Part 48

394 18 11
                                        

في زنزانة الحفرة لمح كنان من وراء القضبان شخصًا يرتدي السواد.. ملثم الوجه لا يُرى منه إلا عينانٍ ترتجفان، لم يُحرك كنان ساكنًا ولم يتوسّل أو يسأل، فقط أبتسم ابتسامة واهنة ظنًا منه أن رجلاً من رجال الكبير جاء ليُنهيه قبل أن يفصح عن أسرار قد تقود الأخوة لخيطٍ ما، رفع الآخر سلاحه ووجّهُ نحو كنان لثوانٍ لم يستطع إطلاق النار فيها، ليأتيه صوتًا من خلفه باردًا كالسكين وحادًا وكأن الغضب يتطاير من نبرته: أنزل سلاحك الآن.. قبل عدة ساعات.. في فجر اليوم ذاته، نقلوا الأخوة إدريس إلى منزل العائلة كما قال جومالي الذي كان مستعجلاً لعودتهم جميعًا تحت سقفٍ واحد، خرج صالح من منزل العائلة ليُقابله أحد رجال وليّ الذي تقدم وفي يده القلاده، فأخذها صالح فورًا بلهفة وتفحصها ليقل: أين وجدتها بالضبط؟، ليقل الرجل: في داخل الكوخ ياسيدي كانت مرميّه في أحد الزوايا، ليهمس صالح وهو يقلب القلادة في يده: ولكنني أخذتها وأخرجتها من ذلك الكوخ!، عمّ الصمت لثوانٍ رفع صالح عينيه بعدها بتوهان ليسأل: هل وجدت أحدًا في ذلك الكوخ؟، نفى الرجل برأسه وهو يُجيب: لا.. كان مهجورًا بعض الشيء ويبدو أن لم يقطنه احدًا منذ شهور، أغمض صالح عينيه وتنهد بصعوبه ليستدير بعدها عائدًا إلى منزل العائله.. دخل إلى غرفة اكين السابقه التي جهزوها لإدريس، فوجد أبنه يرتجف تحت الغطاء والممرضه بجانبه، اتسعت عيناه وتقدم ببطء وهو يسأل بقلق: مابه؟، لتقل الممرضه: جسده بخير لاتقلق، لكنه غفى لدقائق واستيقظ مفزوعًا يبدو أنه رأى كابوس، اعطيتهُ مهدئًا وسيعود للنوم، شّد صالح على القلادة في كفّه وتقدم أكثر حتى جثى على ركبتيه بالقُرب من السرير ليقل بهدوء: أنظر ماذا أحضرت لك..، فتح الصغير عينيه ببطء ليرى قلادة والده تتدلى أمامه، القلادة التي أصبح يشعر بأن والدتهُ بجانبه عندما يرتديها ولكنها بالطبع لا تُغني عن دفء وحنان والدتهُ الذي أعتاده وفقده، وحين أقترب صالح أكثر ناويًا وضعها بجانبه تراجع الصغير فورًا وأشاح بنظره بعيدًا عن والده بقلقٍ وخوف، ليقل بخفوت وبنبرةٍ ترتجف: أنا أريد أمي، ابتلع صالح ريقه بقوه وأشاح بنظراته تائهًا بعيدًا عن عينيّ أبنه، ليهمس وهو يرفع يده الأخرى ليمسّد مقدمة رأسه: يكفي.. لاتفعل هذا بي يابني، أستقام بعدها ووضع القلادة على الطاولة بجانب أبنه وخرج من الغرفة بخطواتٍ ثقيلة تشي بما لا يُقال، كان جسده يسير لكن عقله ظلّ عالقًا هناك.. في نظرة أبنه وفي صوته المرتجف، في تلك الجمل القصيرة التي في كل مرةٍ تنزع قلبه من مكانه "أشتقت لأمي.." "أريد أمي.." سار وصعد حتى وصل إلى غرفته.. وغرفة زوجته، فتح الباب بدون تردد وأغلقه ببطءٍ شديد حتى لا يوقظ جرحه.. لكنه أيقظه رغمًا عنه، وقف في منتصف الغرفة يتأملها صامتًا، على حالها كما تركها.. رفع يده يمسّد رقبته بعنف وهو مُغمض العينين ولكنه سُرعان ما استدار بجنون كأن شيئًا انفجر داخله فجاءه وأمسك بأقرب ما وصلت إليه يداه، سحب مفرش الطاولة فتناثر كل شيء، ركل الكرسي الموضوع أمام الطاوله، ثم التفت نحو السرير وجذب الغطاء بعنفٍ من فوقه ورماه نحو الجدار، وأتجه نحو الطاوله مرةً أخرى وسحب المرآة وأسقطها بقوه حتى تناثر الزجاج في أنحاء الغرفه، سقط كل شيء.. الصور وأغراض زوجته التي كانت على الطاوله، كل شيء سقط.. ولم يتبقى سوى أنفاسه المتقطعة ونظره الشارد بين رُكام وحُطام ذكرياته وحياته التي لاتعرف الإستقرار والهدوء، بينما في الخارج صعد ياماش إلى الأعلى بخطواتٍ سريعة بعدما التقطت أذناه صوت الضجيج القادم من غرفة أخيه، أقترب بحذر حتى بلغ باب الغرفة فمدّ يده نحوه ينوي فتحه لكنه توقف.. نزلت إيفسون من الأعلى على أثر الصوت وخرجت كاراجا في هذه اللحظة من غرفتها بقلق فرفع ياماش يده أمامها مانعًا إياه من التقدم وهو يقول: لايوجد شيء عودي إلى غرفتكِ، نظرت الأخرى إلى عمها لوهله وتراجعت عائده إلى غرفتها حين فهمت مقصده، ثم التفت إلى إيفسون التي أومت وعادت إلى الأعلى، ظلّ ياماش لدقائق واقفًا أمام باب الغرفة بدون أي حركة وكأنه يمنح أخيه بعض الوقت لوحده قليلاً، في الداخل.. جلس صالح أرضًا وأسند ظهره إلى الجدار وهو ينظر بجمود إلى الصورة التي تحطمت بفعل يده، الصورة التي التقطوها يوم ختان أبنه.. ثوانٍ وفُتح الباب ولكنه لم يلتفت، أغلق ياماش الباب خلفه بهدوء وتقدم وهو يُناقل أنظاره في الغرفه، وصل إلى منتصفها وتوقف، لم يمد يده ولم يتفوه بكلمه.. فقط وقف يراقب أخاهُ الذي بدا وكأنه قد استُنزف تمامًا، لم ينظر الآخر إليه، ولم يشعر بوجوده حتى.. كانت عينيه تُحدقان في الصورة المحطمة أمامه فقط، أقترب ياماش وجلس بصمتٍ إلى جواره، لم يتكلم ولم يحاول مواساته لأنه يعلم أكثر من أي أحد أن بعض الأحزان لا تحتاج كلمات.. بل تحتاج أن يُترك الإنسان ليبكي وينهار لوحده، ويعرف حزن أخيه جيدًا، حزنه غضب، غضب وجنون يدمران من حوله، فلو يعلم صالح مكان عدوه لكان ذهب وانهاهُ عن بكرة أبيه بالتأكيد، ثم فجاءه دون مقدمات همس صالح بنبرةٍ خافته توضّح ألمًا دفينًا: أبني قال لي أنه يريد والدته.. أين أجدها يا ياماش؟