"بالعافية على الجميع بإصرارٍ من أخي جومالي"
توقف الزمن في تلك اللحظة.. لم يسمع صالح شيئًا ابدًا.. لا وقع أقدام أخوته الذين تقدموا نحوهم باستغراب، ولا حتى ارتجاف أنفاسه المضطربة، كل ما كان يراه.. هو وجه ليلى أمامه، وملامحها التي لم يستوعبها عقله، تحركت شفتاه قليلاً يحاول أن ينطق أن يسأل لكنه لم يستطع إخراج أي صوت.. وكأن حنجرته أُغلقت تمامًا بفعل الذُعر الذي احتلّه، اقترب ياماش وقد اتسعت عيناه من حالة الأخرى.. بينما ظلّت هي على حالها وثباتها تنظر إلى صالح فقط، لتقل بصوتٍ مبحوح: ربما أصبته.. أنا أطلقت.. ولكن لا أعلم هل مات أم لا، خطى ياماش نحوها اكثر ليسأل: من تقصدين..؟، لم تُجب على سؤال ياماش فورًا.. بل اقتربت أكثر من صالح ثم أمسكت بذراعه ورفعتها لتضع السلاح بها وهي تقول بذات نبرتها المبحوحة: سافاش.. أنا من أخرجتهُ من الحفرة بعد أن هددني، وحاول.. حاول الاعتداء عليّ لكنني أطلقت رصاصة من هذا المسدس وهربت ولم التفت خلفي، تجمد صالح في مكانه اكثر.. وحرارة يدها التي أمسكت بذراعه انتقلت إلى صدره مباشرةً وكأنها أحرقته من الداخل، نظر إلى السلاح الموضوع في يده.. إلى قطعة الحديد الباردة هذه التي التصقت براحته، وإلى ذراعها المرتجفة التي انسحبت ببطءٍ عنه، أخذ شهيقًا قويًا بشكلٍ غير ملحوظ ولكن الهواء لم يدخل إلى رئتيه.. وكأنه لم يستطع أن يتنفس، لم يسمع صوت ياماش وهو يقول بغضب وصدمة "ال***!" ولم يسمع وقع أقدام الشباب الذين تجمعوا من حولهم.. كان يسمع فقط صدى كلماتها "حاول الاعتداء عليّ، وأنا أطلقت.. وهربت" ابتعدت الأخرى وقد زاغت عيناها قليلاً، استدارت تنوي العودة إلى سيارتها، لكن ما إن خطت خطوتين.. حتى تمايل جسدها وفقدت توازنها، حاصرها السواد فورًا فـ مالت إلى الخلف وسقطت بين يدي الأسمر الذي اندفع ليُمسك بها فور أن لاحظ تمايل جسدها، سقط معها إلى الأرض وهو يُمسكها جيدًا ثم صفن بها وبملامحها مرتعبًا دون أن يتفوّه بكلمة..
بعد وقت.. الساعة 7:30 صباحًا
خرجت إيفسون من غرفة الضيوف حيثُ ليلى وتوجهّت إلى الأسفل وهي تمسح وجهها.. مشغولة البال بياماش جونيور وبليلى الآن.. وجدت ياماش في الصالون يمشي ذهابًا وإيابًا وهو يضع يديّه خلف ظهره ينتظر قدومها، فسألها فورًا حين رآها: هل استيقظت؟، أومت الأخرى ثم قالت: استيقظت منذ وقت اساسًا.. ولكنها لم تقُل كلمة ابدًا، لو تقول لصالح يا ياماش أن يتحدث معها، تنهد الآخر بحزن ثم قال هامسًا: وذاك حالهُ ليس جيدًا اصلاً..، ثم أردف بعد أن ربت على وجنة زوجته: سأخبره وآتي، بينما وفي المكتب.. كان جومالي يقف أمام النافذة وهو يضع يديّه خلف ظهره.. التفت برأسه قليلاً ينظر إلى صالح الذي يضع يده على صدره ويمسده بين الحين والآخر، كمن يحاول إخراج شيء عالقًا بداخله.. مُختنقًا بشيءٍ لا يُشبه خوفه المعتاد أو غضبه، بل شيء أعمق.. أشد.. يضربه من الداخل خفيةً دون أن يظهر على وجهه إلا جمود وشرودٍ قاتل، هل أعتدى عليها؟ أم حاول..؟ تردد هذا السؤال في عقله مرارًا وتكرارًا، اجتاحه غضب كبير.. ولكنه بارد، غضب لم يكن عاصفًا كعادته بل ثائرًا في الأعماق، أعماقه هو.. كيف حدث كل هذا دون أن يشعر؟ كيف لم يستطع أن يمنع وقوعه؟ كيف سمح لها أن تذهب إلى شقتها بالأمس دون أي حماية؟ كيف وهي.. هي أمانة أخيها وتُحبه، تُحبه وهذا الحب هو الشيء الوحيد الذي لم يُبعدها عنه وعن الحفرة وهلاكها رغم ما مرّت به من اختطافٍ وتهديد وغيره.. لو لم يجلب ذلك الحيوان إلى منزله صباح الأمس هل كان سيهرب ويستغلها ليؤذيها بهذا الشكل؟ دُفع الباب ودخل ياماش الذي وقع بصره فورًا على ابن أبيه، التفت جومالي بتساؤل بينما اقترب الأصغر من صالح حتى جثى أمامه ووضع كفيّه على ركبتي الآخر الذي ظلّ ينظر بجمودٍ يختلط بالقلق، ليقل: لقد استيقظت ولكن.. إيفسون تقول إنها لم تنطق بكلمة، وحين لم يُجب صالح تكلم جومالي: هل قالت شيء عن مكان ذلك الحيوان؟، ليُجيب ياماش وعينيه على صالح: أقول أنها لم تنطق بكلمة يا أخي، ثم أردف وقد شدّ على ركبتي أخيه: لا تفعل يا ابن أبي.. أعلم جيدًا ما تفكر به ولكنه ليس ذنبك، فـ أذهب وتحدث معها ودعها تخبرك بما حصل، مسح صالح وجهه ليقل بخفوت: ماذا سأقول؟ ماذا سأقول يا ياماش؟، صمت جومالي وتراجع وهو يتمعن في اخوته، فقال ياماش: كُن بجانبها.. أسألها! دعها تخبرك ما الذي جرى معها وما سبب قدومها بتلك الهيئة، وأين ذلك الحيوان الآن إن كانت قد أصابته كما تقول، مسّد صالح مؤخرة عنقه وهو يدرك تمامًا صدق كلام ياماش وجديّته.. ثم نهض بهدوء وخرج، فـ اعتدل ياماش وهو يتنهد بثُقل، التفت نحو الأكبر الذي كان ينظر بشرود نحو كرسي صالح، تأملهُ لثوانٍ ثم اقترب منه وهو يقول بخفوت: آبي؟ هل أنت بخير؟، تحركت عينا جومالي نحو الآخر بجمود ليُجيب: طبعًا بخير لماذا تسأل بيبي؟، مال الأصغر برأسه ليقل: لا أعلم.. أنت غريب منذ الليلة الماضية، ابتسم جومالي ابتسامةً تعكس غرابة حاله الآن حقًا.. عاجز يكاد يحترق من عجزه، ومع ذلك يحاول أن يبقى هادئًا وأن يفكر ويبحث عن مخرج، لكن كل الطُرق التي يسلكها تقوده إلى الجواب ذاته.. الجواب الذي ينهش صدره بلا رحمة "ضحّي بحياتك لأجل ابن أخيك، فليس لديك خيار آخر" تنهد الأكبر بخفه ثم تقدم يهزّ أكتاف ياماش بخفه وهو يقول: أنا مثل الوحش..، ابتسم ياماش لوهلةٍ وهو ينظر إلى وجه أخيه.. ولكن ابتسامته تلاشت سريعًا حين تذكر قبلة أخيه على رأسه بالأمس.. ما زالت عالقة في عقله وكأنه يشعر بأن هناك شيء ولكنه لا يعرف ماهيته في نفس الوقت، قاطع تفكيره سؤال جومالي الذي عاد يقف أمام النافذة الكبيرة: لماذا قلت لصالح كُن بجانبها؟، ابتلع الأصغر ريقه بخفه لثوانٍ ثم قال: لأنها بحاجة إليه.. ولأن صالح هو الشخص الوحيد الذي تستطيع التحدث إليه دون خوف، ظلّ جومالي واقفًا بكتفيّه المشدودتان.. ليقل دون أن يلتفت: وهل يعلم؟، رفع ياماش أحد حاجبيه ليقل: يعلم ماذا؟، ليسمع صوت أخيه الذي هتف فورًا: أنها تحبه، اتكئ ياماش على طرف الطاولة ثم جمع ذراعيه وهو يقول: وكيف عرفت أنت؟، التفت جومالي بملامح جامده ليقل بتردد مضحك وهو يُشير بذراعه: ألم تقل من قبل..أن هناك شيئًا في نظراتها؟، مسك ياماش ضحكته ثم قال: ماذا يوجد في نظراتها يا أخي؟، فـ اقترب جومالي بغضب وهو يرفع أصبعه ليقل: أنظر بيبي.. لا تغضبني!، تراجع ياماش وهو يقول ضاحكًا بخفه: حسنًا..