Part 46

322 17 5
                                        

"تسّرنا عودتك يا أخي.. بالرغم من كل هذه الفوضى"
هذا والدي.. عدنان كارا، هكذا هتف داهان وهو ينظر إلى الإثنان أمامه، تبادل صالح والكبير النظرات لثوانٍ مدّ بعدها الأخير يده نحو صالح وهو يقول بهدوء ودفءٍ مصطنع: زال البأس.. حقًا من النادر أن ترى مجرمًا يخاف على شيءٍ أكثر من نفسه، مدّ صالح يده دون أن يشي وجهه بأي شيء وصافح الذي أمامه ببرود، غير أن عينيه ثبتتا على وجه الكبير عندما شدّ الأخير على يده بقوة طفيفه كمن يختبر مدى تماسكه، لم يرمش صالح ولم يُجيب ليقل داهان وهو يمسد ذقنه: أبي كان في مكتبي إذا كنت تذكر حين قدمت بلاغ اختفاء أبنك، ولذلك جاء معي ليطمئن، أخفض الكبير يده ببطء وسحب صالح يده هو الآخر إلى جانبه ملتفتًا إلى داهان الذي أردف: كيف حال أبنك؟، فأجاب صالح: بخير.. ولكنني سأنقُله إلى المنزل، عقد داهان حاجبيه ليقل: لماذا؟، نظر صالح للحظة مترددًا بين إخباره أو السكوت، أما الكبير فأكتفى بالإبتعاد قليلاً متابعًا المشهد بأعينه وأذنيه مستمعًا ومراقبًا بهدوء، فقال داهان بإنزعاج: فارتولو.. لا تُطل التفكير أخبرني فنحن بيننا اتفاق، ذلك الإتفاق الذي جعلني أقتحم المركز دون إذنٍ قانوني وتعليق مهنتي أيضًا، وحين أنهى داهان جملتهُ رنّ هاتف صالح، فأخرجه الأخير واستدار ليُجيب، ولكنه توقف والتفت نحوهم ليقل مخاطبًا داهان: عندما تعود إلى مهنتك سأخبرك، وذهب بإتجاه غرفة أبنه، لاحقته أنظار داهان الذي شّد على قبضة يده بغضب، ليقل الكبير بهدوء: لست الوحيد الذي يذكرك بتعليق مهنتك، ليقل داهان بعد أن التفت إلى والده بإنزعاج: هل قلت عنه مجرم؟، رفع الكبير احد حاجبيه ليُجيب: أجل.. اليس مجرمًا؟، تنهد داهان ليقل: أجل هو مجرم ولكن لم يكن هناك داعٍ لقولها بهذه الطريقه يا أبي، رفع الكبير يديّه وهو يقول: حسنًا فهمت لا تريدني أن أذهب معك إلى اي مكان بعد الآن، واستدار ذاهبًا وهو يقول: سأعود إلى منزلك، فنظر داهان إلى الممر الذي ذهب منه صالح وهو يزفر بغضب، بينما عند الآخر الذي أجاب على الإتصال فأتاهُ صوت وليّ الذي قال بهدوء: لقد أرسل مقطع فيديو لإنتحار والدتهم يا صالح، وفي مقهى الحفره.. وبين الزجاج المتناثر والكراسي والطاولات المرمية على الأرض، يجلس ذلك الأشقر مكانه.. يجلس على كرسي أب الحفرة وكأنه ليس نفس الشخص الذي هدم المكان قبل قليل غضبًا وصراخًا، لم يكن يوجد في المقهى سواه، دخل أكين بعد ثوانٍ بخطواتٍ بطيئه وعيناه مثبتتان على عمه الجالس بشرود يُحدق في الفراغ بملامح مشدودة وحاجبين معقودين ونظرات حاده، وحين تأمل أكين وجه عمه رأى فيه شيئًا مألوفًا.. رأى تلك النظرة ذاتها التي أستقرت في عينيه يوم مقتل سليم.. نظرة ألمٍ مكبوت لا يهدأ وغضبٍ يشتعل في صمت، كان يريد التحدث معه ولكنه تراجع وخرج من المقهى وهو يمسد صدره بقوه، فأبتعد بسرعه وأخرج بخاخه وأخذ يستنشق الرذاذ وهو يتنفس بعنف محاولاً السيطرة على ذلك الضيق المفاجئ في صدره، ثوانٍ وأستند على الجدار خلفه وهو يُغمض عينيه، ولكنه سُرعان ما فتحها عندما سمع صوت خطواتٍ تتقدم نحوه ليرى جيلاسون يتقدم بملامح قلقه، ليسأل: هل أنت بخير؟، اومى اكين وأرجع بخاخه إلى جيب سترته ليقل: هل كنا في يوم من الأيام بخير حقًا؟