، أغمض ياماش عينيه بقوه ولم يُجيب فقط مدّ يده ببطء وأنتزع برفق قطعة من الزجاج من تحت يديّ أخيه ثم عاد إلى مكانه بهدوء، وبعد لحظات امتدت يده المرتجفة نحو تلك الصورة المنكسرة على الأرض، التقطها بحذر ومسح الزجاج العالق عليها بكمّه وبقي يتأملها طويلاً، لكنه لم يحتمل.. شيء ما أنهار فيه هو الآخر بصمت وبدأت دموعه تتسللّ بهدوءٍ دون أن يطلبها، رفع يده ليمسح وجهه سريعًا وهو يهمس بغصه: لم أستطع حماية أحد، وهنا انهالت دموعه وأخفى وجهه بكفيّه وأهتز جسده ببكاءٍ مكتوم لا يريده أن يعلو لكنه عجز عن السيطرة عليه، التقط صالح صوت بكاء أخيه فالتفت ببطء بعينين جافتين لم تذرفا دمعة حتى الآن.. هو الذي ظل متجمدًا كتمثالٍ من رماد، يتحرك كآلة لا تتوقف ويركض من مكانٍ لآخر دون أن يمنح نفسه فرصة للإنهيار، وكأنه يهرب دون أن يعرف من ماذا.. لكن حين رأى دموع أخيه لم يعد ذلك الجمود كما كان، فدموع من تحب تهزّك من العمق.. تبعثر ما ظننته صلبًا وتوقظ ألمًا أعنف من كل ألم، حاول أن يتمالك نفسه.. فمدّ يده ليمسّد جبينه، لكنه ما لبث أن أسند رأسه إلى الحائط خلفه حتى انهمرت دموعه هو الآخر.. فرفع ياماش رأسه ومدّ يده ليسحب رأس أخيه إلى كتفه، بينما ظلّ صالح على حاله ولم يحرك ساكنًا بل أغمض عينيه بصمت واستسلامٍ تام.. بعد دقائق وفي غرفة إدريس دخل جومالي وتقدم نحو الصغير الذي كان نائمًا، سأل الممرضة عن حاله فأجابته: جسده بخير لكنه لا ينام بعمق يبدو أن خوفه لم يغادره بعد، أقترب جومالي أكثر وجثى بجانب السرير وهو يتأمل ملامح الصغير التي لم تُخفي أثر ما مرّ به، وضع كفّه برفق على جبهته وهو يهمس: أقسم لك سأجعلهم يدفعون الثمن غاليًا، ثم نهض ببطء وألقى نظرةً على القلادة الموضوعة على الطاوله ليسأل بغرابه: ماهذه؟، لتقل الأخرى: أحضرها والدهُ قبل قليل، حدّق جومالي بالقلادة قليلاً تراجع بعدها بهدوء وخرج من الغرفة متجهًا إلى غرفة أخيه في الأسفل.. فتح باب الغرفة ليجدها رأسًا على عقب، اتسعت عيناهُ قليلاً وتقدم أكثر حتى رأى أخويّه يجلسان أرضًا وكلاهما يستندان على بعضهما، كان صالح قد غفى واضعًا رأسه على كتف ياماش الذي بدوره يسند رأسه على رأس أخيه، كان المشهد أمامه أشبه بلوحة حزينة خرساء، كل شيء فيها ينطق بالألم دون حاجةٍ إلى صوت.. توقّف جومالي عند الباب للحظاتٍ وأشاح بنظره وهو يتنهد بضيق وكأن قلبه الصلب قد أثقلته هذه اللحظة، سار بعدها بخطى حذرة حتى جثى أمام أخويّه، رفع ياماش بصره نحو أخيه الذي سأل بخفوت ونظره على صالح: ماذا حدث؟، نفى ياماش بحاجبيه وكأنه يطلب من أخيه ألا يسأل، فهم جومالي الإشارة ولم يُلحّ بالسؤال بل أكتفى بإيماءة خفيفة ثم مدّ يده نحو جسد صالح الذي بدا وكأن النوم قد تسللّ إليه قسرًا، لا راحة بل استسلامٌ مرهق، رفعهُ من جوار ياماش بهدوءٍ وبحنوٍ نادر، وبصعوبه تمكنّ من وضعه على السرير، وسحب الغطاء بس أن نفضه من الفوضى التي أحدثها صالح، غطى أخيه والتفت إلى الآخر الذي لا يزال في مكانه لم يتحرك وكأن التعب قد أُغلق عليه من الداخل كأخيه الذي يستلقي نائمًا، ظلّ جومالي ينظر إلى ياماش ثم اقترب منه ببطء وجثى أمامه مرةً أخرى ولازال يُحدق في عينيه ليقل: يكفي.. أرِح نفسك قليلاً، أبتسم ياماش بسخريه ونهض وهو يقول بملامح جامده: وأين نجد هذه الراحة يا أخي؟، مسك جومالي ذراع ياماش قبل أن يذهب ليقل: سترتاح.. ومن ثم سنفعل ما سنفعله، ليقل ياماش: وماذا سنفعل؟، ليقترب جومالي قليلاً وهو يهمس: الآن أذهب إلى جانب زوجتك وأرتاح وصباحًا سنتحدث، ليقل ياماش وهو يهّم بالذهاب: قد حلّ الصباح أساسًا، راقب جومالي ذهاب ياماش حتى أختفى من ناظره ومن ثم التفت إلى صالح تنهد بعمق والقى نظرة على الغرفة بكاملها بغصه، أعاد النظر إلى أخيه وهمس وكأنه يُحادث نفسه: كنت دائمًا أراك كما يريد عقلي، متعجرفًا قويّا صلبًا لا يهتز.. ولم أعرف أنك كنت ولا زلت تهتز في داخلك ألف مرة دون أن تُظهر شيئًا، تنهد بقوه بعدها وأطفأ الأضواء مغلقًا الباب خلفه..
––––––––––––––––––––
شقة داهان..
كان الكبير جالسًا في الصالون يرتشف من كوب الشاي بهدوء وهو يُقلب في هاتفه بملل، بينما في الداخل كان داهان قد انحنى فوق المغسلة، يغسل وجههُ بالماء البارد محاولاً طرد الإرهاق، كان الليل ثقيلاً والأسئلة تتزاحم في رأسه، خاصة بما يتعلق بتلك المرأة الغامضة، وأمر صالح، والحلقة التي بدأت تضيق وتتشتت من حوله دون أن يفهم إن كان فيها صياد أم فريسه، قاطع سكون المنزل صوت طرقٍ عنيفٍ ومنظمٍ على الباب، صوتٌ لا يشبه أي زيارة معتاده وفي هذا الوقت المتأخر! رفع الكبير أنظاره نحو الباب بترقب، ثم وضع كوب الشاي على الطاوله واستقام ناويًا فتحه ولكن صوت داهان الذي خرج داهان من دورة المياه وهو يجفف وجهه بمنشفة ليقول: سأفتح أنا يا أبي..، ومن ثم تقدم نحو الباب وفتحه، وما إن فعل حتى أندفع رجال الشرطة إلى الداخل بسرعة منظمة، تبعهم محققًا يرفع بطاقته أمام داهان وهو يقول: داهان كارا.. أنت موقوف للاشتباه بتورطك في جريمة قتل، تجمد داهان في مكانه محاولاً استيعاب الكلمات بينما تقدم الكبير بذهول وهو يقول: عفوًا؟ ماذا يعني متورط في جريمة قتل؟، التفت المحقق نحو الكبير لوهله ومن ثم قال بنبرةٍ صارمه: ستعرفون في المركز، ومن ثم أعاد بنظره إلى داهان ليكمل: العميد وُجد مشنوقًا في إحدى المنشآت المهجورة قبل ساعات وإلى جواره وُجد سلاحك الرسمي يانقيب، تقدم داهان بأعين متسعه ليقل بغير استيعاب: ماذا تقول؟ كيف؟، شدّ الكبير على قبضتيه بعدم فهم فلم يكن هذا ما خطط له البته، بينما أشار المحقق بيده فتقدم شرطيان فورًا لتقييد يديّ داهان، قاومهم الأخير للحظةٍ ثم ترك نفسه مستسلمًا بصدمةٍ كمن أدرك أن أيًا كان ما سيقوله لن يُغيّر شيئًا..
