"أعطني الترياق الآن وخُذ ما جئتَ من أجله"
لم يفهموا ما قاله الرجل الروسي الذي يقف أمامهم الآن، إلا ذلك الأسمر بينما رفع ياماش كفّه وتلمس ذراعه وكأنه شعر دون حتى أن يفهم بشكلٍ كامل، اقترب الرجل قليلاً من صالح ليقل: أسمي فيكتور، وأنا لا أريد عداوة معك رغم وجود الأسباب لذلك.. فـ بالطبع جوزيف الذي يكون ابن عمي قد مات في السجن هنا، ثم صمت بينما ضاقت عينا صالح قليلاً، ليُكمل الآخر: فهو قد أُعتقل معك من قِبل الشرطة لحظة استلامه بضاعةً منك اليس كذلك؟ ومن بلّغ عن موقعكم تلك الليلة..، ثم رفع يده ليُشير إلى ياماش مردفًا: أخيك هذا، التفت صالح ببطءٍ وقلق نحو الأصغر الذي ضحك بخفه عندما سمع أسم جوزيف.. بينما هتف جومالي الذي لم يفهم شيئًا: ماذا يقول هذا؟، ليسمعوا الآخر يقول: أربع ساعاتٍ فقط وبعدها سيبدأ السمّ بالتمكّن من جسده لذا.. إن كنت تريد إنهاء كل هذا ولا تريد فقدان أخيك، سلمني كارتال وسأُسلمك ترياق السمّ، هُنا وفي لمح البصر.. سحب صالح سلاحه من خصره ولم يستوعب الجميع إلا وقد تقدم حتى ألصق فوهتهُ على جبين الروسي، فلم تتحرك شعرةً من الأخير مع تأهب الجميع، وأولهم كان جومالي الذي أخرج سلاحه بغضب، وبالرغم من عدم فهمه لأي شيء قالهُ الروسي، إلا أنه أدرك أن الأمر موجّه ضدهم وهناك خطرًا ما بالتأكيد وإلا لما رفع صالح سلاحه هكذا دون أمرٍ جلل، ليقل الروسي بهدوء: لا داعي لهذا الإنفعال يا فارتولو، لو أردتُ قتلك أنت وأخيك لفعلتُ منذ لحظة وصولي، لكن أنا هنا لأعقد صفقة لا لأفتح حربًا، شدّ صالح على زناد سلاحه اكثر وعيناه لا تفارقان عينا الرجل أمامه، بينما هتف أحد رجال الروسي باللغة التركية ليتضح الأمر للجميع: سلمونا كارتال تكين لنسلمكم ترياق السمّ الذي يجري في عروق أخيكم الآن، عقد جومالي حاجبيه بينما رفع ياماش ذراعه وشدّ على الأخرى وهو يُناقل بصره بين أخويّه قلقًا وساخرًا في آنٍ واحد ليقل: إذن الوخزة التي شعرتُ بها لم تكن من وحي خيالي، تقدم الأكبر بغضب وهو يهتف بحدّه: أي وخزةٍ ياهذا؟، ثم خاطب الروسي ورجاله مردفًا بنبرةٍ تكاد تقطعهم إربًا: أي سمّ؟ ومن انتم وال***، لم يفهم ولم يُجب أحد بل رفع الروسي ذراعه بحذر وبطء ووضعها على ذراع صالح بخفةٍ محسوبه وهو يقول بذات الهدوء بلغته الروسية: أنا قلت لا أريد عداوة معك ولا أريد دمًا.. أريد رجلاً واحدًا فقط وهو كارتال تكين، ليردّ صالح بحدّه فورًا: من تريده *** ومات منذ اكثر من ثلاثة أسابيع، عقد الآخر حاجبيه بعدم فهم فـ استوعب صالح انه تحدث بالتركية التي لا يفهمها الآخر، وقبل أن يتقدم رجله الذي يفهم التركية ليترجم سبقه صالح وتحدث بالروسية وهو يضغط بفوهة السلاح اكثر فأكثر: كارتال تكين ميت، هل تريد أن أُرشدك إلى قبره؟، ابتسم الآخر لثوانٍ ثم قال: اجل.. وجدتُ قبره ونبشته، لكن الأشلاء ليست أشلاءه، لذا أنا أعلم وأنت تعلم انه لم يمُت، فهذه أشياء معتادة في هذا العالم أو في عالمنا وعالمكم تحديدًا رغم الإختلاف الكبير.. الموت والعودة إلى الحياة بهويةٍ أخرى، ثم أشار إلى أحد رجاله فتقدم ليُناوله ورقة قد كُتب عليها رقمًا.. بينما ياماش الذي لم يتحرك بل اكتفى بابتسامةٍ ساخرة وهو يهمس بهدوء: كان بإمكانكم إختيار طريقة افضل من حقتي بالسمّ، اشتعل الغضب في عروق جومالي فانقض خطواتٍ إلى الأمام وهو يصرخ مشيرًا إلى الروسي: هذا الرجل ال*** ماذا يريد؟، التفت صالح وهو ينظر إلى ياماش بذات القلق ليمسح الأخير وجهه ثم هتف: صالح حسنًا..، تراجع الأخير خطوة إلى الخلف وهو يرخي سلاحه، فـ أومى الروسي وهو يقول بهدوءٍ يخلو من التهديد: هذا ما توقعتهُ منك..، ثم مدّ الورقة فورًا نحو صالح وهو يردف: هذه الورقة تحتوي على رقم، ستتصل بي حين تجد كارتال وسنتبادل، يعني بالمختصر سلّم واستلم، وأرجو ان لا تتأخر فأنت تعلم ان السمّ لا ينتظر، ترجم الرجل كلام سيده وأنهاهُ بـ: ولا تتعبوا انفسكم بالذهاب إلى المستشفى لإيجاد حل فلا فائدة من ذلك، اقترب جومالي لينقض من غضبه كعادته ليوقفه فورًا ياماش الذي أمسكه بعنف وهو يقول: لا تخلقون مشكلة اكبر إدريس هنا! ابنك هنا يا صالح، التفت الأخير فورًا نحو تولغا الذي كان يحتضن رأسه إدريس بهدوء لكي يحجب عنه رؤية الأسلحة والرجال، هُنا ارتجف قلبه اكثر وكذلك جومالي الذي زفر بقوةٍ وقلة حيله ثم رفع ذراعه ليشدّ على ذراع اخيه، تراجع الروسي ذاهبًا وقبل ان يصعد إلى السيارة.. التفت ليقل بلغةٍ تركية ركيكه جدًا: الوقت.. يمرّ، ثم صعدوا وذهبوا وكأنهم لم يتواجدوا هنا البته، اقترب صالح من ياماش بهلع وهو يقول: اللعنة يا ياماش! هذا ماذا يقول؟ كيف حقنوك!