لم يكن مساءً عاديًا.. بل كان هادئًا على نحوٍ مُريب، في المقعد الخلفي للسياره كانت آصلي ذات العشرة أعوام تجلس وهي تُداعب شعر تولغا الصغير الذي كان نائمًا ورأسه على قدميها، بينما والدهم يقود بعينين حذرتين ووالدتهم تُرتب بعض الأوراق على المقعد المجاور له، وفي لحظة غير مسبوقه أصطدمت بهم سيارة سوداء بلا أضواء بسرعةٍ جنونيه وكأنها جائت من العدم، ظلامٌ دامس.. يليه صوت ارتطامٍ عنيف ثم تتعالى أصوات السيارات المسرعة قبل أن يعلو صفير سيارة الإسعاف ممزقًا السكون، وبأعينٍ نصف مغلقه لمحت آصلي التي كانت بين الوعي والإغماء على حمالة المسعفين والدها الغارق في دمائه، ووالدتها الملقاة على الطريق تُحيط بها فرق الإسعاف، وأحد المُسعفين يحمل شقيقها الصغير بين ذراعيه، وفقدت رؤيتها شيئًا فشيئًا وكانت هذه آخر مرةٍ ترى فيها عائلتهم الصغيره..
مرتّ عشر دقائق منذ أن تفوهت آصلي بأن تولغا أخيها، كان صالح واقفًا ينظر نحوها بجمود وشّك، تقدمت الأخيرة خطوة واحدة نحوه وبنظراتٍ ثابته ونبرةٍ حاده قالت: كنتُ أعيش وأنا أظن أنني فقدت كل شيء، ثم اكتشفت أن أحد الذين فقدتهم لا يزال على قيد الحياة لكنه تحت يد جلادٍ لا يرحم، لم أكن أملك شيئًا أقدّمه له سوى محاولاتي الفاشلة في البحث، وبعد وقتٍ أنتهى بي المطاف في منطقة مهجورة في ضواحي أفغانستان، لكنني لم أستطع فعل شيء فأنا واحدة وهم كُثر، ظللتُ أفكر وأحاول وأتقرب.. حتى ظهرتَ أنت وكسرت الجدار الذي عجزتُ أنا عن كسره، فلا تسألني كيف ولماذا فقط أفهم هذا يافارتولو.. لولاك لما نجى تولغا من ذلك الجحيم، ولولا ديني الذي تعهدتُ بسداده لك لما أنقذتُ أبنك، خطى صالح مبتعدًا وهو يمسح وجهه ورأسه بإرهاق واضح، ثم رفع رأسه والتفت ليقل: أنتِ أخته التي تكبرهُ بسبعة أعوام؟، اومت بملامح صارمه، ليردف صالح وهو يُعطي مفاتيحه أحد رجال وليّ: وهل تظنين أنني سأصدق هذا؟، لتقل فورًا بجمود: لا يهمني إن صدّقت أم لا ولن أكرر ما قلت ولا أريد شيئًا منك ولا أريد منه شيئًا سوى سلامته في الوقت الحالي، عقد صالح حاجبيه بينما أكملت هي بذات الجمود: وأما بالنسبة لكنان وشهرام.. فالوصول إليهما لم يكن حظًا، كنت أراقب كارتال تكين لفتره وفي إحدى الليالي تعقبته إلى مستودع يُحتمل أنه قابل فيه الكبير، لم أستطع الإقتراب من المستودع بسبب الحراسة المشدده، وبعد وقت ظهرت سيارة رجال الكبير على الطريق ومعهم كنان، أنفجرت السيارة التي كانت تقلهم في منتصف الطريق، لا أعلم من فجّرها لكنني تمكّنت من إنقاذه في اللحظة الأخيرة قبل انفجارها، أما شهرام فقد كان أمرهُ أكثر تعقيدًا لكنه ارتكب خطئًا حين عاد إلى إسطنبول، تتبّعت أحد رجاله القلائل الذين فروّا معه بعد هجومه على حيّك ووصلت إلى مكانه.. ثم أوقعت به على حين غفله، عذبته لأشهر وذوّقته العذاب الذي ذاقهُ أخي.. وقبل قليل كما تعلم أنتهى أمره تمامًا، وكان أحد رجاله دخيلاً بين رجال الكبير وعرفت منه ما كنتُ أخبرك به، من جوزيف الذي قتله الكبير في السجن بعد إعتقال الشرطة لكم إلى خيانة علي الذي قتله الكبير ايضًا في السجن، حينها التفت صالح إلى أحد الرجال وسأله بخفوت مُريب وهو يُشير ناحية باب المنزل: هل الذي في الخارج هو شهرام أبن العم الذي هاجم الحفره؟، فأومى الآخر وهو يُجيب: أجل ياسيدي هو من حاصر العائلة آنذاك وأتينا لحمايتها بأمرٍ من السيد وليّ، أغمض صالح عينيه بخفه وابتلع ريقه بغضب ثم عاد بنظره إلى آصلي التي قالت: أنتهى دوري هنا ولا تنتظر مني مزيدًا من التفسيرات فأنا أجبتكَ على كل اسألتك، وحين أنهت جملتها هذه نزل أثنان من الرجال وهم يقودون كنان المكبّل فأوقفهم صالح وهو يتمعّن في وجه الآخر، عيناه تنقلتا ببطء بين ملامحه المشوّهة جزئيًا من أثر الإصابات ربما وبين أطرافه التي بالكاد تتحرك تحت وقع الألم، بادله كنان بأعين لا توضح تعبًا ابدًا وبإبتسامة مستفزه بارده تظهر من خلف اللاصق الموضوع على فمه، تقدم صالح وأزاح اللاصق وإبتسامة كنان لم تزل بل أتسعت أكثر وهو يقول: فارتولو سعدالدين..