––––––––––––––––––––
الحفره.. منزل العائلة صباحًا
فتح عينيه ببطء، لا يدري كم الساعة ولا كيف غلبه النعاس على كتف أخيه، لم يشعر بنفسه حين نام فقط.. استسلم، بقي مستلقيًا لبرهة لا يتحرك فقط عيناه تحدّقان في سقف الغرفة بشرود.. لا يرى شيئًا لكنه لا يريد أن ينهض، وكأن في النهوض اعترافٌ بأن الحياة تمضي رغم ما جرى، مرّت ثوانٍ قبل أن يتحرك ببطء ويجلس بجسده المثقل، رفع يده إلى رأسه وأخذ يُمسّده بعنف وكأن جمجمته ستنشق إلى نصفين من شدّة الصداع، ثوانٍ وتنهد بعمق لينهض، غسل وجهه وحين نظر إلى المرآة.. رأى وجهه وقد كساه الإرهاق، لحيته طالت قليلاً وشعره كثيرًا، مسح يده بالماء ومررها على شعره وأرجعهُ إلى الوراء، ثم التقط مقصًا وخفف من لحيته قليلاً وشعره بالمثل، أستحم وخرج.. فتح الخزانة وأخرج منها بدلةً سوداء ارتداها ولم يغيب عن باله المنديل الأحمر بالطبع، التقط هاتفه ومفتاح سيارته ثم القى نظرة على الحطام الذي يملئ الغرفة وتنهد بخفه ثم خرج بملامحٍ أكثر هدوءًا ولكنها أزدادت غضبًا ورغبة في إيجاد والوصول لذلك الكبير أكثر من ذي قبل، وحين وضع يده على مقبض الباب فُتح الباب فجاءه من الجهة الأخرى، فتراجع نصف خطوة إلى الوراء ليتفاجأ بوجود جومالي واقفًا أمامه، تبادل الإثنان نظراتٍ سريعه وصامته قال بعدها جومالي بخفوت: استيقظت؟ أتيت لأطمئن عليك، أبتسم صالح بشكلٍ غير واضح من إهتمام أخيه، ليقل بإرهاق خفيف: غفوة لا أكثر.. لا أدري إن كانت ساعتين أم يومين، تمعن جومالي في النظر لملامح أخيه قليلاً ثم قال: شكلك أفضل من البارحه، ربت صالح على كتف أخيه وهو يقول: قصصتُ لحيتي قليلاً فقط..، فرفع جومالي يديّه ووضعها على أكتاف أخيه ليقل بهدوء: هيا إذن لنذهب يا أخي الجميل، وذهب ليتبعهُ صالح ذاهبًا إلى غرفة أبنه، وجد باب الغرفة مفتوحًا وياماش يتكئ على حافته وهو يبتسم بخفه، وحين لمح ياماش أخويّه أشار بعينيه لهم نحو سرير إدريس حيث ماسال وآسيا تلعبان وترسمان معه بهدوء ولطف، وقف صالح في مكانه للحظه يتأمل المشهد دون أن يتقدم، كان إدريس مستلقيًا على وسادةٍ كبيرة تسنده، وبالرغم من أبرة المحلول التي لم تُبعد من يده إلا أنها تحمل قلمًا ملونًا وبين يديّه دفتر تملأه الخربشات، بينما ماسال تجلس إلى جانبه تمسك بعلبة الألوان وآسيا تنحني قليلاً ترسم شيئًا فوق الورقه، لم يلاحظ الأطفال وجودهم بعد وكأنهم مُحاطون بعالم صغير آمن بعيدًا عن الخراب الذي يدور في الخارج، تنفس صالح بعمق ثم نظر إلى ياماش الذي قال بخفوت وأنظاره لاتزال على الأطفال: استيقظ قبل قليل ولم يقل شيئًا.. فقط طلب أن يأتي هذا الدفتر، اومى صالح بخفه وسأل: وهل.. قال شيئًا عني؟، نفى ياماش برأسه وقال: يتجنّب الحديث، لكنه لا يبدو خائفًا كما البارحة..، ليقل جومالي الذي يقف وهو يضع يديّه خلف ظهره: وجود الأطفال حوله يطمئنه.. وشيئًا فشيئًا سيركض لأحضانك، ولم يُكمل جومالي جملتهُ حتى أتت ماسال راكضة نحو صالح حين رأته، فأحتضنت أقدامه وهي تصرخ "صالح امجا!" فضحك ياماش لا إراديًا ليقل: ليس أنتِ من يقصده أخي جومالي يا أبنتي، أبتسم الإثنان وأنحنى صالح ليحتضن الصغيرة، لاحقًا خرج الأخوة من المنزل، وقبل أن يصعد صالح وياماش إلى السيارة هتف جومالي: سنذهب مشيًا إلى المقهى، ليقل ياماش: سنذهب إلى الزنزانة أولاً، توقف جومالي لثوانٍ ثم قال: سنذهب سنذهب.. ولكن قلت لنشرب شايًا ساخنًا مع هذا الصباح البارد قبل أن نذهب لذلك ال***، فأجاب ياماش دون أن يلتفت: سنشرب بعدها، لاحقًا وفي الزنزانة، دخل الأخوه ليجدوا وليّ يتقدمهم وقد آتى قبلهم، ربت وليّ على كتف صالح ليسأل: كيف حالك اليوم؟، اومى صالح بخفه دون أن يُجيب، ليقل وليّ وهو يغمز بأحدى عينيه متفحصًا صالح: أشتقت لرؤية فارتولو، رمقهم جومالي بحدّه بينما أبتسم صالح على كلام وليّ، ليأتيهم صوت كنان الذي يظهر نصف وجهه من خلف الظلام الدامس الذي يُحيط بالزنزانه: يا لها من إبتسامةٍ جميله، التفت صالح وحطت عينيه على كنان، فتلاشت إبتسامته وتحولت ملامحه لأخرى حاده وغاضبه، لم يعلق أحد وتقدم ياماش يفتح قفل الباب ببرودٍ وبطءٍ متعمدان وعينيه على كنان الذي يجلس مكبل اليدين يسند كتفه إلى الجدار كأنه صاحب المكان لا نزيله، فُتح القفل وتراجع ياماش قليلاً مع تقدم صالح الذي سحب كرسيًا حتى وضعه أمام كنان تمامًا وجلس عليه منحنيًا إلى الأمام قليلاً يسند مرفقيه إلى ركبتيه، أبتسم كنان وهو ينظر إلى وجه صالح أمامه، جلس ياماش على الكرسي خارج الزنزانة وبجانبه جومالي ووقف وليّ في الجهة الأخرى، ظلّ الجميع صامتًا حتى نطق كنان: أيّ كرمٍ هذا أن تأتوا إليّ جميعكم؟ فارتولو سعدالدين.. جومالي وياماش كوشوفالي..، ومن ثم نظر إلى وليّ وأكمل: وأنت أيها البطل، عاد بعدها كنان بنظره إلى صالح الذي قال بجمود: أين كبيرك؟، ليُجيب كنان بنبرةٍ أقرب للسخريه: كبيري؟، ليقل صالح: أسمه.. مكانه.. أتباعه، ليُجيب كنان ببرود: من المؤسف أن من تبحث عنه يافارتولو هو أكثر من ظلٍ في الظل، حتى وأنت تنظر إليه لا تراه، هذه مشكلتك يا فارتولو ألم أقل لك أنك قتلت عائلة الرجل الخطأ؟، تململ جومالي في مكانه ونهض ليقل بحدّه وهو يضرب كفيه ببعضهما: كفّ عن اللعب بالكلمات وأجب قبل أن تفقد قدرتك على الكلام، أمال كنان برأسه قليلاً ورمق جومالي بنظرة قبل أن يقول: هل هذا من أطلق على أخيه؟