، مسح الأصغر وجهه وهو ينظر إلى اخويّه وملامحهما المذعورة، ومع اقتراب تولغا والصغير هتف ياماش: أثناء خروجنا اصطدم بي ممرض وشعرتُ بعدها بوخزةٍ في ذراعي، ليقل تولغا بهمسٍ قلق وهو يقترب برفقة الصغير: ما هذه المصيبة!، ثم فورًا هتف إدريس ببراءةٍ: من هؤلاء الأشخاص؟ هل هُم سيئون يا عمي جومالي؟، وقبل ان يُجيب جومالي أو يقترب صالح رفع ياماش الصغير وحمله بين ذراعيه وهو يُجيب: لا ياروح عمك فقط كنا نتحدث، اقترب صالح من ابنه ومسح على شعره وهو يقول: لا يوجد شيء يابني، ثم أردف فورًا وقد التفت نحو تولغا: أعِد إدريس إلى المنزل وليُناولني أحدكم مفتاح سيارتي، ليقل جومالي بسرعة: لا سنذهب بسيارتي هيّا بسرعة لنلحق به، هُنا قال ياماش بنبرةٍ عالية وبنفاذ صبر: اهدأوا ياهذا هناك طفل بين يديّ!، توقف جومالي والتفت صالح نحو ابنه الذي قال: لماذا أنتم غاضبون هكذا؟ إلى أين ستذهب يا أبي؟، اقترب صالح نحو ابنه وأخيه مجددًا بينما قال ياماش: دعنا نُعيد إدريس إلى المنزل أولاً، ثم اتبع حين رأى نظرات أخويّه وتولغا القلقه: أنا بخير.. صدقوني بخير، لاحقًا.. وأمام المقهى ترجل صالح برفقة جومالي، وحين دلفا إلى الداخل وجدا وليّ اكين تولغا وجيلاسون، وقد كانوا على علمٍ بما حصل، ليسألهم صالح فورًا بقلق حين لم يلمح أخيه في مكانه: اين ياماش؟، ليقل وليّ بقلقٍ مماثل: هل ما قالهُ ياماش صحيح؟ علقتم مع الروس وما شابه!، مسح صالح وجهه ليسأل مجددًا وهذه المرة بنفاذ صبر: المهم الآن اين ياماش!، ليُجيب جيلاسون: قال انه سيذهب إلى منزل عليشو يا أخي، تراجع صالح وجومالي والباقون إلى الخارج مع تمتمة صالح: يريد إصابتي بالجنون!، وحيثُ منزل عليشو.. كان ياماش يجلس على الأريكة وعليشو بالقُرب منه ينظر تارةً إلى وجهه وتارةً أخرى نحو ذراعه الموضوعة على ذراعهُ الأخرى وكأنه يتوجع من شيءٍ ما، ليقل عليشو بعد لحظة: ياماش.. لم أجد السيارة، لم أجدها، يبدو أنها ليست هنا، بعيدة بعيدة..، زفر الاشقر بقوة وهو يردّ بخفوت: وكذلك نحن.. يا للسخرية يا عليشو، عقد الأخير حاجبيه وهو ينظر بنظرته المعتادة نحو ياماش، فابتسم الآخر بقلة حيله وهو يردف: لقد بلّغت وقتها فقط لأعيد صالح لنا.. لم أفهم شيئًا وقتها وكان الأمر خارجًا عن إرادتي أساسًا، صالح لم يخبرني بشيء ولم أتوقع أن بلاغي هذا سيعود بعد هذه المدة ليُحقن في دمي، لم يفهم عليشو مغزى كلام الآخر فـ ظلّ صامتًا، ليتبع ياماش وهو يرخي رأسه إلى الخلف ببطء: لأول مرة أشعر بهذا الكمّ من البرود، ثم همس بعد لحظاتٍ وقد أغلق عينيه بخفه: ذراعي يؤلمني..، فرد الآخر ببراءة: نام.. إذا نمت سيزول، صمت ياماش وماهي إلا لحظاتٍ حتى سمع صوت صالح الذي تقدم بسرعة ليجثو على ركبتيه واضعًا ذراعه على ركبة ابن أبيه وهو يسأل بقلق: مابك؟ هل تشعر بشي؟، اعتدل ياماش بهدوء ليجيب: لا.. أنا بخير، ليهتف ولي: ماذا سنفعل؟ كيف سنعرف مكان كارتال؟، التفت ياماش ببطء بينما استقام صالح بشرود، وحين لاحظ جومالي هذا تقدم نحو اخويّه وهو يسأل مناقلاً عينيه بينهما بشيءٍ من الغضب: هولاء من هاجمونا سابقا أليس كذلك؟ حين أُعتقل صالح؟، لم يُجب أحد فتأكد جومالي من صحة ظنّه ليردف: أنا ماذا قلت لك وقتها بيبي؟ انظر جلبت المصائب فوق رأسك ورأسنا، فردّ الأصغر بهدوء: هل يمكن أن تهدأوا ولا تهلعوا اكثر؟ أنا بخير وسنجد حلاً دعونا نفكر بهدوء، ليقل صالح وهو ينظر بنظرةٍ لا يمكن وصفها: هل أنت متأكد من أنك بخير ولا تشعر بشيء؟، ولم يُكمل جملته حتي أجاب الأشقر بهدوء: بخير والله بخير.. لذا بدلاً من هذا الهلع دعونا نجد حل، ليهتف جومالي: الحل واضح.. سنعطيهم ذلك ال***، ثم ثبّت بصره على صالح مردفًا: أليس كذلك يا صالح؟، فأجاب الأخير وهو يخرج هاتفه: لقد كان اليوم بل قبل قليل في المستشفى، أتى وتحدث معي قبل خروجنا، ليقاطعهم ياماش بنبرةٍ خافته: هذا ليس نحن ياهذا..، هل تقايضون حياتي بحياة شخص آخر؟، عمّ الصمت المكان بعد كلمة ياماش هذه إلا من جومالي الذي نظر بملامحٍ تمتزج بالغضب والقلق والسخريه: هل تسخر منا؟ هناك *** حقنوك به، وهناك رجل من بلدٍ آخر يتكلم لغة لا نفهمها أيضًا *** ينتظر، وتريد منا ان نقف متفرجين كي لا نعطيهم شخصًا غريبًا بل عديم شرف لإنقاذك؟، هُنا أتبع اكين على كلام عمه بشيءٍ من الحقد: أساسًا هو ميت منذ زمن لذا لا فرق الآن إن سلمناه لهم، ليقل وليّ وهو يقترب قليلاً: هل سنجده إذن في أربع ساعات؟ لدينا أربع ساعات فقط!، فردّ جومالي وهو يزفر بضيق: سنجده ولو كان في قاع الأرض، تراجع ياماش وجلس على الكرسي وهو يتنهد بخفه، ليقل بخفوت وهو ينظر إلى صالح: هناك دائمًا طريقة أخرى يا ابن أبي، ليردّ صالح بعد ان تمعن في وجه الآخر: اجل.. هناك طريقة لكن لا يوجد وقت..
––––––––––––––––––––
المشرحة..