، أنزل جيلاسون عينيه أرضًا بينما تنهد اكين بقوه واستقام مبتعدًا، بينما في المستشفى تسارعت خطواته ناحية غرفة أبنه بعد أن أغلق الهاتف دون أن يعطي وليّ أي اجابه، دخل إليها فوجد الممرضة تقف عند سرير إدريس وقد بدأت بالفعل بتجهيز المعدات لنزع المحاليل الطبيه ومتابعة العلامات الحيويه تمهيدًا لنقله، تحرك بسرعه ودخل إلى دورة المياه غسل وجهه بالماء البارد بعنف فور دخوله، وراح يضغط بأصابعه على عينيه كما لو أنه يحاول أن يطفئ نارًا مشتعلة في رأسه أو أن يمحو ما سمعه للتو.. ثبت كفيّه على المغسلة لثوانٍ، رأسه للأسفل يتنفس ببطء شديد والوجع يُثقل كتفيه كجبل لا يُزاح ابدًا، رفع وجهه ببطء نحو المرآة ونظر إلى انعكاسه، كان وجهه شاحبًا غارقًا في القهر، لم يرى فيه الرجل الذي كان قبل ساعة فقط يطمئن على حال أبنه ويراه يُتمتم بكلمة "بابا" بل رأى رجلاً مُطوقًا بالذنب رجلاً يحترق من الداخل لأن الفاجعة التي عصفت بإخوته ربما لم تكن سوى رسالة له.. رسالة كأنها تقول "أنا أكسرهم، حتى تنكسر أنت" بللّ يديه من جديد ومسح وجهه بهما بخفه هذه المره، أطلق بعدها زفره ثقيله وكأنها تحمل في طياتها ألف تنهيدة سابقة لم يجد لها مكانًا، عاد أدراجه إلى الغرفة بخطى أثقل فرأى الممرضة تهمّ بنزع آخر المحاليل من ذراع إدريس وهو لايزال مُغمض العينين نائمًا، أقترب وقبّل جبين أبنه بهدوء، لتقل الممرضه: بخير الآن ويمكن نقله، لكن كما تعلم من الضروري الإستمرار في مراقبته داخل المنزل ولابد من وجود ممرضة مقيمه تتابع حالته على مدار الساعه، اومى صالح دون أن يُجيب، ثم استدار نحو الطاولة في طرف الغرفة وبدأ يبحث في حقيبة كان تولغا قد أحضرها ليلة قدومهم إلى المستشفى وأخرج منها ملابسًا لأبنه، لتتقدم الممرضة في هذه اللحظة وهي تقول: إذا أردت يمكنني مساعدتك، رفع يده في وجهها قائلاً: شكرًا، لكنني أستطيع أن أتدبر الأمر بنفسي، خرجت الممرضة وراح صالح يُبدل ملابس أبنه بهدوء وبرفق لكي لا يوقظه، وحين أنتهى ذهب ناحية الحقيبة مرةً أخرى وأخرج منها سترةً صوفيه ثقيله قليلاً، وبينما كان يرتدي سترته دخل أحد الممرضين وهو يحمل بعض الأوراق ليقل: هذه الأوراق الخاصة بإخلاء مسؤولية المستشفى عن المريض بعد توقيعكم، أخذ صالح الأوراق وقرأها بنظرة سريعه ثم التقط القلم الموضوع فوقها ووقّع، أعادها إلى الممرض دون أن ينبس بكلمه، ليقل الممرض: سيارة الإسعاف ستكون في الخارج بعد خمس دقائق، اومى صالح وقبل أن يبتعد قليلاً ترنح الممرض في مكانه، فلم يكن من صالح إلا أن أسرع في مدّ ذراعه ليسند الممرض الذي كاد أن يسقط، تمسك الممرض بسترة صالح فرفعه الأخير وهو يسأل: هل أنت بخير؟، تمالك الآخر نفسه وأعتدل وهو يمسد رأسه ليُجيب: لم أنم جيدًا فقد كنت في مناوبة ليلة البارحة واليوم ايضًا، نظر صالح بصمت ليردف الآخر: لا تؤاخذني، ليقل صالح: لاعليك..، خرج الممرض ومشى مطولاً حتى استدار نحو أحد الممرات ليُقابله داهان الذي كان يتكئ على الجدار، ليقل الممرض: وضعت جهاز التنصت في جيب سترته يا سيدي كما أمرت ولم يشعر، اومى الآخر فأنصرف الممرض، ليبتعد داهان وهو يهمس لنفسه: لن أنتظر عودتي إلى مهنتي لأعرف ما يجري معك يا فارتولو..
––––––––––––––––––––
منزل الطبيب..
