Part 38

388 16 3
                                        

"كل خطوةٍ تحسبها، قد حسبناها قبلك"
يبدو أننا سنلتقي كثيرًا في هذه الآونه..، هذا ماقاله ياماش الذي منذ لحظة سماعه بأن كارتال هو من أرسل صادق ليُورطهم بالبضاعة المسروقه وهو يستنشط غضبًا، ظلّ كارتال يُحدق في ياماش للحظه، ثم نقل نظره إلى متين جيلاسون وميكي الذين يقفون خلفه وإلى جانبهم ثلاثة من شباب الحفره، عقد حاجبيه قليلاً ليقل ببرود بعد ثوانٍ من الصمت وتبادل النظرات: سيد ياماش.. ماهذه الزيارة الجميله؟، تقدم ياماش ببطء، ليقل وأنظاره تتفحص الآخر بحدّه: أين أبن أخي؟، ليتكئ كارتال على الطاولة وهو يُخرج سيجارة من جيبه ليقل: حقًا؟ هل توجّه هذا السؤال إليّ أنا؟، ليهتف ياماش وشبه ابتسامةٍ ارتسمت على شفتيه: لا تلف وتدور، أين إدريس؟، أشعل كارتال سيجارته وأخذ نفسًا منها قبل أن يرد: أخيك من أرسلك؟، ليُجيب ياماش بغضبٍ طفيف: أجل، هل لديك مانع؟، رفع كارتال حاجبه للحظه متفاجئًا من نبرة الآخر، لكنه تجاهلها ونفض رماد سيجارته جانبًا وهو يقول بلا مبالاة: إن كان مجيئك إلى شركتي لهذا السبب فقط.. فأنت في المكان الخاطئ، أبتسم ياماش هذه المرة بشكل واضح وهو يقول: بل إنني في أكثر الأماكن صحة، ومن ثم أقترب ليردف: تصبح شريكًا لصالح بالإجبار، وعندما أُعتقل أخرجتهُ من السجن ونعلم جميعًا السبب وراء ذلك، ثم تأتي معي بلا أي سبب لإنقاذ الحفرة من هجوم جوزيف! وبعدها.. ينقذك صالح ويُخرجك من السجن، بل وتجلس معه تخطط للوصول إلى الكبير، لكن في النهايه.. تبيّن أنك كنت *** استغليت معرفته القديمه بك وخدعته طوال الوقت، وأرسلت صادق بنفسك ليورّط الحفرة في بضاعة مسروقه، ضحك كارتال قليلاً ثم قال بسخريه: اووه! تم إخبارك بالقصة كامله إذن.. وهذا يعني أن أخاك قد عاد إلى جانبك، ليقل ياماش: لاتختبر صبري.. أخبرني أين إدريس، أبتسم كارتال ليُجيب: وأنا من أين لي أن أعرف؟، أغمض ياماش عينيه بقوه، ليردف كارتال بسخريه: كان بإمكانك توفير وقتك بالمجيء إلى هنا فقد كنت سآتي إليك على أي حال.. لكن قل لي لماذا جئت؟ هل من أجل أبن أخيك أم من أجل حفرتك؟، تنهد ياماش والتفت ناحية الشباب بإبتسامةٍ ساخره وهو يرفع كتفيه قائلاً: لا يحصل!، تأهب الجميع فورًا واستدار ياماش بحركةٍ سريعه موجّهًا لكمه قويه إلى كارتال، تراجع الآخر خطوتين إلى الخلف وانحنى قليلاً مُمسكًا أنفه على آثرها، رفع رأسه بعد ثوانٍ وهو يمسح الدماء ويُتمتم: رائع..، ليُشير ياماش بسبابته وهو يقول: هذه لن تكون اللكمة الأخيره.. ستنال المزيد على كل ما فعلته بأخي، ولن أكرر سؤالي مرةً أخرى.. أين إدريس؟، أمال كارتال رقبته قليلاً وهو يُغمض عينيه للحظه قبل أن يبتسم بخفه.. وعلى حين غرةٍ وجّه لكمة سريعه لياماش وتلتها أخرى مباشرةً، وحين كاد ياماش يرفع رأسه باغته الآخر بركلة قويه نحو صدره جعلته يتراجع بعنف إلى الخلف نحو جيلاسون ومتين اللذين أمسكاه بقوه قبل أن يفقد توازنه، ضحك ياماش بخفه وهو ينظر إلى كارتال الذي كان يعدل ياقة قميصه وكان شيئًا لم يحدث، ليقل كارتال ببرود: أنت وأخيك.. دائمًا تعتقدان أن القوة تحل الأمور، ثم أشار بسبابته إلى أنفه الدامي واردف بسخريه: لكن يجب أن أعترف.. لديك لكمة قويه رغم أنها لن تُجدي نفعًا إن كنت لا تعرف أساليب القتال جيدًا، سحب ياماش ذراعه من قبضة جيلاسون ومتين بعنف، وقبل أن يتحرك نحوه رفع كارتال يده وكأنه يوقفه ليقل ببرود: لماذا كل هذا التوتر؟، توقف ياماش وهو يُحدق في الآخر بحدّه بينما أكمل كارتال: هل تعتقد أنني ساذج لأساعد في اختطاف طفلٍ لا ذنب له؟ أخيك يعلم جيدًا أنني لا أعرف مكان أبنه، لذا لا تأتي الآن وتحاول لعب دور البطل أمامي، ليقل ياماش من بين أسنانه: أجل أنت ساذج.. ساذج وعديم شرف، تجاهله كارتال ورفع يده ينظر إلى ساعته قبل أن يقول بهدوء: قد تم..، وفي اللحظة ذاتها، دخل مجموعة من الرجال إلى المكتب من خلف شباب الحفرة يفُوقونهم عددًا، أبتسم كارتال بخُبث ليردف: ليس لدي المزيد من الوقت الآن، لكن أعدك.. سنُكمل هذا الحديث لاحقًا، قال الأخيرة وهو يغمز بمُكر، مسح ياماش الدماء من على طرف شفتيه ليقل مهددًا الآخر بسبابته: لا تظن ولو لثانيةٍ أنني سأتغاضى عن محاولتك لتوريط حييّ.. سنلتقي وقريبًا جدًا، أبتسم كارتال ليقل: بالطبع.. لنرى إن كنت ستجد الوقت لاحقًا للقاء بي، توقف ياماش لوهله وهو ينظر بشّك فلم يرق له كلام كارتال ابدًا، ومع ذلك أبتسم بسخريه وقبل أن يستدير هتف كارتال: ولا تضيّع وقتك في البحث عن صادق.. كان رجلاً غبي رحمه الله، تجاهله ياماش ويخرج بغضب وخلفه الجميع.. ما عدا واحدًا منهم بقي في مكانه يُحدق بكارتال..