كان يجلس أرضًا في أحد الممرّات ممددًا قدميه وهو ينظر بتوهان لتقريرٍ كان بين يديّه، هذا التقرير الأولي الذي صدر منذ ساعات ولكنه لازال يمسكه ويقرأه مرارًا وتكرارًا، تقرير الطبيب الشرعي لجثة معاونه والذي يقول (الوفاة نتجت عن ضغطٍ عنيف ومستمر على القصبة الهوائية أدى إلى توقف التنفس والقلب) هناك آثار جسدية أولاً في العنق (كدمات غائرة تؤكد أن الخنق تم بيدين مجردتين وبقوة عالية) والذراع اليمنى وتحديدًا الساعِد (كدمة دقيقة ناتجة عن اصطدام جسم صلب) تم إيجاد دليل حيوي (خصلة شعر طويلة رفيعه ملتفه بقوة وثبات حول أصابع الضحية وتم إرسالها إلى المختبر فورًا) وبخصوص ملاحظة مسرح الجريمة (الجثة نُقلت إلى الغابة بعد الوفاة بأربع ساعات على الأقل، والدلائل تؤكد أن القتل تم في مكان آخر ليس الغابة) وقت الوفاة التقديري (الوفاة حدثت قبل حوالي تسعة عشر ساعة إلى واحد وعشرون ساعة من لحظة الفحص، مما يتوافق مع توقيت اختفائه المسجل في بلاغكم) قرأ داهان هذا التقرير اكثر من مئة مرة.. وفي كل مرةٍ يشتعل شيئًا في قلبه وعقله معًا، لحظاتٍ حتى اقترب مدير المركز وهو يتمعن بحزن صامت في الآخر الذي لم ينتبه لاقترابه من شروده، مدّ المدير ذراعه والتقط التقرير من داهان الذي رفع رأسه وحاول الاعتدال بثقلٍ وصعوبة حين رأى مديره فوق رأسه، فـ منعه الآخر وضغط على كتفه وهو يقول بنبرةٍ خافته: اجلس.. أعلم أن الوقوف أصعب الآن، عاود الآخر الجلوس ببطء وبقيت عيناه شاردتين بالفراغ الذي كانت تشغله الورقة قبل لحظات بينما أمسك المدير بالتقرير وقرأه مرة واحدة وبسرعة، فالطبيب الشرعي قبل قليل قد أخبره بكل شيء، وضع التقرير بجانبه على الكرسي ثم نظر إلى الذي يجلس أرضًا ليقل: بسلامة رأسك يا داهان، بل بسلامة رأسنا جميعًا، أومى الأخير ببطء ثم مسح وجهه بخفه، ليهتف بعد لحظة: ظننتهُ بلاغًا مجهولاً كاذبًا كما يحصل دائمًا.. ولكن هذا البلاغ قادنا إلى جثته، ثم التفت ينظر إلى المدير ليردف: قبل دقائق فقط من معرفتي كنت أتصل به لأطمئن، لكنه لم يُجب.. وظهر انه كان على بعد أمتار مني مرميًا في تلك الغابة الموحشة، ثم أشاح ببصره وقد امتلئت عيناه بدموعٍ أبت أن تسقط بسبب ملامحه الجامدة والحاده وهو يردف: يموت احبائي ورفاقي وأنا لا استطيع ان افعل شيء.. منذ سنوات وأنا لا استطيع فعل شيء، تنهد المدير بخفه حين لاحظ ان الآخر مُتعب ومرهق ليقل بهدوء: العناصر يهتمون بكل شيء.. أنت اذهب وارتاح وغدًا سنتحدث وأعدك اننا لن نغلق هذه القضية حتى نجد المتسبب بها..
––––––––––––––––––––
بالقُرب من الميناء.. بعد وقت
هتف صالح وهو يجلس بجانب جومالي الذي يقود: هل أنت متأكد يا أخي؟، فأجاب الأكبر بقلة صبر: اجل يا هذا! لقد تكلم مع شخص حين كنا سويًا في ذلك القارب ال*** ومن الواضح انه من يوفر له القوارب ويُسجله بهويةٍ مزيفة ليُبحر بكل أريحية، صمت صالح لوهلةٍ ثم قال بخفوت: ربما هو أحد رفاقه الذي تكلم عنهم من قبل، هُنا سأل جومالي وعينيه على الطريق: هل اخبرك بأن لديه رفاق؟، أومى صالح ثم أجاب: اجل يقول عنهم أصحاب القوارب وماشابه، ولاحقًا.. توقفا عند الميناء وترجلا فورًا مع قول جومالي: أنت اذهب واسأل هناك وأنا سأذهب إلى الجهة الأخرى لنوفر الوقت، ذهب صالح بخطواتٍ سريعة نحو مرسى القوارب الذي قصدوه مؤخرًا حين اتضح ان كارتال حي وانه هو من أنقذ أخيهم آنذاك، وبعد ان سأل عن اسم صاحب القوارب دلّوه بعض الرجال نحو أحد اليخوت المتوقفة، فـ اتجه نحوه وهو يتصل بجومالي ليخبره ولكن قاطعهُ صوتًا جعلهُ يرفع رأسه ببطء: هل اشتقت إليّ بهذه السرعة؟، أرخى صالح ذراعه عن الهاتف وأعادهُ إلى جيبه دون ان يتصل وهو ينظر إلى كارتال الذي خطى حتى خرج من اليخت وقفز بخفه إلى أرصفة الميناء واضعًا يديّه في جيوبه، ليقل: كيف عرفت انني هنا؟، تنهد صالح بشكلٍ غير ملحوظ وهو يقول: حقًا لم أتوقع ان أجدك بهذه السرعة، ابتسم الآخر ليقل: تجدني تجدني.. لأنني أسمح لك بذلك ولكن غيرك لا يستطيعون إيجادي، صمت صالح لبرهةٍ ثم سأل وهو يضيق عينيه وقد شكّ ان كارتال يقصد الروس: من تقصد بغيري؟، فأجاب الآخر ببرود: ذلك الكبير مثلاً، هُنا فهم صالح ان الذي أمامه لا يعلم بشأن الروسي.. أو هكذا ظنّ، وقبل أن يتكلم أو يردّ أردف كارتال وهو يقف أمامه: هل تعاني من أي مرض نفسي؟، عقد الآخر حاجبيه بشيءٍ من الغضب ليتبع كارتال: تقول لا تخرج أمامي يا كارتال واذهب وعِش حياتك بعيدًا، لكن بعد وقتٍ قصير جدًا تبحث عني! حقًا أنت متقلب المزاج، سحب صالح ذراع الآخر ببطء ليخطو بعيدًا قاصدًا السيارة وهو يقول بخفوت: تعال معي قليلاً، رمق كارتال ذراع صالح وطرف وجهه الظاهر ثم سحب ذراعه بخفه ليتوقف وهو يقول بغرابه وشكّ: ماذا هناك؟ اعلم ان هناك شيء وإلا لما اتيت لتبحث عني، اغمض الآخر عينيه ثم التفت وهو يردّ: هناك موضوع مهم وأريد ان أتحدث معك، ليقل كارتال وهو يتراجع خطوة إلى الخلف: إذن دعنا نذهب إلى قاربي انه ليس بعيد، نفى صالح برأسه وهو يقول فورًا: سنذهب بسيارتي هيّا الأمر مهم وإلا لما تحدثتك معك أصلاً كما تقول، ورغم استغراب الآخر وشعوره بأن هنالك شيئًا يحصل إلا انه وثق ولحق بصالح وهو يعدل وشاحه مغطيًا وجهه اكثر.. بينما أتصل الأخير بجومالي واخبره بأن يعود إلى الحفرة بجانب ياماش فقد وجد كارتال وسيتعامل معه، ولاحقًا.. كان يقود بذراعٍ واحدة وهي السليمة بالطبع بينما كارتال يراقبه ليسأله دون تردد: كيف سارت عملية ذراعك؟، فأجاب الآخر بخفوت وهو شاردٌ في الطريق: بشكلٍ جيد، ثم لحظاتٍ حتى هتف كارتال مجددًا وهو يربت على مقدمة السيارة بخفه: انك تهتم بهديتي جيدًا، ليردّ صالح بقلة صبر: هل تصمت ارجوك؟ رأسي يؤلمني، رمقه الآخر ليقل هذه المرة بحدّةٍ خفيفه: إذن حبًا فالله هل تخبرني ماذا تفعل؟ وإلى اين نحن ذاهبون؟، لم يُجب صالح بل تنهد بخفه وواصل القيادة بصمت لينظر الآخر بذات الغرابة التي ترافقه منذ ان صعد إلى السيارة.. حدسه يخبره ان هناك شيئًا خاطئًا ولكن عقله يقول ان صالح لا يمكن ان يكون جزءًا فيه، لذا ارتخى على مقعده بانزعاج وراح ينظر إلى الطريق بحذر..
