"هناك بعضهم يدعوكَ بفارتولو الذي لا أعرفه"
مدّ سافاش كفَّه نحوها، فبادلته ليلى برفع كفّها لتضعها في يده، فقبّلها برقيّ وهدوء ثم رفع رأسه وقال: اتمنى أن تستمعي هذه الليلة..، واستدار وهو يُشير إلى طاولة مرتفعة وبعيدة قليلاً عن البقية وهو يقول: هذه طاولة خاصة.. تفضلي، تقدمت تمشي أمامه بخطواتٍ واثقة وسريعة قليلاً، رمقت بنظرها صالح الذي لم تفارقهم نظراته من بعيد، ثم التقط سافاش سترتها حين خلعتها الأخرى، وسحب الكرسي بهدوء فجلست وهو تبتسم بمزيجٍ من السخريه والحقد، جلس سافاش أمامها والتفتوا جميعًا عدا الأخير نحو ياماش الذي بدأ بالغناء.. كان الأشقر الذي فوق المسرح يرتدي قبعةً ونظارة كنوعٍ من زي الغناء ولكنه يُخفي ملامحه.. كان يغني وهو يرمق طاولة أخويه بين الحين والآخر.. تارةً يرى وليّ يردد كلمات الأغنية معه بلا مبالاة وتارةً جومالي الذي يرمقه بحدّه مضحكه فهو لم يحب هذه الفكرة، وأما صالح.. فقد كانت عيناهُ لا تفارقان ليلى منذ دخولها.. يراقبها بحذر وهدوء، لتسأل الأخيرة سافاش بهدوء: هل بدأ الرقص؟، ابتسم سافاش ليقل: ربما.. مضى ساعتان على الافتتاح وليلتنا طويلة، سندت ليلى خدها بكفها وهي تضع مرفقيها على الطاولة لتقل: أنا جئتُ لاستمتع.. فمن الجيد أن الليلة طويلة، ابتسم الآخر وقال بحماس: فلنشرب شيئًا ثم سآخذكِ جولة في المكان فهو ليس مكانًا عاديًا، فقالت ليلى: جيد.. فطبيبي قال إن عليّ أن أخرج الليلة لأرفّه عن نفسي قليلاً، تظاهر سافاش بالتساؤل والقلق المزيفان لتردف ليلى حين لاحظت نظراته: لاشيء مهم دعنا لا نُفسد هذه الليلة، صمت الآخر الذي يعلم اساسًا ما يجري فهو من نسجَ جميع الخيوط، وصل المشروب ووضعه النادل برفقٍ على الطاولة أمامهما فمدّ سافاش يده نحو الكأس ودفعه بخفه إليها وهو يقول بنبرةٍ هادئة لا تُفصح عما يُخفيه: لنشرب لليلةٍ لا تُنسى، رفعت ليلى الكأس ورمقته قبل أن تبتسم نصف ابتسامة لتقل: آمل ذلك، ضرب جومالي كتف صالح الذي كان ينظر إلى الجانب حيثُ ليلى وهو يشّد على قبضتيه، ليقل الأكبر حين التفت صالح إليه: انت تكاد تقتله بنظراتك وذاك يغني بكل برود "قالها وهو يُشير الى ياماش فوق المسرح" وأنا هنا سأجلس لمدة دقيقتين يا صالح دقيقتان ليكن بعلمك وسأنهض لا*** ذلك الحيوان، رفع صالح يده وأنزل قبعة جومالي قليلاً وهو يقول: الحيوان لن يهرب..، فعل جومالي حركة فمه المعتادة، ليردف صالح: انتظر قليلاً فقط، فقال جومالي بخفوت وهو يُشير بعينيه ناحية ليلى: وتلك المرأة لا افهم لماذا أتت برفقتنا، تنهد صالح بخفه وعاد ينظر إلى ليلى التي أصرّت على القدوم معهم إلى هنا بالرغم من رفض صالح.. قبل ساعات وعودة إلى الشرفة.. كانت تنظر إلى هاتفها وهو يّرن بأسم سافاش، فتقدم صالح بشّك حين رأى نظراتها وهو يقول: من؟، لم تُجب.. بل تمعّنت في شاشة الهاتف وكأن شيئًا داخلها قد تغيّر كليًا.. هل يمكن أن يكون هناك بشرًا في هذا العالم بهذا القدر من السوء حقًا؟ حسنًا لقد اعتادت على العالم المظلم وايضًا رأت وقرأت عن المجرمين والقتلة والمستغلين، لكنها لم تتخيل يومًا أن تكون في قلب اللعبة نفسها.. في موضع الضحية التي نُسجت حولها الحبال بإتقان ودقة شيطانية، لم يخطر ببالها يومًا أن يُحيط بها الشر من حولها لا لمجرد حادثة تقرؤها في صحيفة أو مشهد تُتابعه على شاشة، بل واقعًا حيًا يلتفّ حولها ببطء حتى كاد يبتلعها دون أن تدرك، أفاقت من شرودها وجمودها حين لامست ذراع صالح ذراعها بخفه، وحين رفعت بصرها قليلاً رأته ينحني على ركبتيه أمامها وهو ينظر إليها بقلق وقد انقطع رنين الهاتف، نظرت إلى الآخر مطولاً قبل أن تقول: أنا ماذا فعلتُ لكي يحصل لي كل هذا؟ أنا لم أؤذي نملة حتى يا صالح، تنهد الأخير ببطء وعيناه تعكسان الحزن والأسى مع غضبه الذي يغلب على كل ذلك، استقام بعدها واقفًا وهو يمسح وجهه بقوة، ليقل بخفوت: هذا الرجل أذى طفلاً ذو خمسة أعوام.. ألن يؤذي آخرين ايضًا؟، رنّ الهاتف مجددًا فلم تنتظر ليلى التي أجابت فورًا ووضعت الاتصال على مكبر الصوت، نظر صالح نحوها بصمت ليسمع الطرف الآخر يقول: مرحبًا..، فتقدم ببطء مع أجابة ليلى الهادئه بشكلٍ غريب: اهلاً
–اعتذر عن اتصالي في هذا الوقت يا سيدة ليلى..
=لاعليك..
