Part 45

244 17 8
                                        

"فارتولو الهدف لهذا العدو وأنا الصياد.. وسنصل إليه معًا"
خرج صالح من غرفة أبنه برفقة الطبيب الذي قال بهدوء: هذا تحسُن جيد يا سيد صالح، نطقه لكلمة "بابا" يعني أن بعض الروابط العصبية ما زالت حية وتتواصل مع الذاكره وهذه علامة إيجابيه جدًا، تقدم ياماش نحوهم وهو ينظر بتمعن بينما أبتسم صالح ليردف الطبيب: هو لم يتعرض لجرعاتٍ كبيرة من الدواء وربما يتذكرك لكن مع ذلك لابد أن نتحلى بالصبر والحذر، فمرحلة التعافي لا تزال في بدايتها وقد يمرّ ببعض النوبات أو لحظات من التشويش، ونحن سنواصل مراقبة حالته عن كثب، ليقل ياماش: يعني هل سيستغرق خروجه من المستشفى وقتًا طويلاً؟، أومى الطبيب ليقل: لن نُخرجه حتى نتأكد تمامًا من إستقرار حالته الجسديه والعصبيه والنفسيه ايضًا، وأنه في وضعٍ يسمح له بالخروج والعودة إليكم، وربتّ على كتف صالح بعدها ليُكمل: وأنت يا سيد صالح.. خذ قسطًا من الراحة لتكون قويًا بجانب أبنك وتدعمه كما ينبغي، ذهب الطبيب ليلتفت ياماش إلى صالح وهو يسأل: هل أستيقظ؟، أومى صالح وهو يقول: أجل.. قال "بابا"،  ليتنهد ياماش بإرتياح، ومن ثم هتف بعد أن نظر طويلاً إلى صالح: أبن أبي.. عُد إلى المنزل أستحم وبدّل ملابسك، لم يجُب الأخر بل نظر بتردد ليردف ياماش: أنا سأبقى هنا لا تقلق..، نظر صالح لثوانٍ وهو لازال واقفًا بينما نظر إليه ياماش بقلة حيله، تنفس بعمق وأومى وهو يلتفت ذاهبًا بعد أن القى نظرة على سرير أبنه من خلف الباب، قاطعه صوت ياماش الذي مشى وراءهُ بخطواتٍ سريعه ليقل: خُذ..، أعطاهُ مفتاح سيارته وهو يقول: سيارتك أخذوها الشباب من المركز وأرجعوها إلى الحفره لذلك أذهب بسيارتي أنها في الأسفل، أخذ الآخر المفتاح بصمت وأتجه ذاهبًا إلى الخارج، لاحقًا.. تقدم نحو السيارة فتحها وجلس خلف المقود مغلقًا الباب خلفه، ثم أسند ظهره إلى المقعد وأغمض عينيه للحظات يستجمع نفسه وعقله المُنهك، مدّ يده ليشغل المحرك بعد لحظات.. وما إن فعل حتى لمح شيئًا أسود صغير موضوع على واجهة السياره، نظر بتمعن لتتضح الصورة أمامه تدريجيًا.. كانت فلاشة بلاصقٍ أحمر صغير يحمل هذه المرة أسم "الكوشوفالي-Koçovalılar" نظر صالح إلى الفلاشة طويلاً وقد تسارعت نبضات قلبه لا إراديًا، وفي مكانٍ آخر.. على شرفة قصره كان كارتال يقف وهو يأخذ نفسًا عميقًا من سيجارته، جاءهُ صوت أحد رجاله قائلاً: سيدي.. الفلاشة وصلت للكوشوفالي كما أمرت، فهتف كارتال ولم يلتفت: أين بالضبط؟، فأجابه الآخر: وضعناها في سيارة ياماش كوشوفالي حين أوقفها صباحًا في مواقف السيارات الخاصة بالمستشفى، ساد الصمت للحظه التفت بعدها كارتال بخطواتٍ بطيئه وتقدم نحو الطاولة ليُطفئ سيجارته في المطفأة وهو يردّ ببرود: جيد.. إذن أرسل إلى الكبير بأن رسالته وصلت، لكن كما قلتُ سابقًا.. السندات لن نُحرقها الآن، سنضربهم مرتين في الأيام القادمه مرة بسبب السندات ومرة بسبب البضاعة المسروقة ايضًا، أومى رجله وخرج لتنفيذ الأمر، بينما عودةً إلى صالح الذي التفت حوله يتحقق من خلو المكان ومن عدم وجود أي حركة مريبة أو أعين تراقبه، شدّ قبضته على الفلاشة ووضعها في جيبه ثم ترجّل بسرعة من السياره عائدًا إلى المستشفى، دلف الى المستشفى بخطواتٍ سريعه وقلقه، أتجه مباشرة إلى غرفة أبنه، فتح الباب بهدوء فوجد أبن أبيه جالسًا بجوار السرير يُمسك هاتفه بين يديّه، التفت إليه ياماش حين سمع الباب يُفتح ليقل: ألم تذهب؟، لم يُجب صالح بل ذهب بإتجاه النافذة وأغلق الستائر قليلاً، ثم أخرج الفلاشة من جيبه ووضعها أمام أخيه على الطاولة الصغيره، تجمّد ياماش لثوانٍ يُحدق في القطعة السوداء أمامه، ليهمس: من أين حصلت عليها؟، فأجابه صالح بهدوء خافت: وجدتها في سيارتك..