، ثم تنهد بخفه ليردف: يعني.. تحبه ويعلم فـ هي أخبرتهُ بالأمس، ولكنه بالطبع مشتتّ لا يعرف ماذا يفعل أو كيف يفهم ما يشعر به تجاهها حقًا، مسّد جومالي لحيته قليلاً ثم قال: سيفهم.. صحيح أن حب الطفولة لا يعوض مكانه حب آخر، لكن الإنسان لا يظلّ وحيدًا طوال حياته، وربما تنفعه هذه الفتاة.. فـ هو من بعد سعادات أصبح رجلاً ثالثًا أحيانًا لا اعرف من هو، تنهد ياماش بحزن ثم رفع أحد حاجبيه مستغربًا وهو يبتسم، فأردف جومالي وهو يرتدي قبعته: لماذا تنظر هكذا؟ هل يوجد غير صالح وفارتولو وأنا ليس لدي علم؟، ضحك ياماش قليلاً مع اقتراب الأكبر الذي حاوط وجنتي أخيه بكفيّه وهو يقول بخفوت وحنان: اسمعني.. صحيح أن صالح هو الأكبر، لكنكما تسندان بعضكما بطريقةٍ جيدة لا يفهمها غيركما، فكونا جنبًا إلى جنب، ادعما بعضكما ووبّخا بعضكما وإن لزم الأمر اضربا بعضكما.. لكن إياكما! إياكما أن تسيئا فهم بعضكما أو تُخفيا عن بعضكما شيئًا هل سمعتني؟، لم يكاد ياماش الذي انقلبت ملامحه قلقًا أن يسأل حتى قال جومالي الذي لا يريد سماع كلمة من أخيه: سأذهب إلى المقهى.. سأرى ماذا حصل مع وليّ، ثم تجاوزه تاركًا الأصغر ينظر إلى الباب الذي خرج معه أخيه وهو يفرك يديّه قلقًا وخوفًا، بينما وعودة إلى المنزل.. توقف صالح عند باب الغرفة التي أخبرته إيفسون أن ليلى تستلقي فيها.. تجمدت ذراعه القابضة على المقبض لوهلة وكأن خلف هذا الباب يقبع خوفٌ كبير.. وخطيئةً لا يعرف إن كانت قد اُرتكبت بحقها أم لا.. أخذ نفسًا بطيئًا ثم فتح الباب بهدوء، كانت الإضاءة خافتة والستائر مرخاة.. رآها جالسةً على السرير تسند ظهرها وهي تمدّ قدميها وفي حضنها وسادة تقبض عليها بخفة وهي شاردة فيها.. كان حالها الخارجي أفضل قليلاً، فقد بدّلت ملابسها بمساعدة إيفسون لأخرى نظيفة وربطت شعرها إلى الأعلى، ومن شدة دخوله الهادئ لم تنتبه له، توقف مكانه وهو يتأملها.. يديها اللتان ترتجفان، عيناها وشرودها وكأنها في عالمٍ آخر.. شدّ على قبضته وتقدم أكثر حتى رفعت هي رأسها بسرعة وبأعينٍ اتسعت قليلاً حين شعرت بأحدهم، ولكن ملامحها ارتخت حين استوعبت من الذي يقف أمامها.. اكتفت بجمع قدميها إلى جسدها بهدوء فـ تقدم هو حتى جلس على طرف السرير قريبًا منها، اسند مرفقيه إلى ركبتيه وثبّت بصره على نقطة أمامه بعيدةً عن عينيها.. وعن وجعها.. وأيضًا عن خجله وشعوره بالذنب من إحتمال أنها تعرضت لأذى بسببه، ولكن ما لم يتوقعه.. أن عقدة لسانه لا زالت كما هي.. حاول أن يتكلم أن يسألها ولكن ظلّ صامتًا للحظات.. حتى أرخى رأسه قليلاً وجبر نفسه بالقوة لتخرج منه هذه الكلمتان: هل.. لمسكِ..؟، ابتسمت بحزن واقتربت منه، اعتدلت واستلقت حتى وضعت رأسها على قدميه في لحظة لم يتوقعها، توقف صالح جامدًا للحظةٍ وقد ضاق صدره، لكنه ظل صامتًا غير قادر على تحريك أي ساكن، كان رأسها على قدميه وكأنها تبحث عن ملجأ.. عن أمانٍ لم تستطع أن تجده في أي مكان آخر سوى عنده، بينما اجتاحهُ هو شعورًا غريبًا بالحماية والذنب في آنٍ واحد، وبعد ثوانٍ قليلة استجمعت فيها الأخرى نفسها للحديث.. قالت بذات صوتها المبحوح الذي لم يتغير: لم أسمح له، خرجت