، أمال صالح برأسه قليلاً وهو ينظر، فأردف كنان دون إنتظار رد: لو تعلم أنك تسير في دوامة شنيعه، الدوامة التي بدأت منذ عشرين عامًا عندما قتلت عائلة الرجل الخطأ، ثبّت صالح نظره على الآخر ولم يتغير في وجهه شيء وأقترب قليلاً ليقل بخفوت: بل قتلت العائلة الصحيحه.. فقط تركتُ واحدًا، لينقل كنان عينيه نحو آصلي ليقل: أحذري أيتها المرأه القويه فلا قوي سوى كبيرنا، أعاد صالح اللاصق إلى فم كنان بعنف ليمنعه من التفوه بكلام آخر، فتحركوا الرجال به إلى الخارج نحو السياره، استدار صالح ونظر إلى آصلي لثوانٍ، ثم ذهب بإتجاه الباب ولكنه توقف ليقل: لم ينتهي حديثنا هنا..، لتقل آصلي بهدوء وبخفوت: على جانبه الأيسر.. فوق خصره قليلاً هناك وحمة صغيرة منذ ولادته ما زلت أذكرها وربما لا تزال موجودة حتى الآن، وأكملت ببرود: إن أردت التحقق من صحة كلامي فتأكد بنفسك، لكن لا تدعهُ يعلم أن أخته لا تزال على قيد الحياة.. ولن يعلم احدًا بأنه أخي لحمايته، ليقل صالح وهو عاقد الحاجبين: حمايته من ماذا؟، لم تُجب الأخرى فخرج صالح وجلست هي بعد خروجه لثوانٍ، أخرجت بعدها دفترها وقلمها، قلبت عدة صفحات حتى وصلت إلى واحدةٍ منها، مزقتها وبدأت تكتب على أخرى "سددتُ الدين.. وحان وقت الإنتقام"
––––––––––––––––––––
الحفره.. منزل صالح
دخل وليّ وأمامه تولغا يمشي بترنّح ونظراته شارده وكأن صورة شهرام لا تُفارقه، استقبلتهم كاراجا فورًا وفي اللحظة ذاتها وقعت أنظار جومالي عليهم الذي نزل من الأعلى لتوّه بعد أن تفقد إدريس برفقة داملا التي بقيت بالأعلى، تجاوزهم تولغا وذهب بإتجاه الشرفه فتقدم جومالي للصالون وهو يسأل وليّ: أين صالح؟، ولم يكاد يجيب وليّ حتى سألت كاراجا وهي تنظر للشرفه: ماذا حصل مابه تولغا؟، فأجاب وليّ وهو ينظر إلى الأخير الذي أبتعد دون كلمه: أخذ إنتقامه من شهرام وقتله، تجمدت كاراجا في مكانها وتبدلت ملامح جومالي بسرعه واتسعت عيناه بحدّه وهو يسأل بنبرة ثقيله: شهرام؟ هل أنت متأكد مما تقول؟، أومى وليّ مؤكدًا وقال: كان مكبلاً في منزل الطبيب الذي ساعدنا بإخراج إدريس مع المرأة وتولغا قتله برصاصاتٍ خمس قبل أن نأتي ودون أن يسمح لأحدٍ بالتدخل، استدارت كاراجا مهرولةً نحو الشرفة بينما عمّ الصمت لثوانٍ قطعهُ جومالي الذي تقدم يقول: أين هم؟ صالح أين؟، ليقل وليّ: سيتحدث معها وسيأتي.. وبعض الرجال بقوا معه، فعل جومالي حركة فمه المعتاده ليأتيهم صوت داملا التي نزلت من الأعلى: هل حصل شيء؟، ليقل جومالي: لاشيء يا وردتي، ومن ثم التفت إلى وليّ ليردف: هل علمتم ما أمر هذه المرأة؟، لتقل داملا بإستغراب: أي امرأة؟، بينما في الشرفه.. جثت كاراجا بالقُرب من تولغا الذي أستلقى على الأريكة مُغمض العينين وكأنه يحاول الهروب من كل شيء حوله، وضعت يدها على كتفه وهمست: تولغا..، لم يُجب ولم يفتح عينيه، كانت أنفاسه مضطربه وجسده يرتجف قليلاً، شدّت يدها على كتفه فتحرك ورفع يده يُبعد يدها بعنفٍ خفيف تراجعت الأخرى على أثره، لم تكن خائفه بل مصدومه.. حائرةً بين أن تبقى لتُسانده أو تتركه ليعيش وجعهُ الذي عاد لينهش داخله بصمت وحده، ولكن جُملته بصوته الخافت الذي لم تكن لتسمعهُ لولا هدوء المكان من حولهم "لاتلمسيني.." جعلتها تستقيم ببطء وتستدير عائدةً إلى الداخل بملامح مصدومه ومكسوره..
––––––––––––––––––––
شركة كارتال..
