريد أن يُقال إننا أهملنا ضيفة التوقيف، وأغلق الباب خلفه بينما ظلّت أنظار آصلي ثابتةً على الباب، ليهتف الطبيب: لقد وقعتِ في ورطةٍ هذه المره..
––––––––––––––––––––
الحفره.. منزل العائله
نزلت داملا من الأعلى برفقة أبنتها التي أصرّت على بعض الحليب في منتصف الليل، وحين كانت تسخن الحليب لأبنتها سمعت صوت باب المنزل يُفتح وبجومالي يدخل إلى الصالون بعد لحظات، ركضت آسيا إلى حضن والدها وهي تهتف بأسمه بينما أستمرت داملا في تسخين الحليب، دخل جومالي إلى المطبخ بعد لحظات وهو يحمل أبنته ليقل: لماذا هي مستيقظه في هذا الوقت؟، فأجابت داملا بهدوء دون أن تلتفت: أرادت الحليب فقط ثم ستعود للنوم، ومن ثم أردفت: هل رأيت إدريس؟، نفى جومالي ليقل: نائمًا ولكنه سيصبح بخير..، اومت داملا فقاطعهما دخول اكين إلى المطبخ بتردد، التفت جومالي ليقل: أبن أخي؟ الم تنم؟، نفى اكين برأسه ومن ثم سأل عمه: هل شيء على مايرام في المستشفى؟، اومى جومالي ليسأل: ياماش هنا اليس كذلك؟، فأجابته داملا: أجل فهو لا يجعل زوجته تقلق مثلك، وحملت أبنتها وكأس الحليب وتجاوزتهم صاعدةً إلى الأعلى، أبتسم اكين وهو يُعطي عمه ظهره ويسكب لنفسه بعض الماء بينما تمتم جومالي بكلماتٍ غير مفهومه وهو يصعد خلف داملا، لحظاتٍ وسمع اكين باب المنزل يُفتح بهدوء، فتقدم للصالون بإستغراب ليرى كاراجا تخلع معطفها وحذائها، نظر إلى ساعته ومن ثم إليها ليقل: أتعلمين كم الساعة الآن؟، نظرت إليه كاراجا وهي تُزيح بعض خصلات شعرها عن وجهها، لتُجيب غير مكترثه: متأخره على ما يبدو، أقترب اكين قليلاً ليسأل: هل كنتِ مع تولغا؟، لم تُجب على الفور بل انشغلت بوضع حذائها في مكانه وأرتدت حذاء المنزل قبل أن تنهض مجددًا وهي تقول: وهل لديك مانع؟، تنهد الآخر بخفه ليقل: ما يحدث هذه الأيام ليس عاديًا.. الجميع متوتر والحذر لم يعُد اختيارًا بل ضروره، رمقته بحدّه لتقل وهي تضحك بخفه: وكأنني ذهبتُ إلى اشتباكٍ ما!، ومن ثم تقدمت قليلاً لتردف: أعرف تمامًا ما يحدث ولست بحاجة لتذكيري كل ساعة أنني في بيتٍ مُحاط بالفقدان والأسى والقلق، وقبل أن يتفوه اكين بكلمه تجاوزته متجهةً نحو السلالم بصمت، فأبتسم الآخر بسخريه ولكنه سُرعان ما مسّح وجهه بخفه وصعد عائدًا إلى غرفته..
––––––––––––––––––––
مركز الشرطه..