منه تنهيدة تمزج بين الغضب والارتياح.. الغضب لأن ذلك الحيوان اقترب منها، والارتياح لأنها لم تسمح له أن يؤذيها، ومع ذلك.. لم يستطع أن يتكلم ولم يجد الكلمات التي تليق بهذا الموقف، أغمضت هي عينيها وقد اجتاحها نعاسٌ هادئ.. ولكنها قاومته وهي تقول: أتيتُ لرؤية إدريس بالأمس.. وحين عدتُ إلى سيارتي ظهر من المقعد الخلفي وهددني بسلاح كان معه واجبرني على إخراجه من الحيّ دون أن يُلاحظ أحد، كنتُ محبوسة معه في كوخٍ ما طوال الليل تقريبًا.. دون نوم دون طعام.. كان ينزف وضمّدوا الرجال جرحه ثم نام.. أنا لم تغفو عينيّ من خوفي، وعند الفجر استيقظ واقترب مني وقال أنه يريدني له.. وأن ننسى كل شيء، كان صالح يستمع وهو ينظر إلى الجهة الأخرى.. ويشدّ على قبضته بلا وعي، تنهدت بعمق وهي لا زالت مغمضة العينين ثم أكملت: حاول أن يخدعني بالكلام وبالسفر وبالحياة الهادئة وأنا تظاهرتُ بالتصديق لكي يقترب واضربه على رأسه بفانوس كان خلفي.. ضربته بكل ما تبقى لديّ من قوة وسقط أرضًا، فـ فتشته.. ولم أجد شيئًا سوى سلاحه، أردتُ أن أهرب فقط ولا شيء غيره.. لكن الباب كان مغلقًا والرجال المقنعون في الخارج، رفعتُ السلاح لأطلق واحطم القفل وأخرج بأية طريقة ولكنه ناداني.. فـ هددتهُ بالسلاح وقلتُ له إنني أريد الذهاب إليك.. قلتُ له انني أحبك، أغمض صالح عينيه بقوة وواصلت هي دون أن تعي ملامحه أو وقع كلماتها عليه: غضِب.. جنّ.. واندفع فجاءه نحوي ليُمسك بمعصمي وقال انه سيُثبت لي كم أحبـ..، توقفت قليلاً وقد انعقدت ملامحها وكأنها تتخيل الآن ماحصل أمامها.. فهم هو تكملة الجملة.. فـ وضع كفّه على رأسها بخفه بعد ترددٍ طفيف.. وكأن يريد من ذراعه أن تكون حاجزًا بينها وبين ما تتذكره الآن.. ولكنها أكملت: حاول أن ينزع السلاح وحين أقترب اكثر.. فهمت ما الذي كان ينوي فعله لذا صرخت بقوة.. وأتذكر انني أطلقت رصاصة من السلاح وحين شعرت بابتعاد قبضته عني ركضت بسرعة إلى الخارج.. لا أعلم كيف فُتح الباب ولا كيف وصلت إلى السيارة وقُدتها إلى هنا..، ثم حركت رأسها ورفعت ذراعها، شدّت على ذراعه بخفه تبعدها عن عينيها قليلاً وهي تردف ناظرةً إلى وجهه وكأنها تذكرت شيئًا: الموقع.. موقع الكوخ الذي بقيت فيه حفظتهُ على الخريطة الموجودة في شاشة سيارتي قبل عودتي، أرخى صالح رأسه ببطء.. والتقت عيناه بعينيها لأول مرة منذ بداية الحديث، نظرةً مشحونة بما يكفي لإشعال حرب اساسًا قد اشتعلت منذ فترة، إلا أنه لم ينطق بشيء بل ظلّ يحدق بها للحظاتٍ حتى عادت هي لوضعها السابق واغلقت عينيها هذه المرة مُمسكة بذراعه بهدوء، ولأول مرة.. تستسلم لنعاسٍ بهذه السهولة.. وبعد ما مرّت به بالأمس والفترة التي مضت.. لاحظ صالح انتظام أنفاسها شيئًا فشيئًا وارتخاء قبضتها على ذراعه دون أن تُفلتها تمامًا، وكأنها تخشى أن يذهب إن تركتها.. ظلّ ثابتًا يُنصت إلى صوت أنفاسها الهادئة التي تناقض تمامًا العاصفة العاتية في صدره، وبعد ثوانٍ.. حرك ذراعه ببطء شديد محاولاً إفلاتها دون أن يوقظها لكنها شدّت قبضتها لا إراديًا، فتوقف بقهر وحزن.. وانتظر للحظات ثم عاد وحاول مرة أخرى، وهذه المرة بحذر أكبر حتى انسحبت يدها أخيرًا.. بينما وفي الأسفل، جلس ياماش على الأريكة في الصالون إلى جانب إيفسون التي كانت تداعب شعر ابنتها الجالسة على الأرض وهي تلعب.. رمق ابنته وأولاد اخوته براحةٍ واطمئنان، ثم التفت ينظر إليها.. كانت شاردةً وملامحها متعبة جدًا، فـ حاوط كتفيها بذراعه حتى أسندت رأسها على كتفه، ليقل: هل أنتِ متعبة؟ لا تخفي عليّ تعبكِ لأنكِ لا تريدين العودة إلى المستشفى، نفت هي برأسها لتُجيب: لم أتضرّر يا ياماش، مجرد جرح بسيط في مقدمة رأسي وذراعي فقط، أنا بخير، فقال هو: إذن مابكِ؟، رفعت رأسها وابتعدت عنه وهي تقول: بالأصل أنت مابك؟ تبدو مشغول البال، ابتسم الأشقر بحزن ثم قال: أنا مشغول البال دائمًا يا إيفسون، ربتت على وجنته ثم قالت: ولكن هناك شيء..، تنهد الآخر بعمق وهو يسمح وجهه ليقل: أخي جومالي.. يبدو غريبًا منذ البارحة، وتحدث قبل قليل بكلام غير معتاد عن أن أكون أنا وصالح جنبًا إلى جنب ولا أفهم ماذا يقصد.. يراودني قلق وأشعر بأن هناك شيئًا غريبًا لكنني لا أعرف ما هو، صفنت إيفسون وهي تتذكر كلمات جومالي "سأُعيد أبن أخي ولو كان الثمن روحي" هي لا تعلم لماذا طلب منها جومالي عدم اخبار ياماش بأمر الطفل.. والان ربما استوعبت قليلاً، نظرت إلى ياماش الذي يتأمل الأطفال.. ابتلعت ريقها ثم قالت: ياماش..، التفت الأخير نحوها بملامح هادئه، ترددت بالكلام حتى عقد حاجبيه باستغراب، لتقل: في الحاد..، قاطعها صوت صالح الذي دلف إلى الصالون وهو ينادي بأسم ابن أبيه، استقام ياماش فورًا من هتاف صالح، حتى قال الأخير وهو يُشير إلى الخارج "تعال" فلحقهُ ياماش بينما مسحت إيفسون وجهها بقوة، وفي الخارج تقدم صالح نحو سيارة ليلى وهو يخرج مفتاحها الذي كان أحد الشباب قد أعطاهُ إياه، أشار إلى ياماش لكي يصعد إلى السيارة حيثُ مقعد السائق، فصعد ياماش ثم قال: ماذا؟، ليقل صالح فورًا: تقول إنها حفظت الموقع الذي أصابت فيه ذلك الحيوان على شاشة سيارتها، رفع ياماش ذراعه وعبث في شاشة السيارة حتى أخرج موقع الكوخ من المواقع المحفوظة، ليهمس بانبهار: أنها عبقرية حقًا، ثم أردف: أنه ليس بعيدًا، نظر صالح إلى الشاشة لوهلة ثم رفع نظره إلى ياماش ليقل بنبرةٍ حادّه: هيّا لنذهب..، شغل ياماش المحرك وهو يقول: سأرسل خبرًا لأخي جومالي..، منعه صالح الذي قال: لا داعي.. سنذهب أنا وأنت فقط، ليردّ الآخر: نحن لا نعلم ما الذي ينتظرنا هناك يا صالح..، فأجاب الأخير: قلت لك لاداعي لإخبارهم هيّا تحرك، تنهد ياماش وتحرك رغم تردده، لاحقًا.. توقفا أمام الكوخ، أخرج ياماش سلاحه وهو يترقب الرجال الذين يُحاوطون المكان.. الرجال الذين اصبحوا جثثًا دامية، ترجل صالح وهو يُناقل بصره في الأرجاء، وتبعه ياماش متقدمًا خطواتٍ إلى الأمام وقد خفت قبضته على سلاحه، ذهب صالح نحو الكوخ ولحقه ياماش فورًا.. دخلا وهما حذران بشدّة.. كان الكوخ لا يوحي بشيء.. رأيا بعض الضمادات والأدوية المتناثرة.. وبعض الدماء على الأرض.. تبادلا النظرات للحظةٍ حتى قال ياماش بخفوت: أحدهم سبقنا إلى هنا أم أنه..، قاطعهُ صالح وهو يقول: لقد هرب، تراجعا إلى خارج الكوخ ليهتف ياماش وهو يتفقد أحد الجثث: مستحيل أن تفعل هي هذا..، توقف صالح وهو ينظر إلى ياماش الذي اعتدل وهو يقول: أحدهم سبقنا يا صالح.. وإلا لماذا قُتلوا هؤلاء الرجال؟، مسح صالح وجهه ليقل: من سبقنا إذن؟، تنهد ياماش بحيرة.. ثم هتف وهو يعود أدراجه نحو السيارة: فلنعود.. لا شيء هُنا يفيدنا