"السيده ليلى إستقالت من عملها قبل أيام.." هكذا هتف أحد رجال كارتال، لينهض الأخير ببطء ودهشه وهو يقول: استقالت؟ مستحيل!، ليقل الآخر بهدوء: وايضًا اليوم ذهبت إلى المستشفى، هنا أتسعت أعين كارتال ليقل بعد لحظاتٍ من التفكير: ربما موعد..، نفى الرجل جاهلاً ليهمس كارتال وكأنه يخاطب نفسه: مستحيل أن تستقيل! عملها هو كل حياتها، وفي لحظتها دخل رجلاً غريبًا وأمامه سكرتيرة كارتال التي قالت: يريد رؤيتك ياسيدي ويقول بأن الأمر عاجل..، رمق كارتال الرجل ومن ثم أومى وأمرهم بالخروج، فتقدم الرجل وهو يمد يده ليُصافح كارتال: الكبير أرسلني..، قلّب كارتال عينيه وأشار إلى الكرسي فجلسوا مقابل بعضهم، مرت لحظاتٍ ليهتف الرجل وهو يضع ملفًا على الطاولة أمامه: الكبير يأمرك بأن تهتم بأمر كنان وتلك المرأة كما وعدته، أبتسم كارتال بسخريه ليقل: لم أعطهِ وعدًا.. ولكن سأهتم، ليقل الآخر: وهذه الأوراق هي عقود يجب أن تُسلّم لأحد شركائنا، وسيتم تهريب شحنة من بضاعته الجديده إلى أوروبا خلال الأيام القليله القادمه، وعليك أن تتأكد بنفسك من وصول العقود موقعة في موعدها ومن أن تمرّ البضاعة عبر الميناء الخاص بنا كما تم الإتفاق، أومى كارتال وهو ينظر إلى الأوراق دون أن يلمسها، ليقل ببرود: ولمَ لم يخبرني الكبير بذلك بنفسه؟، أبتسم الرجل نصف إبتسامه وأستقام ليُجيب: لأنه مشغول.. ألست ذراعه اليمنى؟ إذن فهذه أمور اعتياديه بالنسبة إليك، لم يعلق الآخر فأردف الرجل: أمر كنان يجب أن يُحل في أسرع وقت، لاسيما وأنه الآن من المحتمل بين يديّ فارتولو، وخرج تاركًا كارتال يرتخي بظهره على المقعد وهو ينظر إلى الملف أمامه بسخريه..
––––––––––––––––––––
في أحد المستشفيات..
خرجت ليلى وهي ترتدي نظاراتها الشمسية بأيديٍ ترتجف، ولكنها توقفت عندما لمحت شخصًا ينظر إليها ويتقدم نحوها ببطء، تنهدت بخفه عندما تذكرت من هو.. بينما أبتسم سافاش بخفه ليقل بتردد وهو ينزع نظارته الشمسيه: السيده ليلى؟، فردّت بإبتسامةٍ مجامله: أجل.. يا لها من صدفه، تبادل كلاهما نظرات قصيره ليقل سافاش: لم أكن أتوقع أن أراكِ هنا.. هل كل شيء على ما يرام؟، أجابت ليلى بهدوء وهي تُشيح بنظرها: زيارة روتينيه فحسب، ليقل سافاش: وأنا كذلك بعض التحاليل لا أكثر، ساد صمت قصير، ليقل سافاش بوّد: كنت آمل أن أعوضكِ عن الحادث..، فقاطعته ليلى بلطف: أجل.. قرأت رسالتك لكن لا تؤاخذني لم تسنح لي الفرصة للرد لأنني انشغلت قليلاً، ليقل سافاش بهدوء: لا عليكِ، عمّ الصمت مرةً أخرى للحظاتٍ قالت بعدها ليلى وهي تهّم بالذهاب: إذن..، فهتف سافاش فورًا غير سامحًا لها بإكمال جملتها: إن كان الوقت مناسبًا ما رأيكِ بفنجان قهوه؟، نظرت الأخرى لوهله وقد استغربت جرأته المفاجئه ولم تُجب مباشرةً بل أمالت برأسها قليلاً وهي تضع خصلة من شعرها خلف أذنها لتقل: أنا حقًا أقدّر دعوتك ولكنني مشغوله قليلاً اليوم، أومى سافاش بخفه وقد تلاشت إبتسامته ليقل: تمام..، أخذت ليلى تهمّ بالإبتعاد غير أن صوته استوقفها من جديد ولكن هذه المرة بهدوءٍ أكثر: لحظة فقط.. إن لم يكن اليوم مناسبًا فربما بعد غد؟، استدارت نحوه بتساؤل فتقدم وهو يُخرج بطاقة من جيبه ومدّها نحوها وهو يقول: سأفتتح مكانًا ومعرضًا أعدُ له منذ أشهر.. وسيشرفني أن تكوني من بين المدعوين، نظرت ليلى إلى البطاقة بين أصابعه ثم رفعت عينيها نحوه عندما أردف: ربما هذه فكرة جميله لتعويضكِ حقًا، لم تجد ليلى سوى أن تاخذ البطاقة وتبتسم مجاملة وهي تقول: إن كان الوقت يسمح.. سأفكر في الأمر، فأبتسم الآخر وهو يقول: وأنا سأنتظر..، استدارت ليلى من دون كلمة أخرى ومضت في طريقها، بينما بقي هو في مكانه يراقب تلاشي خُطاها بإبتسامة إنتصارٍ على شفتيه، ثوانٍ وتقدم رجله نحوه وهو يقول: أيها الأفعى.. وتتصرف بأن لقاءك بها صدفه!، فالتفت سافاش نحوه بسرعه وهو يقول بحدّه: أغلق فمك، صمت الآخر ليهتف سافاش بعد لحظات وهو ينظر إلى جهة ذهابها مجددًا: ماهذا الجمال! أقسم أنني لم أتمكن من السيطرة على نبضات قلبي شعرتُ وكأنه سيخرج من بين أضلعي!
––––––––––––––––––––
عودةً إلى الحفره..