استندت آصلي على باب الغرفة وعيناها معلّقتان على جسد شهرام الممدّد والغارق في دمائه.. خمس رصاصاتٍ اخترقت جسده بلا رحمة وتفرقت بين رأسه وصدره ومعدته فأنهته فورًا، خمس رصاصاتٍ من مسدس تولغا الذي يجلس في الصالون وهو ينظر إلى الفراغ شاردًا بما حصل قبل دقائق.. عندما التقت أعينه بشهرام المقيّد في الزاويه تراجع خطوتين دون وعي، وكأن صدمتة القديمه أُعيدت إليه بكل تفاصيلها دفعة واحده، كانت عيناه متسعتين ونفسه مضطربًا، وآصلي التي رأت كل ذلك بوضوح لم تحتج إلى تفسير، فقد علمت السبب تمامًا، فاستقامت بهدوء تنظر إليه بترقب وصمت، بينما الآخر التفت إليها بنظره ليسأل بخفوت: ماذا يفعل هذا هنا؟، ظلتّ الأخرى صامته، ليردف تولغا بحدّه هذه المره: منذ أشهر.. منذ أشهر أبحث عنه، لتُجيب الأخرى فورًا بهدوء: وهاهو أمامك، ليُعد بأنظاره إلى شهرام، وما هي إلا لحظاتٍ حتى أشتعل الدم في عروقه وأندفعت الذكريات السوداء إلى رأسه، ثلاث سنواتٍ ضاعت من عمره وهو شاب في مقتبل الحياة تحت يد ذلك المختل المقيّد أمامه الآن، ثلاث سنوات فقد فيها نفسه.. هويته.. كرامته.. وكاد أن يفقد حياته بالكامل لولا أن انتشله صالح من جحيمه آنذاك، بلع ريقه بقوه وعقد حاجبيه وهو ينظر بغضب شديد، أخرج مسدسه بهدوء، فتقدمت آصلي وهي تقول: أنتظر فارتولو وأفعلا ما ستفعلانه بعدها، ولكن الآخر لم يسمع ما قالت ولم ينتبه أنها تحدثت أصلاً، أقترب ببطء وسلاحه في يده لكنه لم يرفعه بعد، أقترب وهو ينظر إلى شهرام بغضب وذعرٍ في آن واحد، تقدم بخطوات ثقيله وكأن الأرض تحت قدميه تحمل أوزار سنوات العذاب التي عاشها.. وعيناه معلقتان على شهرام الذي لا يزال مكبلاً غارقًا في نصف وعي غير مدرك للعاصفة التي تعصف في صدر هذا الشاب الواقف أمامه، كانت يد الآخر تمسك بالمسدس بقوة وبأصابعٍ ترتجف ليس خوفًا من الفعل بل من ثقل الذكريات التي اجتاحت روحه، أدركت آصلي فورًا ما يدور في ذهن الآخر وكانت عيناها تراقبان حركاته بحذر كمن يرى كارثة تقترب ولا يملك سوى محاولة إيقافها، تقدمت خطوة نحوه وقالت بحزم: ليس بهذا الشكل، والآخر لم يُجبها بل هتف بنبرةٍ مختنقه وكأنه يخاطب نفسه: ثلاثة أعوام..، توقف لوهله كالذي يبحث عن نفسٍ وهو غارق في أعماق الماء حيث لا هواء يُرتجى، ليردف بنبرةٍ أكثر حده: ثلاثة أعوام سرقتها مني أيها ال***، ورفع مسدسه فجاءه لتُسرع آصلي بمحاولة إبعاده، لكن الآخر كان قد شدّ أصبعه على الزناد وأطلق النار، أطلق خمس رصاصات لم يدرك حتى أين استقرت، ولم تجد آصلي وسيلة سوى أن تُحيطه بذراعيها، تبعده وتحاول أخذ المسدس من يده، وأبتعد كنان زحفًا إلى طرف الغرفة خوفًا من الرصاص وهو ينظر بدهشه وغير فهم، وفي لحظة لا تعلم كيف حدثت، كانت قد آصلي قد حاوطت تولغا بذراعيها تحتضنه بلا وعي، فتجمدت في مكانها حين استوعبت فعلتها، بينما أرتخى الآخر وأنزل سلاحه وهو ينظر إلى دماء شهرام التي سالت من تحته وهو لم يتحرك وكأنه كان ميتًا من الأساس، أبتعدت آصلي فورًا بفزع وكأنها لُدغت في مكانٍ ما، واستدار تولغا بترنح خارجًا من الغرفه، بينما الآن وبعد دقائق.. خرجت آصلي من الغرفة ونزلت إلى الأسفل، لتجد تولغا جالسًا وسلاحه لا يزال في يده، ورجال وليّ يقفون بالقُرب منه، فتنهدت بقوه وقالت لأحدهم: أتصلوا بفارتولو ليأتي فهو ليس بخير، قالت الأخيره وهي تُشير بعينيها إلى تولغا، رمقها الرجل بحدّه وأخرج هاتفه مُتصلاً على وليّ، وحين أنهى الإتصال تقدمت آصلي التي ذهبت لجلب بعض الماء، وضعتهُ أمام تولغا وانحنت قليلاً تحاول سحب سلاحه من يده فتقدم أحد رجال وليّ وهو يقول بحدّه: أبتعدي..، سحبت يدها واستقامت مبتعدة بلا مبالاة رافعة يديها في إشارة أنها لن تسبب أي أذى..
––––––––––––––––––––
شقة ليلى..