––––––––––––––––––––
الحفرة.. منزل عليشو
أعاد ياماش هاتفه إلى الطاولة بعد ان أصمتهُ حتى لا يسمع اتصالات زوجته التي تريد معرفة سبب عدم عودته إلى المنزل كما قال لها قبل أن يخرج ليُنهي إجراءات خروج ابن أبيه من المستشفى.. هتف بعد لحظةٍ بهدوء: لن نخبر أحدًا بشيء.. سنحل الأمر دون الحاجة لأن يعرف أحد من العائلة، ليقل جومالي الذي وصل لتوه من الميناء وهو يجلس بقُرب أخيه: صالح وجده.. والباقي سيهون بيبي، لم يردّ ياماش بل شرد في النهر أمامه، ثوانٍ وتقدم عليشو الذي بالتأكيد لا يعرف شيئًا وهو يحمل أكواب الشاي قائلاً: حضرتهُ من اجلكم لطفًا، مسح جومالي وجهه وهو يردّ بهمس: وهل نحن في حالٍ لشرب الشاي يا عليشو حبًا فالله، بينما في الجهة الأخرى حيث منزل العائلة، سألت ليلى إدريس الذي كان يلعب أرضًا مع الصغار: هل أخبرك والدك إلى اين سيذهب؟، نفى الصغير وهو يقول: لا.. قال لدي عمل، لتهمس ليلى: أي عمل وهو للتو خرج من المستشفى وعلى مسؤوليته أيضًا!، لتقل إيفسون بانزعاج وهي تجلس بالقُرب منها بعد ان رمت هاتفها على الأريكة: وياماش لا يُجيب على اتصالاتي واكتفى برسالة كتب فيها باختصار "لدينا عمل"، هُنا اخرجت ليلى هاتفها واتصلت بصالح فورًا، لتقل وهي تضع هاتفها على أذنها: بدأت اقلق حقًا، وحيثُ صالح.. توقفت السيارة في مكانٍ واسع وخالٍ جدًا ولم يكاد يطفئ المحرك حتى رنّ هاتفه، لمح كارتال اسم المتصل على شاشة السيارة "ليلى" وحينها التفت إلى صالح بصمت، بينما قال الأخير وهو يمدّ ذراعه ليُجيب على الاتصال: اصمت ولا تتفوه بكلمة، ليأتيه صوتها وهي تقول: حقًا يا صالح؟ اخبرني هل تستصعب الراحة؟، ابتسم كارتال لحظة سماعه لصوت شقيقته وكم اشتاق لسماعه.. ثم وضع كفّه على فمه بهدوء وهو ينظر إلى شاشة السيارة وكأنه يراها أمامه، بينما قال صالح يُجيبها بهدوء لكي لا تشعر بشيء: ربما.. أسمعي لدي عمل صغير يجب ان أحله وسأتصل عليكِ لاحقًا أعدكِ..، وانهى الاتصال دون أي كلمةٍ أخرى، وضعت ليلى هاتفها وهي تقول بتأفف: عمل صغير!، ثم التفتت نحو إدريس الذي تقدم نحوها وهو يسأل ببراءة: ليلى ابلا.. هل يوجد أشخاص يملكون فقط أربعة أصابع؟، ابتسمت الأخرى باستغراب بينما هتفت إيفسون مبتسمة: يا لغرابة السؤال..، لُتجيب ليلى: لا.. نحن نملك خمسة أصابع في كفوفنا انظر، ثم رفعت كفّه الصغير وقاموا بعدّ أصابعه سويًا، وحين انتهوا قال إدريس: ولكن صديق أبي الذي قابلته في المستشفى قبل ان نعود إلى المنزل يملك أربعة أصابع فقط، وأشار إلى إصبعه الخنصر وهو يردف: هذا لم يكن موجودًا لديه، عقدت ليلى حاجبيها ولا تعلم لماذا ارتجف قلبها قليلاً.. وفي المقابل اتسعت عينا إيفسون وقد علِمت ما يقصده الصغير، لتقل فورًا: إدريس.. اذهب وألعب مع ياماش جونيور انه في الأعلى يبحث عنك هيّا اركض..، ذهب الصغير بينما نظرت ليلى إلى الأخرى التي أردفت بهدوء تحاول صرف الموضوع: بما ان الرجال لديهم عمل وسيتأخرون دعينا نحتسي قليلاً من القهوة، استقامت بعدها ولحقت بها ليلى بصمت، وعودة إلى الإثنان.. عمّ الصمت أرجاء السيارة للحظةٍ بدت طويلة.. ليتفاجأ بعدها كارتال بصوت زناد سلاح، تجمد مكانه لوهلةٍ ثم التفت نحو صالح الذي فتح باب المقعد خاصته ثم وجّه بعدها السلاح ناحيته قائلاً: أرمي سلاحك هنا داخل السيارة وأنزل، تصلّب الآخر في مكانه لثوانٍ.. ليس من الخوف بل من الصدمة، نظر إلى فوهة السلاح الموجّهة إليه ثم إلى وجه صالح، ولم يجد تفسيرًا في ملامح الآخر لما يحصل فقط نظراتٍ حاده وبارده، ليقل بعد ان ابتسم بسخريه: ماذا تفعل؟، لم يُجب صالح بل ترجل من السيارة مع بقاء سلاحه مرفوعًا تجاه الآخر بثباتٍ لا يرتجف، ليُعيد القول هذه المرة بنبرةٍ أحدّ من سابقتها: أخرج سلاحك من خصرك وأرميه الآن، تنهد كارتال بعمق ثم أخرج مسدسه ببرودٍ وبطء، ليرميه على مقعد السائق حيث كان يجلس صالح، ثم مدّ كفّه نحو مقبض الباب وهو يهتف: لا تقلق لن أرفعه في وجهك كما تفعل أنت الآن، ثم نزل بخطواتٍ بطيئةٍ وبصره معلقًا بصالح.. الذي أشار بسلاحه سريعًا نحو مستودع بالقُرب منهم بجدرانٍ مهترئه ومتهدّمه بعض الشيء، لم يتحرك كارتال بل مسح وجهه بخفه وهو يقول بنفاذ صبر: هل هذه مزحة أم ماذا؟، ليقل صالح وهو يشدّ على الزناد: هل أبدو لك وكأنني امزح؟، رفع كارتال حاجبيه لثوانٍ مندهشًا ثم وضع يديّه خلف ظهره واتجه نحو المستودع وهو يبتسم بسخريه قائلاً: هل قررت إعدامي في هذا المكان؟، ليأتيه صوت الآخر من خلفه وهو يهمس: ليس أنا من سيُعدمك، وحين دلف الإثنان إلى الداخل، أرخى صالح سلاحه وأخرج هاتفه من جيب سترته، ولم تمرّ ثانية حتى أتصل بالروسي دون ذرة تردد، والآخر لا يفهم شيئًا، ولكنه فهم واستوعب.. فهم حين سمع صالح يقول بالروسية التي يفهمها وجيدًا: انه بحوزتي.. وأنا من سيُرسل إليك الموقع لنتبادل، وحينها.. ضحك بدهشةٍ وهو ينحني قائلاً: كنت أعلم..، أغلق صالح الهاتف وفي لحظةٍ سريعة رفع كارتال رأسه وهو يقول بغضب: عديمي الشرف..، ولم يكاد يتقدم خطوة حتى باغتتهُ ضربة في مؤخرة رأسه، ضربة جعلته يترنح حتى سقط أرضًا فاقدًا لوعيه تحت أنظار صالح الصامته، ظهر وليّ من جهة كارتال وهو يُعيد سلاحه إلى خصره ليقل: لابد أنه كان يعلم بأمرهم، صمت صالح ولم يقل شيئًا وراح وليّ يسحب كارتال نحو أحد الزوايا ليُقيده..