دخل صالح إلى منزله ليُقابله جومالي في منتصف الصالون واضعًا يديّه خلف ظهره ووليّ الذي يجلس هادئًا، نظر صالح إلى أخيه بحزن وأسف، ليقل جومالي بهدوء حين لاحظ نظراته أخيه هذه: لا تنظر هكذا وكأن ما شاهدناه في ذلك الفيديو ذنبك، أشاح صالح بنظره بعيدًا، ثم تقدم ببطء وسأل وليّ بهدوء: أين تولغا؟، فأشار وليّ ناحية الشرفة وهو يقول: لقد نام من تلقاء نفسه دون أي جهودٍ مني، تنهد صالح بحزن ومن ثم نقل أنظار بين صديقه وأخيه ليقل بعد ثوانٍ: كنتم تعلمون اليس كذلك؟، ظلّ وليّ صامتًا بينما تقدم جومالي ليقل: نعلم بخصوص ماذا؟، ليقل صالح: بأن ال*** شهرام هو نفسه من عذّب تولغا قديمًا، ليقل جومالي فورًا: وهو من عذّبك ايضًا، أشاح صالح بنظره بعيدًا مرةً أخرى ليردف جومالي: علِمنا عندما وصل مقطع فيديو من ال*** كولكان بعد هجوم ال*** الآخر، عقد صالح حاجبيه ليقل: أي فيديو؟ وماعلاقة كولكان بالأمر؟، صمتّ جومالي وتجاهل سؤال الآخر ليقل: هل حقًا لم تكن تعلم بأنه من عذّبك؟، فجلس صالح وهو يمسّد رأسه ليقل: كنت لا أعلم عن ذلك ال*** أبن العم شهرام سوى أسمه وعن ذلك ال*** الآخر الذي في افغانستان سوى شكله وأتضّح الآن أنهما نفس الشخص..، ومن ثم تنهد بخفه ليكمل: في الأساس وقت الهجوم حين أراني كارتال الصور وما إلى ذلك لا أتذكر شكلاً ولا أي شيء آخر وكأن الأمر كله كان مجرد حلم، عمّ الصمت لثوانٍ قال بعدها وليّ: الأهم الآن.. ماذا فعلت؟ بماذا تحدثت مع آصلي؟، ليقل جومالي: من آصلي؟، فأجاب وليّ: المرأة التي أخبرتنا وساعدتنا في العثور على إدريس وإخراجه من ذلك المركز، صمتّ جومالي ليقل صالح وهو ينظر أرضًا بعد تفكير وكأن خيوطًا كثيرة تتشابك في ذهنه: قالت أن..، قاطعهُ صوتًا صغيرًا قادمًا من مدخل الصالون يهتف بخفوت وتردد "جومالي امجا؟" استدار جومالي بسرعه والتفت صالح ووليّ في اللحظة ذاتها نحو الصوت ليروا الممرضة تُمسك بذراع إدريس وهي تبتسم قائلةً: أصّر على النزول ليراكم.. فهو لم يتعرّف على المنزل وكان خائفًا، وقف صالح وهو ينظر إلى أبنه بشوقٍ ولم يتحرك بل ثبت مكانه وأنظاره لم تُفارق الصغير، وعندما لم يتحرك صالح تقدم جومالي قليلاً نحو إدريس الذي كان ينظر إلى عمه فقط وكأنه لا يرى غيره البته، جثى أمامه ليقل: هل أنت بخير يا قطعة الأسد؟، لم يُجب الصغير بل ظلّ ينظر إلى جومالي الذي فتح ذراعيه ببطء ليردف: تعال..، نظر إدريس إلى الممرضة ثم إلى عمه، تحرك بعدها نحو الأخير ببطء شديد وارتخى بين ذراعيه في حين التفت جومالي بنظراته نحو صالح الذي تجمّد في مكانه كمن دُفع إلى قاعٍ لا قرار له وابتلع غصّته بصمتٍ موجع، فعل جومالي حركة فمه المعتاده وأبتعد عن الصغير للحظه بينما تقدم وليّ وشدّ على كتف صالح بصمت، ليهتف جومالي بعد ثوان: ألم تشتاق إلى والدك؟، كان جومالي صريحًا ولايريد المراوغة حتى مع الطفل، ليشيح إدريس بنظراته قليلاً ونظر ارضًا بصمت، ليقل بعد ثوانٍ وهو يعبثُ بأبرة المحلول التي لا زالت في يده: أبي لايحبني، دُهش الجميع من كلمات إدريس هذه.. حتى الهواء داخل الغرفة بدا وكأنه انحبس في تلك اللحظه، ليتقدم وليّ قليلاً منحنيًا نحو الصغير وهو يقول: من قال لك هذا يابطل؟ من قال بأن أباك لايحبك؟، هنا وقعت أنظار الصغير على والده الذي كان واقفًا على حاله، ليقل بهدوء: لو كان يحبني.. لما تركني عندهم، عمّ الصمت للحظاتٍ كانت من أثقل مايكون، أستجمع صالح نفسه متذكرًا كلام الطبيب ومسح وجههُ بخفه، ثم تقدم ببطء وهو يقول بإبتسامةٍ خفيفه: أنت بخير.. واستيقظت ايضًا، ومن ثم جثى على ركبتيه بعيدًا عن الطفل قليلاً تحسبًا لأي شيء واردف بنبرةٍ حنونه هادئه: هل يعقل ألا أحبك يابني؟، صمت الصغير ولم يُجب لتقل الممرضه: لاتُتعبوه بالحديث يجب أن يعود إلى الغرفة ويرتاح لحين قدوم الطبيب ليفحصه..، أستقام صالح فورًا بينما حمل جومالي إدريس وأتجه به إلى الأعلى بعد أن ربتّ على كتف صالح، لتردف الممرضه تُخاطب صالح: سيد صالح.. أنت تعلم أن أبنك يحتاج القليل من الوقت، لكن خُذ بعين الإعتبار الجانب الإيجابي وهو أنه لا يزال يتذكركم جميعًا، أومى صالح بخفه فلحقت الممرضه بجومالي والصغير مع تقدم وليّ ناحية صالح وهو يقول: سيصبح كل شيء على مايرام ياصديقي أعطهِ بعض الوقت فقط، جلس صالح على طرف الأريكة وهو يغمض عينيه بقوة ليقل بخفوت: عقلي مشوش يا وليّ.. مشوش جدًا، صمتّ وليّ ولم يجد من الكلام منفعة فجلس بالقرب من صالح، لتدخل بعض لحظات داملا التي قالت بهدوء: كاراجا استلقت ونامت في غرفتها هذا الوقت على غير العاده لم تكن بخير كثيرًا، رفع صالح أنظاره نحو داملا ليقل: لماذا؟