يقف كارتال أمام الباب منذ خمس دقائق.. ولا يعلم سبب تردده في طرقه الآن، لا يدري كيف ستستقبله أخته بعد الحوار الأخير بينهما في منزل الغابة الخاص به، تُرى هل فهمته؟ أم أن كلماته لم تُحدث فرقًا وسيظل في نظرها قاتل والدها؟ تنهد بخفه ورفع يده السليمة ليطرق الباب، مضت ثوانٍ وفُتح، ظهرت ليلى وهي تنظر بغرابة إلى أخيها، ونظرت إلى ذراعه المثبته بحمالة الذراع، لتقل بقلق: ماذا حدث؟، ليبتسم هو قليلاً ليقل: هل سأخبرك هنا؟ أمام باب المنزل؟ أبتعدت هي عن الباب ليدخل الآخر بهدوء، لاحقًا.. جلست على الأريكة بعد أن وضعت كوب ماء أمام كارتال، فقال الأخير: لم تظهري منذ حديثنا آخر مره، ولم تذهبي إلى عملكِ، تقدمت ليلى واسندت مرفقيها إلى ركبتيها لتقل: اتريد مني أن اكمل حياتي بشكلٍ طبيعي فورًا بعد ما عرفته؟، صمتّ الآخر ولم يُجيب، لتقل هي بعد لحظات: ماذا حدث معك؟ ذراعك ماذا حدث لها؟، ارتخى كارتال ليقل: حادث بسيط..، عقدت ليلى حاجبيها لتقل: كيف؟، ليقل الآخر فورًا: دعكِ مني.. لدي خبرًا ربما سيُسعدكِ، نظرت له الآخرى بفضول ليردف هو: فارتولو وجد أبنه..، أبتسمت ليلى فورًا بإرتياح لتسأل بعد أن مسحت وجهها بخفه: وهل هو بخير؟، ليُجيب كارتال: أجل.. على حسب علمي، أبتسمت ليلى مجددًا لأول مرة منذ أيام، ثم همست وهي تنظر إلى الأسفل: خفتُ أنه لن يجده ابدًا، ليقل كارتال بهدوء: وأنا كذلك.. لكنه وجده وهذا أمر جيد فالطفل لا ذنب له في أفعال والده، نظرت إليه ليلى مطولاً، كانت تُحدق في وجهه بتمعّن لتقل فجاءه: هل تذكر حين كنت تقول لي وأنا صغيره عندما أخرج معك أن لا أنام إلا بعد أن أتأكد أن جميع نوافذ البيت مغلقة وأن الأقفال محكمه؟، نظر إليها كارتال بدهشه ولكنه أجاب بخفوت: كنتُ أخشى أن يسرقكِ احدًا، ضحكت بخفه وسُرعان ما تلاشت هذه الضحكة عندما قالت: ولكنك لم تخف عندما سرقت أبي مني..، تجمدت ملامح كارتال وساد بعد جملة ليلى هذه صمتًا ثقيلاً، لتردف ليلى وعيناها لم تُفارقان كارتال: أعلم أنك لا تطلب السماح.. وربما لن تطلبه ابدًا، لكنني لم أعد أحتمل هذا الثُقل في صدري، أن أظل معلّقة بين أبي الذي لم أرى منه أذى يومًا، وأخي الذي كان ملاذي بعد رحيل أبي، أغلق كارتال عينيه بقوه، لتكمل هي: ربما ما تقوله صحيح.. ربما لم أعرف أبي جيدًا، وربما فعل كل ما ذكرته بذلك الطفل الذي فقد والدته أثناء ولادته، أبتسم كارتال بسخريه فرفعت ليلى عينيها إليه وتأملته وهو يبتسم تلك الإبتسامه، لتقل بهدوء: ولكنني أعرفك جيدًا كما تعرفني.. وأعرف متى تكذب ومن تقول الحقيقة ومتى تتألم ومتى تريد أن تقول شيئًا ولا تستطيع، ثم استقامت بسرعه وهي تقول: ماحدث قد حدث وأنتهى، ونحن كبرنا فبماذا سيفيد الغضب والكره وماشابه، تقدمت حتى جلست بجانبه لتردف: كنتَ أخي.. حتى وإن كنت بعيدًا، كنتَ أخي وكل ما تبقى لي، رفع كارتال يده ناحية وجهها ليقل: هل سامحتني أم لا؟ قوليها فورًا، ضحكت الأخرى ليضحك هو بدوره، نظرت بعدها إلى عينيه مباشرة وقالت: سأُسامحك ولكن..، عقد كارتال حاجبيه لتُكمل هي: ولكن بشرط، ليقل الآخر بإبتسامه: وماهو هذا الشرط؟، لتقل هي بوضوح: أن لا تؤذي صالح ابدًا، اتسعت عينا كارتال قليلاً وتلاشت إبتسامته وكأنه لم يكن يتوقع أن يكون هذا هو محور الشرط، بقي صامتًا فأكملت ليلى: لا أعلم ماذا حصل بينكما وما السبب الحقيقي لهذا الكُره ولكن إن أردتني أن أضع هذا الثُقل عن صدري وإن أردت أن أراك أخي من جديد.. فدع صالح وشأنه، لم تنتظر ردًا من الآخر وتابعت: لا تتدخل بيني وبينه، لا تُخطط ولا تُهدد ولا تُرسل احدًا خلفه، إن كانت الكراهية ما تزال في داخلك.. أكتمها، أكتمها من أجلي كما فعلتُ أنا مع حزني من أجلك، تجاهل الآخر جميع كلماتها وركز على "لا تتدخل بيني وبينه" فقال بإستغراب وهو يلتفت بجسده نحوها: ماذا تقصدين بأن لا أتدخل بينكِ وبينه؟، فتجاهلته الأخرى ونهضت ذاهبة بإتجاه غرفتها وهي تقول: تعرف ما أقصده..