––––––––––––––––––––
أمام بناية شقة داهان.. ترجّل من سيارته غاضبًا مغلقًا الباب بعنف، سارَ بخطواتٍ سريعه نحو مدخل البناية وهو يفتش في جيوبه عن مفتاح شقته، وما إن صعد إلى الطابق الذي يسكن فيه حتى أخرج المفتاح، لكنه توقف فجاءه حين لاحظ أن باب الشقة موارب قليلاً كأن أحدهم فتحه ولم يُغلقه بإحكام، ضاقت عينيه لوهله وأقترب بهدوء دافعًا الباب ببطء، ودخل إلى الداخل بخطواتٍ حذره، غير أن الحذر سرعان ما تبدد حين سمع صوتًا مألوفًا يخرج من المطبخ: أحضرت بعض القهوة التركيه من أنقره.. القهوة هنا لا تُطاق، تسمّر داهان في مكانه للحظه ولم يصدق أذنيه، فتقدم نحو المطبخ وسُرعان ما توقف عند الباب عندما رأى والده واقفًا بجانب الموقد يُحضر القهوة بنفسه، ليهتف بدهشه: بابا!، رفع الكبير نظره بهدوء وعلى شفتيه ابتسامة خفيفة ليقل: هل تشرب فنجانًا معي؟، تقدم داهان ليقل: أصبحت تفاجئني كثيرًا في الآونة الأخيرة يا أبي، ألم تسافر إلى أنقره قبل يومين؟، التفت الكبير بجسده ونظر إلى أبنه ليردّ: بلى كنت هناك.. لكنني قررت أن أمدّ زيارتي لإسطنبول قليلاً، أسبوع وربما أكثر إن لم تطردني بالطبع، ضحك الآخر بخفه وهو يتقدم نحو الطاولة ويضع مفاتيحه عليها ليقل: بل أرجو أن تبقى، ومن ثم أردف: هل حارس البناية من أعطاك المفتاح الإحتياطي؟، أومى الكبير وساد صمت قصير بعدها قطعه الكبير الذي قال وهو يحرك القهوة: أين كنت؟ ولماذا تترك هاتفك هنا؟، جلس داهان على الكرسي وهو يُجيب: خرجتُ للتو من لجنة تحقيق بسبب أفعالي، ومن ثم نظر لظهر والده ليردف بنبرةٍ ساخره: هل وصلك الخبر؟ لقد تم تعليقي عن العمل، ليردّ الكبير بهدوء: أجل.. أرسل لي العميد رسالة وأنا في طريقي إلى هنا، قلّب داهان عينيه بإنزعاج ليقل: طبعًا لم يُفوّت الفرصة ليُخبرك، ليردّ الكبير بإستغراب وهو يسكُب القهوة في الفناجين: كنت دائمًا تقول عنه إنه جيد ما الذي تغير؟، ليقل داهان بغضب: ربما ملّ من اندفاعي أو ربما لا يتحمل قرارات لا تُمرر عبر قنواته الرسميه، ليقل الكبير وهو يضع فنجاني القهوة على الطاولة بهدوء: أم أنك تتصرف أحيانًا خارج ما يسمح به القانون؟، أشاح داهان بنظره للحظه ثم تنهد وقال: لقد أنقذتُ طفلاً كان مختطفًا! نعم لم أطلب إذنًا أعلم ذلك.. لكن والد الطفل أرسل إليّ ولم أستطع الإنتظار ليومٍ كامل من أجل الحصول على إذن رسمي، أنا تصرفت بما رأيته صوابًا ويبدو أن مثل هذا النوع من الصواب لم يعُد مرحبًا به في جهاز الشرطة بعد الآن، جلس الكبير مقابل أبنه وتأمل وجههُ قليلًا ليقل بخفوت: أحيانًا الصواب لا يحميك من العواقب يابني، أومى داهان بخفه دون أن يرد، ثم قال بعد لحظة من التردد: ثمة شيء آخر يشغلني أكثر من تعليقي عن العمل..، رفع الكبير بصره إليه فأكمل الآخر وهو ينظر إلى فنجان قهوته: الرجل الذي أمر بخطف الطفل.. هو ذاته تورّط في قضايا سابقه، يُدير كل شيء بالخفاء ويتحكم بالجرائم وكأن القانون خرافه لا وجود لها، لا نعرف له أسمًا حقيقيًا ولا صورة شخصيه فقط يُلقبونه بالكبير، أخفى الكبير توتره ببراعه وأسند ظهره على الكرسي ليقل بثبات: هل تملك دليلاً على ذلك؟