، ومن ثم نظر إلى ياماش ليردف: وذلك الذي قتل والده، ثم التفت إلى صالح وأكمل: وأنت قتلتَ أخيـ..، أخرستهُ لكمة من صالح الذي هتف ببرود وجمود وهو يتفحص يده التي لكم بها الآخر: قال لك كفّ على اللعب بالكلمات، ضيق ياماش عينيه وهو ثابتًا مكانه ولم يتحرك، بينما وضع جومالي يديّه خلف ظهره بغضبٍ طفيف، تراجع كنان برأسه على أثر الضربه ولم يفعل شيئًا فقط عاد لمكانه كما كان، ليقل صالح: ستتكلم.. شئتَ أم أبيت، ليقل كنان: ما الذي يجعلك متأكدًا بأنني أعلم شيئًا؟، ليقل صالح بذات الجمود: أعرف.. أعرف أنك ذراعهُ اليمين وأنت أثبتَ لنا ذلك أساسًا، ليقل كنان: ذلك الخائن من أخبرك اليس كذلك؟، ليقل صالح: أي خائن؟، أبتسم الآخر قليلاً ليُجيب: رفيقك.. ملاكك الحارس في صغرك، نظر الجميع بترقب بينما أسند صالح ظهره إلى الكرسي وهو يبتسم بسخريه ليقل: وهل معرفة هذا تهمّك؟، ليقل كنان: ذلك الخائن كارتال.. هل تعلم أنه منذ رؤيته لك في طاولة افغانستان تلخبطت إعداداته، صمت صالح وهو ينظر بتمعّن وكأنه ينتظر إكمال الحديث، فأكمل كنان: لم يكن يتوقع ظهورك.. عشرون عامًا مضت وهو يظن أنك متّ أو أن خطواتك قد تاهت كما تاه هو في وحل هذا العالم، لكن حين رآك هناك.. على تلك الطاولة في أقسى بقاع الأرض وحشية، تغيّر.. صارَ يفعل أشياءً تُكلفه الكثير، يُخالف الأوامر وينسى الاجتماعات، يبتعد حين يجب أن يقترب ويقترب حين يُؤمر بالابتعاد. تغيّر لدرجة أنه هو من سعى إليك وهو من بحث عنك ومن وصل إلى حيّك وعرف عنك كل شيء بعد اجتماع أفغانستان، وهو من جاء بفكرة أن يجعلك شريكًا له..، زفر جومالي وصدره يعلوا ويهبط من غضبه ليقل: كلامك كثيرٌ بلا فائده، بينما بقي ياماش يستمع فقط ووليّ بالمثل، تنهد صالح بخفه ليقل بعد لحظات: لا أفهم لماذا يحب أمثالك المراوغة بالكلام، ومن ثم انحنى إلى الأمام مرةً أخرى ليقل بحدّه: أنا سألتك.. أين كبيرك؟، ليقل كنان بعد أن رمقهم جميعهم: كبيري أرسلني إلى الموت.. فهل تعتقد أنني سأتكلم مقابل حياتي؟، حينها أستقام ياماش ودخل إلى الزنزانة حتى جثى أمام كنان واقترب منه أكثر حتى صار وجهه بمحاذاة وجه الآخر ليهمس بحدّه: هو أرسلك إلى الموت ونحن سنُرسلك إلى شيء أسوأ..، حدّق كنان في أعين ياماش طويلاً ثم قال: إذن.. أفعلوا ما شئتم، ليضرب جومالي كفيّه ورفع أكمام قميصه الأبيض وهو يقول: لن يتكلم.. فهل تسمحون لي ياساده بأن أعدّل مخارج الحروف لديه قليلاً؟، ليقل وليّ الذي كان صامتًا طوال الوقت: أمثاله حتى العنف لن ينفع معهم، استقام صالح وياماش ليقل الأخير: فلنذهب إلى المقهى، خرجوا جميعهم يتبعهم صالح الذي أشار لياماش بأنه سيمشي قليلاً، تحركت السيارات وحين استدار صالح ناويًا الذهاب أتاهُ صوت جيلاسون الذي هتف: آبي..، التفت صالح ليرى جيلاسون يلهثُ من الركض، اتسعت عيناهُ قليلاً وتقدم بقلق وهو يسأل: ماذا حصل؟، ليقل جيلاسون: اكين.. التقى بكارتال البارحة ورأيتهُ الآن يتسلل إلى الداخل سيقتل كنان يا أخي، بينما في الداخل، لمح كنان من وراء القضبان شخصًا يرتدي السواد.. ملثم الوجه لا يُرى منه إلا عينانٍ ترتجفان، لم يُحرّك كنان ساكنًا ولم يتوسّل أو يسأل، فقط أبتسم ابتسامة واهنة ظنًا منه أن رجلاً من رجال الكبير جاء ليُنهيه قبل أن يُفصح عن أسرارٍ قد تقودهم لخيطٍ ما، رفع اكين سلاحه ووجّههُ نحو كنان لثوانٍ لم يستطع إطلاق النار فيها، ليأتيه صوتًا من خلفه بارد كحدّ السكين، وحاد كأنما الغضب وحده يُشكل نبرته: أنزل سلاحك الآن..، لم يلتفت اكين عندما سمع صوت عمه بل ابتلع ريقه بصمت، فتقدم صالح وضرب ذراع اكين التي تحمل السلاح، ودفعهُ بسرعه إلى زواية بعيده، بقي جيلاسون بالقُرب من الزنزانة وهو يتنفس بعمق بينما أمسك صالح اكين من ذراعهُ ونزع لثامه بعنف، ومن ثم حاوط عنقه بكفيّه وكأنه يخنقه لكنه لم يضغط البته، ليقل من بين أسنانه: هل أنت قاتل مأجور ياهذا؟، أغمض اكين عينيه وكأنه يتمنى من عمه أن يخنقه الآن فعلاً، ليقترب صالح وهو يهمس: لماذا كذبت عليّ؟ لماذا أنت جبانٌ إلى هذه الدرجه؟، لم يُجب الآخر بل صرخ بقوه وهو يندفع بعيدًا عن عمه واستند على الأرض بيديّه وهو يصرخ قائلاً: أنا أختنق.. ليلعنني الله، صرخاته المدوية ملأت الزنزانة وهي تعكس وجع الخيانة والخوف الذي يختنقه منذ زمن، صمت صالح وأكتفى بالنظر، ليستمر الآخر في الصراخ: أقسم أنني أختنق ياعمي لا أعلم ماذا أفعل، ومن ثم اعتدل وأقترب من عمه بعينين متوسلتين بحرقه وهو يقول: أخبرهم.. أرجوك دعهُم يعلمون لأرتاح، خمد غضب صالح حين رأى حال أبن أخيه فأشاح بأنظاره بعيدًا وهو يتنهد بحرقه، بينما أكمل اكين وهو يقترب أكثر من عمه: أرجوك ياعمي أخبرهم ودعهُم يقتلونني لأرتاح، لم يُجب صالح بل أغمض عينيه بغضب، مسح اكين وجهه بعنف ثم قال: لماذا لم تفعلها؟ لماذا لم تقتلني تلك الليلة أمام منزل عليشو؟، أقترب صالح وأمسك بفكّ اكين بعنف ليقل: عُد إلى وعيك، ومن ثم أمسكهُ من ذراعه وقاده حتى خرجوا من الزنزانة، ذهب اكين برفقة جيلاسون بعد أن أوصاهُ صالح بعدم ترك اكين حتى يأتي ليتحدث معه، وبالمثل أوصى صالح الرجال بمراقبة الزنزانة جيدًا حتى لايحدث مايسعى إليه الكبير وكارتال..