––––––––––––––––––––
موقف السيارات..
نظر صالح ناحية داهان الذي يتكئ على طرف الباب وهو ينظر إليهم بشّك، ليقل صالح بضيق: أنت مجددًا؟، أبتسم داهان ليقل: لماذا؟ ألا تريد رؤية وجهي الجميل؟، رفع صالح حاجبه وهو ينظر إلى داهان بسخريه ليقل: أقسم أنك أسوء شيءٍ ظهر في حياتي مؤخرًا، ليقل داهان بتلقائيه: بعد الكبير بالطبع..، ودلف إلى الداخل بغير اكتراث، أمعن النظر في المكان.. صالح ورجل الأمن الذي يقف متوترًا، فقط.. أما جومالي؟ منذ أن سمع صوت داهان لاذ بالفِرار حتى صالح نفسه لا يعلم كيف أختفى بهذه السرعه، رفع صالح حاجبه وهو ينظر حوله وكأنه أدرك فجاءه الإختفاء المفاجئ لشخصٍ كان يقف هنا قبل لحظات، القى نظرة خاطفه نحو الباب الخلفي ثم عاد بنظره إلى داهان الذي كان يسير في الغرفة ببطء وعينيه تتفحصان المكان، جلس على الكرسي المقابل براحةٍ مستندًا بظهره وكأنه في منزله، ليقل بنبرةٍ هادئه: هل تُجري تحقيقًا هنا؟ بدون محضر رسمي أو حتى حضور محامي لهذا الرجل المسكين؟ عيب عليك والله!، تنهد صالح بإنزعاج ليقل بحدّه: أذهب إلى عملك فليس لدي الوقت لأسمع هراءك في كل مره، رفع داهان حاجبيه ليقل: هل أزعجتك رؤية وجهي لهذه الدرجه؟، ليجيب صالح بغضبٍ مكتوم: جدًا.. فلماذا لا تُسد لي خدمه وتختفي من هنا؟، تجاهله داهان ونظر إلى رجل الأمن الذي يراقبهم بقلق، ليقل مخاطبًا إياه: ماذا حصل؟ هل أزعجت مديرك؟، نظر إليه رجل الأمن بحذر ولم يرد، ليقل صالح وهو يضغط بأصابعه على جبينه: أخرج قبل أن أفقد أعصابي، لم يتحرك الآخر بل أبتسم بخفه وهو ينظر إلى صالح ليقل وهو يتكئ للأمام: حسنًا، بما أنك منزعج قليلاً دعنا ندخل في صُلب الموضوع... يجب أن نتعاون، رفع صالح نظره لبرهه وحدق قليلاً قبل أن يبتسم بسخريه وهو يقول بخفوت: كيف سأتخلص منه يالله، ليردف بنبرةٍ أعلى: حبًا في الله أخرج وعُد من حيث أتيت وإلا ستجعلني أرتكب جريمةً بحق ضابط شرطه هنا، لينهض داهان فورًا وكأن كلمات صالح أشعلت غضبه، فتقدم نحوه بسرعه وهو يقول بحدّه: ألم تفعل ذلك من قبل اساسًا؟ المحقق يامان يلماز من قسم مكافحة المخدرات.. بماذا يُذكرك هذا الاسم إذًا؟، عقد صالح حاجبيه ونظر بإستغراب متفاجئًا من غضب الآخر وسؤاله عن شخص غريب لا يعرفه، ليردف الآخر بغضبٍ أكثر: لا تتذكر؟ حسنًا دعني أُنعِش ذاكرتك.. إنه المحقق الذي استجوبك لحظة القبض عليك أثناء عملية تسليم حيث كنت تحمل أطنانًا من المخدرات، هدَدته ليُغطي الأدلة وتلاعبت بها لتفلت من السجن ثم قمت بقتله، والآن.. هل ستُنكر يا فارتولو؟، لم يكن داهان يمزح هذه المره، لم يكن يسخر أو يستفز كما يفعل دائمًا، بل كان غاضبًا.. غاضبًا بشكلٍ كبير، تقدم خطوتين للأمام واردف بألمٍ وغضبٍ في آن واحد: نحن أيضًا نأخذ بثأر أحباءنا وننتقم لأصدقائنا يا فارتولو، لكن الفرق هو أننا نفعل ذلك وفقًا للقانون، أما أنتم..، قاطعه صالح وهو يرفع يده ليُوقفه يحاول إستيعاب ماسمِعه: توقف للحظه..، لم يتكلم داهان فقط أنتظر الآخر ليُكمل حديثه، "أنا لم أقتله" قالها صالح بخفوت وبدهشه، لم تتغير ملامح داهان الغاضبه بل ضحك بمراره، التفت الإثنان في لحظتها فور سماعهما لصوت محرك سيارة يقترب، ولم يكن القادم سوى معاون داهان، عاود الأخير النظر إلى صالح وهو يقول: لا تبدأ بلعب دور البريء الآن.. أنت تعلم جيدًا ما فعَلته، ليقل صالح بحدّه: أنت تتهمني بشيء لم أفعله، أنا لم أقتل احدًا، نفض داهان رأسه بقوه وكأنه يريد التركيز بشيءٍ آخر مع تقدم معاونه نحوهما بقلق، ليقل داهان: أصمت هذا ليس موضوعنا الآن، موضوعنا أنك ستتعاون معي، فأنا أصبحت أعرف كل شيء.. الكبير وقتلك لعائلته قديمًا وأنه يريد الإنتقام منك، وخطفه لأبنك.. وتخبطك لإيجاده.. كل شيء، اتسعت عينيّ صالح قليلاً وهو ينظر بغضبٍ وإستغراب من معرفة الآخر بالأمر، بينما أردف داهان بغضب: ستتعاون معي شئت أم أبيت..
––––––––––––––––––––
مكتب كارتال..