، نفى داهان وهو يقول: لا ليس بعد، لكنني سأصل إليه وسأفضحه وأكشف وجهه، ثم رفع عينيه نحو والده ليقل بنبرةٍ تنبع من حقدٍ دفين: العم إحسان.. لفظ أنفاسه الأخيرة بين يديّ وفي يده زجاجة مسمومه، وكان آخر ما نطق به قبل أن يرحل هو "الكبير" وتقرير الشرطة نفى وجود شبهة جنائيه ورجّح حالة الإنتحار رغم أن الحقيقة كانت غير ذلك، تجمدت ملامح الكبير لوهله وأبقى نظره على فنجان القهوة بين يديه تفاديًا لعينيّ أبنه المتوهجتين بالحقد وربما بالحزن ايضًا، ليقل بخفوت: كنت تحبه كثيرًا..، ليردّ داهان بهدوء: أجل كنتُ أحبه، وما زلت أفتقده ولا أظن أنني سأكفّ عن ذلك يومًا، رفع الكبير بصره وبقي صامتًا وهو ينظر إلى أبنه، ليقل داهان حين لاحظ نظرات والده هذه: كلما ذكرت العم إحسان أشعر أن ملامحك تتغير.. هل كنتَ تغار منه؟، قال الأخيرة وهو يغمز بعينيه، ضحك الكبير بخفه ونقل أنظاره بعيدًا عن أعين أبنه للحظه، ليقل بعدها بنبرةٍ هادئه لا تخلو من السخريه: هل أبدو لك من ذلك النوع من الآباء الذين يغارون من رجلٍ ربّى أبنهم؟، صمت داهان ولم يُجيب ليردف الكبير: إحسان لم يكن خصمًا لي يا داهان بل كان رجلاً حمل عني عبئًا لم أستطع تحمّله حينها.. ربما أخطأت وربما تأخرت لكن لا أحد يستطيع أن يُنكر فضله حتى أنا، راح داهان يعبث في فنجانه دون أن يُجيب مرة أخرى، عمّ الصمت لثوانٍ قال بعدها الكبير لكي يُغير الموضوع: والد الطفل الذي تقول أنك أنقذته.. هل هو نفسه الذي قدّم البلاغ حين كنتُ في المكتب عندك قبل أن أذهب إلى المطار؟
––––––––––––––––––––
عودةً إلى المستشفى..
أغلق ياماش هاتفه والتفت نحو صالح الذي يجلس وهو ينظر إلى أبنه بشرود، ليقل وهو ينظر إلى الفلاشة في يده: العائله بخير ولم يحدث شيء في الحفره ما هذه إذن؟، نظر إليه صالح ليقل: هذه ***، عمّ الصمت لثوانٍ أردف صالح بعدها: لقد وصلوا إلى هنا ايضًا.. أنا لن أترك أبني هنا، مسح ياماش وجههُ ليقل: لنعلم محتوى هذه الفلاشة أولاً، وحين أنهى ياماش جملته هذه دخل جومالي إلى الغرفة وهو يهتف: هل أستيقظ قطعة الأسد هذا؟، التفت كلاهما إليه فأومى صالح بخفه ليقل: ليس بوعيه الكامل عندما استيقظ ولكنه بخير، تقدم جومالي نحوهم ونظر إلى إدريس النائم وهو يقول: سيصبح بخير أكثر فهو عنيد مثل والده، أعاد صالح بنظره إلى أبنه ليقل: لكنه لن يبقى هنا، تبادل جومالي النظرات مع ياماش ليسأل الأول: لماذا؟، رفع ياماش الفلاشة أمام جومالي وهو يقول: وجدها صالح في سيارتي في الأسفل، انقلبت ملامح جومالي ليشتم في داخله وهو ينظر بتمعن ليسأل: ماذا في داخلها؟، ليُجيب ياماش: لانعلم بعد، أقترب جومالي أكثر وأخذ الفلاشة من ياماش يتأملها، ثم رفع عينيه نحوه ليسأله: هل أنت متأكد من أنها لم تكن هناك من قبل؟، تنهد ياماش بعمق ليقل: أنا أتيتُ بالسيارة إلى هنا قبل ساعتين ولم يكن هناك شيء، لقد أتوا ووضعوها بينما نحن في الداخل، تبادل الإخوة نظراتٍ قلقه لثوانٍ تقدم بعدها ياماش وأخذ الفلاشة من يد جومالي وأتجه نحو الخارج، لكنه ما لبث أن توقف واستدار قائلاً: سأذهب لأرى ما تحتويه هذه الفلاشة هذه المره، ثم أشار بسبابته نحو صالح وأضاف: أبقى هنا يا صالح وتحدث مع الطبيب لنُرتب نقل إدريس إلى الحفره، ثم نظر إلى جومالي ليسأله: هل ستأتي معي يا أخي؟، فأجاب جومالي فورًا: أجل فلنذهب لنرى هذه ال***
––––––––––––––––––––
عودةً إلى شقة داهان..