––––––––––––––––––––
الحفره.. المقهى
ترجل صالح من سيارته بقلق، ليتقدم جيلاسون الذي كان يقف أمام دكان محي الدين وهو يقول: هل أخرجوا إدريس يا أخي؟، اومى صالح وعينيه على المقهى ومن بداخله، ليقل جيلاسون بخفوت وهو ينظر إلى المقهى ايضًا: لم يتحرك ابدًا.. ولم يقُل كلمة واحده، تنهد صالح بخفه وأتجه ناحية المقهى بخطى ثقيله، تقدم ودفع الباب الذي كُسر زجاجه بأكمله، لتحط عيناهُ على أخيه الأصغر الذي يجلس على حاله ينظر للفراغ بحدّه، تقدم بهدوء حتى وقف بالقُرب منه، ليقل بخفوت: ياماش..، لم يُجب الآخر ولم يحرك ساكنًا، فأقترب صالح أكثر وجثى على ركبتيه ليضع يده على قدم أخيه وشّد عليها بخفه، لتتحرك عينا ياماش نحو صالح حين شعر بيده، ظلّ ياماش ينظر إلى صالح لثوانٍ لم يجرؤ الأخير على قول شيء فيها، ماذا سيقول؟ فلا يوجد شيئًا سيُواسي أخيه الذي شهد وعاش ماهو اسوأ ولم تنتهي معاناته حتى الآن.. ليهتف ياماش وقد أرخى نظره نحو يد أخيه التي على قدمه: هل خرج إدريس؟، أغمض صالح عينيه بقوه مقهورًا من حال أخيه ولكنه أومى بخفه، لينهض ياماش بغتةً وهو يقول بهدوء: جيد.. ماسال أشتاقت إليه كثيرًا، وقبل أن يذهب منعه صالح الذي إستقام وأمسك بذراع الآخر بقوه، ليقل بخفوت: لا تفعل..، توقف ياماش في مكانه، لم يلتفت ولم يحاول الإفلات من قبضة صالح فقط قال بخفوت: وماذا تظنني سأفعل؟، شّد صالح على ذراعه أكثر وهو يقول: صعب أعلم ولكن..، قاطعهُ ياماش الذي قال: أنت الذي لا تفعل ياصالح.. لا تقُل هذا الكلام وأنت من فقد زوجته وبدلاً من أن يسمح لنفسه بالحزن أنطلق في طريق الإنتقام، لا تقُله وأنت الذي كاد يُشعل إسطنبول بأكملها ليجد أبنه، ومن ثم التفت لينظر إلى أعين أخيه الذي كان يمسد مقدمة رأسه بيده الأخرى ليردف: أمي.. لم يكتفي بجّرها إلى نهايتها بل أرسل أيضًا مقطعًا مصورًا لها وهي تقتل نفسها..، توقف وسحب ذراعه من يد أخيه برفق ليُكمل: وأنت تقول لي لا تفعل؟، ليردّ صالح فورًا: أقول لك لا تفعل.. لا تُهدر نفسك بهذه الطريقه، أتظن أنني سأقف في طريقك وأمنعك من الإنتقام؟ لا.. فأنا أريده أكثر منك، صمت ياماش ونظر للفراغ ليقترب صالح أكثر وهو يقول: لن تفعل شيئًا بدون علمي..، نظر الأصغر لأخيه بشيءٍ من الحزن والغضب ليقل: وكأنني فقدتُ أمي للتو يا ياصالح، وذهب خارجًا بينما استدار صالح وضرب الطاولة بقدمه بقوه، ليجلس على الكرسي وهو يضع وجهه بين كفيّه بقهر وغضب وشعورٍ بالذنب..