––––––––––––––––––––
مركز الشرطة..
ترجل من سيارته بخطواتٍ ثقيلة لكنها ثابته، اتجه نحو المركز حتى دخل إلى الصالة الكبرى حيث مكاتب الموظفين، كان المكان يعجّ بالحركة والاستنفار ولكنه هادئًا وباردًا وصامتًا في ذات الوقت.. توقفوا جميعهم ينظرون إليه وملامحهم تشرح مدى حزنهم على رفيقهم الضابط الذي رحل بالأمس.. تقدم داهان ببطء وبنظراتٍ حاده حتى توقف في وسط الصالة وراح يرمقهم فردًا فردًا.. ليقل بنبرةٍ هادئة ولكنها حاده كالسكين: هناك دليل ذهب إلى المختبر منذ ساعات.. ولأقول لكم جميعكم دون استثناء، ان ظهرت أي خيانة.. وان تلاعب أحدكم في الأدلة قبل ان تصل إلى يديّ..، وأكمل صارخًا وهو يُشير بيده: فلا فرق بينكم وبين عدوي الذي في الخارج فليشهد الله عليّ أنني سأعتبركم أعدائي، ظهر المدير في هذه اللحظة من مكتبه بهدوء على أثر الصوت، لكنه توقف ينظر فقط دون ان يتدخل أو يتكلم.. ليكمل داهان حين لمح مديره: أيها المدير.. هذه القضية لي، وأنا عزرائيله.. أنا عزرائيل من أخذ احبائي مني، ثم تقدم نحو أحد المكاتب وهو يأمر بعض العناصر: أريد كل شيء الآن.. سجل اتصالات معاوني وأماكن تواجده في الأيام الأخيرة، وأريد تمشيط الغابة بأكملها واستجواب كل من كان في محيطها، ثم التفت نحو أحدهم ليكمل: واحضروا آصلي إردام لنأخذ أفادتها فـ هي آخر من رآه، تجمدوا العناصر في أماكنهم وهم ينظرون باستغراب.. فلم يتوقعوا انه هو من سيستلم القضية فـ في القانون يستحيل ذلك.. ليهتف المدير بصوتٍ عالي مخاطبًا الجميع: سمعتم النقيب هيّا كلاً إلى عمله، تحركوا بسرعة امتثالاً لأوامر داهان ومديرهم بالأكثر بينما اقترب الأخير من داهان ليقل بخفوت: أنت تعلم البروتوكول يا داهان.. الضحية صديقك المقرب والقانون يمنعك من تولي القضية لضمان النزاهة، ولكنني سأعطيك مهلة سأعطيك فقط ثمانية وأربعون ساعة لعلّك تجد دليلاً يخمد غضبك ثم سأسحب الملف..، أومى داهان بصمتٍ يشوبهُ الغضب، لاحقًا.. دلف إلى غرفة التحقيق حيثُ آصلي، التي تضع قدمًا على الأخرى وهي تجوب ببصرها الغرفة بأكملها.. وما ان لمحته حتى ثبّتت بصرها عليه واستبدلت ملامحها بأخرى هادئة وحزينة نوعًا ما بشكلٍ مصطنع، أشار داهان إلى العنصر الذي يرافقها بالخروج، ثم تقدم وجلس، عمّ الصمت للحظةٍ وهو يتمعن بها وبملامحها حتى قال دون أية مقدمات: أخبريني بما حصل من لحظة قدوم معاوني إلى الشركة حتى خروجه منها، عقدت الأخرى حاجبيها لتقل: هل تلومني على اختفاء معاونك!، ليردّ الآخر بحدّه وهو يمسح وجهه: لقد مات.. لقد قُتل بالأمس ووجدناهُ وسط الغابة ميتًا، صمتت الأخرى وكأن ما قيل فاجأها، وكأنها لم تكن هي من أطبقت على عنقه، لتقل بعد لحظة: بسلامة رأسـ، ليقاطعها الآخر بنبرةٍ أخفّ: آصلي.. اخبريني بكل شيء، هُنا قالت الأخرى وهي تقترب حتى استندت على الطاولة: نحن نعمل مع بعضنا أيها الضابط هل أنت مدرك لهذا؟، ضيق داهان عينيه ليقل: هل اتهمتك بقتله يا آصلي؟ نحن لم نجد أي دليل وأنا فقط أريد أخذ إفادتكِ، سألتكِ سؤالاً بسيطًا أخبريني ماذا جرى بينكما في الشركة؟، ظلّت الأخرى ثابتة في مكانها دون ان تبدي أي ردة فعل رغم ان داخلها قد بدأ يحذر وجدًا، فأجابت بهدوءٍ وبرود: لم يحدث الكثير، جاء إلى مكتبي وطلب أوراق مواعيد الشحنات القادمة وأعطيتها له، أومى داهان بخفه وهو يهمس بوجع: اجل وجدناها في سيارته في أحد الطُرق المؤدية إلى الغابة..، لتكمل الأخرى: اخذها ورنّ هاتفه وحين أجاب عليه وهو يقول "أمي" خرج بعدها مسرعًا وذهب، وليس لدي شيئًا اقوله غير هذا، عمّ الصمت لوهلةٍ حتى رفع داهان ذراعه نحو الحائط الزجاجي وأشار لهم فأغلقوا العناصر التسجيل بإنتهاء الإفادة، لكنه لم ينتهي.. بل انحنى إلى الأمام وهو يمعن النظر في ملامحها، ليقل بخفوت: قال لي قبل أن يدخل إلى الشركة ليقابلك هذا المرأة لا تطمئنني، عقدت آصلي حاجبيها لوهلةٍ ولكنها سرعان ما ضحكت بخفه وهي تردّ بكذبةٍ لفقتها بسرعة: صدّق كلامي إذن! مزحت معه قائلة "ربما سأعاقبكم بسبب بحثكم في ماضيي" في ذلك اليوم حين تقابلنا في المطعم بعد براءتك ومن الواضح انه صدق دعابتي، اغمض داهان عينيه بقوة وتشتت ثم أرخى رأسه قليلاً لتهتف آصلي بنبرةٍ تتصنع فيها الحنية: أنا حقًا آسفة بشأن معاونك يا داهان.. ربما كشف الكبير الأوراق التي أخذها هو ولذلك فعل ما فعله، رغم أنني حريصة على ان لا يُكشف الأمر، لكن ربما يراقبكم أو ربما أحد من يتعرّض لكم يكنّ له حقدًا.. من يعلم؟، مسّد الآخر رأسه بسرعة ثم استقام وهو يقول: ظلّي تحت عيني ولا تغادري شقتكِ.. وكوني حذرة، ثم اتجه إلى الخارج وهو يتبع: سنراقبكِ للحماية فإذا كشف ذلك ال*** الأوراق ربما يكشفكِ وينوي لكِ سوءًا، ثم قابل أحد العناصر في الخارج ليأمره بنبرةٍ حادةٍ موجوعه: راقبوها ولا تدعوها تغيب عن أعينكم أبدًا حتى تصل نتيجة الدليل الذي في المختبر..