أسند ظهره إلى الكرسي وهو يتنهد بخفه ليُجيب: أجل فارتولو.. أو بالأحرى صالح كوشوفالي، خارج عن القانون وله ماضٍ طويل في إنتاج وتصدير المخدرات، تظاهر الكبير بالدهشة ليقل: وما الذي يربطك بهذا المجرم؟، تردد داهان في الإجابه ولكنه قال: ما يربطني به هو أن بيننا عدوًا مشتركًا، فارتولو الهدف لهذا العدو وأنا الصياد وسنصل إليه معًا، رفع الكبير حاجبيه ببطء وتظاهر بالتفكير قبل أن يسأل: عدو مشترك؟ تقصد الكبير؟، أومى داهان وهو يرتشف آخر رشفة من قهوته ليردف الكبير: ألا تخشى أن يخدعك هذا الفارتولو؟ يعني أن يكون له هدفًا آخر من هذا التعاون، ليُجيب داهان ببرود: أنا لا أثق به ولكن هذه الحل الوحيد لإحتمال وصولنا إلى الكبير، صمّت الآخر ليقل بعد لحظة تفكير: كُن حذرًا يابني.. فأنا لا أريد فقدانك بأي شكلٍ.. كان، أبتسم داهان ليقل: لاتقلق لن أموت قبل أن أواجه من يُسمي نفسه الكبير، ليقل الكبير فورًا: لاسمح الله يابني، نهض داهان ونزع سترته ليقل وهو يتنهد بقوه: لقد أزعجني ذلك العميد إلى حدٍ كبير وأشعر أن تعاوني مع فارتولو قد يتأثر سلبًا بسبب تعليقي الآن، ليقل الكبير بخفوت: أزعجك؟، تنهد داهان ليقل: أزعجني فقط؟، ثم تابع وهو يخطو نحو المغسلة ليضع فنجانه: بل أشعر أحيانًا أنه يتعمّد كسر أي خطوة أُقدم عليها كأنني لا أملك الحق حتى برفع رأسي دون أذنه، نظر الكبير بصمت وداخله يعجّ بصوتٍ آخر.. كلمات أبنه حفرت في روحه خندقًا من الغضب لم يستطع كبحه، فخفض رأسه قليلاً وهو ينظر للفراغ بحدّه التقط فنجانه بهدوء وأرتشف منه ومن ثم أعادهُ وقد أرتسمت على شفتيه إبتسامة بالكاد تُرى، ليهمس لنفسه: العميد..، رددّ الأسم في ذهنه وكأنه يقرر ما سيفعله، ثوانٍ ورفع بصره إلى ظهر أبنه الذي يغسل الفنجان ثم اعتدل في جلسته واضعًا قدمًا فوق الأخرى بهدوء ليقل بخفوت: ستعود إلى عملك، لكنني لن أسمح لك بكشف هوية عدوك، التفت داهان إليه فجاءه ليقل: هل قلت شيئًا يا أبي؟، أبتسم الكبير بخفه ليقل: قلتُ ماذا ستفعل الآن؟، تنهد داهان واستدار ليتكئ على المغسلة وهو يقول: سأفكر.. ربما سأفتح مقهى صغير وأعتزل من يدري؟، ضحك الكبير ضحكة صادقه هذه المرة ليقل: وماذا عن القهوة؟ هل تريد أن أرسل لك شحنة من أنقره كل أسبوع؟، ليردّ داهان وهو يتجه إلى غرفته: فقط إن كانت مثل التي أحضرتها اليوم.. سأوافق، ظلّ الكبير ينظر إلى ظهر أبنه بشرود وهو يعلم حق اليقين بأن أعين أبنه أن واجهته بالحقيقة يومًا ما لن يُرى فيها إلا قاتلاً.. لا أبًا ولا حتى غريبًا يمكن مسامحته، بينما داهان الذي جلس كمن وجد في والده ملاذًا.. لا يدرك أن من أمامه لم يكن فقط شاهدًا على فقده، بل كان صانعه وفاعل كل ذلك الحزن العالق في صدره منذ أعوام طويله وأنه يقدم وجه الأب الحنون ليُخفي خلفه قاتلاً لايرحم..