التقط منديلاً ومسح الدماء من أنفه، وحين التفت عقد حاجبيه إستغرابًا من بقاء أحدهم، جيلاسون.. الذي سبق وأن عمل مع كارتال بالإجبار ايضًا، ولم يعلم أحد بذلك سوى صالح، ليقل كارتال بسخريه: لماذا لا تزال واقفًا هنا؟ هل أشتقت للعمل معي؟، أبتسم جيلاسون بخفه وهو ينظر بسخريه، ليردف كارتال: لا ألومك فروسيا بلدٌ جميل.. لكن طقسها بارد اليس كذلك؟، ليهمس جيلاسون: بارد.. بارد جدًا، ليقل كارتال بإستفزاز: طبعًا.. كان الذهاب إليها هو الخيار الأنسب، فلو لم تفعل لكنت الآن جثةً هامده في إحدى الغابات الموحشه، تقدم جيلاسون قليلاً ليقل بهدوء متجاهلاً كلام الآخر: أنا قلت هذا الكلام سابقًا لشخصٍ يرقد الآن تحت التراب.. وأعتقد أنك بحاجةٍ إلى سماعه، أبتسم كارتال واتكئ على الطاوله متصنعًا الإهتمام، ليردف جيلاسون بنفس الهدوء ولكن بنبرةٍ تحمل شيئًا من الحدّه: هل تظن أنك تعبث مع الكوشوفالي فقط؟ تورّط هذا وتهدّد ذاك وتتلاعب بآخر؟ أنت مخطئ يا كارتال تكين، أنت تعبث مع الحفرة بأكملها، اتسعت إبتسامة كارتال بخفه لكنه لم يقاطع حديث الآخر بل أومى برأسه وكأنه يطلب منه أن يُكمل، ليردف جيلاسون: لأنه إن كنت لا تعلم، عندما يلزم الأمر الحفرة تحمي الكوشوفالي كما يحمونها هم "توقف للحظات وأكمل بخفوت" ياماش قد وضعك في رأسه بالفعل، وهذا سيء بما فيه الكفايه.. لكن ما عليك أن تنتبه منه أكثر هو فارتولو..، في هذه اللحظه تلاشت الإبتسامة من وجه كارتال تدريجيًا لكنه لم يتحرك، فقط نظر إلى جيلاسون نظرة خالية من أي ردة فعل، ليُكمل الآخر بنفس هدوءه: لأن فارتولو لا يرى أمامه، يُحطم.. يهدم.. ويفعل أي شيء ليصل إلى أبنه، واستدار ذاهبًا بدون انتظار أي إجابه، ليُقاطع خروجه قول كارتال: يبدو أن الشخص الذي يرقد تحت التراب لم يكن ذكياً بما يكفي، استدار جيلاسون بعد ثوانٍ من الصمت، ليقل: لا.. بل كان ذكيًا، لكنه لم يكن مستعدًا لما ينتظره وأستخف بالأمر قليلاً.. مثلك الآن تمامًا، وخرج جيلاسون مع إعتدال كارتال وذهابه نحو النافذة وهو يتنفس بعمق، ليهمس: أنا مستعد وسأقف بجانب الكبير حتى لو كان عدوي ولن أكترث، يكفي.. لن أعرّض حياة أختي للخطر مرةً أخرى من أجل شخص لايستحق، وأغمض عينيه مفكرًا في ما جرى خلال اليومين الماضيين، وفي التفاصيل والأحداث التي قلبت الموازين..
<<فلاش باك>>
بعد أن أمرَ كارتال رجاله بمراقبة مقر الكبير، لم يكن ذلك خافيًا على الكبير بل كان يعلم تمامًا بالأمر، فهو أراد إختبار ولاء وصِدق كارتال فإستدرجه إلى مقرٍ وهمي ليكتشف إن كان قد عاد تحت قيادته فعلاً أم أنها خطة مشتركه مع صالح، راقب تحركات كارتال عن كثب وعلِم بكل ما يجري.. من قدوم صالح إلى قصر كارتال، إلى حديثهما في بناية شقة ليلى، وحتى مراقبة كارتال لمقره، وعندما تلقى مراد بعض المعلومات من أحد رجال كارتال، أدرك كارتال الأمر على الفور، فتوجّه إلى مقر الكبير لكنه لم يجده هناك.. وعندها أخبر أحد رجال الكبير بأن صالح قد اكتشف موقع المقر وقد يأتي في أي لحظه.. لم يكن هدفه تحذيرهم بقدر ما كان يريد منع صالح من إفساد خطتهم خاصةً بعدما بدأ الكبير يثق به اخيرًا كما يظن، وحين عاد الكبير من أنقره أتصل على كارتال ليقل: هل ماسمعته صحيح؟، أجاب كارتال بالرغم من إستغرابه فهذه اول مرةٍ يتحدث بها مع الكبير على الهاتف: اجل..
= كيف علِم فارتولو بأمر المقر يا أبن المدير؟ لا أحد يعرف عنه سوى رجالي.. وأنت
–"بتوتر" لا أعلم، ربما كان يتعقبني عندما جئت إلى هناك بالأمس
="بضحكةٍ ثقيله" تعقبك؟ أم أنك أنت من راقبني وراقب المقر؟، صُعق كارتال لثوانٍ من كلام الآخر ولكنه تماسك وهو يقول: لم أفهم؟
=أنا سأجعلك تفهم الآن.. أنظر إلى هاتفك، أنزل كارتال هاتفه ليرى إشعارًا بوصول صورًا من رقمٍ غريب، فتحها سريعًا ليجد صورًا لليلى في مكان عملها مأخوذة من خلال منظار قناص موجهًا نحوها، أعاد هاتفه إلى أذنه بصدمةٍ وقلق، ليقل الكبير: كنت أعلم أنني لا أستطيع الوثوق بك تمامًا، وهذه لم تكن سوى لعبة صغيره لأتأكد أنك ما زلت في صف فارتولو وأنك خنتني للمرة الثانيه، إذن برأيك.. ماذا تظن أنني سأفعل الآن؟
–"بسرعةٍ وغضب" سأفعل أي شيء تريده.. فقط لا تلمس أختي
=ما هذا يا أبن المدير؟ تقول لي لا تلمس أختي ثم تقوم بعدةِ أمورٍ من وراء ظهري! هل أنت جاد؟
–لن أفعل بعد الآن.. أترك أختي
=هناك طريقه واحده فقط قد تمنحك فرصة ثالثه.. وهي الأخيره ليكن بعلمك
–أنا قلت إنني سأفعل كل ما تريده، فليذهب فارتولو ومن معه إلى الجحيم لكن لا تقترب من أختي
="بضحكةٍ خفيفه" اوف يا أبن المدير.. أنا عادةً لا أمنح احدًا كل هذه الفرص، ولكن أنت تلزمني
–"بإستسلام" وأنا تحت أمرك
=جميل جميل.. فارتولو قادم إلى المقر، أذهب الآن وأعطِه درسًا في الثقه، أقلب الطاولة عليه وأخبره بما فعلته وأجعلهُ يصدق ألاعيبك.. أمر السندات وكيف حصلت عليها، وايضًا مسألة الشريك الذي أرسلته أنا، لكن من الآن فصاعدًا ستكون أنت المسؤول عنه وستتكفل بالأمر بنفسك فأنت بارع في هذه الأمور أساسًا، وعندها.. سأفكر
<<نهاية الفلاش باك>>
مرر كارتال يده على شعره بضيق.. فقد أثبت له الكبير أنه يعلم كل شيء، يراقبه في كل لحظه بل حتى في كل ثانيه، وهذا غير تهديده بأخته التي لا تستوعب مدى خطورة الأمر، بينما هو يُهان ويُجبر على أشياءٍ عده فقط لحمايتها، رفع رأسه عند دخول أحد رجاله الذي قال: الجميع تواجد من أجل الإجتماع ياسيدي، إنهم ينتظرونك في الموقع، تنهد كارتال بإنزعاج وتوجّه إلى مكتبه والتقط مفاتيح سيارته وهاتفه قبل أن يخرج مغلقًا الباب خلفه بقوه..