––––––––––––––––––––
بالقُرب من المستودع..
قبّل صالح رأس ياماش من نافذة السيارة وهو يقول: لن يحصل شيء.. والله لن اسمح لهم بفعل شيء فقط انتظر قليلاً، أومى ياماش وهو يمسح وجهه وجبينه المتعرق: أنا بخير يا ابن أبي.. تبقت ساعتان لا تقلق، فقط كن حذرًا وافعل كما اتفقنا، أومى الآخر ثم أشار إلى جومالي الذي ترجل من السيارة حتى توقف بالقُرب من صالح الذي قال بخفوت: لا تدعهُ ينام أبدًا ارجوك يا أخي، أومى جومالي بخفه ثم قال وهو يربت على وجنة الأسمر: أنت فقط افعل ما ستفعله وليكن نهاية الأمر خير إن شاءالله، تراجع صالح بينما عاد الأكبر إلى السيارة وشغل المحرك ليبتعدوا عن المستودع، اصطفت السيارة خلف أحد التلال بشكلٍ غير مرئي، أطفى جومالي المحرك ثم عدّل قبعته والتفت ينظر إلى ياماش الذي أسند رأسه إلى ذراعه التي يسندها على النافذة ليقل بعد لحظة: إياك أن تخبئ عني شيء يؤلمك أو تشعر به بيبي صدقني سأكسر راسك، هزّ ياماش رأسه وهو يردّ: أشعر بالبرد فقط، وبعد ان تفحص جومالي الآخر بنظراته قال مجددًا: برودك هذا لا يريحني، التفت الآخر بهدوء نحو اخيه ليقل ساخرًا: هل أولول وانهار أم ماذا؟، فعل جومالي حركة فمه المعتادة بغضب بينما أردف الأشقر بهدوء: هل تصدق يا أخي أنني رأيت هذا الشيء في مسلسلٍ ما، رمقه جومالي بصمت ليكمل: مقايضة الحياة بتهديدٍ لا هروب منه مقابل شيءٍ ما.. حقًا فكرة رائعة لكنها سيئة في الوقت نفسه، مدّ جومالي ذراعه ليلمس جبين أخيه وهو يقول بخفوت: هل بدأت تهذي؟، ابتسم ياماش وهو يردّ: لا.. ربما ستقول الآن انني مجنون يا أخي ولكنني أحمد الله ان الأمر تقصدني أنا وليس العائلة كما اعتدنا، وأساسًا أنا السبب، انظر كيف تدور الحياة.. بسبب بلاغ بسيط للشرطة حُقنت بسمّ من رجال روس لم نكن نتوقع أمرهم، ليردّ جومالي بنفاذ صبر: اخرس.. أنت في تلك الفترة كنت مجنونًا لا فرق عنك الآن، تبطش من رأسك وتفعل ما يحلو لك دون رأي أحد، وابن أبيك ذاك يشبهك الآن.. لا أعرف إن كان سينجح فيما ينوي فعله ولكنني أتمنى ان لا تخرج مصيبة فقط، ابتسم الأشقر مجددًا ثم قال وهو يغمض عينيه: صالح يعرف ما يفعله ويخطط له وصدقني هذا افضل ما يمكن فعلهُ يا أخي، وبعدها التفت ياماش نحو تولغا الذي اتكئ على السيارة من جهته وهو يقول: الجميع تأهب وها نحن ننتظر، حينها أخرج الاخوة أسلحتهم وراحوا يتأملون الطريق أمامهم في انتظار الروسي الذي سيأتي.. بينما في الجهة الأخرى وحيث المستودع، جلس صالح أرضًا بإرهاق.. جلس على بعد أمتارٍ قليلة من كارتال المقيد والفاقد لوعيه، أسند ظهره إلى الجدار البارد وهو يزفر بقوة وكأنه يحاول إخراج شيئًا عالقًا في صدره منذ ساعات، تلمس ذراعه المضمّدة وهو يهمس: لا يتركون الأنسان يرتاح..، ثم رفع بصره نحو كارتال المستلقي، راقبه بصمتٍ طويل حتى همس مردفًا: ولا يمنحونه خيارًا آخر، مرّت الدقائق ثقيلة.. وكل ثانية كانت تُحسب على صالح من خوفه وقلقه كما تُحسب على ياماش الذي ينتظر في السيارة برفقة أخيه، دلف اكين برفقة وليّ وهو يضع ذراعيه خلف ظهره ليقل: الجميع يفعل كما قلتم ياعمي، ليقل صالح وهو يمسح وجهه: ألم أمنعكم من دخول هذا المستودع؟ ألا تدركون ما أقوله!، ليقل وليّ هذه المرة: لا تقلق نعلم اين نضع اقدامنا كما أخبرتنا حين قدومنا، فنحن علّمنا الطريق، تنهد الآخر بقلة حيله وقد شدّ اكين على كتف عمه وهو يقول بخفوت وبصره على كارتال: لا اعرف سبب ما تفعله ياعمي ولكن ليكن.. المهم عمي ياماش، لم يتفوه صالح بكلمة وهو ينظر إلى الفراغ.. مرّت لحظة قصيرة حتى هتف وليّ محاولاً تخفيف حدة الموقف: الكوشوفالي.. ما ان يخرجون من مصيبة حتى تأتيهم مصيبة أخرى! ما هذا يا رجل؟ أعداؤكم كثيرون ومن بلاد مختلفة أيضًا، ابتسم صالح ثم قال وقد رفع بصره: عائلة المصائب، ابتسم اكين بالمثل ولم يكاد وليّ يضحك بخفه حتى غطى صالح عينيه بكفّه وقد صمت، ليقل بعد لحظة: يعرفون ان أقوى شعور قد يُقيد الإنسان بلا حولٍ ولا قوة هو شعور الخوف على أحبائه.. اللعنة عليهم جميعًا، غطى اكين عينيه هو الآخر وقد زفر بخفه بينما تقدم وليّ ببطء وهو يردّ: أنت محق.. ولكن لاتقلق الأمر سيُحل وأخيك لن يتأذى إن شاء الله، ظلّ صالح على وضعيته حتى لمحوا تحرك كارتال الخفيف والذي بدأ يستيقظ، ليقل صالح وهو يراقب استيقاظ كارتال: اكين كُن حذرًا وعُد إلى الخارج، أبقى بالقُرب من سيارتك لتخبرني عند قدوم ذلك ال***، امتثل الآخر وذهب وهو يرمق كارتال بحدّه، فـ تراجع وليّ هو الآخر خارجًا خلف اكين، وما ان خرجا حتى عاد كارتال لوعيه ولكنه لم يتحرك.. بل شدّ ذراعيه قليلاً بحركةٍ لا إرادية حين شعر بالقيود ثم ثبت مكانه.. حتى خرج صوته مبحوحًا وهو يقول: يا لها من ضربة! رأسي ثقيل جدًا، ظلّ صالح صامتًا يسند ذراعه السليمة على قدمه، ليردف كارتال وهو يعتدل بصعوبة من ثُقل وألم رأسه: والله حسبتها مزحة لكنها لا تبدو كذلك، وللمرة الثانية لم يُجب صالح ليثبّت كارتال بصره على الآخر ثم تغيرت ملامحه لأخرى حاده، ملامح أخرى غير مماثلة للبرود الذي يُعرف به، ليقل بخفوتٍ حاد: ماذا أرادوا منك؟