–أحببتُ أن أذكركِ.. أو بالأحرى أدعوكِ مجددًا إلى مكاني الذي كنتُ قد دعوتكِ لافتتاحه من قبل، لقد أجّلت الافتتاح قليلاً واليوم هو الموعد، وسيُسعدني كثيرًا حضوركِ وإن أردتي يمكنني أن أرسل سيارة لتأخذكِ، عقد صالح حاجبيه بغضب وكاد يتكلم لولا ليلى التي رفعت يدها في وجهه تطلب منه الصمت، لتقل تخاطب سافاش: في الواقع.. سيكون جيدًا أن اخرج الليلة، فسمعوا الآخر قد قال والحماس والفرح يشعّان من صوته: إذن سأرسل السيارة حين تكونين جاهزة..، فقالت ليلى بهدوء: لا داعي.. سآتي بسيارتي، ومن ثم اغلقت الهاتف مع قول صالح الذي أشار بيده غاضبًا وهو يقول: هل هذا هو؟، أومت بهدوء ليقل الآخر بغضبٍ تضاعف: هل انتِ مجنونة! ماذا تفعلين؟، استقامت وقالت: سأذهب لأعرف ماذا فعلتُ لهُ حتى يفعل ما فعله، فقال صالح بصدمه وبنبرة ارتفعت دون أن يلاحظ: انتِ بماذا تهذين؟ وما ادراكِ أنه يتقصدك! ربما لديه نوايا اخرى، تقدم ياماش في هذه اللحظة إلى الشرفة وقد أتى عندما تناهى لمسمعه صوت أخيه المرتفع لكنهما لم ينتبها له، لتقل ليلى: أي نوايا يا صالح؟ ومن سيتقصد غيري؟، فقال صالح: أخيـ..، فعلتّ نبرة ليلى هي الأخرى: أخي تحت التراب يا صالح!، صمت الآخر بينما توقف ياماش دون كلمة وقد فهم جزئيًا مايتكلمون عنه، لتكمل ليلى: من يتقصد إذن؟ أنت مثلاً!، ليقل صالح: ولما لا؟ فهم يستغلون كل شيء حولي.. الم يختطفوكِ الأفغان معي لأنكِ كنتِ هناك بجانبي؟، فقالت ليلى غضبًا وحزنًا وبنبرة مليئة بشيء لا يمكن وصفه: ليس بسببك! هل دعوتني؟ هل قلتَ تعالي يا ليلى؟ لا لم تقل.. أنا من أتى لأنني أردت رؤيتك! وأنا من أخذكَ إلى ذلك المقهى، هُنا عمّ الصمت لثوانٍ حتى قال ياماش بعدها بهدوء وخفوت: اهدأوا قليلاً..، استدار صالح يتنفس بعمق بينما قالت ليلى بصوتٍ مسموع تخاطب نفسها وهي منشغلة بوضع هاتفها في حقيبتها: يلعب بي ويجعلني مريضة.. ايامًا بأكملها لم أنام من شدّة خوفي ووجعي بالتفكير في هذا الأمر وهذا بالضبط ما يجعلني أرغب في النظر إلى عينيه هذه الليلة، التفت صالح بدهشه ليقل: ايفاندم جنم؟، لتقل الأخرى وهي تضع حقيبتها حول كتفيها: اجل سأذهب.. هيا أوصلني إلى شقتي ياصالح لاتجهز، فنظر الأخير إلى ياماش ليقل: هل تسمع ما تقوله؟ ستذهب لمكان ذلك ال***!، نظر ياماش بهدوء وعدم فهم وقبل أن يتكلم أو يسأل قالت ليلى وهي تقف أمام صالح تمامًا ناظرة إلى داخل عينيه: هل تعرف مكانه؟ رقم هاتفه؟ لا.. إذن إن كنت تريد ذلك الرجل ياصالح فلن تستطيع بدوني ولن تذهب ايضًا بدوني، نظر صالح إلى عينيها بشيءٍ من القلق وفي عينيه اعتراف غير مباشر بصحة ما تقول، ليقل ياماش وهو يقطع هذا الصمت: هل تعرفين مكانه؟، تراجعت ليلى قليلاً لتُجيب: أجل.. لدي بطاقة الدعوة أو العنوان ايًا يكن، ليقل صالح محاولاً إقناعها: اعدكِ ستتحدثين معه لكن ليس هذه الليلة! أعطيني الموقع وأنا سأحضره وستفعلين ما برأسك، نفت هي بعنادٍ وإصرار وتمسّك كعادتها عندما تريد فعل شيء، فضرب صالح السور بقدمه غضبًا، لاحقًا بعد وقت.. وفي منزل عليشو التفت صالح ينظر إلى السيارة حيثُ ليلى التي تجلس وهي تبادله بهدوء تنتظرهم، تنهد ببطء وعاد ينظر إلى فرحات الذي قال: سافاش يلدريم..، ليقل عليشو: اجل اجل! لديه مكان.. رسومات كثيرة يحب الرسومات، فانحنى ياماش أمام عليشو ليقل وهو يُشير إلى كومة الأوراق على الطاولة: ايّ هؤلاء؟، بدأ عليشو يبحث قليلاً بينما قال فرحات وهو يُدير شاشة الحاسوب نحوهم: لا تبحث يا عليشو.. هذا هو وهذه هي صورته..، فقال صالح بقلة حيله: نعرف وجهه وال***، فقال فرحات: حسنًا يا أخي ولكن حساباته على مواقع التواصل الإجتماعي لا توضح سوى صورته ورسومات بشكل غريب كهذه مثلاً، وأظهر لهم رسمة تجريدية، نظر ياماش نحو فرحات لوهلة بينما ضرب صالح الطاولة بقدمة وهو يقول: لا*** همك يا فرحات، ليقل ياماش بقلة صبر: فرحات.. ركز معي نحن نريد طريقة للدخول إلى المكان دون أن يلاحظوا، فقال فرحات بتلقائيه: لن يكونوا جاهزين فلماذا لا نهجم يا أخي؟، فقال صالح فورًا بغضب: هل لأن تلك العنيدة التي تجلس في السيارة تريد أن تدخل وتتحدث معه اولاً؟