، فقال وليّ: شي.. تولغا أبعدها قليلاً وهي تضايقت، زفر صالح بقهر لتقل داملا: صالح.. أنا قلت لجومالي بأن يحضّر غرفة في منزل العائلة لإدريس لكي ننقلهُ هناك، أشاح صالح بأنظاره بعيدًا لتكمل داملا: سيكون أفضل.. الأطفال بجانبه ونحن ايضًا، ليقل صالح: لن يحصل يازوجة أخي أبني سيضُل بجانبي، ليأتيه صوت جومالي: وهو سيضل بجانبك أساسًا، نظر صالح بهدوء ليردف جومالي: كنت هناك وتعيش في ذلك المنزل! منزل أبي.. فلماذا هذه الحركات الآن؟، لتقل داملا: جومالي تمام..، ومن ثم نظرت إلى صالح لتردف: أفهم قصدك وشعورك يا صالح، ولكن إدريس أمانة سعادات ووجوده بين الأطفال واهتمامنا به هو الأفضل له الآن، لا تُسيء فهمي فصحيح أنت والده ولا أحد يمكن أن يعتني به مثلك، لكننا نحن النساء كأمهات نُدرك احتياجات وأمور الأطفال والصغار أكثر منكم، ليقل جومالي: سننقل الطفل إلى منزل العائلة وسيصبح بخير وسنعود جميعنا تحت سقفٍ واحد، صمت صالح بينما أبتسم وليّ بخفه، ذهبت داملا عائدة إلى منزل العائله، ليسأل صالح جومالي بعد أن تنهد بخفه: أين ياماش؟، فأجاب جومالي: في المكتب..، ليقل وليّ بعد لحظات مخاطبًا صالح: هل أحضرت الآخر؟ هل كان أسمه كنان أم ماذا؟، أومى صالح ليقل: أجل.. ذراع الكبير اليمنى أخبرني عنه كارتال من قبل وتلك المرأة جلبتهُ لي على طبقٍ من ذهب، ليقل جومالي: ذراعه اليمنى؟ هذا يعني أنه لديه الكثير ليخبرنا به، ليقل وليّ: نأمل ذلك ويجب أن نحرص إلا يعترض له أحد، ليقل صالح: أخبرتُ الرجال بأن يضعوه في زنزانة الحفره، فقال جومالي: وشبابنا سيُحرسوه حتى يخرج مابجعبته تحت إشرافي..، أبتسم الإثنان ليسأل وليّ مجددًا: أخبرنا ما غاية تلك المرأة؟، فنظر جومالي بتمعن بينما زفر صالح بخفه ليقل: لا أعلم على وجه اليقين ولكنها على مايبدو لا تنوي شرًا، فقال وليّ: وأنا شعرتُ بذلك.. ماذا أخبرتك؟ لماذا فعلَت مافعلته؟، ليقل صالح بعد تفكير: دعني أتحقق وأفكر ثم سأرى ماذا سأفعل، ليقل جومالي: تتحقق من ماذا؟، صمت صالح ليردف جومالي: أسمعني جيدًا.. لاتثق في أحد ابدًا حتى وإن كان يُظهر خيرًا، اومى صالح ليقل: أعرف يا أخي.. لم أعد أثق حتى في نفسي..
––––––––––––––––––––
أمام أحد البنايات..
صعد العميد إلى سيارته وأدار المحرك لكنه فوجئ بعنصرٍ من الشرطة يركب بجانبه واخرًا في المقعد الخلفي نظر إليهما بشّك ليقل وقد ظنّ بأنهم عناصر من الشرطة فعلاً: ما الأمر؟، سحب العنصر الأمامي سلاحه موجّهًا إياه إلى رأس العميد وهو يقول ببرود: ستقود حيثما أصفُ لك يا حضرة العميد وأرجوك لا تجبرني على تلويث يدي بدمك، ليقل العميد بحدةٍ واستغراب: ما الذي تفعله ياهذا؟، ولكن قُطع الصوت بارتطام مفاجئ.. حيث قام العنصر الخلفي بضرب العميد على رأسه بسلاحه فسقط فاقدًا للوعي، ليقل العنصر الأمامي: أجلسه في الخلف.. وتولى أنت القياده، وقبل أن ينقلوا جسده أخرج أحدهم هاتف العميد ورماه خارج السيارة دون تردد، نقلوه وأنطلقوا إلى وجهتهم، لاحقًا وصلت السيارة إلى أحد المباني الصناعية القديمه التي تخلوا من أي ملامح للحياة، ترجّل أحد العنصرين وتقدم ليفتح الباب الخلفي ثم جرّ جسد العميد المُغمى عليه إلى الداخل وتبعهم الآخر متأهبًا، وفي الداخل.. كان كل شيء معدّا مسبقًا.. كرسي في أحد الزوايا فوقه حبلاً طويلاً يتدلى ببطء، وكرسيان وطاولةٍ في المنتصف يجلس على أحداها الكبير بقناعه وهو يعبثُ بقطعة شطرنج بين أصابعه كعادته، وما إن وُضع العميد على الكرسي المقابل للكبير وربطت يداه حتى اومى الأخير بخفه فأفرغ أحد الرجال على وجه العميد قارورة ماء بارد أفزعته وأعادته إلى وعيه فورًا، فتح العميد عينيه وأخذ يلتقط أنفاسه بقوه، فأشار الكبير لجميع رجاله بالخروج، خرجوا وثبتّ العميد نظره على الكبير أمامه، وسُرعان ما تبدلت ملامحه وهو يسأل بخفوت: لاتقل لي بأنك ذلك ال*** الكبير الذي يختبئ خلف قناعه؟، رفع الكبير نظره نحو العميد وضحك بخفه ليقل: أعجبتني حقًا يا حضرة العميد.. سرعة بديهه وذكاء لافتان، أمال العميد برأسه قليلاً وقد تمكّن الشك والقلق منه حين سمع صوت الذي أمامه، استقام الكبير ووضع قطعة الشطرنج في جيبه ثم رفع يده وسحب القناع عن وجهه ورماه على الطاوله أمامه فاتسعت أعين العميد واحتلت الصدمة ملامحه حين رأى وجه الآخر..