––––––––––––––––––––
عودةً إلى موقف السيارات..
تقدم معاون داهان وأمسكه من ذراعه ليهمس بقلق: ماذا تفعل يا داهان؟ الم يحذرك العميد من تحقيقاتك الغير رسميه؟، التفت داهان نحو معاونه ونظر بحدّه ليقل: هذا ليس تحقيق وأعلم ما أفعله، فقط أبقى صامتًا، ليقل صالح بغضب: لايهمني ما تعرفه، لكن أن تتهمني بقتل شرطي ثم تطلب مني التعاون معك؟ هل أصاب عقلك خلل ما؟، رفع داهان حاجبيه بسخريه وهو ينظر إلى صالح، ليُجيب ببرود: اووه.. هل أزعجك ذلك؟، طفح كيل صالح فضرب باب الغرفة بقدمه بقوه قبل أن يهتف بحدّه: أختصر، نفضَ داهان يد معاونه عنه بعنف ليتقدم وهو يقول: أنا اختصرت الأمر مسبقًا، ستتعاون معي وفي المقابل سأساعدك في العثور على أبنك، تسارعت أنفاس الآخر وهو ينظر بغضب، ليتقدم وهو يقول من بين أسنانه: لن أضيّع وقتي ولن أتعاون معك، وإن كان عليّ أن أخوض الجحيم بأكمله لأجد أبني فسأفعل ذلك وحدي ولن يقف أحدٌ في طريقي.. هل فهمت؟، ثم رفع يده بغضب مُشيرًا نحو الباب وهو يردف بحدّه: أخرج!، ليقل داهان بسرعه: كم عدد رجالك الذين يبحثون عن أبنك ها؟ عشرون؟ ثلاثون؟ أم ربما خمسون؟، أطلق صالح تنهيدة عميقه وعاد ليُمسد جبينه بغضب، بينما واصل داهان حديثه محاولاً إقناعه: هؤلاء الرجال الذين نشرتهم في الشوارع لن يجدوا أبنك، فهُم لا يملكون المعدات اللازمه ولا الصلاحيات ولا حتى القدرة على إختراق النظام للوصول إلى جميع المعلومات التي قد تقودنا إليه، وهذا شيء لا يملكه إلا الدوله..، نظر صالح لوهله قبل أن يردّ بحدّه متجاهلاً كلام الآخر بالرغم من أنه ظلّ عالقًا في ذهنه: أخرج الآن قبل أن تجبرني على فعل شيء لن يعجبك، أخرج معاون داهان الأصفاد من جيبه بغضب عندما سمع جملة صالح هذه، وقبل أن يتقدم نحوه قائلاً بحدّه "أنت ستأتي معنا على أيّ حال!" أمسكه داهان فورًا وهو يقول بحزم: لن نأخذه.. هو من سيأتي بنفسه، ومن ثم خرج من الغرفة وأشار إلى معاونه ليُحضر السياره، توقف وهو يتنفس بعمق ثم التفت إلى صالح الذي كان يُحدق برجل الأمن بغضب ليهتف: أسمعني يا فارتولو، التفت صالح إليه ببطء، ليردف داهان هذه المرة بهدوء: نحن لا نعمل مثلكم، لا نعتمد على التخمينات ولا نبحث عشوائيًا في الشوارع، لدينا وحدات إستخبارات قادره على تعقب أدق التفاصيل، وأنظمة مراقبه تغطي كل زاويه، ومصادر داخل البلاد وخارجها، بغض النظر عن مكان أبنك.. سنجده، فكر جيدًا فالوقت ليس في صالحك، أنا سأجهز كل شيء وعندما تقرر التقدّم ببلاغٍ رسمي عن إختفائه سنتحرك فورًا، وصعد إلى السيارة وانطلق مبتعدًا، بينما أشاح صالح بوجهه وهو يضغط على أسنانه، كانت كلمات الآخر تتردد في ذهنه رغم محاولته لتجاهلها، لم يتمالك نفسه وغضبه وبدون تفكير وجّه لكمة قويه لرجل الأمن، ليصرخ بغضب وهو يمسكه من ياقته: تكلم ياهذا!..