––––––––––––––––––––
عودةً إلى منزل الطبيب.. بعد وقت
وقفت سيارة وليّ أمام المنزل، فقابلهُ أحد رجاله وحكى له ماجرى ومافعلهُ تولغا، فأتسعت أعينه وهو يهمس: شهرام!، فتسارعت خطواته إلى الداخل فورًا، ليرى تولغا على حاله وآصلي كانت تتكئ على طاولة المطبخ المفتوح أمامهم وعيناها لا تُفارقان تولغا، تقدم وليّ حتى جلس بجوار تولغا، نظر إليه لثوانٍ ثم مدّ كفه وأدار وجه تولغا نحوه بخفه، فنظر الآخر إلى أعين وليّ، ليقل الأخير بهدوء: أعطني السلاح، أمتلئت عينا تولغا بالدموع رغم ملامحه الغاضبه والجامده، رفع يده التي تحمل السلاح ومدّه نحو وليّ الذي التقطه وناوله إلى أحد رجاله، ومن ثم استقام وتوجّه إلى آصلي حتى وقف أمامها ليقل بغضب ونبرةٍ خافته: ما الذي يحدث وال***؟، أقتربت آصلي لتقُل متجاهلةً سؤال الآخر: أين فارتولو؟، ليقل وليّ: أولاً أخبريني كيف لشهرام أن يتواجد لديكِ؟، لتقل آصلي ببرود: فارتولو يعلم.. ورآهم بالأمس لكن مع الأسف لم يستطع أخذهم والتعامل معهم، رفع وليّ أحد حاجبيه ليقل: رآهم؟ من الآخر؟، تنهدت الآخرى بإنزعاج لتقل وهي تبتعد قليلاً: كنان.. الذراع الأيمن للكبير، نظر وليّ بإستغراب ودهشه، بينما أردفت هي: والآن أخرج لو سمحت وقُل لفارتولو أن يأتي لأتحدث معه، حينها استقام تولغا فجاءه وأتجه نحوها وهو يقول بحدّه: كيف أمسكتي ذلك ال*** وأنا منذ أشهر أبحث عنه ولم أجده؟، ثبتت آصلي في مكانها ولم تتحرك، فتقدم وليّ وهو يُخاطب تولغا: تولغا.. أهدأ، ليصرخ تولغا: لن أهدأ، ومن ثم التفت إلى آصلي مرةً أخرى وسأل بنبرةٍ خافته حاده: من أنتِ؟، أشاحت الأخرى بنظرها بعيدًا بينما تقدم وليّ وأبعد تولغا وهو يُكرر: أهدأ يابني، فصرخ الآخر: كنت تعلم أنه هنا ومع ذلك جعلتني آتي!، ليقل وليّ بسرعه: بماذا تهذي أنت؟ أقسم أنني لم أكن أعلم أن شهرام هنا! كل ما قاله صالح هو أن هناك رجلين كانا في المستودع برفقتها وأنه سيشرح لنا الأمر لاحقًا لم يُفصح عن هويتهما ولم يخبرني أن أحدهما هو شهرام، عاد الآخر ليجلس وهو يتنفس بقوه بينما نظر وليّ لآصلي بحدّه والأخرى تُبادله ببرود..
––––––––––––––––––––
الحفره.. منزل صالح
خرج صالح من الغرفة التي رتّبها وأعدّها لأبنه بعد أن اطمئن عليه وعلى استقرار وضعه، وحين خرج قابله اكين الذي كان يستند على الجدار وكأنه ينتظر خروجه، وما إن رأى اكين عمه حتى أعتدل وهو ينظر بهدوء، فرمقه صالح ببرود وتجاهله وهو ينزل إلى الأسفل، بلع اكين ريقه وماهي إلا لحظات حتى لحق بعمه رغم تجاهله له، وفي الأسفل التقط صالح كوب ماء وشربه كله دفعةً واحده، ومن ثم سمع صوت اكين الذي قال بخفوت: امجا.. أرجوك لاتفعل بي هذا، استدار صالح نحوه ببطء ليردف اكين: هل تكلمت مع عمي ياماش؟ فهو لم يفتح فمه بكلمة بعد رؤيته لذلـ..، ليُقاطعه صالح بهدوء: تحدثت، كيف حال زوجتك؟، تنهد اكين بخفه ليقل: الدواء يتعبها قليلاً ولكنها ستكون بخير..، أومى صالح وتجاوزه ذاهبًا، فأغمض اكين عينيه بقوه مقهورًا، ولكن أتاهُ صوت صالح الذي وقف والتفت نحوه ليسأل: كيف سلمّت السندات؟، تجمد اكين في مكانه ولم يلتفت، كان مستغربًا كيف علم عمه بأمر السندات، مرت ثوانٍ كأنها دهر لم يتحرك فيها اكين ولم يُجب، عيناه ثبتتا على نقطةٍ مجهوله وصدره ضاق وكأن الهواء أنقطع عنه تمامًا، ولم يدري أكان إرتباكه من السؤال أم من نبرة عمه التي لم تحمل سوى الهدوء، أقترب صالح منه ببطء ووقف أمامه مباشرة ناظرًا إلى وجهه دون أن يرمش ليقل بخفوت: سألتك سؤالاً بسيطًا يا اكين، لا أريد رواية كامله فقط قُل لي كيف سلّمتها، رفع اكين بصره ببطء وأجاب بنبرةٍ متردده: لم يكن لدي خيار آخر.. كارتال هددني بتلك الصور لأحضر له السندات فأعطيتها خلسة لأحد رجاله، ليسأل صالح فورًا: هل مازال؟، نظر اكين بعدم فهم، ليردف صالح: هل مازال يهددك؟