––––––––––––––––––––
مركز الشرطه..
كانت غرفة التحقيق مضاءة بشكلٍ خافت وهادئه بشكل إعتيادي، دُفع الباب ودخل منه أحد المحققين بهدوء وبرود، جلس أمام تلك التي تراقبه ببصرها مستغربه، فعلى حسب علمها داهان هو من سيُحقق معها كما قال بالأمس، جلس المحقق أمام آصلي ووضع ملفًا رفيعًا على الطاوله، فتحه دون أن ينظر إليها ثم قال بصوت متزن: آصلي إردام.. هل تعلمين سبب وجودكِ هنا؟، هزّت رأسها ببطء وقالت وهي لم تُباعد نظرها عنه: أعلم مايكفي..، رفع المحقق نظره عن الأوراق وحدّق بها للحظات ليقل: ما يكفي؟ حسنًا.. دعينا نتحقق من ذلك سويًا، أغلق الملف وأسند ذراعيه إلى الطاولة ليُكمل بنبرة هادئه: كنتِ داخل منشأة غير قانونيه يُجري فيها الأمن عملية مداهمه، دون تصريح وبرفقة رجل لا يمتّ لكِ بصلةٍ رسميه، وخرجتِ من هناك مع طفلٍ مُختطف تحت الرصاص.. هل ترغبين في تقديم تفسيرٍ واضح لكل هذا؟ أم ننتظر النيابة لتُحدد نواياكِ؟، لم تُبدي آصلي أي إنزعاج أو توتر بل ظلتّ ثابته وهادئه وهي تُجيب: ما حدث ليس لغزًا ياحضرة المحقق.. دخلت لأنني علمت بوجود طفلٍ في خطر وخرجتُ لأنني لم أحتمل أن أتركه هناك، رفع المحقق أحدى حاجبيه ليقل: بهذه البساطه! أي شخص يمكنه قول ذلك، لكنكِ لستِ من عائلة الطفل ولستِ مسؤولة أمنيه ولا حتى قريبة من أي جهة رسميه، والأهم من كل ذلك.. من يعلم ربما تكونين أنتِ جزءًا من هذه المنشأة غير القانونيه، أبتسمت آصلي بسخريه بينما تابع المحقق حديثه وهو يُميل بجسده قليلاً إلى الأمام بنظراتٍ متفحصه ونبرةٍ أقرب إلى الشك: أخبريني يا آنسة آصلي.. ما الذي يجعلكِ تقتحمين مكانًا كهذا؟ مسلحًا ومشبوه وتخرجين منه مع طفل مُختطف منذ أيام ثم تُقدمين تفسيرًا يشبه خطابًا إنسانيًا؟، نظرت آصلي لثوانٍ قالت بعدها بثبات: وهل الخطاب الإنساني فقد قيمته في عالمكم هذا؟ أليس من المفترض أن يكون هذا سببًا كافيًا للتصرف لا موضعًا للشك؟، ليقل المحقق بنبرةٍ لا تخلو من السخريه: ربما.. لو كنا نعيش في روايةٍ مثاليه، ثم فتح الملف مجددًا وقال: لدينا هنا إفادات من عناصر القوة التي داهمت الموقع، أحدهم يقول إنه رآكِ وأنتِ تركضين بالطفل هاربة من وبل الرصاص الذي في داخل المنشأة، واللافت أنكِ خرجتي قبل دخول القوات بدقائق.. هل تعلمين ماذا يعني هذا؟، صمتت آصلي للحظه ثم قالت: يعني أنه كان عليّ أن أخرج قبل أن يُقتل الطفل في تبادل إطلاق النار، أغلق المحقق الملف فجاءه وأسند ظهره إلى الكرسي وهو يُحدق بها ليقل: أنتِ تُراوغين، أجابت الأخرى فورًا: بل أُجيبك بالحقيقه، كاد المحقق أن يتحدث مجددًا ولكن قاطعهُ صوت طرق الباب، ليدخل أحد العناصر وهو يقول: سيدي لقد وصل محامي المشتبه بها، نظر المحقق إلى آصلي التي ظلتّ صامته بالرغم من دهشتها فهي لم تطلب محامي ولم تفكر في ذلك حتى، أشار المحقق إلى العنصر وهو يقول: دعهُ يدخل لنرى..