––––––––––––––––––––
مركز الشرطة..
هتف المحقق للكبير الذي يجلس أمامه بنظراتٍ تكاد تُرديه قتيلاً: أعلم أنك هنا لتفهم وضع أبنك ولكن وضعهُ معقد، لم يُجب الكبير بل واصل النظر في أعين المحقق مباشرةً، ليُكمل الآخر وهو يُقلب أوراقًا بين يديّه: الأدلة التقنية لا تثبت إدانته بشكل قاطع ولكنها لا تُبرئه ايضًا، الرسالة التي كُتبت بخط يد العميد تُشير إلى خلافٍ حاد وقع بينه وبين داهان قبل عدة أيام من الوفاة، ليسأل الكبير بجمود: خلاف حول ماذا؟، فأجاب المحقق بعد تردد: العميد كان قد علقّ داهان من مهنته مؤقتًا وفتح تحقيق داخلي ضد بعض العمليات التي نفذها دون أوامر مباشرة.. يبدو أنه كان يشتبه بتجاوزات مهنية وربما علاقات غير رسمية مع طرفٍ خارجي، اتسعت أعين الكبير قليلاً فأردف الآخر: حين وُجدت جثة العميد كان إلى جوارها ظرفٌ يحوي اعترافًا جزئيًا من العميد بأنه يشعر بتهديدٍ محتمل.. وقد سمّى داهان بالأسم، ضيّق الكبير عينيه ليقل: تهديد؟ وهل وُجد ما يُثبت أن داهان كان في موقع الحادثة أساسًا؟، أغلق المحقق الملف وأجاب: لا.. لا توجد تسجيلات مرئية ولا شهود عيان يا سيد عدنان، لكن وُجد سلاحه الرسمي ومحتوى الرساله، وهو يرفض الإفصاح عن مكان تواجده ليلة الحادثة، عمّ الصمت لثوانٍ قال بعدها الكبير بهدوءٍ حاد: أنتم تلوّنون الجريمة لتُشبهه.. لكن لا أحد منكم سأل لماذا كان العميد في منشأة مهجورة ليلاً وبحوزته سلاح أبني الرسمي الذي سلمّكم إياهُ قبل عدة أيام عندما علقتم مهنته!، نظر المحقق بإستغراب وكأنه يسمع السؤال للمرة الأولى فعلاً، بينما أكمل الكبير وهو ينهض واقفًا: أبن مهنتكم لا يقتل بهذه الطريقة وإن فعل.. فلن يترك أثرًا خلفه، ثم رمق المحقق بحدّه وأردف: هل أستطيع رؤيته؟، ليُجيب المحقق بهدوء: هذا غير ممكن في الوقت الراهن، ليقل الكبير: خمس دقائق، ليقل المحقق بحزم: التحقيق ما زال جاريًا والمشتبه به لم يُعرض بعد على النيابة ولا يحق له استقبال أي زيارات خارجية حتى استكمال المحضر الرسمي وإجراء فحص الأدلة الجنائية، خرج الكبير وصعد إلى سيارته بغضب، وما إن استقر في مقعده حتى أتصل بأحد رجاله، وما إن أجابه الآخر حتى هتف هو بنبرةٍ مشحونه: ماذا فعلتم؟ من هو ال*** الذي يعمل من ورائي؟، صمت لثوانٍ يلتقط أنفاسه قبل أن يردف بانفعال أكبر: سلاح الضابط من أين خرج؟ ومن الذي بدّل الرسالة بأخرى مغايرة لما أمرتكم به؟ ما هذه المهزلة التي حدثت دون علمي؟، وفي مكانه الذي سيُفتتح قريبًا.. كان سافاش متكئًا على كرسيٍ داخل غرفةٍ خفية خُصصت له بعناية يُغلفها الغموض وتخضع لسيطرته وحده، ارتسمت على وجهه ابتسامة خفيفة وهو يُحدق في شاشة الحاسوب أمامه، تلك الشاشة التي تعرض صورًا التُقطت بعناية فائقة، لقطاتٍ لداهان والكبير في باحة الفندق حين عاد الأخير إلى إسطنبول عقب مقتل والده عبدالله، وأخرى في المستشفى برفقة صالح لزيارته التي لم تكن سوى محاولة لجسّ النبض عن قُرب، أما الأخيرة فكانت الأبلغ.. حين جلس الكبير وجهًا لوجه أمام العميد دون قناعه، مدّ سافاش يده فورًا وأغلق الحاسوب حين دخل رجله إلى الغرفه، ليقل الأخير: رجالنا في قسم الشرطة نفّذوا ما أمرت به، زرعوا الأدلة في موقع الجريمة وفجر البارحة ألقوا القبض على الضابط كما أردتَ تمامًا، أومى سافاش ليردف الآخر: ما غايتك؟ لماذا تسلطّت على ذلك النقيب؟، أبتسم سافاش بسخريه ثم لم يلبث حتى تلاشت ابتسامته ورمق رجله بغضب ليقل: وما شأنك أنت؟، صمت رجله وغادر، ليُعاود سافاش فتح الحاسوب، وقرّب الصورة من الكبير ليهمس يُخاطب نفسه: عدنان كارا.. ذات العيون الجميلة التي نراها من خلف القناع، لم يليق بك أن تصفعني من أجل أبنك!، ثم ضحك بخفه ليُكمل: يا لك من رجل مُبهر.. كيف تستطيع الموازنة بين شخصيتين متناقضتين؟ إحداهما رسمية وقانونية والأخرى تنتهك كل القوانين؟، ثم نهض وعبث بالحاسوب لكي ينسخ الصور في فلاشة ما، ثم أخرج الفلاشة ورفعها أمام وجهه وقبّلها هامسًا: ضماني ونجاتي.. وإن متّ فلن يكون موتي هباءً..