––––––––––––––––––––
مكتب الكبير.. الساعة 10:00 صباحًا
وضع أحد الرجال خاتم سافاش أمام الكبير.. وضعهُ بتردد وتراجع إلى الخلف باحترام وخوف، تمعن الكبير في الخاتم للحظاتٍ طويلة.. ثم هتف بهدوء مُريب: أين هو؟، صمت رجلهُ لوهلةٍ مترددًا ولكنه قال بخفوت: لا نعلم يا سيدي.. بعد هروب الفتاة أتى أحدهم وقتل جميع الرجال وربما..، قاطعهُ الكبير ببرود: فارتولو من أخذه مجددًا؟، نفى رجلهُ برأسه ثم قال: فارتولو أتى إلى الكوخ قبلنا هو وأخيه الأصغر يبحثون عنه ولكنهم وجدوا ما وجدناه، ليرّد الكبير: طبعًا.. ليس فارتولو، ثم استقام مع ابتعاد رجله، توجّه إلى النافذة وهو يردف: لأن من أخذه.. يعرف جيدًا ماذا يوجد داخل هذا الخاتم، لهذا نزعه من إصبع ذلك ال*** وتركه في الكوخ، ولكن.. من يكون ياترى؟، مضت لحظة صمت حتى هتف رجله: بماذا تأمرنا يا سيدي؟، ليقل الكبير فورًا: استمروا بالبحث عنه وأخرج، امتثل الآخر للأمر وخرج مع عودة الكبير إلى كرسيه وهو ينزع قناعه، جلس يمسّد لحيته وهو يفكر.. من الذي أخذ سافاش؟ من الذي اختطف العقل الذي يكتب خطط وانتقام الكبير؟ هل أصبح سافاش مجرد ورقةٍ محروقة يجب التخلص منها؟ لقد كُشف أمره الذي كان مخفيًا وعرف صالح هويته فأصبح مطاردًا.. فـ بماذا سيُفيد الكبير الآن؟ حتى عقله الذي كالسُم لن يكون كافيًا بعد اليوم.. زفر الكبير بقوة ثم همس مخاطبًا نفسه: هناك من بدأ يلعب معي.. وليس المتخبّط فارتولو وأنا متأكد من ذلك، التفت بسرعة نحو هاتفه عندما أضاء برسالةٍ واردة، فـ ابتسم حين قرأها واستقام فورًا قائلاً: يا للسخرية.. ابني خرج من السجن بالأمس وللتو يخبرني!
––––––––––––––––––––
الحفرة.. المقهى
وضع ياماش الشاي أمام أخويّه.. ثم جلس ليهتف جومالي: ومن أخذه إذن؟، مسح ياماش وجهه قليلاً ليقل: لا أعلم..، ارتخى الأكبر على كرسيه وهو يتنفس بغضب، ليقل وليّ بعد أن ارتشف من الشاي خاصته: لا يعقل أنه هرب.. فـ لو هرب لماذا قُتِل الرجال؟ ولو أن الكبير أستعاده قبل أن تذهبوا لماذا قتل رجاله؟، نظر ياماش بحيرة ليقل: وهذا ما فكرت به.. أين ذهب ذلك ال*** إذن؟، فهمس وليّ: أمر محيّر!، ثم أردف بعد لحظة: وكل الأماكن التي بحثنا عنها ووصلنا إليها قد أُغلقت تمامًا ولا يوجد مكان بأسمه سوى ذلك الذي داهمناه في ليلة الافتتاح، عمّ الصمت حتى وقع بصر جومالي على ذلك الذي كان صامتًا طوال حديثهم.. تمعن في أخيه قليلاً ثم قال: مابك تصمت هكذا؟، رفع صالح بصره نحو أخيه ثم تنهد بخفه ليقل: لا أعلم.. رأسي يؤلمني من التفكير حقًا، فقال جومالي فورًا: لا تفكر إذن!، التفت ياماش نحو جومالي وهو يبتسم، والمثل صالح الذي أومى برأسه وهو يقول: أمرك يا أخي..، استقام جومالي وخرج بهدوء بعد أن ارتدى قبعته.. ليقل صالح مخاطبًا ياماش: لو تخبر عليشو لكي يبحث عن أثر ذلك الحيوان ربما يجده، فـ استقام ياماش وهو يُجيب: اساسًا كنت سأذهب إليه، ثم ربت على كتف ابن أبيه وخرج، فـ التفت صالح وهو يسأل وليّ بخفوت: كيف حال الذي في ألمانيا؟ هل هو بخير؟، ابتسم وليّ ليردّ: لماذا لا تذكر اسمه؟ هل أنت غاضب منه؟، اكتفى صالح بتنهيدة عميقة فأردف وليّ: بخير.. يكلمني أحيانًا صوتًا وفيديو بإصرار مني لأطمئن حقًا أنه بخير، ألم تُحادثه؟، ليقل صالح: تؤ.. أنتظره ليتصل بي حين يصفى ذهنه، ولاحقًا.. رفع وليّ رأسه من على هاتفه وهو يهتف: هل أنـ..، ولكنه صمت حين رأى صالح يضع رأسه على ذراعيه المستندتين على الطاولة نائمًا.. فـ ابتسم بخفه وعاد ينظر إلى هاتفه، لحظاتٍ حتى دخل جومالي وهو ينزع قبعته، ولكنه تقدم ببطء وهو ينحني برأسه قليلاً يريد النظر إلى وجه أخيه النائم.. اقترب مع استغراب وليّ ومدّ ذراعه بهدوء ليتفحص جبين أخيه بحذر.. وحين تأكد من عدم ارتفاع حرارته ومن نومه تنهد براحة وهو يقول: اخيرًا..، ليسأل وليّ: لم ينم منذ الأمس؟، فـ ردّ جومالي باستهزاء: الأمس؟ بل منذ يومين، ثم جلس ووضع قبعته على الطاولة وهو يرتخي على كرسيه متأملاً أخيه بشرود.. حتى دخل ياماش وهو يقول بهدوء: أخبرتُ عليشو وسنرى ماذا سيحصل، ثم جلس مكانه وقال وهو يُشير بعينيه نحو صالح: أول مرة أراهُ ينام هكذا، صمت جومالي بينما قال وليّ: كان ملك النوم قديمًا، نظر ياماش بابتسامة بينما لم تتحركا عينا جومالي عن صالح، ليقل ياماش: إذن ما رأيك أن تحكي لنا قصة حبك يا وليّ..؟، نظر وليّ قليلاً مندهشًا ثم ضحك ليضحك معه ياماش، فـ فرقع جومالي بإصبعه وهو يقول بخفوت مشيرًا إلى صالح: هنا إنسان نائم ولا أريده أن يستيقظ الآن، فـ اصمتوا وإلا اخرجوا، ليسمعوا ضحكة صالح الذي رفع رأسه ببطء وبعينين مغمضتين وهو يمسح وجهه قائلاً بسخريه: فرقعة أصابعك هي من أيقظتني يا أخي، ضحك الجميع بخفه عدا جومالي الذي فعل حركة فمه المعتادة حتى استقام صالح وذهب إلى دورة المياه، ليقل وليّ: هل تريد سماع القصة حقًا يا ياماش؟، تلاشت ملامح الأخير ليقل: أنا فقط أمزح معك يا وليّ..، ثم أردف مغيرًا الموضوع وهو يمسح وجهه: لسـ..، ليُقاطعه وليّ الذي قال: كنتُ أعمل في نقل بضائع المخدرات عندما كنتُ شرطيًا قبل سنوات.. وقُتلت هي وعائلتي بأكملها لأنني لم أسلّم بضاعةً في وقتها المحدد، نظر الأخوين بصمت وقد انربط لسان ياماش.. وظلّ الصمت يُخيم على المكان لوهلةٍ وكأن كلمات وليّ أثقلت الهواء، خرج صالح ورمقهم بعينيه وقد استغرب هذا الصمت، ليقل وليّ وهو يستقيم: وما أريد حقًا قولهُ يا ياماش هو أن القصص جميعها لا تكون بالضرورة سعيدة ولا تنتهي دائمًا بنهاية حزينة مألوفة.. بل هناك قصص تتحول إلى مأساة حقيقية تُنسي الرجل شعوره ومشاعره، ثم التفت إلى صالح وغمز بعينه مردفًا: اتصل بي إن علمتُم بشيء، وأنا سأتصل إن توصّل رجالي إلى سافاش، وخرج بهدوء بينما مسح ياماش وجهه بعنف ليقل جومالي وهو شاردًا في الفراغ: هل ارتحت الآن بيبي؟ وما شأنك بقصة وحياة الرجل؟، وقبل أن يتكلم ياماش هتف صالح: أنتهى لا تتجادلوا..، ثم أردف وهو يقف بجانب جومالي ينظر إلى خارج المقهى: لدى كل شخص في هذه الدنيا جُرح ومأساة خاصة به..
––––––––––––––––––––
شقة داهان..