، لاحقًا خرج المحامي برفقة آصلي ولم تكن ملامحها توحي بإنتصارٍ أو هدوء بل كانت حذره، توقف المحامي بعيدًا عن غرفة التحقيق والتفت إليها وهو يقول: أرسلني وليّ جوهر صديق فارتولو لإخراجك وهو الآن ينتظركِ في الخارج، أذهبي للإدارة لكي تسترجعي متعلقاتكِ الشخصيه ومن ثم سنخرج، أبتسمت آصلي نصف إبتسامه ومضت في إتجاه الإدارة دون أن تلتفت، وفي الخارج.. وقف وليّ بجوار سيارته، يتكئ عليها بكتفٍ واحد وهو ينظر إلى بوابة المركز، وتولغا بجانبه يتصفح هاتفه الذي في يده، لحظاتٍ وخرج المحامي ليعتدل وليّ في وقفته بينما رفع تولغا عينيه عن هاتفه وهو يسأل وليّ: هل خرجت؟، لم يُجب وليّ بل ثبتّ نظره على الباب ليرى آصلي تخرج خلف المحامي، صافح المحامي وليّ بينما شكره الأخير على إخراجه لآصلي، لتتقدم الأخيرة بعد ذهاب المحامي وهي تسأل: الطبيب؟، رفع تولغا أحد حاجبيه ليقل: لم نعلم أن لديكِ شروطًا، نظرت إليه طويلاً دون أن تجب، ليهتف وليّ بعد لحظة الصمت هذه: هو وضعه معقد قليلاً فيما يخص هوية الطبيب المخالف الذي في المركز وما يتبع ذلك لكننا سنتولى الأمر ونُخرجه، نقلت آصلي بصرها إلى وليّ لتقل بهدوء وبتفحصّ: لا تتعبوا أنفسكم أنا سأُخرجه، فلنذهب الآن لفارتولو فأنا مُدينة له ببعض الإجابات، وقبل أن يُجيب وليّ رنّ هاتفه فأبتعد قليلاً عنهم ليُجيب، وأثناء ذلك تقدم تولغا ليسأل: جميعنا نريد سماع الإجابات هذه، تنهدت بخفه وقالت سريعًا دون أن تنظر إليه: هل نذهب أم ماذا؟، التفت تولغا ناحية وليّ الذي تقدم بملامح مذعوره ليقل: أنا سأذهب إلى الحفره، عقدّ تولغا حاجبيه ليسأل بقلق: هل حصل شيء؟، فأجابه وليّ بخفوت: ياماش أتصل عليّ.. لقد وجدوا شيئًا، توتر تولغا ليقل وليّ وهو يهّم بالصعود إلى سيارته: خذها إلى المستشفى حيثُ صالح وكُن حذرًا، لتهتف آصلي بنبرةٍ مرتفعه: لا أحتاج إلى مرافقة أحد ولديّ أمانة يجب أن أوصلها لفارتولو على أية حال، لذا سأذهب الآن ونلتقي لاحقًا، توقف وليّ عند طرف الباب والتفت وكأنه أستوعب أمرًا ليقل: هل الرجلين؟، أومت الأخرى ببرود ليهتف وليّ: تولغا سيُرافقكِ وسأرسل خلفكم بعض الرجال، رفعت آصلي حاجبها بحدّه وكادت أن تتحدث لولا أن وليّ قال: أنتهى الكلام لا مجال للنقاش يا آنسه، وصعد إلى سيارته وأنطلق مع تنهد آصلي بإنزعاج ونظرات تولغا القلقه..
––––––––––––––––––––
شقة داهان..