––––––––––––––––––––
الحفره.. منزل صالح
يجلس وليّ شاردًا وهو يهز قدمه بقلق، مرّت دقائق قبل أن يدخل تولغا عائدًا لتوه من المستشفى، تقدم قليلاً وهو ينظر إلى وليّ الذي لم يلاحظ قدومه بعد، توقف في مكانه وتلفّت حوله بتعب، وعندها رفع وليّ رأسه عندما شعر به، فوقف بهدوء وتقدم نحوه يسأله: كيف حالك؟، نظر تولغا إلى وليّ بصمت للحظات، ليقل: بخير.. ماذا حصل معكم؟، أجابه وليّ بعد أن مرر يده على وجهه: لا شيء.. لا زلنا نبحث، لكن وكأن الأرض أنشقت وابتلعته، أغمض تولغا عينيه بقوه وجلس مستندًا بيديه إلى ركبتيه، مرت لحظات ثم رفع رأسه ونظر إلى وليّ الذي كان شاردًا وكأن شيئًا يشغل باله، ليسأله بقلق: ولي آبي.. ماذا حدث؟، نظر وليّ بصمت لثوانٍ، مما جعل الآخر ينهض متقدمًا ببطء وهو يسأل مجددًا بقلق: ماذا حصل؟ أخي صالح.. أين هو؟، ليُجيبه وليّ بسرعه: ذهب مع جومالي، وأشاح بوجهه وهو يُتمتم: اللعنه، ليسأل تولغا: ماذا حصل إذن؟ مابك؟، تنهدّ وليّ بقوه ليقل: صالح..، اتسعت عينيّ تولغا ليقل: مابه؟، أجابه وليّ بهدوء: أنه يخفي أشياءً كثيره ولا أعلم غايته من إخفائها، نظر تولغا بقلقٍ وإستغراب ليقل: لقد أفزعتني! أخبرني ماذا حدث ما الذي يُخفيه أخي؟، ليقل وليّ بتردد: لقد أجرى عملية في رأسه ولم يخبر احدًا بذلك، أغمض تولغا عينيه وتنهد بقوةٍ قبل أن يجلس قائلاً: كدت تُفقدني عقلي، ناظره وليّ بإستغراب ليقل: ماذا؟، ليضيّق عينيه وكأنه استوعب الأمر ليردف: هل تعرف من قبل؟، تنهد تولغا ليرفع رأسه وهو يُجيب: أجل.. أعلم، لم يسأله وليّ كيف ولماذا لم يخبر احدًا، بل استدار وهو يتنهد بغضب، ليقل تولغا وكأنه يُجيب عن الأسئلة التي تدور في رأس الآخر: عندما أُصيب في صدره.. تحدثت مع طبيبه وأخبرني، وهو ذهب قبل هجوم شهرام بنية إجراء العمليه في مستشفى آخر ولكن حصل ما حصل، ليلتفت وليّ وهو يقول: حصل ما حصل؟ كان ذاهبًا إلى الموت ياهذا لماذا لم تخبر احدًا؟ شهر كامل وأنت تعلم ولم تخبر إخوته؟ لماذا لم تذهب بنفسك لتطمئن عليه بما أنك كنت تعلم؟، ليُجيب تولغا بهدوء: ذهبت إلى موقع المنزل الذي كان من المفترض أن يذهب إليه بعد فتره لكنني لم أجد احدًا، ولم أخبر إخوته لأنه لم يكن يريدهم أن يعلموا، تمالك وليّ أعصابه بسرعه واتكئ على طرف الأريكه قبل أن يقول: ياماش محق..، نظره تولغا إليه بتساؤل، ليردف وليّ: لقد تغير.. خاصةً مع إخوته، ليبتسم تولغا بحزن وهو يُجيب: أنه غاضبٌ منهم، ليُتبع وليّ: ولا يستطيع النظر في أعينهم في الوقت نفسه بعد ما حدث، أومى تولغا، ليقل وليّ: ولكنني أقصد بتغيره أنه لم يعُد حتى فارتولو الذي أعرفه، فارتولو لم يكن لديه نقطة ضعف وكان يحرق ويهاجم ويفعل ما يريد دون أن يهتم، لأنه لم يكن هناك احدًا خلفه، ولكن الآن.. صالح لديه عائلة يخاف عليها ويحميها حتى من نفسه "تنفس بعمق ونهض وهو يُكمل بغضب" ما أغضبني حقًا هو أنه يفكر بالموت وكأنه الحل، وكأن كل شيء سينتهي بمجرد أن يرحل، رفع تولغا رأسه بقلق ليقل: ماذا حصل؟، ليُجيب وليّ: بالأمس في المستشفى تمتمت دون أن أدرك أنه مستيقظ "متى سينتهي هذا الكابوس؟" ليرد عليّ بصوتٍ خافت "عندما أموت" أغضبني ذلك لكنني لم أخبره، ضحك تولغا بخفه ليقل: أنت غضبت لأنه تفوّه بكلمه؟ إذن ماذا عني؟ أنا الذي سحبته من حافةٍ كادت أن تُنهيه، جحظ وليّ عينيه ليقل: ماذا؟ ماذا تقصد؟، مسح تولغا وجهه ليُجيب: بعد أن أخبره كارتال بكل شيء خرج من مركز الشرطه ولحقت به، وجدته يقف عند حافةٍ لجبل ولم يكن لديه نية للتراجع..، اتسعت عينيّ وليّ بصدمه ليقترب قائلاً بحدّه: هل تحاول إخباري أنه حاول..؟، قاطعه تولغا: تمامًا كما تفكر.. لكنه لم يفعلها أو بالأصح لم أسمح له بذلك، وكان واضحًا أنها ليست المرة الأولى التي يفكر فيها بهذا الشكل، ليضع وليّ يديّه على رأسه وهو يقول بغضب: اللعنه! هل يعقل هذا؟ كيف يمكن للإنسان أن يفعل هذا بنفسه؟ حتى لو عاش الجحيم كيف يستطيع أن يفكر هكذا؟، ليُقاطعه تولغا بنبرةٍ عاليه: لأنه في تلك اللحظه لا يشعر بشيء، فقط يشعر بالفراغ والألم الذي يعيشه، فأنت وقتها لا تفكر إلا في إنهاء هذا الشعور.. حينها لا يكون هناك تفكير، لا يدور شيء في ذهنك فقط فراغ يُحيط بك وأنت لست في وعيك! لذلك إياك أن تلومه، وقف وليّ متجمدًا وهو يُحدق في تولغا، طريقة كلامه.. نبرته.. وحتى نظراته.. جعلته يشعر بشيءٍ لم يريد حتى التفكير فيه، شيء يتمنى ألا يكون صحيحًا، نظر إلى تولغا بنظراتٍ فهمها الآخر الذي قال: لقد فعلتها أثناء فترة علاجي في ألمانيا بعد خروجي من جحيم شهرام.. حاولت الإنتحار أجل.. وليس مره أو مرتين.. بل أربع مرات، بلع وليّ ريقه وأغمض عينيه بألمٍ لثوانٍ، ثم تقدم ليجلس وهو يُمرر يده على شعره بضيق، ليقل بحزن: ماذا فعل بك؟