––––––––––––––––––––
الحفره.. منزل العائله
دخل صالح مشيًا متجاوزًا بوابة المنزل إلا أن محمود أوقفه وهو يقول: جاءت امرأة يا أخي قبل دقائق، سألت عنك وهي الآن في داخل المنزل تقول إنها جاءت لترى إدريس، عقّد صالح حاجبيه ولكنه لم يسأل بل أتجه إلى المنزل، بينما في غرفة إدريس، كانت ليلى تجلس على طرف السرير أمام الصغير الذي يبتسم وهو ينظر إليها، لتقل له: لم أكن أتوقع أنني سأشتاق إليك بهذا القدر أيها الصغير، أنزل إدريس عينيه أرضًا ليقل: ليلى أبلا..، لتُجيب بإبتسامه: نعم؟، صمت إدريس وكأنه يفكر بكلامه، ليقل بعدها بهدوء: هل تشتاقين لوالدتكِ مثلي؟، أبتسمت ليلى بحزن لتُجيب: أجل.. وكثيرًا، فقال الصغير بذات الهدوء: هل سأراها مجددًا؟ كما كنت أراها برفقة صديقي الجديد، تبدلت ملامح ليلى ولكنها قالت بهدوء: من هذا الصديق الجديد؟، فقال إدريس: صديقي.. أعطاني دميه وكان يعطني دواء لأرى أمي ولكنني لم أعد أراها، صُعقت ليلى ولكنها التزمت بالهدوء لكي لا تُشعر إدريس بشيء، لتقل: ما أسمه؟، نفى إدريس بكتفيه الصغيرتين ليقل: لا أعرف ولكن كان لديه شيئًا أسود هنا، قال الأخيرة وهو يُشير إلى رقبته ببراءة، عقدت ليلى حاجبيها بعدم فهم، وفي لحظتها توقف صالح عند باب الغرفة ليرى ليلى تجلس أمام أبنه ولم ينتبها له، فتنهد بخفه وحدق في أبنه للحظاتٍ وكأنه يتأمله، لتقل ليلى: لم تخبرني أين والدك؟، نفى الصغير بكتفيه مجددًا ليأتيهم صوت صالح الذي قال بهدوءٍ وخفوت: هنا..، التفتت ليلى وأبتسمت حين رأت صالح يقف في منتصف الغرفة، التقط إدريس دفتره وقلمه فورًا متجاهلاً والدهُ وأخذ يرسم بهدوء فأبتسم صالح بألم وقد أدرك أن هذا الدفتر أصبح وسيلة هروبٍ لأبنه.. هروبٍ منه، فتنهد بخفه وأشار إلى ليلى بالخروج، فلحقته الأخيرة بعد أن ودعت الصغير، خرجت لتجده يتكلم على الهاتف وهو يقول: تمام ياماش.. مررتُ بالمنزل لأرى إدريس وسآتي، أغلق الهاتف وحين التفت احتضنتهُ ليلى بشكلٍ مباغت جعلهُ ينظر بدهشه وغرابه، رفع أحدى يديّه وربت على ظهرها بخفه، ثوانٍ وأبتعدت وراحت تجلس على عتبة باب المنزل وهي تضع وجهها بين كفيّها باكيةً، نظر صالح بعدم فهم وقلقٍ، فتقدم نحوها بهدوء وجثى أمامها ليقل: هل أنتِ بخير؟، أبعدت ليلى كفيّها ومسحت عينيها قليلاً ثم نظرت إليه وابتسمت بخفه رغم دموعها لتقل: لاشيء..، نظر هو بشّك ليقل بعد لحظات: يمكنكِ أن تتحدثين إليّ يا ليلى، أشاحت الأخرى بنظرها بعيدًا ومن ثم نهضت فجاءه وهي تقول: حقًا لا تؤاخذني ياصالح أنا جئتُ لأطمئن على إدريس فقط وسأذهب، تقدم تولغا الذي أتى لتوه حين أنهت ليلى جملتها هذه ليقل بهدوء: أهلاً بكِ يا ليلى، أستجمعت الأخرى نفسها وابتسمت، ليقل تولغا مُخاطبًا صالح: أتصل وليّ بي يقول أنهم ينتظرونك في المقهى، أومى صالح ليقل ونظره على ليلى: أجل.. أتصل عليّ ياماش أنت أذهب وأنا سألحق بك، أومى تولغا وذهب، ليقل صالح: أين سيارتكِ؟، فأجابت ليلى: ليست بعيده، فمدّ صالح يده يُشير نحو البوابة وهو يقول: دعينا نذهب إليها إذن، لاحقًا وخلال سيرهم إلى مكان سيارة ليلى، هتفت الأخيرة: الحمدلله أن إدريس عاد إلى حضنك سالمًا، أومى صالح الذي يسيرُ جانبها بصمت وهو ينظر أمامه واضعًا يديّه في جيوبه، وصلوا إلى السيارة فوقفت ليلى والتفتت إلى صالح لتسأل: لم تعُد تذهب إلى الشركة، تنهد هو بخفه ليقل: لديّ ماهو أهم حاليًا، ومن ثم أردف وقد تمعن وجهها المُرهق قليلاً: مابكِ؟، أنزلت ليلى عينيها أرضًا وهي تتنهد بخفه ليقل صالح: هل أخيكِ؟، رفعت أنظارها ونظرت إليه ثم قالت: ربما..، زفر صالح ليقل: ماذا فعل؟، أبتسمت بحزن واستدارت نحو باب السيارة وقبل أن تصعد التفتت تنظر إلى صالح مرةً أخرى ثم قالت: سآتي وأرى إدريس مجددًا..، نظر صالح للحظاتٍ ثم أومى بصمتٍ رغم الشّك الذي بدأ يتسلل إلى صدره منذ احتضانها له، صعدت ليلى إلى سيارتها وانطلقت ذاهبه وهي تنظر إلى أوراقٍ على المقعد الجانبي.. أوراق تحاليل وأشعة لرأسها.. أوراق مطوية بحذر داخل ظرفٍ طبي كُتب على أعلاه أسمها بخطٍ واضح وتاريخٍ حديث، نظرت إليه للحظات ثم تنهدت ببطء وعادت بنظرها إلى الطريق أمامها، بينما بقي صالح يراقب طريق ذهابها بقلق وقد أنقبض صدره لوهلة ولا يعلم لماذا.. لاحقًا في ساعات المساء الأولى كان الجميع في المقهى، ياماش الذي يجلس وهو ينظر إلى الفراغ شاردًا، وجومالي الذي يجلس وهو يُحرك مسبحته بين أصابعه وصالح الذي يعبثُ بولاعةٍ بين أصابعه بالمثل.. والآخرون يجلسون بصمت، ليسأل جومالي: أين اكين؟ لم أراهُ اليوم، ليُجيب صالح فورًا: كان في منزلي ليلة البارحه بجانب تولغا والآن بجانب زوجته في المنزل بالتأكيد أين سيكون، صمت الجميع ولم يعلقوا، ولم يشّك الأخوة لأنهم لم يذهبوا إلى المنزل منذ ساعات، ليقل ياماش بعد لحظة صمت وكأنه يراجع الأمور في عقله: الكبير.. كارتال تكين يعمل تحت إمرتهِ، وذراعه كنان أصبح الآن بين أيدينا، صادق والأفغاني كانت لهم صِلة واضحة فهُم كانوا على وشك توريط الحفرة بشحنة البضاعة المسروقة، وبالطبع لهذا الرجل أذرعًا أخرى تمتدّ في كل اتجاه، ليقل وليّ سائلاً صالح: هل يُتاجر كارتال تكين بالمخدرات فقط؟، تنهد صالح وأجاب: المخدرات والأسلحة على حسب علمي ولهُ شركاءً في كل مكان..