، هُنا هتف جومالي الذي كان يقف وهو ينظر إلى النهر: امنعها إذن، تنهد صالح دون أن يُجيب وعمّ الصمت لثوانٍ حتى قال عليشو: فرقة ^^^ للغناء ستأتي لذلك المكان بعد ساعتين، التفتوا جميعهم نحوه بعدم فهم إلا ياماش الذي ارتسمت ابتسامةً على شفتيه فاقترب فورًا يقبل رأس عليشو، والتفت ينظر إلى صالح وهو يقول: اشتقت للغناء على المسرح حقًا، نظر صالح وقد فهم مايقصده ياماش بينما تقدم جومالي وهو يقول: هل سندخل بدلاً عن الفرقه يعني؟، أومى ياماش وهو يقول: وأنا ساحل الأمر.. أحتاج القليل من الوقت فقط وأنتم اخبروا شباب الحفرة وايضًا أخبر وليّ يا صالح، وذهب ركضًا ليقل جومالي وهو ينظر لأصغرهم باستغراب: ما الذي ينوي فعله؟، ليردّ صالح بهدوء: سيغني..، ولاحقًا دخل الاخوة مع فرقة الغناء خفيّه كي لا يلاحظ احد وجودهم حتى لو لم يتوقعه أحد وخصوصًا سافاش.. والآن.. وعودةً إلى الحاضر.. وإلى مكان سافاش الذي توقف أمام الركن الذي يحوي رسوماته التي يعرضها بشكل مرتب وجميل، تتوسطها لوحة بيضاء لا تحوي أي رسمة أو لون.. وحين لاحظ نظرات ليلى إلى اللوحة قال: هذه تحديدًا سأرسمها الليلة.. أمام الجميع كجزءٍ من فعاليات الافتتاح وهكذا..، صفنت ليلى لتقل: هل نتكلم قليلاً يا.. سافاش، تلاشت ملامح الآخر من نبرتها الجدية، ولكنه قبل أن يسأل قالت هي بعد أن اقتربت قليلاً: هل تهتم بي؟، ابتسم بلا إرادة وهو يميل برأسه قليلاً يتأمل وجهها، ليقل وهو يبتسم: هل هذا واضح جدًا؟، ارتسمت على ملامح الأخرى نظرةٌ يصعب وصفها.. مزيجًا من السخرية والمرارة لكنها قالت بنبرةٍ ثابتة: ولكن الواضح لا يعني الصدق دائمًا، ليقل سافاش وهو يقترب اكثر: هل تقولين أنني أتلاعب أو أجيد الكذب؟، لتردّ ليلى بنفس ثباتها: بل أكاد أجزم أنك تُجيده جيدًا.. أكثر من الرسم حتى، شعر الآخر بتوتر من حديثها وجديتها ليقل: نحن عن ماذا نتكلم يا ليلى؟ دعينا نستمتع، لتقل بحدّه وهو تنظر إلى داخل عينيه: اجل فانا لديّ عملية غدًا قد لا استيقظ منها، ثم أكملت بغضب: ماهي نيتك؟، تلفت الآخر فورًا بعينيه في ارجاء المكان وقد شعر بشيءٍ غريب، خصوصًا أنها من الواضح قد علِمت بما فعله.. بأنه هو من أوهمها بالمرض ومن دفع الخادمة إلى منزل أخيها لتسكن معها لاحقًا في شقتها فقط كي تنجح خطته وتتمكن من إعطائها دواءً من اختراعه لتتيقن بأنها مريضة، ارتسمت على شفتيه ابتسامة مضطربة تجمع بين التوتر والقلق وإعجابٍ مبهم، كمن يُعجب بجسارة من كشفت سرّه دون أن يجرؤ على الكلام، أما هي فقد تراجعت قليلاً وسحبت كرسيًا قريبًا ثم جلست عليه ببطءٍ، لتقل وهي تضع قدمًا على الأخرى: هيّا ارسم أريد أن استمتع..، تجمع الحضور من حول الركن سريعًا.. فمالك المكان يقف أمام لوحته البيضاء كفنان على وشك أن يُبهرهم، بينما في الحقيقة أنه يقف على حافة هاويةٍ لا أحد يراها، اقترب أحد العاملين وهو يحمل فرشاة الرسم والعلب المليئة بالألوان، مدّها إليه فالتقطها سافاش بأيديٍ ثقيلة.. وكأنه يحمل قنبلة لا فرشاة، رمق ليلى سريعًا بنظراتٍ كانت محاولة يائسة للتماسك، ثم استدار ليعطي الحضور ظهره.. رفع الفرشاة وأغمض عينيه بقوة كما لو أنه يحاول أن يُسكت الضجيج في رأسه.. فأصبح ممنوع عليه أي تصرفٍ متهور أو غريب فهو محاصر بعشرات العيون، أغرق رأس الفرشاة في الألوان دون أن يدري أي لونٍ اختار، وباصابعٍ ارتجفت قليلاً بدأ يرسم خطوطًا عشوائية وهو لا يعلم ماذا يفعل.. فقط يريد أن تمضي هذه الدقائق بسلام، لتقل ليلى بعد لحظاتٍ بنبرة هادئه لكنها مليئةً بحقد دفين: لماذا؟، توقفت يده قليلاً لكنه تمالك نفسه وهو يردّ بنبرةٍ حاول أن يجعلها بارده: لماذا ماذا؟، فقالت هي فورًا: لماذا فعلت هذا بي؟ من أنت وماذا تريد؟، ابتلع هو ريقه ليقل بعد أن تنهد بخفه وأستمر بالرسم: أنا مهتم بكِ.. واريدكِ أن تصبحي لي، عقدت ليلى حاجبيها بسخريه وذهولٍ لتقل: تسممني.. وتسرق صحتي.. وتزرع وهمًا لمرضٍ في جسدي.. فقط لأنك تريدني؟