خرج من غرفته وهو يجفف شعره بمنشفةٍ يحملها بيده ليرى والده جالسًا في الصالون يتصفح هاتفه بصمت، رفع الكبير نظره إلى داهان عندما قال: هل رنّ هاتفي وأنا بالداخل؟، نفى الكبير برأسه فالتقط داهان هاتفه وعبث به قليلاً ثم قرّبه من أذنه منتظرًا إجابة من الشخص الذي أتصل به، لحظاتٍ وأجاب معاونه بغضب: هل أنت سعيد بما حدث ياداهان؟ هل شعرت بالإرتياح عندما علّقوا مهنتك وفتحوا معك تحقيقًا هذا الصباح؟، تملّل داهان ليقل: دعك من هذا الآن ماذا حصل بأمر الطفل؟
–الطفل لا يزال في المستشفى تحت المراقبه، الأطباء قالوا أن ذاكرته ما زالت مُضطربه ولم يستعيد وعيه بالكامل لكنه تتجاوب ببطء مع من حوله
=جيد.. وفارتولو ماذ يفعل؟
–لاشيء بجانب أبنه فقط حاليًا.. أتعلم؟ إن علم العميد أنني أزوّدك بمعلومات تتعلق بملفٍ لم يعُد تحت إشرافك، سيُعلق مهنتي أنا ايضًا بل وربما أسوأ من ذلك، أساسًا بات يكلمني من طرف أنفه بعد ما حدث
=وما شأنك أنت بكل هذا؟ أنت لم تذهب معي إلى المداهمة أصلًا
–ألستُ معاونك؟ هو يُصر على أنني كنتُ على علمٍ بأمر المداهمة ولم أخبره، وكأنّني من خطط لها
=لا*** هذا العميد، أسمعني لا تقلق بشأن نفسك فأنا لن أزجّ بك في شيء فقط أبقني على اطّلاع ولو من بعيد، ومن ثم أغلق الهاتف وجلس على الأريكة بعد أن رمى المنشفة من يده بعنف، التقطت نظرات الكبير حركاته هذه وتفاصيل وجهه لكنه لم ينبس بكلمة ولم يطرح عليه أي سؤال، مسح داهان وجههُ وإستقام ليقل: أنا سأخرج يا أبي، لدي بعض الأعمال وربما سأتأخر قليلاً، ليسأل الكبير بهدوء: أي أعمال؟ هل نسيت أنهم علقوا مهنتك، أبتسم داهان ليقل: شكرًا لك يا أبي العزيز على تذكيري في كل مره، أبتسم الكبير ليردف داهان: سأتوجّه إلى المستشفى لأتكلم مع فارتولو وأطمئن على حالة الطفل ثم سأبحث عن طريقة لإستجواب تلك المرأة وبعد ذلك سأفكر بخصوص تعليق مهنتي، عقد الكبير حاجبيه ليسأل: العميد وفارتولو ثم عدو والآن امرأه! ما الذي يجري معك يا بني؟، ذهب داهان والتقط معطفه، وضع مسدسًا صغيرًا في أحد جيوبه ثم هتف وهو يستدير نحو والده: هذه الأمور التي كنت تقول أنني لا أخبرك بها عن سير عملي وقضاياه.. هل غيرت رأيك الآن يا سيد عدنان؟، نهض الكبير والتقط سترته هو الآخر ليُجيب: لا و هيّا لنذهب معًا، توقف داهان للحظة وهو ينظر بإستغراب، ليردف الكبير عندما رأى نظرات أبنه هذه: وأنا ايضًا أودّ أن أهنئ فارتولو على سلامة أبنه..
––––––––––––––––––––
حيثُ تولغا وآصلي.. كانت سيارة تولغا تسير بإتجاه منزل الطبيب وخلفهم سيارة لرجال وليّ الذين يُرافقونهم، أغلق تولغا هاتفه بعد أن تكلم مع وليّ الذي أخبره أن الوضع بالحفرة بسيط ولايوجد شيء، وأن وعليه أن يهتم الآن بأمر هذه المرأة وأن لا تختفي حتى يتكلمون معها ويعلمون من هي وما غايتها، بينما آصلي التي كانت طوال الطريق تنظر إلى النافذة بصمت ولم تنبس بكلمة البته ولم تلتفت حتى، تنهد تولغا بعمق ليقل بعد لحظات ونظره على الطريق: ما قصة الرجلين؟، مرتّ ثوانٍ ولم يجد إجابه من الأخرى ليردف: لم تكُن لعبه.. وأنقذتي إدريس حقًا، لم تُجب الأخرى مجددًا ليقل تولغا بحدّه وهو يلتفت بنظره نحوها: هل لديكِ مشكلة في التحدث؟، لتُجيب بخفوت: بل مشكلة لاتعرفها، ليهتف تولغا عندما لم يسمعها جيدًا: ماذا قلتِ؟