، ليردّ صالح فورًا بذات الخفوت: أنت يا كارتال..، فقال الأخير وقد عقد حاجبيه غضبًا: لا تسخر مني، هل تسلمني لهم بهذه السهولة دون سبب؟، هُنا عمّ الصمت للحظةٍ بعد سؤال كارتال هذا حتى أجاب صالح بشيءٍ من السخريه: سهولة! ولماذا استصعب ذلك؟، ضحك الآخر لوهلةٍ ثم تأوه بخفةٍ من ألم رأسه ليقل: أنا أعرفك وجيدًا.. أنت شخص لا ينسى المعروف أبدًا يا صالح، لم تنساه حين لم أخبرك بأمر الكبير إلا متأخرًا، ولم تنساه حين خنتك وأصبحتُ ذراع الكبير بعد أن اتفقنا على الوصول إليه سويًا، لم تنساه حين أطلقت النار على ذراعي عند ذلك المستودع وليس رأسي أليس كذلك؟، كانت ملامح صالح جامدةً لا تشي بشيء، ليكمل كارتال: اختصر وأخبرني ماذا أرادوا منك لنجد حلاً غير الذي تفكر به، تمعن صالح قليلاً ليُجيب بخفوت: لا يوجد حل آخر، عقد الآخر حاجبيه باستهزاء وهو يردّ: لا يوجد حل؟ أنت آخر شخص يقول هذا لأن فارتولو سعدالدين يجد طريقة دائمًا، هُنا قال صالح فورًا بحدّه: اجل اجل.. وجدتها وسأفعلها لأنه خلال ساعتان فقط سيبدأ ال*** الذي حقنوه في دماء أخي بأذيته، تجمد كارتال واختفت السخرية وحدّة الغضب من على ملامحه، وحلّ مكانهما صمتٌ ثقيل حتى قال بخفوت وهو يشدّ على قبضتيه وعينيه على الأسمر: إذن هذه هي.. أنها صفقة..، صمت الآخر مجددًا ثم أردف كارتال وهو يعتدل اكثر: اسمعني.. نستطيع حلّها فـ ساعتان وقت كافٍ لنهاجمه في طريقه إلى هنا، سنأخذ الترياق ونقتله وينتهي كل هذا لا داعي لتسليمي، مال صالح برأسه قليلاً وعيناه تحملان برودٍ مخيف ليقل بنبرةٍ باردة: هل تظن حقًا أنني سأخاطر بحياة ياماش لأجل خطة مضحكة قد تفشل؟ الروس لا يلعبون وأنت تعلم، فيكتور ابن عم جوزيف الذي أجبرتني على شراكته قديمًا يريد رأسك وأنا سأعطيه إياه بلا تردد مقابل ان لا يتأذى أخي، ثم أكمل بسخريه خفيفه: صدقني تعاملتُ معهم من قبل وسلمتُ لهم شخصًا لم يفعلوا به شيئًا.. فقط قتلوه بسرعة وقطعوه إربًا وانتهى الأمر، أليس هذا ما تريده؟ أنت تريد الموت وستحصل عليه، حاول كارتال الإقتراب لكن قيوده منعته فقال بحدةٍ ممزوجة بشيءٍ عميق: ومن قال انني أريد الموت؟ نجاتي من الموت في كل مرة لا تعني انني متعطشٌ إليه، صمت صالح وأشاح ببصره، ليردف كارتال: لا تفعل يا صالح.. انظر أعلم انك تكرهني ولا تريد رؤيتي وأعلم أيضًا انك تفكر بأخيك وتخاف عليه، لكن صدقني ساعتان ستكفينا لنفعل شيئًا ونخرج جميعنا بسلام، ومهما كان ما فعلته فأنا لا أستحق ان تسلمني لأولئك ال*** هكذا!، خرجت من صالح ضحكة سخرية وهو يردّ: أنت محق.. كان بإمكاني تقطيعك أنا شخصيًا ولكن للمرة الثانية لم يحالفني الحظ، زفر الآخر بقوة وهو يقول: اللعنة يا صالح، ثم أردف بعد لحظة بنبرةٍ مختلفه.. نبرةً قلقه وحانيه وربما مكسورة بعض الشيء: ارجوك! لا تفعل هذا يا صالح..، رمقه الأخير بسرعة وهو يشيح ببصره ثم استقام ببطء هامسًا وهو يتوجّه نحو بوابة المستودع: الوقت ليس في صالحي هذه المرة، لتوقفه صوت بصقة قوية من كارتال.. لم يلتفت فورًا.. بل ظلّ واقفًا وظهره للآخر بجمود، ليهتف كارتال بغضب: الوقت دائمًا ليس في صالحك ومع ذلك كنت تجد طريقة في كل مرة! لماذا الآن فقط قررت أن تكون جلادًا؟، هُنا التفت الآخر بغضب وهو يُجيب بنبرةٍ عاليه: هذا الجلاد يريد إنقاذ أخيه!، فصرخ كارتال بالمثل: قلتُ لك نستطيع إيجاد حل ينقذ أخيك وينقذني أيضًا، ثم تنهد بقوة وأردف هذه المرة بهدوء: هل تظنهم سيفُون بوعدهم؟ هؤلاء لا يعرفون الوعد ياهذا، ليقل صالح بذات الخفوت: أعلم.. ولكنهم يحترمون الصفقة حين تكون واضحة، وأدار ظهره فورًا في اللحظة التي فتح فيها اكين وجيلاسون البوابة على مصراعيها، ليهتف اكين وأنظاره على كارتال بحقد: هناك ثلاث سيارات قادمة ياعمي، نظر صالح إلى الأفق ليلمح سيارات الروس تتقدم نحوهم من بعيد، وكذلك كارتال الذي قال بنبرةٍ أخيرة ولكن الحدّة تتخللها: لا تفعل يا صالح..، تجاهله الأخير وخرج هو ومن معه خلف بعضهم يتبعون مسار حجارة وُضعت على التراب أسفل أقدامهم، تمعن كارتال فيها وقد ساوره الشكّ، المكان ترابي وواسع.. حجارة على بُعد ستة أمتار من بوابة المستودع مرصوصة بنمطٍ ومسارٍ معين، تقودهم إلى نقطة بعيدة ثم تنتهي بشكلٍ مفاجئ، لا تُلاحظ.. ولكنه لاحظها، بينما على بعد أمتارٍ أمامه توقفت سيارة الروسي وترجل منها هو ورجاله، كان أحدهم يحمل حقيبة صغيرة سوداء لابد أنها تحتوي على الترياق بالتأكيد، وما إن لمح الروسي من بوابة المستودع كارتال مقيدًا حتى ابتسم ابتسامة عريضة وقد بانت أسنانه، ليهتف بالروسية وهو يتقدم ناحية صالح ووليّ واكين: يا للروعة يا فارتولو.. أنت شخص مُثابر وشجاع ولديك نفوذ رائع وقوي، وأيضًا تُتقن الحديث باللغة الروسية، فماذا أريد أكثر من ذلك كشريك لي؟، اغمض صالح عينيه لوهلةٍ وهو يهمس: لماذا الجميع مولعون بشراكتي!