، ودون أن تسمع ردًا التفتت برأسها حين شعرت بذراعًا وضعت على كتفها، فرأت صالح يقف وعينيه على ظهر سافاش بغضبٍ لا يستطيع وصفه بينما الآخر أكمل رسمه ولم ينتبه لشيء.. ليقل صالح بخفوت: يكفي.. هيّا أخرجي من هذا المكان، استقامت ليلى وتراجعت وقد ضاق صدرها كثيرًا.. تقدم في لحظتها جيلاسون الذي أخبره صالح من قبل بأن يأخذ ليلى ويرجعها إلى المنزل حين تفعل ما برأسها، ذهبت ليلى دون أي كلمة وجلس صالح مكانها بهدوء وبصرهُ معلقًا بظهر الذي لازال يرسم ببطء وهاهو على بعد سنتيمترات من معذب وخاطف أبنه، تقدم جومالي ووليّ من خلفه بعد ذهاب ليلى.. وياماش الذي انقطع غناؤه فجاءه نزع قبعته ونظاراته ليقفز من على المسرح بعد أن أشار لأحد أفراد الفرقة ليشغل أغنية ما، وحين تقدم نحوهم سمع صالح الأغنية فابتسم بخفه وجومالي بالمثل فقد تذكر لحظة قديمة "Geliyor".. التفت سافاش بدهشة من الأغنية التي خرجت عن الفرقة لكنه تجمد في مكانه وانشلّت قدماه وهو يرى صالح جالسًا في مكان ليلى وجومالي ووليّ بجانبه وياماش يتقدم من بين الزحام وهو يردّد كلمات الأغنية التي صدحت في أرجاء المكان ويرقص بيديه "أنه آتي.. أنه يأتي بغرور، جمالهُ حديثٌ على كل لسان.. أنظروا من أتى" هل صفن؟ هل تجمد جسده؟ هل اتسعت عيناه؟ هل ابتسم بعدم استيعاب؟ ماذا حصل ليرى فارتولو واخوته يجلسون ويقفون أمامه! ولم يكاد سافاش يستوعب وجودهم حتى توقف ياماش يتكئ على الكرسي الذي يجلس عليه أبن ابيه وهو يشرب شرابًا بيده.. انقطعت الاغنية فجاءه ليقل صالح ببرود بعد ثوان من تبادل النظرات: رسمتك مثل ال*** ياروحي، ابتلع سافاش ريقه قليلاً ليردف صالح: أبني يرسم أفضل منك.. فلديك نفس الوشم الذي رسمهُ، شعر سافاش ببرودة احتلت جسده بالكامل بينما شعروا الحضور الذين لم يفهموا ما يجري بأن شيئًا غير عادي يحدث، وحين لاحظ سافاش هذا قال بخفوت وتلقائيه: لا تفعل شيئًا في مكاني.. هناك أشخاص أبرياء، ضيق صالح عينيه بسبب الكلمة الأخيرة لكنه في لحظة واحدة باغت الجميع حتى أخوته وهو يخرج سلاحه من خصره، رفعه إلى الأعلى مطلقًا عدة طلقاتٍ متتالية، دوى صوت الرصاص في وسط المكان فتعالت الصرخات فورًا وهرع الحضور جميعهم بلا استثناء إلى الخارج بفوضى وخوف بينما رفع سافاش يده نحو خصره ناويًا إخراج سلاحه لكن ياماش وجومالي ووليّ سبقوه.. فارتخت ذراعه متراجعًا، باغته صالح الذي نهض بركلة قوية إلى صدره وهو يصرخ: أبرياء؟ أبرياء هااا؟ ياهذا إن لم اُريك البراءة ال*** لا يدعوني فارتولو، مسك ياماش ذراع صالح بخفه يطلب منه الهدوء بينما سقط سافاش وهو يضع يده على صدره بسخريه وابتسامه خفيفه ظهرت على شفتيه عندما رأى رجاله الذي يحرسون المكان والذي لا يزيد عددهم عن عشرة أشخاص يحاوطون الأخوة ووليّ ولكن فرحته هذه لم تدم كثيرًا.. فقد داهم المكان شباب الحفرة الذين يفوقُ عددهم عدد رجاله.. ولم تمضي سوى لحظات حتى تحوّل المكان إلى ساحة اشتباكٍ بالأجساد والأيدي، حاول سافاش فورًا التملص والهرب في خضم العراك، لكنه حين شارف باب الخروج وهو يركض منحنيًا شعر بوخزة في ذراعه، توقف متجمدًا ونظر إليها ليجد ابرةً قد غُرست به، استدار برأسه إلى الخلف ليجد جومالي يُمسك بندقية تخدير ويتقدم نحوه تاركًا العراك، ليقل وهو يُشهر بالبندقية بين يديّه: هذه للحيوانات الصغيرة.. امثالك ياعزيزي، ضحك سافاش باستسلام وسقط ارضًا، بينما بعد دقائق من القتال وعند صالح الذي لكم رجلاً تقدم نحوه بقوة، ووليّ يخنق أحدهم بسلسلة رفيعه بين يديّه بينما ياماش الآخر كان يوسع أحدهم ضربًا بمهارة واستمتاع.. ولكنه تركه فورًا واتجه نحو صالح بسرعة حين رأى أن أحدهم سيُباغته من الخلف، ضربه بقوة ليحمي أخيه فسمع صالح يقول وهو يستدير: لم اخطئ عندما قلتُ عنك خاصتي قديمًا..، ابتسم ياماش وأخرج صالح سلاحه بعدها متأففًا من الضرب وأطلق رصاصاتة على كل رجل يراهُ متاحًا أمامه، لم تمضي لحظات حتى قضوا على جميع رجال سافاش والأخير كان يستلقي ارضًا يحاول مقاومة المخدر وجومالي يجلس مقابله وهو ينظر إليه ليقل باستهزاء: لو نقص شعرك قليلاً؟، تقدم الاثنان نحوه بينما بقي وليّ في الخلف ينظر فقط، فنهض جومالي وهو يقول: فلنأخذ هذا الحيوان الصغير، ساستضيفه الليلة قليلاً ثم سأعطيك إياه، قال الأخيرة يخاطب صالح بينما ابتسم الأخير ليقل: هيا فلنخرج، فاتبع ياماش: أجل هيّا قبل أن يصلهم الخبر، لم يكن الأمر يحتاج لأوامر أكثر.. حملوا شباب الحفرة سافاش بقسوة وكأنهم يسحبون حيوانًا كما قال جومالي لا إنسانًا، وخرجوا معًا نحو السيارات، لاحقًا وحين توقفت سياراتهم أمام المقهى، نزل الاخوة بينما أشار ياماش إلى سيارة الشباب التي تحمل سافاش بأن يركنوها بجانب دكان ميكي وينتظروا قليلاً، ودلف إلى المقهى يلحق بأخوته، جلس وليّ دون أن يتفوّه بكلمة بينما جومالي الذي أنزل قبعته وخاطب صالح الذي جلس: لماذا تدخلت في العراك؟ قلتُ لك تعال معي لنهتم بأمر ذلك الحيوان، تأفف صالح مع قول ياماش الذي تكلم بموضوع آخر: أخذوا اثنان من شباب الحفرة إلى المستشفى ذكرني يا أخي أن أذهب لاطمئن عليهم صباحًا، اومى جومالي ليقل صالح: سأذهب معك، رمقه ياماش بهدوء وصمت، فابن أبيه لا يريد الذهاب إلى المستشفى للاهتمام بصحته لكنه مستعد للذهاب ليطمئن على الشباب، ارتخى صالح على كرسيه ليقل وهو يسأل جومالي: من اين احضرت تلك البندقية؟، ابتسم جومالي نصف ابتسامة ليقل: لدي معارفي، جلس ياماش ليقل: لم اندهش اطلاقًا، ليسأل صالح مجددًا بنفاذ صبر: متى سيزول مفعول ما اعطيته له؟ متى سيستيقظ؟ هل سيطول؟، التقط جومالي علبة ماء ورماها نحو أخيه وهو يقول: لا تستعجل ياهذا تنفس قليلاً، مرتّ لحظة ثم نظر ياماش إلى وليّ ليقل: اعتذر يا وليّ على فضاضتي في الصباح، نهض الآخر واومى دون إجابة، وقال بعدها يخاطب صالح وهو يهّم بالخروج: إن احتجت لشيء يا صديقي اتصل بي، فاستوقفه صالح بسؤاله: إلى أين؟، التفت وليّ وأجاب: إلى مكاني، استغرب صالح ليقل: ألم تكن تبقى في منزلي؟، فردّ وليّ بهدوء وابتسامة خفيفه: اجل ولكن الآن لدي اعمال وسأبقى في مكاني، وخرج لينهض ياماش ولحق به بسرعه، أوقفه قبل ان يصعد إلى سيارته وهو يقول: انتظر يا وليّ..، توقف الأخر فهتف ياماش وهو يقف أمامه: هل تتخذ موقفًا مني ولهذا تفعل هذا؟، فقال وليّ بسخرية: هل نحن أطفال يا ياماش؟، ليقل الآخر فورًا: والله لا أعلم إذن لماذا تفعل هذا؟، صمت وليّ للحظاتٍ اقترب بعدها من ياماش ليقل: هل تعرف من أنا حقًا يا ياماش؟، ضحك الاخر بخفه ليقل: ماهذا الآن؟ الست مثلنا جميعًا؟، ضحك وليّ بدوره ليقل: على العكس أنا لا اشبه احدًا منكم ابدًا بل أنني مختلف تمامًا، رفع ياماش حاجبيه قليلاً وهو يبتسم بينما أردف وليّ: أنا نصف مني شرطي والنصف الآخر مجرم، نظر ياماش بدهشه لا اردايه بينما اكمل وليّ: ربما لم يتضح الأمر من قبل لكنني أكره أن يتدخل أحد في حياتي، أعلم وأدرك أن ما فعلتموه اليوم وحماسكم اللطيف لأمرٍ سخيف لم يكن سوى لأنكم تعتبروني واحدًا منكم.. لكنني في النهاية أملك طباعًا غريبة قليلًا لا أستطيع تغييرها، واستدار ناحية باب السيارة لكنه هتف قبل أن يصعد اليها: وسبب غضبي ليس أنتم ابدًا.. بل لأنني نسيت معنى الحب وشعوره، وصعد إلى سيارته وذهب تاركًا ياماش ينظر بندم، عاد إلى المقهى ولكن قبل أن يدخل أوقفه اكين الذي قال: امجا..، التفت ياماش وهو يبتسم ليقل اكين: هل ماسمعته صحيح؟ هل أمسكتم بصاحب الوشم؟، اومى ياماش ليردف اكين: ولماذا لم تخبروني لأذهب معكم؟، مال ياماش برأسه وهو ينظر بهدوء بينما أكمل اكين وقد أشاح بنظراته بعيدًا: هل انعدمت الثقة ياعمي؟ أم أن عمي صالح هو من رفض قدومي؟، تنهد ياماش وهو يبتسم بخفه ليقترب واضعًا يديه على كتفي ابن أخيه ليقل بهدوء: تؤ.. خرجنا على عجلة وايضًا لن نخاطر بمن سيصبح أبًا بعد أشهر..، لم يستطع اكين منع ابتسامته، فشدّ ياماش على كتفيه وعاد إلى المقهى بينما تراجع اكين عائدًا هو الآخر إلى المنزل بروحٍ ضاقت حزنًا.. جلس ياماش وهو ينظر إلى جومالي الذي يقف عند منضدة الشاي، ليقل وهو يمسح وجههُ قليلاً بعد أن تثاءب قليلاً من نعاسه الذي يداهمه ببطء: تأخر الوقت، نظر صالح لثوانٍ ليقل: إن كنت متعبًا أذهب لتنام يا أبن أبي، نفى ياماش بحاجبيه بينما أردف صالح وهو يرفع يده ليخرج هاتفه من جيب سترته الداخلي: نسيت أن اتصل بجيلاسون، لكنه حين أخرج الهاتف سقط من غير قصد قرصًا من أدويته على الأرض، التفت ياماش حين سمع الصوت وقال وهو ينحني: سأحضره، لكنه تجمد بذراعه الممدودة عندما تبين له الشيء الذي سقط من جيب أخيه، رفع أنظاره بهدوء وعتاب نحو صالح الذي كان يراقبه بصمت، دخل جيلاسون إلى المقهى وسمعا في ذات اللحظة صوت جومالي الذي تقدم نحوهما وهو يقول: هذا هو السيد جيلاسون عند ذكره..، التقط ياماش قرص الادوية بسرعة قبل أن يلاحظه جومالي ووضعه في جيبه، تنهد صالح والتفت نحو جيلاسون الذي قال: أوصلتها إلى منزل العائلة يا أخي، أومى الآخر بخفه ثم استقام بسرعة ينوي الذهاب إلى ذلك الحيوان كما يدعوه جومالي ولكنه توقف فجاءه وهو يستند على حافة الطاولة بأطراف أصابعه حين شعر بدوار كاد يسقطه ارضًا، نهض ياماش فورًا حين لاحظ ذلك وهو يشدّ على ذراع أخيه ليقل: لا تنهض بسرعة، ضيق جومالي عينيه بينما اقترب جيلاسون بقلق، لكن الآخر تنهد بعمق وأغمض عينيه للحظاتٍ اعتدل بعدها وهو يقول: أنا بخير، وخطى إلى الخارج ليلحق به ياماش وجيلاسون، تقدموا نحو السيارة ليقل صالح: أين سنضعه؟