––––––––––––––––––––
شقة داهان..
كان يقف أمام النافذة وهو يأكل بعض الشطائر، ليقل معاونه الذي كان يجلس أمام الحاسوب: برأيك لماذا لم يخبرك فارتولو بما جرى معه؟، ضحك داهان بخفه ليقل: خارج عن القانون ومجرم.. ومع ذلك منحتهُ أنا بعض الثقة فتخلى عن التعاون بيننا بمجرد أن أصبح أبنه بين يديه، ليقل معاونه: وماذا كنت تتوقع اصلاً؟، التفت داهان ليقل: لا يهم.. المهم الآن مثل ما اتفقت معك ستجد لي عنوان آصلي إردام حسنًا؟، اومى معاونه ليقل بعد لحظات: لستُ متأكدًا مما تنوي فعله لكنك الأعلم بذلك، عمّ الصمت لثوانٍ أردف معاونه بعدها وهو يغلق الحاسوب: قلت إن والدك في إجازه.. فلماذا خرج مستعجلاً قبل قليل؟، جلس داهان وأنهى شطيرته التي في يده ومن ثم قال بلا مبالاة: قال لديه عملاً سيحلهُ ويعود، ومن ثم أرتخى على الأريكة يتنفس بعمق ليردف: فقط دعني أنتهي من جلسات التحقيق هذه ثم سأعود لأتسلّم ملف الكبير ولكن هذه المرة ستكون مختلفه تمامًا..
––––––––––––––––––––
عودةً إلى الكبير والعميد..
مسح الكبير وجهه ومسّد لحيته وشعره بهدوء، ليهتف العميد بخفوت: أنت!، عاود الكبير الجلوس وأسند ذراعيه إلى الطاولة وهو يقول بإبتسامه خفيفه: ايفيت بالضبط.. لقد مرّ وقتًا طويلاً ياحضرة العميد، متى كانت آخر مرة تحدثنا فيها وجهًا لوجه؟ هل كانت حين تخرج داهان من الكلية العسكرية للضباط؟، ليقل العميد: لا أصدق!، فقاطعهُ الكبير بملل: ماذا ياحضرة العميد؟ أنا للتو أُعجبت بذكاءك! أجل الكبير هو أنا.. عدنان كارا اليس هذا واضحًا؟، قال الأخيرة وهو يُشير لنفسه بتعالي، فقال العميد بغضب: أيها القذر، أرتخى الكبير بظهره وهو يبتسم ليردف العميد: ظهر أنه أنت!، ومن ثم أكمل وهو ينظر باشمئزاز: وتظهر أمام العالم بأنك رجل أعمالٍ محترم وأنت في الحقيقة ***، ليقل الكبير ببرود: السنا جميعنا هكذا؟، فبصق العميد على الأرض وهو يقول: ليس الجميع بل أنت وأمثالك الذين يختبئون هم وقذارتهم خلف هوياتٍ زائفه، صمت الكبير ولم يقاطع الآخر الذي أبتسم بسخريه وهو يردف: يا أسفي على أبنك.. يبحث عن مجرمٍ لايعلم أنه والده، مال الكبير إلى الأمام ساندًا ذراعيه مرةً أخرى وهو يقول: أبني الذي أبعدته أنت من مهنته ياحضرة العميد؟، نظر العميد بغضب ليردف الكبير: هل تعلم سبب ملاحقة أبني لي؟، ظلتّ نظرات العميد كما هي فقال الكبير: قال لي قبل ساعات بأن إحسان.. الرجل الذي رباهُ وأعتنى به في صغره كان آخر مانطق به قبل أن يفقد حياته هو "الكبير"، ضاقت أعين العميد بينما أكمل الكبير: إحسان رجلاً فاضلاً.. شريفًا أكثر مما ينبغي، لكنه ارتكب خطئًا واحدًا وهو أنه أكتشف من أكون، صمت للحظة وهو يتأمل جدران المكان من حوله وكأنه يرى الماضي مرسومًا عليها ثم أكمل: لم أطلق عليه رصاصه ولم أطعنه بسكين، كل ما فعلته.. وضعت زجاجة صغيره أمامه وأخبرته بالحقيقة كامله، فقال العميد بحدّه: قتلته؟، فأجاب الكبير دون أن يرفّ له جفن: لا.. فقط شرب الزجاجه.. لم أجبره فقط جعلته يختار وقد أختار الموت..، قالها الكبير ببرودٍ وكأنه يسرد واقعة عابره لا جريمه، ظلّ العميد يُحدق به وكأن عينيه تبحثان عن بقايا إنسان داخل هذا الجسد المُتقن للتمثيل، ليهمس بعد لحظةٍ طويله: وما ذنب داهان؟ ماذا فعل أبنك ليستحق أن يُطعن من ظهره حين يعلم أن والده هو عدوه وقاتل الشخص الذي رباه؟، ليردّ الكبير وهو يرتخي بظهره: ذنبه أنه أبني.. وأنا والده وقدرًا لا مفرّ منه، صمت قليلاً وهو يراقب ملامح العميد ثم أكمل: أنت.. لقد سحبتَه من مهنته ولم تكتفي بمطاردتي بل جعلتَ منه مطاردًا لوالده، وأنا.. لأكون صريحًا لم أملك الشجاعة لا حين كان طفلاً ولا حتى حين أصبح رجلاً يقف على بعد خطوةٍ واحدة مني دون أن يعلم، ليهتف العميد بغضبٍ مكتوم: إذن قررت أن تُزيحه كما أزحت غيره؟ أن تجعله يركض في دائرة مغلقة لا يعلم أنها مرسومة بيدك؟، أبتسم الكبير ابتسامة مؤلمة وقال: بل قررت أن أُبعده وأن أحميه بطريقتي..