، بلع اكين ريقه خفيه وظلّ صامتًا، ليُكرر صالح سؤاله بحدّه وهو يقترب أكثر: هل مازال؟، نفى اكين برأسه بهدوء، ليقل صالح: إذن لدينا أمورًا أهم بكثير من أن نتحدث في الماضي، ليقل اكين فورًا: السندات..، فقاطعهُ صالح: في الحفظ والصون، أنت أذهب إلى جانب زوجتك، أشاح اكين بوجهه حزينًا نادمًا وخرج مع قدوم جيلاسون الذي نظر لظهر اكين ولصالح بإستغراب، رمق صالح اكين وهو يبتعد بنظراتٍ تحمل مزيجًا من الغضب والخُذلان والشك، وما إن أختفى الأخير عن أنظاره حتى التفت إلى جيلاسون الذي أقترب منه ليقل دون أن ينظر إليه: أريدك أن تراقبه يا جيلاسون، دُهش جيلاسون من طلب صالح، لينظر الأخير إليه وهو يردف: كارتال يُهدده.. وهو ينكر لكن إحساسي يقول غير ذلك، أريد أن أعرف فورًا إن كان ذلك ال*** لا يزال يستغله بأي طريقة كانت، صمتّ جيلاسون قليلاً، كان يريد إخبار ياماش بأمر اكين ولكنه وجد الفرصة أمامه، فصالح على مايبدو يعلم شيئًا، ليقل فورًا: آبي.. أنا سمعتهُ يتحدث مع كارتال أكثر من مره، مسح صالح وجههُ ليقل: أعلم.. ولكن جيلاسون يابني لاتخبر أحدًا وخاصة أخي جومالي وياماش فليبقى هذا الأمر بيننا، ليقل جيلاسون: وليس فقط هذا الأمر يا أخي، عقد صالح حاجبيه ليردف جيلاسون: رفض أن يتم تفقد هاتفه حين كانوا رجال وليّ يأمنون الهواتف والسيارات، وايضًا في ذلك المستودع..، ليقل صالح: أي مستودع؟، فأجاب جيلاسون بعد تردد: حين وجدنا الفلاشة الخاصه بإدريس لم يخبـ..، رفع صالح يده فجاءه أمام وجه جيلاسون مقاطعًا حديثه وقد تبدلت ملامحه بصدمه، تنفس ببطء ثم أشاح بنظره بعيدًا كمن ربط للتو كل الخيوط المتفرقة في رأسه، ليهمس لنفسه: هو من أخبرهم.. هو من قتل ذلك الرجل..، ليقل جيلاسون بخفوت: لم يكن في الحفرة حين وصلنا خبر المستودع، وحين خرجنا متوجهين إليه لم يكن معنا، لكننا وجدناه بجانبك عند وصولنا وقد سبقنا إلى المكان دون أن يُخبره أحد، استند صالح على الأريكه وهو يغمض عينيه ليهمس: ويكذب عليّ!، مضت لحظات أعتدل بعدها صالح وهو يقول: ما مضى قد مضى.. أنت أفعل ما قلته لك يابني وإن لاحظت شيئًا أخبرني فورًا، ولا يعلم كائنًا من كان بما طلبتُ منك أن تفعله حسنًا؟، أومى جيلاسون وأبتسم بخفه وهو يقول بعد لحظات: تسّرنا عودتك يا أخي بالرغم من كل هذه الفوضى، أبتسم صالح مجاملةً وأرتدى سترته الثقيله وقبل أن يخرج سأله جيلاسون بتردد: بماذا يهدده كارتال يا أخي؟، التفت صالح إلى الآخر ظلّ ينظر للحظة متعبًا ولكنه أجاب بخفوت: بنا..، وخرج من المنزل، توقف أمام سيارته ليرّن هاتفه بإتصالٍ من وليّ، فأجاب وهو يمسح وجهه ليقل فورًا: أين أنت؟ وأين تولغا؟، فصمت يستمع لحديث الآخر ثم قال فورًا وهو يصعد إلى سيارته بسرعه: أنا قادم حالاً..
––––––––––––––––––––
منزل العائله..
ظهرت داملا إلى الشرفة لترى زوجها واقفًا بالقُرب من سور الشرفة وهو يحمل بيده سيجاره، توقفت لثوانٍ مستغربه، ولكنها تقدمت بهدوء لتقل: هل سقطت به الآن أم عُدت إليه؟، التفت الآخر إليها بهدوء ليقل: ماذا تعنين؟، لتقل: أنت ماذا تظن؟، تنهد الآخر ببطء وأعاد بنظره إلى اللاشيء، لتردف داملا: كنتُ أتمنى أن أراك تصرخ وترمي وتكسر هذا البيت بأكمله إن اضطررت.. لكن لا أن تقف هنا صامتًا هكذا، ليبتسم جومالي وهو يردّ: أجل.. هذا جومالي كوشوفالي الذي يكسر ويدمر لأنه غاضب، صمت لوهله وأردف وقد التفت إليها: ولكن لا.. لم يتبقى جومالي كوشوفالي وماشابه، صمتتّ داملا ولم تقُل شيء، وبعد ثوانٍ.. أمسكت بالسيجارة وأخذتها من يده وألقتها من فوق الشرفه، وعادت إلى الداخل، لحظاتٍ وخرجت آسيا الصغيره وهي تركض بإتجاه والدها واحتضنت أقدامه، فجثى جومالي وأحتضنها بخفه ليرى داملا تتكئ على باب الشرفة وهي تبتسم، لتقل بخفوت: أنا أرى جومالي كوشوفالي أمامي الآن يحتضن أبنته..