، عقد ياماش حاجبيه بينما أجاب جيلاسون: بالتأكيد في الزنزانة يا اخي!، نظر صالح إلى سافاش النائم في السيارة ثم عاد بنظره نحو جيلاسون وهو يقول: ولكن هذه المرة سيكون بجانبه احدًا لا يفارقه داخل الزنزانة، أومى ياماش ليهمس: بالطبع.. فلن نكرر ما حدث مع كنان، فقال جيلاسون: حسنًا أنا سأبقى معه الليلة، ابتسم ياماش وتثاءب بعدها ليقل: ها.. تمنى ذلك يا جيلاسون فأخي جومالي هذه الليلة لن يترك هذا الحيوان الصغير، قال الأخيرة وهو يقلد جومالي، فضحك الاثنان ليقل صالح وهو يرمق ياماش بطرف عينه: إذن.. فليضعوه في الزنزانة حتى الصباح وسنتحدث معه غدًا فالوقت تأخر الآن، ليقل ياماش فورًا: أجل يااا.. فالنعاس يكاد يجعلني أنام على عتبة باب المقهى، ضرب صالح بقدمه قدم الآخر بخفه وهو يقول: وتنتظرني لأقول؟ لما لا تقول ببساطة أنك نعسان يا بني؟، فقال ياماش فورًا وهو ينحني يمسح على قدمه: اريد أن ابقى بجانبك ياهذا، ابتسم صالح ثم قال وهو يُشير إلى سيارته: هيا إذن لكي لا تنام في وسط الطريق وتشغلني، تأفف ياماش وضحك جيلاسون وبعض الشباب الذين سمعوا الحديث، ذهب الأصغر نحو السيارة وقبل أن يلحق صالح به شدّ جيلاسون على ذراعه ليقل: آبي.. اريد أن اسألك سؤالاً، نظر صالح بغرابه لكنه قال: اسأل يابني، فتنهد جيلاسون بخفه وقال: تولغا.. هل سيعود؟، تلاشت ملامح الآخر لأخرى حزينه حين أتى ذكر تولغا، تنهد بخفه ومسح وجهه ليقل: لا أعلم.. لكنه بالطبع سيعود فقط ابتعد قليلاً بعد ما حصل، ابتسم جيلاسون فربت صالح على كتفه بخفه ولحق بياماش، لاحقًا.. دخلا إلى المنزل.. قال ياماش بهدوء وهو يُمسك بطرف سترة صالح الذي كان سيذهب إلى السلالم: توقف قليلاً..، التفت الآخر وحين رأى نظراته عرف عن ماذا سيسأل فقال فورًا: لم ينقص من القرص سوى حبة واحدة وقد أخذتها فجر الأمس، وصعد إلى الأعلى فورًا بينما ابتسم ياماش بحزن وهو يهمس: أنا اثق بك..، ثم ذهب إلى الصالون ليرى ليلى برفقة إيفسون، فابتسم قائلاً: حديث النساء لا ينتهي..، نظرت ليلى ببرود فقال هو: اعتذر.. ما مررتي به الليلة سيئًا وجيد بأن إيفسون هنا لتتحدثي معها، فقالت الأخيرة: حسنًا ياماش لا تُطيل بلا فائدة.. اذهب إلى الأعلى لترى ماسال فهي سألت عنك حتى غلبها النوم، لتهتف ليلى قبل ذهاب ياماش: صالح بقي عند ذلك الرجل أليس كذلك؟، ابتسم ياماش قبل أن يلتفت ليقل وهو يغمز بعينه: تؤ.. هو بالأعلى، وذهب مع نظرات ليلى التي انقلبت ملامحها إحراجًا وغرابة، بينما نظرت إيفسون بصمتٍ عمّ لثوانٍ حتى قالت الأخيرة وهي تضع يدها على قدم ليلى: جهزنا لكِ غرفة الضيوف.. وسأعيرك بعضًا من ملابسي، اذهبي لترتاحي وصدقيني ستمضي هذه الليلة، اومت ليلى بهدوء فأرشدتها إيفسون إلى غرفة الضيوف، جلست على السرير بتعب وهي تهز قدمها بين الحين والأخرى بعدم راحة.. لا تعلم هل هو توترًا أم خوفًا أم حزنًا، ولاحقًا بعد ساعة.. خرج صالح من غرفته وهو يمسد رأسه بقوة، نزل إلى الأسفل وجلس على طاولة المطبخ المظلم قليلاً وهو يطرق باحدى قدميه على الأرض بلا وعي، التقط كأس ماء وشربه وايضًا مسح بالقليل من الماء وجهه.. لكنه سُرعان ما جمع ذراعيه واسندها على الطاولة ووضع رأسه عليها وهو يغمض عينيه بقوة، وبلا وعي مررّ كفيه على شعره من الخلف بقوة طفيفه، بينما جومالي.. الذي أتى لتوه وكان سيتجه إلى السلالم لكنه توقف عندما سمع صوت طرق خفيف متتالي، تراجع ودخل إلى الصالون بهدوء مستغربًا وحين تقدم اكثر رأى أخيه.. يضع رأسه على ذراعيه التي يسندها على الطاولة ويطرق بقدمه ولم يلاحظ قدومه، صفن جومالي لوهلة وهو ينظر إلى قدم أخيه واغمض بعدها عينيه بقهر.. ثم تنهد ونظر إلى ساعته ليجدها الثانية بعد منتصف الليل.. فتراجع بهدوء نحو الأعلى، دخل إلى غرفته فنهضت داملا التي كانت نائمة ولكنها استيقظت حين سمعت صوت الباب: هل أتيت؟