، ثم نهض من مكانه ووضع يديّه في جيوبه ودار حول الطاولة بخطواتٍ بطيئه وتابع: في الغد.. سيستيقظ ليعلم أنك انتحرت وسيبدأ في البحث.. سيجد الدلائل التي تركتها له وسيشُك بك، سيظن أنك تعمل عندي وأنك من قتل إحسان برغبة منك وليس مني وسيبدأ في تمزيق الحقائق التي عاش عليها شيئًا فشيئًا، ليصرخ العميد وهو يحاول النهوض من كرسيه بالرغم من قيوده : أنت شيطان! حتى أبنك تخدعه وتجعله لعبة في يديك!، توقف الكبير أمام الآخر ونظر إليه ببرود ليقل: اخيرًا بدأت تفهم، ثم ذهب ناحية الطاولة والتقط قناعه وارتداه وأقترب بعدها من العميد وهمس بسخريه: بالمناسبه.. أنت لم تكن تستحق رتبك يومًا ياحضرة العميد، ثم خرج تاركًا الأخير يلهث وهو يحاول أن يفهم.. ما الذي جرى؟ كيف انقلبت الطاولة بهذا الشكل؟ كيف كانوا يطاردون شخصًا هو في الواقع كان أقرب مما يظنون؟، دقائق فقط ودخل ذات العنصرين الذين أتوا به فبصق العميد وهو يقول بغضب: تبيعون وطنكم ودولتكم يا*** من أجل رجل قذر يسعى للخراب بها؟، لم يُجب أحدهم عليه بل تقدم أحد العنصرين بخفة وهو يُخرج حقنة مملوءة بسائل، فحاول العميد التملص وهو يصرخ بغضب: هل تدركون ما تفعلون؟ ستُسحقون معه! هذا إن لم يسحقكم هو أولًا، أمسكه العنصر الآخر بقوه بينما غرز الأول الإبرة في عنقه بثباتٍ باردٍ كأنه يُتمّ إجراءً روتينيًا، صمت العميد للحظاتٍ ثم شعر بلسعة حارقة تتسلل إلى عروقه شيئًا فشيئًا فأخذ جسده يرتعش، وماهي إلا ثوانٍ حتى سقط رأسه إلى الخلف، عاد أحدهما وتقدم نحوه وهو يرفع جفنه بإصبعه يتفحصه، ثم قال ببرود: سينتهي قريبًا..، أقترب الثاني وألقى نظرة سريعة ثم دخل أحد رجال الكبير الأوائل ليقل: علقوه وأشنقوه قبل أن يموت وسيُعثر عليه غدًا بجانب سلاحه واعترافه.. تمامًا كما أمر الكبير
––––––––––––––––––––
الحفره.. في آخر ساعات المساء
فُتح باب المكتب بهدوء، فرفع ياماش أنظاره نحو صالح الذي دخل ببطء حتى جلس أمام أخيه، فتنهد ياماش ليسأل: ماذا حصل معك؟، أخبره صالح بكل شيء حصل، فاعتلت الدهشه ملامح ياماش ليقل: شقيقته؟، أومى صالح وهو يمسح وجهه بخفه ليقل: ولا أعلم هل هي تقول الحقيقة أم لا، فمال ياماش قليلاً إلى الأمام وهو يقول: كل شيء يبدو منطقيًا، وإلا لما ستُخاطر هكذا لتُنقذ إدريس؟ بل وجلبت المدعو كنان إليك؟، أومى صالح بخفه ليكمل ياماش بعد أن أخذ نفسًا عميقًا: أمامنا احتمالان.. إما أن تكون امرأة تسعى للإنتقام من الكبير بشكلٍ ما أو أنها تعمل لحساب أحد آخر.. وربما للحسابين معًا، نظر صالح إلى أخيه مطولاً ثم قال ببطء: قالت شيئًا آخر.. قالت أنها تعرف أنني لا أثق بها وأنها لا تطلب شيئًا سوى حماية تولغا وأوصتني أن لا أخبره بأنها شقيقته، ليقل ياماش وقد شرد بحدّه: كل شيءٍ معقد.. فهذا الكبير الذي تسلّط علينا ليس كأولئك الذين أنهيناهم من قبل، كل ما يخصه ويرتبط به معقّد ومتشابك بطريقةٍ ما، عمّ الصمت للحظاتٍ قال بعدها صالح بهدوء: أخي جومالي تحدث عن فيديو يخصّ كولكان.. ماقصته؟، هنا تنهد ياماش بقوه واستقام ناحية الخزنه، أخرج منها الحاسوب الذي يحوي فيديو كولكان ووضعه أمام صالح وهمّ بالخروج، ولكن إستوقفه صوت صالح الذي قال: بماذا تفكر؟، أبتسم ياماش بخفه في وجه أخيه وقال بهدوءٍ مُريب: الآن؟ أفكر فقط في السندات ومتى سيفكر ذلك ال*** بإظهارها، ليقل صالح: ليس السندات.. أنا أعرف حالتك هذه وأعرف نظراتك هذه جيدًا، فأخبرني بماذا تفكر؟، نظر ياماش إلى أخيه قليلاً ليقل: أنا أنتظر فقط، وخرج بعدها تاركًا صالح يتنهد بقوه وهو يعلم بأن أخيه ينوي فعل شيء ما بالتأكيد، لاحقًا.. عاد صالح إلى منزله محمّر العينين وبخطواتٍ مرهقه، فقد شاهد فيديو كولكان وعلِم بأن سبب عذابه وعذاب أخيه ياماش لثلاثة أعوام هو العم، ولكن ماذا سيفرق؟ فهذه الأمور أنتهت والقادم هو الأهم، تقدم نحو الصالون ليجد تولغا مستلقيًا أمام حاسوبه وهو يشاهد مقاطع فيديو عشوائيه، مسّد صالح رأسه قليلاً وأقترب بهدوء حتى وقف خلفه ولم يتفوه بكلمه فقط ظلّ يتأمل تولغا لثوانٍ بينما كان الأخير يُحدق في الشاشة بلا إهتمامٍ حقيقي وكأن ما يراه لا يتعدى كونه وسيلة لإشغال الصمت الذي في داخله، ليهتف صالح بخفوت: هل ارتحت قليلاً؟