دخل داهان إلى مكتبه وهو يحمل شطيرة نصف مأكولةٍ بيده اليمنى وكأس شاي بالأخرى، وحين وضع كأس الشاي على طاولة مكتبه سمع صوت خطواتٍ سريعةٍ قادمةٍ نحو مكتبه، زفر بقوه وتمتم: كنت أعلم أنني لن أكمل هذه الشطيره، فُتح بعدها باب المكتب بقوةٍ وبدون إستئذان، دخل العميد بملامحه الغاضبه الحاده وبيده ملفًا جلديًا، أخذ داهان قضمة من شطيرته ووضعها على المكتب قبل أن يمسح فمه ويلتفت نحو العميد ببرود، تقدم الأخير نحوه وهو يقول: هل أصبحت تعتقد أنك فوق القانون؟ وقوفك ودفاعك عن الخارجين عن القانون ومداهمتك غير القانونية للمركز يُعدّ خرقًا صارخًا لكل قاعدةٍ ونظام يحكمان هذه المؤسسه!، نظر داهان لوهله وقال: إن سمحت لي أيها العميد.. أريد أن أكمل شطيرتي، ضرب العميد المكتب بقوةٍ وقع على أثرها كأس الشاي على الأرض، نظر داهان إلى كأس الشاي بينما قال العميد بغضب: لقد عرضت رجالك للموت ودمرت أدلةً حاسمه وجعلت هذه المؤسسة عرضةً لفضيحةٍ مدوّية بسبب تصرفك! وتحركت دون إذنٍ قضائي وكأنك فوق القانون! فكيف تبرّر هذا أيها النقيب؟، تبدلت ملامح داهان لأكثر حدةٍ وهو يقول: تبرير؟ أنا أنقذتُ إدريس كوشوفالي من عصابةٍ تُتاجر بالعقول، والأدلة التي تبكي عليها أصبحت رمادًا لكن الطفل دليل حيّ.. أليس هذا أهم من أوراقكم؟ أم أن النظام لديكم يفضل التقارير على الأرواح؟، سحب العميد ورقة مختومه من جيبه ورماها على المكتب وهو يقول: هذا قرار رسمي بتعليق مهامك واعتبارًا من هذه اللحظة ستُحال إلى لجنة تحقيق داخلية وستُفحص كل خطوة قمت بها من أول تقرير كتبته إلى آخر رصاصة أطلقتها، سلّم شارة النقيب ومسدسك فورًا وغادر هذا المكتب، نظر داهان إلى الورقة دون أن يلمسها وعاد بنظره إلى العميد بإبتسامةٍ ساخره ليقل: تعليق؟ تحقيق؟ حسنًا يا سيدي.. لنفترض أنكم ستعاقبونني لأنني أنقذتُ طفلاً.. لكن دعني أسألك سؤالاً واحدًا فقط، عندما كنت في سني وواجهت خيارًا بين أوراق القانون أو حياة طفلٍ في خطر أيهما ستختار؟، فأجاب العميد: نفعل مايجب فعله ولكننا لا نُخالف القانون، ضحك داهان بخفه ليقل: لا تخالف القانون؟ ومن الذي رفض فتح ملف التحقيق فقط لأنني أنا من سيتولى القضيه؟ أليس هذا خرقًا واضحًا للقانون؟ أم أن القانون لا يُطبّق إلا علينا دون سوانا؟، تجمد العميد في مكانه للحظه ولكنه عاد لصلابتهِ وهو يقول: لا تتلاعب بالكلمات يا داهان، قراراتي كانت دائمًا في مصلحة هذه المؤسسة ولن أسمح لك بأن تُشكك في نزاهتي، أنت من خرق القانون وأنت من عرّض هذه المدينة لخطرٍ أكبر بتهورك، مال داهان إلى الخلف قليلاً وهو ينظر إلى شظايا الزجاج على الأرض ليقل بنبرة تحدٍ خفيّ: سيدي العميد.. أنا أحترم سُلطتك وما قدمتهُ لهذه المؤسسه، لكن دعني أكون صريحًا لو لم أتحرك ليلة البارحة لكان إدريس كوشوفالي الآن إما جثةً أو ضحيةً أخرى لعقاقيرهم، نعم خالفتُ القانون لكنني فعلتُ ذلك لأن القانون احيانًا يتأخر بإنقاذ الأرواح.. وإذا كان هذا يستحق تعليقي فليكن..، وتجاوز العميد ذاهبًا إلى مكتبه أخرج شارة النقيب خاصته من أحد الأدراج ووضعها على المكتب ثم أخرج من حافظة المسدس التي على خصره مسدسه ووضعه بجانب الشاره، وذهب ناحية الباب ولكنه قبل أن يخرج التفت ليقل: إذا نجحتَ يومًا ياسيدي في القبض على الكبير بأوراقك المختومه أرسل لي دعوةً لحفل النصر، وخرج بعدها مغلقًا الباب خلفه بقوةٍ طفيفه، تسارعت خطواته إلى الخارج وهو يتنفس بغضب، فاعترضه معاونه يُناديه راغبًا في الحديث لكنه لم يُعره أي اهتمامٍ ومضى في طريقه خارجًا تاركًا الآخر خلفه يتأمله بقلقٍ وريبه..