، ليقل جومالي وهو يفتح أحد الأدراج: اجل أتيت ياوردتي، ابتسمت بقلة حيله وعادت تغطي نفسها لتعود إلى النوم وقد اطمئنت أن زوجها المتهور قد عاد إلى المنزل متأخرًا كعادته وبخير هذه الليلة ايضًا، عبث جومالي في الرفوف وهو يبحث عن شيء، وحين أزاح صندوقًا وجد الكيس الذي يبحث عنه.. كيس أدوية صالح الذي أخذه من قبل، كان قد وضعه في ادراج غرفته ليضمن عدم وصول صالح إليه، أخذه وعاد إلى الأسفل ولكنه حين دلف إلى المطبخ رأى كرسي أخيه الذي كان يجلس عليه قبل قليل خاليًا، تلفت حوله فوجد باب الشرفة مفتوح، فعل حركة فمه المعتادة والتقط كأس ماء ثم خطى نحو الشرفة، فوجد صالح جالسًا يُفكك سلاحه الذهبي ورصاصاته الثمانية خارج المخزن متناثرة على الطاولة، عقد جومالي حاجبيه بينما الآخر لم يلاحظ قدومه هذه المرة ايضًا واستمر بما يفعله، تقدم جومالي بصمت وبخطواتٍ حذرة حتى لا يُفاجئ أخيه الذي كان غارقًا في فعلته كمن يحاول تهدئة عقله من الانفجار وتشتيته عن تلك الأدوية.. كانت ذراعاه المرتجفتين تحاولان تثبيت أجزاء السلاح جيدًا بصعوبه ورأسه منحنيًا وكأنه يودّ أن يغرق في هذه الأجزاء ليكتم كل ما يدور داخله، اقترب جومالي اكثر حتى جلس على طرف الطاولة ووضع كأس الماء عليها وهو ينظر إلى أجزاء السلاح التي تناثرت، لاحظهُ صالح ولكنه قال دون أن يرفع رأسه: هل فعلت ماتريد بذلك الحيوان؟، صمت جومالي قليلاً من نبرة الآخر المرتجفة التي حاول اخفاءها لكن دون فائده، ليقل بهدوء: لا.. لم يستيقظ حتى الآن وأجلّت الأمر لأستجمع طاقتي وجيلاسون عنده يحرسه، لم يردّ صالح بل التقط المخزن وبدأ يُعبئه بالرصاص، لكن وفي لحظةٍ مفاجئة تركه من شدة نفاذ صبره وغطى وجهه بيديّه ليتنفس بقوة، وماهي إلا لحظات حتى مدّ إحدى يديه المرتجفتين نحو جومالي.. ولم يفعل ذلك إلا لأنه يعلم أن أقراص دواءه الأخرى بحوزة أخيه فياماش أخذ التي كانت في جيب سترته، نظر الأكبر إلى ذراع أخيه بقهر وغضبٍ لا يوصف، أشاح بعدها بعينيه متنهدًا ببطء ثم قال: انتظر قليلاً..، ليقل صالح فورًا: أنتم لا تعرفون ما اشعر به، لا تعرفون ماذا يحدث في هذا الرأس ال***.. ارجوك، مسك جومالي ذراع الآخر وسحبه حتى استقر رأس صالح على قدميه، عمّ الصمت وجومالي يمسك برأس أخيه المتعرق بين يديه، ولم يخلوا هذا الصمت من صوت انفاس صالح العميقة والمتقطعة أحيانًا وكأنه يحاول تهدئة نفسه قبل أن تنهار أعصابه، لكنه فشل.. فنهض بسرعة مبتعدًا عن جومالي وهو يقول: لا تلمسني، وحين اتجه ليخرج من الشرفة نهض جومالي بغضب طفيف وأسرع يقف أمام الباب وهو يقول: اجلس مكانك، فقال الآخر بغضب: أعطني ذلك الدواء اللعين أو دعني اذهب لأجده بنفسي، ليقل جومالي بنبرةٍ غاضبة حاول تهدئتها فهو يعلم سبب تصرفات أخيه: فارتولو صالح.. أذهب واجلس مكانك وإلا كسرتُ رأسك، استدار الآخر بسرعه وذهب ليجلس.. لكن ليس على الأريكة بل على الأرض، حاوط قدميه بذراعيه واتكئ بظهره على الطاولة، فتقدم جومالي وجلس وعينيه لا تفارقان الاخر، حتى قال بعد ثوانٍ: حدثني عن شبابك يا صالح..، رفع الآخر رأسه باستغراب لا يخلو من السخرية، فأردف جومالي: قلت سابقًا أنك انهيت عشيرة أفغانية وأنت في الخامسة والعشرين من عمرك.. أخبرني كيف وماذا حصل، شرد صالح لوهلةٍ مستغربًا كيف لأخيه بأن يتذكر شيئًا قيل عابرًا في ذلك الوقت، بينما كان جومالي في داخله يدعو بأن يتحدث أخيه ويشتّت تفكيره عن أمر الدواء حتى يحين موعده، تنهد صالح ومسح وجهه ومرّت دقائق كثيرة ولم يتكلم احدًا منهما حتى هتف صالح اخيرًا: ذهبت إلى أفغانستان بالخطأ ووقعت بأيديّ تلك العشيرة، تنهد جومالي بخفه لأن أخيه تحدث ولكنه عقد حاجبيه ليقل: بالخطأ؟، ضحك صالح بخفه ومسد رأسه ليقل بنبرةٍ تجاهد بأن تهدأ: هذه الحكاية لا شيء منطقي فيها اطلاقًا، أجل.. بالخطأ المتعمد من الجواسيس الذين كانوا معي تخطينا حدود إيران مع أفغانستان، كان من المفترض أن نتقابل في طهران مع رئيس تلك العشيرة الذي كان يُدعى بلال بحكم أن كلاً منا لا يريد القدوم إلى بلد الآخر، لكن بسبب تعبي وغفواتي المتقطعة وقتها وطول الرحلة لم أنتبه أننا تجاوزنا إيران بأكملها ودخلنا حدود أفغانستان، استقبلني بلال بعدة رجال وبكلمتين "خذوه وجهزّوه" ويعني بذلك أنه أراد أن يجعلني مصنّعه الخاص.. فقد ذاع صيتي في ذلك الوقت، وبما أنني كنت شابًا بلا سند رأى أنه لا مانع من الاستيلاء عليّ، فلا رجال أكفاء ورائي.. ولا أحد، أسند