، ثم قال بحدّه وهو يمدّ ذراعه: الترياق.. والآن، توقف الآخر على بعد خطوتين ثم أشار إلى رجله الذي يحمل الحقيبة بأن يقترب، فامتثل وهو يفتح الحقيبة لتظهر لهم حُقنة مملوءه بسائلٍ عديم اللون، أخرج الروسي هذه الحُقنة وقبل أن يناولها إلى صالح.. أقترب خطوة مع تأهب الجميع بحذر.. ليسأل: اين أخيك ياماش؟، ليردّ صالح: وما شأنك به؟ هل تفكر بإعطاءه الترياق شخصيًا مثلاً؟، صمت الآخر دون إجابة واكتفى بنظرة تفهم، ثم قال وقد ابتسم بخفه: يسعدني أن تكون هذه بداية شراكة لنا رغم ما حصل.. فأنت تعلم ضرورات العمل، لم يبدي صالح ردة فعل بل بقي صامتًا وجامدًا ليردّ بعد لحظة: وفّر كلماتك الرقيقة هذه يا عزيزي فيكتور لرفاقك في موسكو.. أعطني الترياق الآن وخُذ ما جئتَ من أجله، ضحك الروسي بخفة ثم مدّ يده ليُناول صالح الحُقنة فالتقطها الأخير بسرعةٍ خاطفة وتفحصها سريعًا قبل ان يتراجع وهو يُشير إلى كارتال بهدوءٍ ساخر: انه لك..، ضرب كارتال رأسه في الجدار خلفه حين رأى وفهم ان الصفقة تمت، تراجع صالح ومن معه اكثر واقتربت سيارة جومالي التي تحمل ياماش وتولغا بهدوءٍ من بعيد، تقدم الروسي بإتجاه المستودع خطوة.. خطوتان.. خمسة خطوات.. عشرة.. وابتسم بخُبث حين رأى كارتال قد ابتسم هو الآخر بسخرية يُغلفها بروده المعتاد، وفي لحظةٍ مفاجئة.. دوى صوت انفجارٍ قوي تناثرت الأتربة على أثره حولهم فورًا.. وتلاهُ في خلال جزء من الثانية انفجاران بلا ثلاثة آخرين.. أربعة وخمسة.. حتى توقفت سيارة جومالي بعنف وأخرج ياماش جسده من النافذة لتنهال رصاصاتهم على الروس المتبقين، وبعد لحظاتٍ من الاستيعاب.. ترجل ياماش برفقة تولغا وهم ينظرون بسخريه إلا جومالي واكين اللذان اكتفا بتنهيدة قوية لوصول الترياق إليهم، تقدم صالح فورًا بسرعة وهو يُشير إلى ياماش الذي تقدم بالمثل مبتسمًا ليعانقه حتى قبل أن يتلقى هذا العلاج للسمّ الذي يجري في عروقه، ليقل جومالي وهو يراقب الحُقنة التي في كفّ أخيه: هل أنتم متأكدون؟، ليقل ياماش وهو يفصل العناق: أحقنها يا صالح ولنُنهي كل هذا، بينما كارتال.. الذي أرخى رأسه وأبعده بقوة من الانفجار وليس فقط رأسه بل جسده بأكمله، مرّت لحظة ثم رفع رأسه ينظر حوله يحاول استيعاب ماحصل.. وأما فيكتور الروسي فقد تحول إلى أشلاءٍ عديدة لا تحصى بسبب لغمٍ قد داس عليه دون انتباه، ألغام زرعها صالح ببراعة أمام بوابة المستودع على بُعد أمتار.. تنفس كارتال بعمق وهو يدور بعينيه حتى لمح ظلاً يقترب منه ولا يتضح بسبب الأتربة ودخان الانفجار وحين أقترب اكثر.. ظهر صالح الذي مال برأسه وهو ينظر متفحصًا الآخر بطريقةٍ عفويه ليقل: ماذا حصل يا ابن المدير؟ غريب انك لم تعُد تستطيع التقاط رائحة الألغام مثلي، ودون إرادة وكبرياءٍ وبرود.. أرخى كارتال رأسه وهو يضحك بقوة قائلاً: اللعنة عليك يا صالح.. أيها الداهيه!، فهو قد استوعب ان الأخير أساسًا قد وجد طريقة تخرجهم جميعًا سالمين من كل هذا.. وفي الجهة الأخرى وبعيدًا جدًا حيثُ مركز الشرطة، دلف أحد العناصر مرتديًا زيًا غير رسمي وهو يحمل في يده ظرفًا مغلقًا بإحكام، استقام داهان فورًا رغم تعبه بينما قال العنصر: الدليل وصل يا سيدي.. والآخر المزيف قد دُمر، أنت محق هناك خائنون في سلك الشرطة، خائنون يدمرون ويخفون ويغيرون الأدلة حسب مزاجهم، التقط داهان الظرف دون أي إجابة.. يريد فقط معرفة هوية صاحب الشعرة تلك.. صاحب الشعرة الذي قد يكون أو بالتأكيد هو قاتل معاونه.. خرج العنصر بينما عاد داهان إلى كرسيه بصمتٍ ثقيل.. يداه المرتجفتان من التعب لم تمنعاه من تمزيق الظرف بشراسة، سحب الورقة التي تحتوي على تقرير المختبر الجنائي السري، تلك الورقة التي تم تهريبها بعيدًا عن أعين الخائنين في السلك فقط لكي تصل إلى يديّه، ثبتت عيناه على الأسم المكتوب في نهاية التقرير.. الأسم المرتبط بتلك الشعرة التي وُجدت بين أصابع الضحية، اتسعت عيناه وشعر ببرودةٍ تسري في جسده بشكلٍ مؤلم لدرجة أنها جعلته يتراجع في كرسيه وهو يهمس بصوتٍ متقطع: آصلي!، وعودة إلى الأخوة حيثُ المستودع.. تقدم تولغا وهو ينوي قطع قيود كارتال الذي همس بابتسامة وهو يغمز بعينه: أهلاً بعودة ذيل صالح، رمقه تولغا بحدةٍ تكاد تقطعه بينما هتف صالح: ظمنت حياتك وبدأت بالسخرية! ألست أنت من ترجاني بخوف قبل قليل؟، قلّب كارتال عينيه بانزعاج وهو يرّد: سيظلّ يذكرها حتى أموت حقًا، ليتك لم تنقذي إذن، وقبل أن يتفوّه صالح بكلمة.. ارتجف قلبه والتفت راكضًا بخوف إلى الخارج حين سمع صراخ جومالي وهو يقول: ياماش!، وحين خرج رأى الحُقنة الفارغة التي أعطوها ياماش قبل قليل مرمية أرضًا بالقُرب من أخيه الأصغر الذي أسقطتهُ قدماه أرضًا بلا إرادة وهو يتشنج وقد انتفض جسده بشكلٍ مرعب بين ذراعيّ جومالي..
إلى اللقاء في البارت القادم بعد شهر رمضان الفضيل إن شاء الله، مبارك عليكم الشهر ودمتُم بخير..
أنت تقرأ
لا يوجد سوى الألم..
Fanfictionسيناريو بأحداث مختلفه للجزء الرابع "Çukur" *ملاحظه: هذه المره الأولى لي في كتابة شيئًا ما..