––––––––––––––––––––
صباحًا.. في المستشفى
تقدم وليّ نحو غرفة إدريس وهو يفرك عينيه بقوه، فتح الباب ودخل بهدوء، فألتفت إليه صالح الذي كان يقف أمام النافذه، تقدم وليّ وهو ينظر إلى إدريس الذي لا يزال نائمًا، ليسأل: الم يستيقظ حتى الآن؟، نفى صالح ليقل: الطبيب يقول أنه بسبب الأدويه، وقف وليّ أمام صالح ليقل: سمعت من الطبيب.. لاتقلق حتى وإن لم يتذكر احدًا ستُذكره فهو لازال يتنفس وهذا يكفي الآن، أومى صالح بسرعه وكأنه لايريد الخوض في هذا النقاش ليسأل: هل نمت جيدًا؟، تململّ وليّ وهو يقول: هل ستصدقني إن قلتُ أنني لم أنم بهذا القدر منذ سنوات طويله؟، أبتسم صالح ليقل: ولما لا أصدقك؟ فجميعنا يعلم من هو وليّ جوهر، ضحك وليّ ليسأل: وأنت هل نمت؟، أومى صالح ليقل: نومًا متقطعًا ولكن نمت..، نظر وليّ إلى النافذة ولكنه التفت مجددًا ليسأل وكأنه للتو تذكر شيئًا: هل تكلمت مع الطبيب فريد بخصوص الأشعة والتحاليل الخاصة بك؟، نظر صالح إليه لثوانٍ ومن ثم نفى برأسه قائلاً: تؤ..، رمقه وليّ بحدّه لا إراديه فالتفت الإثنان حين فُتح باب الغرفه، دخل ياماش وخلفهُ تولغا الذي هتف متجاهلاً نظرات صالح بسبب ماحدث البارحه: لديّ أخبارًا ليست جيده، نظر صالح والجميع إليه بقلق فهتف تولغا بسرعه: ليست سيئه كثيرًا ولكن النقيب داهان..، نظر الجميع بإستغراب ليكمل تولغا: استبعدوه من مهنته بسبب مداهمة المركز، عقدّ صالح حاجبيه ليقل: ولماذا؟، فأجاب تولغا: يبدو أنه لم يأخذ إذنًا قانونيًا بشأن المداهمه، ليقل وليّ: سبق وأن فعل شيئًا كهذا، لقد حقق معي وكان سيعتقلني بدون تهمةٍ واضحه، جلس ياماش على الكرسي ليقل بهدوء: ضابط ويقوم بأفعالٍ غير قانونيه؟، صمتّ الكل للحظه قطعها تولغا وهو يقول مخاطبًا صالح: المرأة والطبيب اللذان ساعدانا في إخراج إدريس..، تقدم صالح بشّك ليُكمل تولغا: لقد أعتقلهُما بالأمس بعد المداهمه، ليهمس وليّ: ال***، بينما قال ياماش: أمر هذه المرأة غريب، ليقل صالح: ولأن أمرها غريب سنُخرجها، ليردّ ياماش: ولماذا؟، ضحك صالح بخفه ليقل: لماذا؟ هذه المرأة عرفت مكان أبني بل وأخرجته من وسط الرصاص.. لماذا فعلت ذلك؟ وما غايتها؟ لن أعرف الإجابة حتى أُخرجها، فقال وليّ: أنت محق.. يجب أن نعرف لماذا أقدمت على مخاطرةٍ كهذه، لذا دع الأمر لي سأهتم به بنفسي، أومى صالح فدخل الطبيب في لحظتها، توقف ينظر إليهم وهو يبتسم ليقل: لو أستيقظ الطفل سيخاف من هذا التجمّع، نهض ياماش وتراجع وليّ وهو يقول: أنا سأذهب لأفهم أمر تلك المرأه، وأشار لتولغا بأن يأتي معه، ولكن قبل أن يخرج أقترب صالح من وليّ ليهمس: أعرف منها أين وضعت الرجلين ال*** اللذين كانا في المستودع البارحه، عقدّ وليّ حاجبيه إستغرابًا ليردف صالح: سأخبركم لاحقًا، خرج الإثنان وتبعهما ياماش الذي هتف لصالح: أنا في الخارج، وحين أُغلق الباب تقدم الطبيب والممرضة تفحصّ الصغير، ليسأل صالح: هل هنالك جديد؟