، لم يلتفت الآخر وقال ببرود: بقدر من أطفئ نيران إحتراقه بيديّه، أتكئ صالح على طرف الأريكة ثم قال بعد لحظاتٍ من الصمت: هل تريد التحدث؟، نفى تولغا برأسه ولم يُبعد عينيه عن شاشة الحاسوب، ليقل صالح وهو يستقيم: أنا بالأعلى.. وتعلم أنني موجود دائمًا بجانبك حين تريد التحدث، وذهب صالح نحو غرفة أبنه، دخل إليها بهدوء ليجد الصغير جالسًا على سريره وفي يده دفتر رسمٍ صغير يرسم عليه بخطوطٍ غير واضحه، رفع إدريس رأسه فور أن رأى والده ثم أعاد بنظره إلى الدفتر دون أن يتكلم، أغلق صالح الباب بهدوء وهو يسأل: أين الممرضه؟، فقال إدريس دون أن يرفع نظره عن الدفتر: ذهبَت إلى دورة المياه، عمّ الصمت لثوانٍ أقترب بعدها صالح بنفس الهدوء وهو يقول: هل يؤلمك شيء ما؟، لم يُجب الصغير فأقترب صالح أكثر وهو يردف: أتعلم يابني.. الأب لا يكون جيدًا دائمًا، لكنه يُحاول.. وأنا.. ربما فشلت في حمايتك أو تأخرت في الوصول إليك ولكن.. أقسم لك أنني لم أتوقف يومًا ولو لثانية في البحث عنك، رفع الصغير عينيه نحو والده ليسأل ببراءه: هل أنت من وضعني هناك؟، أغمض صالح عينيه وقد استوعب الأمر.. هاهُم يعيدون الكرّه، ينسجون الأكاذيب ليشوّهوا صورة الأب في عين أبنه تمامًا كما حدث معه في صغره حين كان يظن أن والده قد تخلّى عنه ورماهُ بين يديّ الوحوش، فتح صالح عينيه ببطء وكأن بين جفنيه ذكرى ثقيله استيقظت للتو، ابتلع غصته وأخذ نفسًا عميقًا ثم قال بنبرة أختلط فيها الوجع بالحزم: لا يا بني.. لم أكن أنا ولن أكون أنا من يفعل بك ذلك، أنا والدك.. هل أفعل شيئًا كهذا قط؟، ثم جلس بجانب السرير لكنه لم يقترب أكثر بل أبقى مسافة وكأنه يترك للصغير حرية أن يقترب هو حين يشاء، وأكمل بهدوء: من الآن فصاعدًا أنت بجانبي وفي أمان يا بني.. ولن أسمح بأن يُصيبك شيء بعد اليوم ابدًا، نظر الصغير بتردد ليقل: ولماذا ذهبت من قبل؟ حين ماتت أمي؟، هنا أنقلبت ملامح صالح وزاد صداعه بشكلٍ قوي، فرفع كفه يمسّد مقدمة رأسه بخفه، ومرت ثوانٍ حتى شعر بكفّ أبنه الصغيره تلمس رقبته، فأعتدل وهو يتنفس بعمق وكأنه غاب عن الوعي للحظات، ومن ثم نظر إلى الصغير الذي قال وهو يُشير إلى اللاصق حيثُ رقبة والده: هل هذا جرح؟، اومى صالح برأسه إيجابًا، فقال الصغير: هل هذا عندما كنت تبحث عني؟، أستغرب صالح معرفة إدريس بهذا الأمر ولكنه عاد وأومى بخفه، فقال الصغير مجددًا ولكن هذه المره ببراءةٍ وهدوء: أريد قلادة أمي.. فأنا أشتقت إليها جدًا، وفورًا تلمّس صالح صدره فلم يجد أثرًا لقلادته، فاستقام وهو يقول لأبنه: سأحضرها أنتظرني لدقائق..، ونزل مهرولاً إلى الأسفل وخرج بإتجاه سيارته بحث فيها أكثر من مرةٍ ولكنه لم يجدها، توقف يحاول التذكر وعادت به ذاكرته ليوم مقتل عبدالله في ذلك الكوخ، وبقلادته التي أخذها بعد قتله لذلك العجوز، فأتاهُ صوت تولغا الذي لحق به ليقل: هل حدث شيء؟ مابك خرجت هكذا؟، لاحقًا أدار تولغا الهاتف الذي يحوي موقع القلادة نحو صالح وهو يقول: القلادة لازالت في ذلك الكوخ يا أخي!، وفي الجهة الأخرى.. تحديدًا في أحد المنازل القريبة من الحفره، كان اكين يقف أمام كارتال بغضبٍ وبرود في آن واحد، ليقل كارتال: أجبت أم لم تُجب على اتصالاتي.. سأجعلك تأتي حين أريد أنا ذلك، وأكمل ولم ينتظر ردًا من الآخر: كنان في الحفره اليس كذلك؟، ليقل اكين بعد لحظات: من كنان؟، ضحك كارتال بخفه وسخريه ليقل: أضحكتني..، ظلّ اكين صامتًا ليقل كارتال: أنت تعرفه.. وأنا أعلم أنه في الحفره، وإن لم ترد أن أشنّ هجومًا غير ضروري على حيّكم، فأقتله يا اكين.. أقتل كنان قبل أن يستجوبوه أعمامك..
إلى اللقاء في البارت القادم..
أنت تقرأ
لا يوجد سوى الألم..
Fanfictionسيناريو بأحداث مختلفه للجزء الرابع "Çukur" *ملاحظه: هذه المره الأولى لي في كتابة شيئًا ما..