، أشاح تولغا بنظراته بعيدًا، ليقل وليّ: منذ اللحظة التي سمعت فيها صوتك أثناء مكالمتك لي وقت هجوم شهرام عرفت أنـ..، قاطعه تولغا وهو يقول: أنا لم أخبرك بهذا لتشعر بالأسى تجاهي، بل لأجعلك تدرك أن ما يمّر به أخي صالح الآن طبيعي لشخصٍ عاش ما عاشه ومرّ بكل ما مرّ به.. وهذا الأمر وهذا التفكير ليس بإرادته، الأهم الآن هو أن نجد إدريس هذا فقط ما يهُم، تنهد وليّ وقبل أن يتمكن من الرد قاطعه هذه المرة رنين هاتفه، أخرجه بسرعه وأجاب: صديقي؟ ماذا فعلتم؟، جاءه صوت صالح من الجهة الأخرى غاضبًا: ذلك ال*** أخبرني بموقع مستودع للشخص الذي أرسل الطفل مستغلاً أسمي يقول أنه أحد مستودعاته وأنه مزدحم بالرجال، سأرسل لك الموقع أحضر الرجال وتعال فورًا، ليقل وليّ بسرعه: ألا تستطيع الصبر؟ أسمعني جيدًا إياك أن تقتحم المكان أو حتى تقترب منه قبل أن نصل أقسم بالله إن فعلت سأكون أنا من يطلق على رأسك هذه المره هل سمعت؟، وأغلق الهاتف دون أن يُجيب الآخر، ليسأل تولغا بقلق: ماذا قال؟، أعاد وليّ هاتفه إلى جيبه والتقط سترته بسرعه وهو يقول: وجد موقع مستودع لرجلٍ قد يقودنا إلى طرف خيطٍ متعلق بإدريس، ليقل تولغا وهو يلحق به: وطبعًا وكما هو متوقع، هو في طريقه إلى هناك الآن لوحده، ليقل وليّ بسخريه: سأشكر الله أنه على الأقل أتصل وأخبرني هذه المره..، وفي الجهة الأخرى داخل سيارة متين العائدة إلى الحفره، يجلس ياماش شاردًا في أفكاره وهو يُحدق في الطريق بصمت، فالحوار الذي دار بينهم في الشرفه لايزال يتردد في عقله، عمليه؟ كيف حصل ذلك؟ وكيف لم يشعر أحدهم بهذا؟ كيف لم يلاحظوا؟ كان يظن أنه يفهم أبن أبيه من نظرةٍ واحده، ولكن في الآونة الأخيره لم يعد يعرف، هل وضعه خطير؟ أم أن العملية أنقذته؟ لكنه قال بنفسه أن الأعصاب ستتضرر مع مرور الوقت، هذا يعني أنـ.. أسند ياماش رأسه على المقعد وهزّه بخفه وكأنه يحاول طرد هذه الأفكار من عقله، ليسأله متين: هل أنت بخير يا أخي؟، اومى ياماش ليقل: حين اقول انتهينا من ال*** يظهر لنا احدًا آخر، أبتسم متين ليقل: هذه هي الحفرة يا أخي كل *** يجد طريقه للخروج والظهور.. لاينتهون، ليهمس ياماش: لاينتهون..، ومن ثم أغمض عينيه ليقل: لنجد إدريس فقط..، ليُجيب متين: سنجده يا أخي.. شباب الحفرة يبحثون في كل زاويه ولن يتركوا حجرًا دون أن يقلبوه، ساد الصمت لثوانٍ قبل أن يُخرج ياماش هاتفه عندما تلقى إتصالاً، أجاب ليأتيه صوت جومالي من الجهة الأخرى وهو يقول: بيبي.. أين أنت؟، ليُجيب ياماش: أنا قادم، ليقل جومالي فورًا: أذهب إلى صالح في شركته ال*** فهو لم يعُد معي إلى الحفره، ليُجيب ياماش: لماذا ماذا حصل؟، ليقل جومالي: ذلك الشرطي الذي جاء إلى المقبرة ظهر هناك ايضًا وأنا اضطررت للهرب، لا أعلم إن كانوا قد أخذوه أم لا أذهب وأنظر، أبن أبيك مجنون لا تدعه يرتكب مصيبه، شدّ ياماش على قبضتيه ليقل: حسنًا سأذهب..، أغلق الهاتف وهمّ بالإتصال بصالح، لكنه توقف عندما رنّ هاتفه بإتصالٍ من تولغا، فأجاب وهو يقول: هل خرجتم من المستشفى أم أن احدًا لم يأتي لأخذكم بعد؟، ليُجيب تولغا الذي يجلس بجانب وليّ في السيارة أثناء توجههما إلى الموقع الذي أرسله صالح: خرجنا، أسمعني الآن.. أخي أرسل موقعًا لأحد مستودعات الرجل الذي أستغل أسمه أم.. لا أعلم بالتحديد، سأرسله لك فنحن في طريقنا إلى هناك، ليقل ياماش بسرعه: صالح ذهب قبلكم؟، ليقل تولغا بقلةِ حيله: أجل، نأمل أن لا يفعل شيئًا قبل أن نصل، ليقل ياماش بغضب: حسنًا أغلق، والتفت نحو متين وهو يقول: غيّر الإتجاه، وأتصل بجيلاسون وأخبره أن يأتي مع ميكي وبعض الشباب فورًا، ثم التقط هاتفه وهو يهمّ بالإتصال بجومالي..
––––––––––––––––––––
في أحد الأماكن في وسط إسطنبول..
يدور في أرجاء المكان بخطواتٍ واثقه وتفاخرٍ واضح، فهاهو أخيرًا قد شارف على إفتتاح مكانه الخاص.. مقهى، مطعم ونادٍ ليلي ايضًا، توقف عند جدارٍ عريض تتوزع عليه لوحاتٍ تجريديه لا يمكن فهمها من النظرة الأولى، وكأنها طلاسم.. ضربات فرشاة عشوائيه وخطوط ملتويه بألوان متداخله.. أقترب ببطء ورفع يده وهو يلمس إحدى اللوحات بأصابعه، أبتسم ببرود وهو يتأمل هذه اللوحات التي تعكس شيئًا من الفوضى التي بداخله، فأغلب اللوحات إن لم تكن جميعها كانت شاهدة على نوبات غضبٍ وإنهيارٍ وتشتت، اقترب منه أحد رجاله المقرّبين وهو ينظر إلى اللوحات بتهكم خفيف ليهتف: المكان رائع يا سافاش، لكن لم أتصور أنك مهووس بهذه الخربشات، التفت سافاش إليه ببطء وهو يرفع حاجبيه بتعجبٍ واضح ليقل: خربشات؟