، أومى الطبيب ليقل: لا شيء مقلق حتى الآن سوى ما تكلمنا به البارحه، المؤشرات الحيوية مستقره واستجابته للدواء تتحسن ببطء.. لكنه ما زال تحت تأثير المهدئات والدواء لذا من الطبيعي أن يستغرق وقتًا أطول ليستعيد وعيه، أومى صالح دون أن يرد وهو ينظر إلى ملامح أبنه الهادئه، ليردف الطبيب وهو يغلق الملف الذي بيده: إن استمر استقراره بهذا الشكل فقد يستيقظ خلال الساعات القليله القادمه.. لا يمكننا التنبؤ على وجه الدقة لكن جسده يقاوم بشكل جيد، أومى صالح مرة أخرى ليقل بخفوت وهو يقترب من السرير: هذا ما أرجوه، وقبل أن يُغادر الطبيب والممرضة دوّى صوتًا خافت من السرير، لم يكن واضحًا لكنه كان كافيًا لإيقاف الجميع في أماكنهم، اتسعت عينا صالح ليقترب بسرعة من السرير وهو يهمس بقلق: إدريس؟، تحركت يدا الصغير ببطء وهو يفتح عينيه بنصف وعي وأعاد إغلاقها وكأن الضوء يزعجه، لينحني صالح بالقُرب منه وهو يقول برجفه: أصلانيم؟ أنا هنا هل تسمعني؟، لازال الصغير مُغمضًا عينيه ولكنه التفت ناحية صوت والده، ليُشير الطبيب إلى الممرضة وهو يقول: أعطيه كأس ماء، ناولت الممرضة صالح كوبًا صغيرًا من الماء، فرفع رأس أبنه بلطف وسقاهُ رشفة صغيرة ثم أعاده إلى وسادته برفق، ليهمس مرةً أخرى: هل تسمعني يابني؟، مرت ثوانٍ صامته خرجت بعدها كلمة واحدة ضعيفة بالكاد سُمعت من فم الصغير، لكنها كانت كافية لتجعل قلب صالح يرتجف بأكمله "بابا.." اتسعت عينا صالح كمن رأى الحياة تعود إليه بسبب هذه الكلمه، فانحنى أكثر وهو يقبّل جبين أبنه بشوقٍ مؤلم، ليقل بخفوت: أنا هنا.. أنا هنا ياروحي، أبتسم الطبيب وهو يتنحى جانبًا ليقل: يبدو أنني سأعيد كتابة التقرير الآن، بينما في الجهة الأخرى وأمام شقة داهان، أخرج الكبير هاتفه وأتصل على أبنه، ليسمع صوت الهاتف يرنّ في الداخل، مضت لحظات والهاتف لازال يرنّ بدون إجابه، فأغلق هاتفه وطرق الباب بقوةٍ قليلاً، ولكنه لم يجد إجابه، ليطرق مرةً أخرى وهو ينده بأسم أبنه ولكن ايضًا لا إجابه، فنزل أحد ساكنيّ المبنى وهو يقول: هل تبحث عن أحد؟، التفت الكبير إليه بنظرةٍ حاده قبل أن يُخفف من حدّتها تدريجيًا ليُجيب: أجل.. أبحث عن الشاب الذي يسكن هنا، أومى الرجل وهو ينزل من الأسفل ليقل: خرج صباحًا برفقة رجلين غريبين عن السكن كان يبدو مستعجلاً ولم يتحدث مع أحد، ضاقت عينا الكبير قليلاً وهو ينظر إلى باب الشقة المغلق، ليهمس وكأنه يُحدث نفسه: ولم يأخذ هاتفه..، ليسأل الرجل مجددًا: من تكون بالنسبة إليه؟، أجابه الكبير بهدوء وهو لازال ينظر إلى باب شقة أبنه: لا أحد، لم يُجادل الرجل بل أنصرف بهدوء عائدًا إلى طابقه تاركًا الكبير واقفًا وهو ينظر بشّك وقلق ينهشان قلبه، رنّ هاتفه بصوت رسالةٍ وارده، فأخرجه ببطء وهو يُزيح نظاراته الشمسية عن عينيه، ليرى رسالةً مرسلة من رقم العميد: عدنان كارا.. أبنك متهور وسيتحمل عواقب تهوّره، آمل أن تجد له مكانًا في شركتك، فذلك خيرٌ له من العبث بقوانين الدولة..
إلى اللقاء في البارت القادم..

لا يوجد سوى الألم..حيث تعيش القصص. اكتشف الآن