––––––––––––––––––––
منزل الطبيب..
ترجل صالح من سيارته ليجد جثة شهرام ملقية في المقعد الخلفي لسيارة أحد رجال وليّ، أغمض عينيه بقوه فأتاهُ صوت تولغا الذي تقدم نحوه بحدّه ليقل: كنت تعلم طوال الوقت وكان بين يديك ولكنك لم تخبرني، ليقل صالح عندما رأى وجه الآخر شاحبًا يتصبب عرقًا من غضبه: لم أعلم سوى البارحه وأهدأ أولاً أنت لست بخير، تقدم وليّ نحوهم وهو يزفر بقلة حيله، بينما وقفت آصلي عند باب المنزل تنظر فقط، ليقل تولغا غير آبه بما قاله صالح: لقد بحثت عن ذلك ال*** شهرام طوال الأشهر الماضية ولم أعثر على أثر وها هو الآن يظهر بين يدي تلك المرأة، عقد صالح حاجبيه ليقل بخفوت: ماذا تعني بشهرام؟ هذا ليس شهرام، ليصرخ تولغا: هل ستفقدني عقلي يا أخي؟، ليدفعه وليّ فورًا إلى الخلف وهو يهمس في أذنه: لا يعلم ياتولغا! هو لا يعلم أن هذا ال*** الذي عذبكم هو نفسه شهرام أبن العم، استدار تولغا وهو يمسح وجهه بألمٍ وغضب، بينما هتفت آصلي من بعيد: فارتولو.. يجب أن نتحدث، حطتّ أنظار الآخر عليها ومن ثم نظر إلى وليّ وتولغا، ليتقدم نحو وليّ وهو يقول مُشيرًا إلى تولغا: أرجعهُ إلى الحفرة يا وليّ وأجعلهُ ينام بأي وسيله، تنهد وليّ بعمق بينما أتجه صالح إلى المنزل، ودخلت آصلي قبله بثوانٍ، ذهبت نحو طاولة المطبخ واستندت بكفيها عليها وأخذت نفسًا عميقًا وكأن ماستقوله الآن يحتاج إلى جهد، اعتدلت والتفتت حين شعرت بدخوله، ليقف أمامها واضعًا يديه في جيوبه ليقل: أسمعكِ..، التفت تنظر إلى النافذة لتلمح سيارة وليّ برفقة تولغا تحركت مبتعده ولكن الرجال بقوا، أعادت بنظرها إلى صالح لتقُل: أسمي آصلي إردام، أومى صالح بخفه ليقل: ماذا حدث هنا؟، لتقل: أخيك.. لم يصبر وقتله ويبدو أنه أنهار قليلاً، زفر صالح بقوه وصمت للحظة ثم قال: لدي أسئله كثيره ولكن.. لم أشكركِ على إنقاذكِ لأبني، خفضت نظرها قليلاً ليردف صالح بهدوء: لا أعلم كيف.. ولا أعلم ايضًا كيف وصلتي لأولئك ال*** ولكن شكرًا لأنكِ أوصلتني إلى أبني، أظن أنني مُدين لكِ..، فقاطعتهُ الأخرى فورًا بجمود: أنت لا تُدين لي بشيء، في الواقع أنا أوفيتُ بديني الذي تعهدت بردّه لك قبل ما يُقارب الخمسة أعوام، عقد الآخر حاجبيه مستغربًا ليقل: ماذا تقصدين؟، لتقل الآخر بجمود: أنت أنقذت أخي.. وفي المقابل أنا أنقذتُ أبنك، مال صالح برأسه قليلاً ليقل بخفوت: أخيكِ؟، أومت الأخرى لتقل مباشرةً وبدون مقدمات: تولغا.. تولغا هو أخي يا فارتولو، فانهارت ملامح الآخر وهو ينظر بصدمةٍ وغير إستيعاب، بينما في الجهة الأخرى وحيثُ شقة داهان الذي وضع يديّه على رأسه وهو يُخاطب معاونه قائلاً: كنت أعلم أن هذه المرأة تربطها بهم علاقة ما..، عبث الآخر بالحاسوب الموصول بجهاز التنصت الذي وضعوه سرًا في جيب سترة صالح ليستمعا من خلاله إلى كل ما يدور حوله، ثم قال: وماذا ستفعل؟ فأنت لا تملك حقًا قانونيًا للتدخل أو للتحقيق أو حتى للتحرك، ليقل داهان وعينيه لازالتا متسمرتان على الحاسوب: سأعود.. وسأستلم ملف الكبير من جديد وحينها سيبدأ عملنا الحقيقي..، وعلى بعد عدة خطوات، كان الكبير يقف خلف أحد الجدران وهو يبتسم.. فهو قد سمع كل شيء سمعهُ أبنه ومعاونه خفيةً..
إلى اللقاء في البارت القادم..

لا يوجد سوى الألم..حيث تعيش القصص. اكتشف الآن