صالح رأسه إلى الخلف بينما انحنى جومالي وجلس على الأرض بمحاذاة أخيه متثاءبًا بتعبٍ واضح.. فبالرغم من أنه لا ينام سوى أربع ساعاتٍ في العادة إلا أنه أكمل يومًا كاملًا الآن دون أن يغفو ولو لدقائق ليقل: وماذا حصل بعدها، تنهد صالح بقوة ليُجيب: حصل ما حصل و*** أجبرني على العمل عنده لأسابيع، ثم في يومٍ ما أحرقتُ المستودع الذي كنت أعمل فيه واستوليتُ غفلةً على سلاح رشاش من أحد رجال عشيرته وقتلتُ كل من خرج في وجهي دون أن أحصيهم، ولم أجد نفسي إلا وقد دخلتُ مكانه أو لنقُل خيمته الخاصة وأفرغتُ باقي الطلقات في رأسه، ثم عدتُ إلى هنا إلى إسطنبول، ليقل جومالي وهو يلتقط كأس الماء الذي وضعه سابقًا على الطاولة: شبابك مليء بالمغامرات.. ما رأيك بأن تحكي لي كل يوم حكاية وأنا بالمثل سأحكي لك فشبابي يكاد يُنافسك، تأفف صالح وهو يمسح وجهه بعنف ليقل: يكفي هراءًا أعطني ذلك الدواء، فأخرج جومالي الدواء من جيبه وناول أخيه حبة منه مع كأس الماء، فنظر صالح إلى ذراع الآخر باستغراب من سرعة امتثاله لطلبه، ليقل جومالي حين رأى نظرة أخيه: مرت عشرون دقيقة كما أردت.. أنت حقًا تتحدث كثيرًا، أرخى صالح رأسه فورًا وهو يضحك بعد أن تلفت أعصابه وقد استوعب أن أخيه جعله يتحدث عمدًا فقط ليمرّ الوقت، فيما اقترب جومالي مبتسمًا ليلتقط ذراع أخيه برفق واضعًا الدواء فيها وهو يقول: هيا أذهب واستلقي ودعني أنام يارجل، ولاحقًا.. بعد ساعتين وعلى مشارف الفجر ومع بزوغ نوره الخفيف، كان صالح لايزال يجلس مكانه وهو ينظف ويعبث بسلاحه الآخر.. لحظاتٍ حتى ابتسم بخفه وهو يضع ما بيديّه على الطاولة ليقل دون أن يلتفت: هل أنتِ معتادة على النهوض مبكرًا؟، تقدمت ليلى وهي تضع وشاحًا على جسدها، لتقل مستغربة حين جلست بجانبه: كيف عرفت أنه أنا؟، أبتسم صالح ليهمس: كأخيها تمامًا..، لم تسمعه الأخرى التي أردفت: أكاد أتجمد من البرد وأنا لم أخرج سوى لدقيقة واحدة! كيف تجلس هنا من دون سترة؟ ومنذ متى وأنت هنا أصلًا، تجاهلها صالح وقال: اخبريني ماذا قال لكِ ذلك الحقير بماذا تحدثتي معه؟، أرخت ليلى ظهرها إلى الأريكة لتصبح شبة مستلقيه، وهتفت بعد ثوانٍ وعينيها على قطع السلاح المتناثرة التي حاول صالح جمعها قدر الإمكان: غريب.. أن أبقى في منزل غريب بهذه السرعة هكذا.. ولكن في نفس الوقت أشعر أنني معتادة عليه بشكلٍ ما، التفت صالح برأسه وهو يرفع حاجبيه ليقل: وتجاهلتني كما تجاهلتها..، ضحكت هي لتقل: لم اتجاهلك ولكن.. أنه على الأغلب يهتم بي ذلك ال*** المعتوه، تنهد صالح بقوة ليقل: حسبنا الله..، ثم أكملت ليلى: لم يُنكر ولم يُبرر فقط قال بأنه يريدني له، أعاد صالح تركيب سلاحه بسرعة وهو يقول: ال*** اساسًا قد تركته يرتاح هذه الليلة بما فيه الكفاية، لتقل ليلى فورًا: هل ستذهب إليه؟ أين هو اساسًا؟، فعقد صالح حاجبيه ليقل: ولماذا تريدين أن تعرفي مكانه؟، ابتسمت الأخرى بسخرية لتقل: سأخطفه وسنهرب، فأومى صالح برأسه ليقل بسخريه جامده: حسنًا.. ولكن دعيني آخذ قدمه أو ذراعه اولاً لتكن ذكرى لدي.. أو وشمه! وشمه فكرة جيدة، نظرت ليلى قليلاً لتقل: ماذا.. هل فارتولو من يتحدث الآن؟، توقف صالح للحظةٍ وقد تباطئت حركته وهو يمسك بسلاحه، ثم تنهد بخفه ليقل: ماذا يعني هذا الآن؟، استقامت ليلى قليلاً وأخذت السلاح من بين يديّه، ولحسن الحظ أنه لم يضع مخزن الرصاص بعد فلم يمنعها أو يقل شيئًا وظل صامتًا، تفحصت الأخرى السلاح لتهتف: أنا عرفت.. أو أعرف صالح، ولكن هناك بعضهم يدعوكَ بفارتولو الذي لا أعرفه، قلّب الآخر عينيه ليقل: إذن اشكري الله على هذا..، ابتسمت قليلاً ليردف هو: دعينا من كل هذا.. هل أنتِ بخير؟، أعادت السلاح إليه وهي تقول وقد تغاضت عن سؤاله: ربما تعلمني على هذا يومًا ما، فالتقط صالح سلاحه وأعاده إلى خصره وهو يقول بهدوء: تؤ.. قد تكونين غرقتي في هذا المستنقع لكنكِ لن تصبحي جزءًا منه، لتقاطعهم في هذه اللحظة صرخة دوّت في أرجاء المنزل.. صرخة جعلت صالح ينهض بسرعة ويتعثر راكضًا إلى الداخل، صرخة أجبرت الجميع حتى النائمين على النهوض والهرولة بسرعة إلى الطابق العلوي..
إلى اللقاء في البارت القادم..
أنت تقرأ
لا يوجد سوى الألم..
Fanfictionسيناريو بأحداث مختلفه للجزء الرابع "Çukur" *ملاحظه: هذه المره الأولى لي في كتابة شيئًا ما..