، ضحك الرجل بخفه وهو يُشير إلى إحدى اللوحات التي تناثرت عليها ألوان قاتمه وغريبه: نعم، مجرد ألوانٍ عشوائيه.. وفي النهاية لوحة لا يفهمها إلا من رسمها، أبتسم سافاش بإستهزاء ليُعاود تمرير أصابعه على ذات اللوحة التي قصدها الآخر وهو يقول بهدوء: هذه "العشوائيه" كما تسميها.. تحتاج إلى يدٍ تعرف متى تضغط ومتى تتوقف.. تمامًا كما تفعل الحياة بنا، وإن وصفت فني بهذه الطريقة مجددًا.. ربما أجد ليدك إستخدامًا آخر أو أضعها في إطار لوحة جديده، ضحك الرجل بخفه وتراجع خطوة إلى الوراء بينما تابع سافاش سيره في المكان، عينيه تتفحصان جميع التفاصيل.. الموسيقى الهادئه في الخلفيه، الأضواء الخافته، الطاولات المرتبه بعنايه.. كل شيء هنا كان يحمل لمسته، لم يكن مجرد مكانًا للربح بقدر ماهو إنعكاسًا له، لطبيعته المزدوجه بين الفن والظلام، وبين الإبداع والفوضى التي لا يمكن السيطرة عليها، جلس على أحد كراسي البار وهو يُشير إلى النادل بإحضار قهوةٍ له، أسند مرفقيه على الطاولة وهو يراقب المكان بنظراتٍ هادئه، ولم يلبثُ إلا أن أقترب منه الرجل ذاته مجددًا، جلس بجانبه وهو يقول بخفوت لكي لايسمعه أحد: الكبير أرسل خبرًا بالمستجدات بشأن الطفل، وأخبرته أننا نقوم بما يُريده، لم يُعره سافاش أي إهتمام ولم ينظر إليه، بل هتف بعد دقائق: هذا الرجل.. مهما فعلت سيظل يراني مجرد رجل عادي لديه، ومن ثم التفت إلى رجله ليردف: لقد فعلت الكثير فقط لأصبح قريبًا منه، ولكن لا فائده، أرتشف من قهوته ليُكمل ببرود: مثلاً.. أنا من فجّر المستودع الذي ذهب إليه كارتال بنية قتله، لكنه لم يمت.. رميت التهمة على كنان وجعلت الكبير يفقد ثقته به، وفعلاً.. حصل ذلك وأرسله إلى موته، كنت أعلم أنني لن أرتاح ولن أصل إلى مُرادي إلا بقتل كنان، لذا فجّرت السيارة التي كانت ستنقُله إلى الموقع الذي حدده الكبير، فعلت كل هذا.. وفي النهايه؟ جعل ذلك ال*** كارتال ذراعه اليمنى، اليس هذا مضحكًا؟، قال الأخيرة وهو يضحك بخفه، ليعقد الآخر حاجبيه وهو يقول: أنظر إليك تلعب بالنقود وتكاد تُحرقها فقط لتدفئ نفسك من كثرتها، تعيش في رخاءٍ وأنت العقل المدبر له، ورغم ذلك لا تزال تريد المزيد؟، أبتسم سافاش ليقل: أريد..، وشرد في فنجان القهوة مبتسمًا، أستغرب الآخر ليقل: ما الذي يُشغلك حتى تبتسم بهذه الطريقة وكأنك عاشق؟، ليهتف سافاش وهو لايزال ينظر إلى فنجان القهوه: ربما عاشق..، وصمت لثوانٍ ليردف بعدها: ليلى.. هذه الفتاة سحرتني من لقاءٍ واحد، والمصادفه أنها شقيقته.. لكن لا ضرر في ذلك فهو لا يعرفني، ليقل الآخر: شقيقة من؟ من هي ليلى هذه التي أخذت عقلك وجعلتني أراك شاردًا لأول مره!، ضحك سافاش ليقل: ليلى تكين.. صحفيه، صدمت سيارتها قبل فتره ومنذ تلك اللحظة ووجهها لا يُفارق عقلي.. أخذت رقمها وأرسلت لها رسالة بالأمس، لكنها لم تُجب، نظر الآخر بدهشه ليقل: أخت كارتال تكين؟، وقبل أن يرد سافاش رنّ هاتفه، فأجاب وهو يقول فورًا: هل عاند مجددًا؟، توقف للحظة يستمع إلى الطرف الآخر ليتنهد بإنزعاج قبل أن يقول: حسنًا أنا قادم، ونهض وهو يُخاطب رجله قائلاً: العمل الحقيقي ينادينا فلنذهب..
––––––––––––––––––––
في أطراف المدينه.. وبالقُرب من أحد المستودعات
توقفت سيارة وليّ وتولغا على بُعد مسافة قصيره من سيارة صالح، ترجلا الإثنان وتقدما نحوها، وبعد تفحصها لم يجدا احدًا بداخلها فتبادلا نظراتٍ متوتره للحظه، ليهمس وليّ: لم ينتظرنا كما حذّرته، انتقلت أنظار تولغا القلقه نحو المستودع الذي بدا كبيرًا نوعًا ما وخاليًا من الرجال على ما يبدو، ضيّق عينيه وهو يرفع كفّه فوق حاجبيه محاولًا التحديق بدقة أكثر في تفاصيل المكان، ليقل بتوتر: المكان هادئ أكثر من اللازم.. الم يقل أنه مزدحم بالرجال؟ "وأردف بقلق بعد لحظة صمتٍ قصيره" هل حصل شيء؟، وحينها.. أخرج وليّ سلاحه بهدوء وسحب الزناد قبل أن يقول: لنذهب ونرى.. الآن، خطيا خطواتهما نحو المستودع لكنهما توقفا فجاءه حين سمعا صوت سيارة متين وياماش تتوقف بجانب سيارتهما، ترجل ياماش بسرعه وسلاحه في يده وتقدم بخطوات سريعه وعيناه تتفقدان سيارة صالح قبل أن يهتف بغضبٍ وقلق: دخل ولم ينتظرنا اليس كذلك؟، أومى وليّ برأسه، وقبل أن يتحرك بإتجاه المستودع، سأل وهو يحدّق في الجرح على شفة ياماش: ماذا حصل لك؟، تقدم ياماش وهو يقول: لاشيء، بينما في الداخل.. في ذلك المستودع الكبير الذي يعمّه هدوء مُريب، فتح صالح بابًا أمامه ليظهر له ممرٌ طويل.. لم يكن ذلك غريبًا، فهذا الباب الثالث الذي يفتحه منذ دخوله وكل ما وجده حتى الآن هو ممراتٍ تلتف به يمينًا ويسارًا وكأنها متاهةً تقوده من بابٍ إلى آخر..، زفر بغضب وهو يُمرر يده على وجهه لكن.. رفع رأسه عندما أخترق الصمت صوت صريرِ بابٍ بعيد.. لم يتمكن من تحديد مصدره هل جاء من أمامه أم من خلفه؟