، ليقل جومالي: إذن فلنأتي به إلى هنا ونعمل عليه قليلاً ليخبرنا بكل شيء يعرفه، فهتف صالح فورًا: لا.. هو أخبرني بما يعرفه ولو كنت أعلم أنه سيوصلني إلى الكبير لما تركتهُ اساسًا، ليقل ياماش بهدوء: ربما يعلم شيئًا لاتعلمه يا أبن أبي، ليقل جومالي وكأنه للتو تذكر شيئًا: دقيقه.. تلك المرأة التي أحضرت كنان ربما تعلم شيئًا، هنا أتبع تولغا على كلام جومالي: صحيح من الواضح أنها تعلم كل شيء فهي وصلت لمن أحاول الوصول إليه منذ أشهر، نظر ياماش إلى تولغا بأعين مُشفقه، فهو لايعلم أن هذه المرأة أخته، ليقل صالح بعد أن تنهد بخفه وهو ينظر بطرف عينه نحو تولغا: لا تعلق بها، كاد أن يرد تولغا ولكن ياماش هتف قبله وكأنه يشتت الأمر: كنان بالتأكيد يعرف أشياءً وليس شيئًا وسنجعلهُ يتكلم عاجلاً أم آجلاً، ليقل جيلاسون: ربما إن استطعنا الوصول إلى شركائهم وخصوصًا شركاء كارتال يمكن أن يكونوا الخيط الذي يقودنا إلى الكبير، ليقل جومالي: لا أفهم! لماذا لا نجلب ذلك ال*** كارتال إلى هنا ونجعله بنفسه يقودنا إلى ذلك ال*** الآخر؟، قالها وهو يضرب الطاولة بقبضته بنفاذ صبر فاهتزت الأكواب أمامه قليلاً، ليُجيب صالح: لأنه ليس أحمقًا يا أخي ولأنه لا يعرف هوية ذلك ال*** ولا مكانه، ليقل وليّ بعقلانيه: لكننا إن أجبرناهُ على الكلام.. على الأقل سنرى أي خيطٍ يقودنا، ليقل صالح فورًا بنبرةٍ إنهاءٍ للحديث: فلنركز على كنان الآن فهو أهم ويعرف الكثير.. أكثر من كارتال، عمّ الصمت بعدها للحظاتٍ قال جومالي بعدها بهدوء هذه المره: إذن ماذا سنفعل؟، ليُجيب صالح مجددًا دون أن ينظر: لنترك كنان لبضعة أيام يتجرّع فيها العذاب قليلاً فربما حينها يُقرر بنفسه أن يفتح فمه ويتكلم، ليقل ياماش بخفوت: والسندات..، هنا رفع صالح أعينهُ ونظر إلى ياماش للحظاتٍ قبل أن يقول: لاتقلق..، ليقل جومالي باندفاعٍ وغضب: لا يقلق؟ هذه سندات ياصالح! سندات لأهالي الحفره سندات منازلهم وأراضيهم وملكيتهم، هذه حياة بالنسبة لنا، رمق صالح أخيه بنظره ثم همس وكأنه يُخاطب نفسه: أنا أكثر شخص يعرف هذا، حينها دخل ميكي وقال مقتربًا من طاولة الأخوه: كارتال تكين قادم يا أخوه.. بينما وأمام مدخل الحفره توقفت سيارة كارتال ليقل السائق: أوقفونا ياسيدي، أمال كارتال بنظره ليرى فرحات وعددًا من شباب الحفرة يقفون معترضين طريق سيارته وسيارات رجاله خلفه، لم يُبدي كارتال أيّ ردة فعل بل اكتفى بالتحديق أمامه عبر زجاج السيارة الأمامي بنظراتٍ ساكنة جامدة، ليهتف لرجله: أنتظر قليلاً، وما لبثوا لحظات حتى أبتعد الشباب بأمر من الأخوه، فتقدمت سيارة كارتال ورجاله، توقفوا أمام المقهى، ليقل رجله: وصلنا ياسيدي، رفع كارتال يده بعد ثوانٍ ببطء وفتح باب السيارة ثم ترجّل منها بثبات، كانت يده المصابة موضوعة في جيب معطفه الرمادي الطويل بلا حمالة اليّد هذه المرة، لازالت مصابه ولكنه أخرج الحمالة لكي لا تُفسد كبريائه ومظهره، ليجد صالح أمامه يتكئ على سيارته وسيجارته بين يديّه، وسُرعان ما خرج ياماش من المقهى حتى وقف أمام أخيه مواجهًا كارتال، وتبعهم جومالي الذي عدّل قبعته وفعل حركة فمه المعتاده بنظراتٍ متفحصه وحاده، ووليّ الذي يقف واضعًا يديّه خلف ظهره عند باب المقهى برفقة تولغا وجيلاسون بينما شباب الحفرة يتوزعون حول الجميع، تقدم كارتال بعد أن القى على الجميع نظرةً متفحصه حتى وقعت عيناهُ على صالح فثبتت نظراته عليه وحده بينما رمقه الآخر بدوره بجمودٍ مُخيف والسيجارة لاتزال تحترق بين أصابعه دون أن يسحب نفسًا منها، ليقل صالح ولم يُشيح بنظراته عن كارتال: تأخرت..، فأجابه كارتال بهدوء: لم أكن على عجلةٍ من أمري، ليقل صالح وهو ينظر إلى ذراع الآخر: أرى أن ذراعك سليمه، أبتسم كارتال ولم يُجب بل نظر إلى ياماش بعد لحظات ليقل: العراك الذي دار بيننا في مكتبي سابقًا كان ممتعًا وإن كان قصيرًا.. لكنني يا ياماش كوشوفالي أُفضل العراك بالعقول لا بالأيادي، تقدم صالح حتى تجاوز أخويه ووقف أمام كارتال مباشرةً ليقل وهو يُشير بسبابته: أنت خصيصًا.. حديثُك معي وليس مع أخوتي، رفع كارتال حاجبيه ليقل: هل يعني هذا أن لي مكانة خاصة لديك؟، أبتسم صالح بسخريه ليقل: كثيرًا..، رفع كارتال يده وأشار إلى أحد رجاله فأحضر ظرفًا يحوي السندات أو بالأصح بقية السندات التي لم يُحرقها الكبير، أخذها من رجله ورفعها أمام صالح والآخرين بعد أن أخرجها من الظرف وهو يبتسم ببرود ليقل: هذا ما تبقى من هذه الأوراق التي كانت ذات يوم تعني لكم شيئًا.. لمن تبقى منكم على الأقل، تقدم جومالي بغضب فمنعته أيديّ ياماش الذي كان قلقًا ولكن شيئًا في تصرفات أبن أبيه جعله يشعر بأن هناك أمرًا لا يعلمانه بعد، فشّد على ذراع جومالي هامسًا له بشّك: أنتظر..، فتوقف جومالي وهو يضغط على أسنانه بغضب بينما أقترب كارتال خطوةً دون أن يُؤذن له حتى باتَ قريبًا من صالح ليهمس له: دعني أستعير منك شيئًا، حينها أقترب ياماش وقد طفح كيله من قُرب الآخر، فرفع صالح يده فورًا مانعًا أحدًا من الإقتراب، وقبل أن يعي صالح مقصد كارتال، مدّ الأخير يده ببطء نحو صدر صالح وأدخل كفّه إلى جيب السترة الداخلي وأخرج ولاعته المعدنية، والآخر لم يتحرك بل ظلّ واقفًا بثبات ينظر بترقبٍ ساخر فقط، أشعل كارتال الولاعة ورماها على السندات التي وقعت أرضًا، فاشتعلت الأوراق دفعةً واحدة وتطايرت ألسنة اللهب سريعًا، ظلّ كارتال واقفًا يُراقب الإحتراق بنشوةٍ متصنعه، بينما أنظار الجميع تتابع المشهد في ذهولٍ صامت، بعضهم قابضٌ على قبضته وبعضهم على رأسه من القهر والغضب، تقدم جومالي الذي لم يستطع الصبر أكثر وأخرج سلاحه وقبل أن يوجههُ نحو كارتال أمسك صالح ذراعهُ فورًا ليقل: أرجوك يا أخي أنتظر قليلاً..