، لتقل هي بنبرةٍ مرتفعه: دعنا نذهب لذلك المنزل وأعطيك أولئك ال*** لننتهي من هذا الأمر، ضحك تولغا بخفه ساخرًا وهو يعود بنظره إلى الطريق، صمتتّ هي ولم تفهم سبب ضحكته هذه، لاحقًا وصلوا لمنزل الطبيب فترجّل الإثنان وبالمثل رجال وليّ، ليقل تولغا: موقع ممتاز..، ذهبت هي ناحية المنزل وفتشت في زواياه الخارجية وهي تبحث عن المفتاح، لتجده مخفيًا في أحد النوافذ، دخلت بسرعه ودخل وراءها تولغا بحذر، صعدت إلى الأعلى حيثُ الغرفة التي وضع بها الطبيب كنان وشهرام، فتحت الباب لترى كنان مستيقظًا ينظر إليها بحده وشهرام في أحد الزوايا مُرتخيًا وكأنه بين اليقظة والنوم، تنهدت بعمق وهتفت بسخريه: لا تؤاخذوني لم أتمكن من إطعامكم منذ البارحه فقد كنت منشغلة ببعض الأمور، قلّب كنان عينيه من خلف القماش الذي يكمّم فمه بضجر، بينما أقتربت هي من شهرام لتقل بخفوت: شهروش جم.. لو تعلم مدى سعادتي في هذه اللحظه.. ولو تدرك حقًا مع من أتيتُ إلى هنا، وفي تلك اللحظه ظهر تولغا من خلف الباب، فتجمّد كنان في مكانه فور رؤيته لتولغا، هو يعرف تولغا جيدًا.. فصورته كانت معلقه في تلك اللوحة الخاصه بسافاش.. وأدرك فورًا أنه بات في قبضة صالح، أما تولغا فقد شُلّ بدوره حين وقعت عيناه على شهرام.. فرؤيته لهذا الأصلع أعادت إليه دون إنذار ما حدث قبل أشهر في مكتب منزل العائلة حين هاجم شهرام الحي آنذاك.. الخوف القديم والقلق اللاواعي تسللا إلى صدره من جديد، لكن هذه المرة كان الشعور أشد وكأن تلك المواجهة لم تنتهي قط حتى وإن أنتهت بشجاعته ووقوفه في وجه شهرام وقتها.. رجفة قلبه المفاجئه أربكته ولم يجد لها تفسيرًا خاصةً وأن شهرام الآن مكبّل.. نصف واعٍ لا يُشكّل تهديدًا مباشرًا، ومع ذلك ما زال حضوره يُربك تولغا ويوقظ فيه شيئًا لم يُشفى بعد، فتراجع خطوة إلى الوراء وعيناه مُثبتتان على شهرام، وفي تلك الأثناء التفتت آصلي نحو الباب وما إن رأت ملامح تولغا حتى انقلبت ملامحها هي الأخرى بالكامل..
––––––––––––––––––––
المستشفى..
خرج صالح من غرفة الطبيب بعدما تحدث معه وأصرّ عليه بقوة أن بقاء إدريس في المستشفى لم يعد خيارًا آمنًا فالمكان مهدد والطفل لا يزال في دائرة الخطر، فوافق الطبيب بعد محاولاتٍ وقد أدرك أن الطفل نجا للتو من حادثة اختطاف، وأن خروجه الآن قد يكون ضرورة أكثر من كونه مخاطره، التفت صالح حين سمع صوت داهان من بعيد، ليرى الأخير يتقدم نحوه وخلفه رجل يبدو في العقد الخامس من عمره، وقف داهان أمام صالح وسأله بهدوء: ما أخبار أبنك؟، أومى صالح بخفه ليُجيب بنفس الهدوء: أفضل الآن..، ليقل داهان: هل لديك خبر بتعليق مهنتي؟، عقدّ صالح حاجبيه ليقل: وهل أنت سعيد بهذا؟، وحينها قاطعهم صوت الكبير الذي لم يُبعد أنظاره عن صالح لحظةً واحدة منذ قدومه: ليس سعيدًا ولكن ماحدث حدث بسبب إنقاذه لأبنك..، نظر صالح بإستغراب ونقل أنظاره بين الإثنان قبل أن يبتسم داهان وهو يقول: لم أعرفّك.. هذا والدي عدنان كارا..، وفي الجهة الأخرى داخل مقهى الحفره، نهض ياماش بغتة كمن أصيب بصاعقه وعلت بعد نهوضه أصوات الزجاج المتناثر والكراسي المتهاويه، راح يُحطم كل ما تطاله يداه وأرتفع صراخه بقوه، بينما بقي وليّ.. واكين وجيلاسون صامتون وهم يتراجعون إلى الخلف قليلاً ماعدا جومالي الذي ظلّ جالسًا في مكانه وهو يشدّ على قبضته وعينيه على شاشة الحاسوب بغضب والشرار يتطاير منها..
إلى اللقاء في البارت القادم..

لا يوجد سوى الألم..حيث تعيش القصص. اكتشف الآن