، سحب زناد سلاحه على الفور بحذر وعينيه تضيقان وهو يحاول التقاط أي صوتٍ آخر وسط هذا السكون.. مضت ثوانٍ عاد بعدها الصمت الذي كان يكتسح المكان منذ دخوله، وكأن الصوت لم يكن سوى وهم، تقدم متجاهلاً الصوت وحين انعطف عند نهاية الممر وجد نفسه يقف أمام باب معدني يختلف تمامًا عن الأبواب التي مرّ بها سابقًا.. تنهد بعمق ودفع الباب بحذرٍ وهدوءٍ شديد ليجد نفسه داخل غرفة واسعه نوعًا ما، مظلمة لا يُنيرها سوى ضوء خافت ينبعث من مصباح صغير وُضع فوق طاولة معدنيه تتوسط المكان، تقدم قليلاً وهو يتفحص المكان بنظراته، ليستدير بسرعةٍ خاطفة رافعًا سلاحه عندما سمع صوت خطواتٍ خلفه، ليتفاجأ باكين يدخل الغرفة بوجهٍ مفزوع وهو يُمسك سلاحه بقلق، رمقه صالح بإستغراب ولكن قبل أن يتكلم.. همس اكين بسرعه وهو يتقدم ناحيته: هل وجدت شيئًا يا عمي؟، ضاقت عينا صالح وهو ينظر بحدةٍ نحو اكين ليقل ونبرته تحمل شيئًا من الغضب: هل أنت من دخل قبل قليل؟، ليُجب اكين بتوتر: اجل..، لا يعرف صالح سبب ذلك الشعور الغريب الذي تسلل إلى صدره في تلك اللحظه، لكنّه تجاهله سريعًا وهو يتقدم نحو الجدار القريب من الباب حيث لمح زرًا صغيرًا للإضاءه، أنار المكان ليتضح كل شيء والتفت يتفقد الغرفة رغم يقينه بأنه لن يجد شيئًا، كان هذا واضحًا له منذ أن رأى المستودع خاليًا من الخارج.. ولا أثر لأي رجل فيه، فتيقن أن رجل الأمن قد خدعه بهذا الموقع ليفلت من قبضته، لكنه قرر الدخول على أمل أن يكون ظنه خاطئًا، وقعت عيناه في تلك اللحظة على جسدٍ ملقى في أحد الزاويا البعيده فتقدم نحوه، وكلما أقترب.. اتضحت ملامح الجثة أكثر، رجلٌ ممدد على الأرض.. رأسه مائل بإتجاه الحائط.. دماءٌ طازجه لا تزال تنزف ببطء نتيجة إصابةٍ واضحه برصاصةٍ أستقرت في منتصف صدره مكونة بركة صغيره تحت جسده، أقترب اكين هو الآخر يتفحص جثة الرجل من بعيد ليقل بخفوت وبخيبة أمل: يبدو أنه الشخص الذي كنا نبحث عنه..، جلس صالح على ركبتيه وتأمل ملامح الرجل عن قرب.. رأى عينيه مفتوحتين على إتساعهما، جاحظتين وكأن آخر ما شاهدهُ قبل موته كان صادمًا أو مرعبًا لدرجةٍ جعلت الرعب يرتسم على ملامحه، أندفع في لحظتِها ياماش ووليّ وتولغا.. يتبعهم جومالي الذي أتى برفقة جيلاسون الذي بقي يراقب في الخارج برفقة شباب الحفرة وعددٍ من رجال وليّ، خطى ياماش بسرعه إلى الداخل لتقع عيناه على اكين الذي يقف في المنتصف بقلق وصالح جاثٍ على ركبتيه قرب جثةٍ في زاوية الغرفه، توقف لثوانٍ يحاول إستيعاب المشهد بينما جومالي ووليّ وتولغا أخذوا أماكنهم وهم يتفحصون المكان بحذر وكلٌ منهم يده على سلاحه، ليهتف تولغا "ماهذا!" نظر الجميع إلى حيث يُشير تولغا ما عدا صالح الذي ظل جاثمًا بجانب الجثة ينظر بنظراتٍ تائهه وغاضبه، رفع ياماش رأسه ببطء وحدق في أعلى الجدار الجانبي، حيث كُتبت عبارة واضحة باللون الأحمر، أو بالدم.. "Ulaşamayacaksın، لن تصل"، تبادل الجميع نظراتٍ سريعه مشوبة بالغضب والقلق وقد استوعبوا مغزى تلك الكلمة فور قراءتها، بينما ثبتت عينا صالح على ورقة موضوعة في الزاويه خلف ظهر الجثة مباشرةً.. تمعّن النظر بها للحظات ثم مدّ يده محاولاً سحبها لكنها كانت عالقه، فأمسك بجسد الرجل بعنف ودفعه بقوة نحو الجهة الأخرى مما أثار إنتباه الجميع فالتفتوا إليه في نفس اللحظه، أمسك بالورقة ورفعها ببطء، ليتقدم نحوه ياماش وتولغا بترقب.. قرأ محتواها بصوتٍ مسموع وبنبرةٍ تحمل مزيجًا من الغضب والحدّه "كل خطوةٍ تحسبها، قد حسبناها قبلك" قبض على الورقة بقوه وثقلت أنفاسه من غضبه، رفع نظره ببطء نحو الجدار.. نحو تلك العبارة المكتوبة بدم الجثة التي لاتزال تنزف، أغمض عينيه للحظه وكأن تلك الكلمة زادت من ثقل رأسه، لينهض بعنف راميًا الورقة وسلاحه أرضًا بغضب، والتفت بسرعه وهو يُخاطب جومالي صارخًا: هل رأيت؟ ذلك ال*** أتصل به وأخبره، تمعّن جومالي في النظر وقد أدرك فورًا أن صالح يقصد رجل الأمن الذي رأوه يتحدث بالهاتف في غرفة المراقبه، ليتنهد بغضب هو الآخر بينما ضرب صالح الجدار بقبضة يده بقوه وهو يقول بحدّه: للمرة الثانيه يكتبها لي بدمِّ من كنت ألاحقهم للوصول إليه، ليأتيهم صوت ياماش الذي هتف بخفوت: صالح..، التفتوا إليه جميعهم.. كان جاثيًا بجانب الجثة يُمسك بيده فلاشة بدت وكأنها سقطت من جثة الرجل عندما دفعه صالح قبل قليل، تقدم صالح نحوه ليقع نظره على الفلاشة التي يحملها، ولمح أسم أبنه مكتوبًا عليها بخطٍ واضح وكان الأسم ملصقًا بلاصقٍ أحمر صغير، رفع ياماش نظره نحو صالح بخوف واضح، بينما الآخر تراجع خطوتين إلى الخلف وعيناه معلقتان بالفلاشه، ساد الصمت.. حتى أن أنفاس الجميع المرتجفة والمرعوبه باتت تُسمع بوضوح وصالح لايزال واقفًا في مكانه يُحدق بالفلاشة بثباتٍ مخيف..
وإلى اللقاء في البارت القادم بعد شهر رمضان الفضيل بإذن الله، دمتُم بخير..

لا يوجد سوى الألم..حيث تعيش القصص. اكتشف الآن