، ثم التفت إلى كارتال ليقل بعد أن القى نظرة على رماد الأوراق على الأرض: هل انتهيت؟، ليرد كارتال ببرود: ربما..، اومى صالح والتفت إلى تولغا ليقل بهدوء: أنت تعرف المكان يابني..، تحرك تولغا من جوار باب المقهى دون تردد متجهًا إلى الداخل، وعاد بعد لحظاتٍ يحمل في يده ظرفًا بنيًا القاهُ على صالح الذي التقطهُ وناوله لجومالي وهو يقول: هذه حياة بالنسبه لنا، التقط جومالي الظرف وفتحه ليجد سندات الحفرة بعددها الصحيح وأختامها الرسميه، تقدم ياماش ونظر إلى صالح الذي قال وهو نظر إلى كارتال: وأنت مع حماسك وأستعراضك هذا لم تحرق إلا أوراقًا مزيفه، أبتسم ياماش بخفه بينما رفع جومالي رأسه وفعل حركة فمه المعتادة وهو يُناول أحد الشباب السندات، وكارتال الذي لم تتحرّك ملامحه ابدًا حدّق بصالح بجمودٍ لثوانٍ ثم ضحك بخفه وبدأ يُشير بأصبعه نحو صالح وهو يقول: أحسنت.. لقد خدعتني ببراعه، صمت الجميع وهم ينظرون بترقب وتأهب، ليُكمل كارتال وقد أقترب خطوة من صالح وراح يتفحص الموجودين أمامه وكأنه يبحث عن أحدٍ ما، عاد بنظره إلى صالح ليقل: إن لم تخنّي ذاكرتي سلّمني أحد أفراد عائلتكم تلك الأوراق.. أحد من الداخل أو لنُقل من بينكم، وهنا أدرك صالح مقصد كارتال تمامًا فاشتعل الغضب في صدره، ذلك الغضب الذي حاول كتمه طيلة اللحظات الماضية بالبرود والاستفزاز منذ لحظة قدوم كارتال، لذلك.. وبدون تردد أخرج سلاحه ووجههُ مباشرة نحو الذي أمامه، فتأهب الجميع من الطرفين وأخرجوا أسلحتهم بالمثل وساد صمت مُريب وكأن الزمن توقف، تقدم ياماش حتى وقف بجانب صالح وهو يُشهر سلاحه ليقل ببرود حاد: ماذا تقصد بكلامك ياهذا؟، ليقل صالح فورًا وقد سحب زناد سلاحه: أغرب وأذهب، أبتسم كارتال ليقل: أخوتك لايعلمون كما توقعت.. وها أنت ذا تُخرِس الجميع كي لا تُكشف الحقيقة، التفت ياماش نحو صالح ليقل بخفوت: ماذا يقول هذا يا صالح؟، لم يُجب صالح بل نظر إلى كارتال بحدّه ليقل من بين أسنانه: قلت لك أغرب وأذهب الآن، استدار كارتال نحو سيارته فمسح صالح وجههُ بعنف، ولكن لابُد للحقيقة أن تُكشف وللأسرار أن تظهر مهما طال الزمن، فاستدار كارتال وهو يُمسك بمقبض باب السيارة ليقل: ياماش كوشوفالي..، التفت الأشقر بملامح حاده وغاضبه، وبالمثل صالح الذي أحمرت عينهُ غضبًا، ليُكمل كارتال: استمتع بالمفاجأة التي أعددتُها لك في مستودعاتك وايضًا.. اسأل أبن أخيك اكين كيف سلمنّي السندات، وكيف..، توقف ينظر إلى ياماش الذي عقد حاجبيه بصدمه وجومالي الذي يُمسكه جيلاسون بقوه، ولصالح الذي شّد تولغا على ذراعه يُحذره من تصرفٍ خاطئ قد يُكلفهم الكثير، فأكمل كارتال ببرود: واسأله كيف كان شريكًا ليجعلك قاتل والدك، واسأل أخيك فارتولو الذي وصلتهُ الصور المُثبتة لذلك قبل فترة لماذا لم يخبركم، وصعد إلى سيارته ذاهبًا تاركًا خلفه موجة من الذهول والغضب والإنكسار في وجوه الجميع حتى الذين لم يستوعبوا بعد ما تفوّه به كارتال.. عيون الجميع انتقلت بين بعضها برعبٍ مكتوم، تولغا ما زال ممسكًا بذراع صالح وجومالي الذي بالكاد هدأ قبل دقائق دفع جيلاسون عنه بعنف ليصرخ وهو يُشير بيده: ماذا يقول هذا؟، ثم أندفع نحو صالح ليُكمل صارخًا: صالح!! تكلم ماذا يقول ذلك ال***؟، بينما كان الأصغر هو الأشدّ صمتًا بينهم، تراجع إلى الخلف قليلاً وهو ينظر بعدم استيعاب بينما انحنى صالح ومسّد رأسه بقوه، ليُمسكه جومالي ورفعه حتى نظر إلى عينيه ليقل بحدّه: أجب ماذا يقصد ذلك ال***؟، ليقل صالح بعد لحظات: كان مجبورًا.. هددهُ كارتال لذلك سلّمه السندات ولكنها مزيفه والسندات الحقيقة لم تُمسّ، ليأتيه صوت ياماش الذي قال: بماذا هدده؟، عمّ الصمت ليردف ياماش بعدم استيعاب بعد أن رأى نظرات صالح: أبي؟، هنا أغمض صالح عينيه وأبتعد يستند على أحد السيارات بحرقة وتعب، ليقترب ياماش منه بتردد وهو يقول: أجب يا أبن أبي، لايمكن.. اكين لايفعل شيئًا كهذا، رفع صالح عينيه نحو أخيه ليرى ياماش فيهما تأكيدًا يُصاحبه قهر وعجز عميقان، فتراجع وهو يبتسم بقهر وهو يردد: لايمكن! لا يا صالح اكين لا يمكن أن يجعلني قاتل أبي، تراجع الجميع بصدمة وعاد صالح يمسّد رأسه بعنف وكأنه يريد إيقاف مايحصل، ليُقاطعهم على حين غرة صرخة جومالي الذي قال: أين هو؟ أين ذلك ال***؟، وفي الجهة الأخرى وفي أعماق ورشته المُظلمة.. يجلس اكين على الأرض مُسندًا رأسه إلى الحائط وهو ينظر إلى سلاحه الذي في يده، أنفاسه تتلاحق وعيناه كأنهما تلاحقان كوابيسًا لا يراها سواه، كل شيء فيه كان ساكنًا إلا صدره.. يعلو ويهبط كبحرٍ هائج لا يهدأ، ظلّ يتنفس بعمق لثوانٍ ثم اتسعت شفتيه بإبتسامةٍ ظهرت تدريجيًا، ثم اتسعت هذه الإبتسامة شيئًا فشيئًا، ابتسامة لا تشبه الراحة ولا الفرح ولا حتى السخريه.. بل تشبه الجنون، ضحك اكين بقوةٍ كمن يرى كارثة تسقط على رأسه ولا يجد لها ردًا سوى الضحك، ليسمع صوت خطواتٍ سريعه في الخارج وثوانٍ حتى أهتز باب الورشة أثر طرق عنيف تلاه صوت جومالي الذي صرخ قائلاً "أخرج إلى الخارج ياهذا!" فرفع سلاحهُ نحو رأسه ليقل بخفوت ولازال يبتسم: أفعلها أيها الجبان.. أفعلها قبل أن يفعلوها هُم..
إلى اللقاء في البارت القادم..

لا يوجد سوى الألم..حيث تعيش القصص. اكتشف الآن