فتح الباب ليجدها تقف وهي تتكئ على طرفه.. بملابسٍ رياضية وقبعة ونظارات شمسية تُخفي عينيها.. رفع أحد حاجبيه ليقل وهو يهّم بإغلاق الباب ساخرًا: العنوان خاطئ، وضعت قدمها لتمنعه من إغلاق الباب ببرود دون أن تتحرك، فابتسم داهان بمُكر وأعاد فتح الباب وهو يقول: ماهذا الشكل يا سيدة آصلي؟، دخلت الأخرى وهي تُجيب بسخريه: لاشيء.. فقط قلت أن أغير طريقتي في اللبس حتى لا يكتشف الكبير انني ازور شقة ضابط انتهت صلاحيته، فـ ردّ داهان وهو يُشير لها بأن تجلس في الصالون: أنا سأعود إلى مهنتي على أي حال.. لذا أليس من الأفضل أن نُمدد تاريخ الصلاحية؟، جلست وارتخت على الأريكة وهي تنظر إليه بمزيجٍ من البرود وابتسامةً لم تظهر، فقال الآخر وهو يتجّه إلى المطبخ: أبي أحضر قهوةً من العاصمة أنقره ومن الضروري أن تتذوقيها، صمتت هي دون أن تقول شيئًا وراحت تُناقل بصرها في أرجاء الشقة.. مرتبة كصاحبها ولكنها مزدحمة بالأثاث قليلاً وكبيرة مقارنةً بشقتها الصغيرة، لاحقًا.. هتف داهان الذي يجلس على كرسي قريب: هل قابلتيه؟، أومت وهي تضع فنجان القهوة على الطاولة: أجل.. أجبرني على الجلوس وهو خلفي، ولم أرى ولم أسمع سوى صوته، زفر داهان بقوة ثم قال: فقط صوته؟، ارتخت بظهرها وهي تنظر إليه ببرود.. ومع تلك النظرة الخالية من الخوف تسرّب إلى ذهنها تهديد الكبير بأخيها الذي في ألمانيا، فارتجف شيء خفيّ في داخلها، أغمضت عينيها بشكلٍ غير ملحوظ ثم أعادت فتحها وهي تردّ بثبات: أجل فقط صوته..، مسّد داهان رأسه بخفه ثم قال: بخصوص الشركات؟، وضعت قدمًا على الأخرى وأجابت: سأتولى الأمر.. سأحاول جمع كل معلومات الشحن والمستودعات التي تصلني وسأرسلها لك، أومى داهان ثم قال: شيئًا فشيئًا سنصل إليه وإلى عمكِ، اكتفت هي بالصمت وحين همّت بالنهوض لتغادر طُرق الباب فالتفتت فورًا باستغراب، نهض داهان وهو يقول: سأرى من.. أنتِ أبقي هنا، ذهب داهان للحظاتٍ ثم عاد إلى الصالون وخلفه أحدهم.. رجل حين رأته آصلي تصلّبت في مكانها وكذلك هو، عدنان.. أو الكبير الذي أتى لزيارة ابنه، والذي ما إن رأى آصلي في وسط شقة ابنه حتى نظر بحدّة وصدمةٍ غاضبة لم يستطع إخفاءها، تقدم داهان وهو يقول: على كل حال سنلتقي لاحقًا يا آصلي..، نهضت وعينيها لا تفارقان الكبير الذي تقدم وهو يقول بتصنع: هل أتيتُ بوقتٍ غير مناسب؟، التفت داهان بملامح مضحكة ليقل: هاير.. كان لدي عمل مع السيدة فقط يا أبي، هنا تحرك بصر آصلي حتى وقع على داهان حين سمعت منه كلمة "أبي" تشوشّ عقلها.. هل هي داخل لعبةٍ ما؟ أم أن داهان لا يعلم أن الذي يدعوه الآن بأبي هو الكبير الذي يبحث عنه؟ أم أن هذا ليس الكبير فعليًا وإنما شبيهٌ له؟ ناقلت أنظارها بينهم بغرابة.. ثم تحركت فورًا إلى الخارج، راقبها الكبير حتى خرجت ثم التفت نحو أبنه ليقل: أنا انتظرك في الأسفل يابني.. دعنا نخرج لنستنشق بعض الهواء، أومى داهان وخرج الكبير بخطواتٍ مسرعة، وحين وصل إلى بوابة البناية رأها على وشك الصعود إلى سيارتها، فـ أوقفها وهو يتقدم نحوها، أمسك بذراعها بعنف وهو يقول من بين أسنانه: ماذا تفعلين بجانب ابني؟، نظرت إلى ذراعه التي تُمسك بذراعها ثم نظرت إلى عينيه.. لتقل وقد عاد لها برودها وسخريتها: أين رجالك وقناعك؟، اقترب الآخر منها وقال: إياكِ! إياكِ واللعب معي.. صدقيني سأسحقك وأسحق اخيكِ إن علِم ابني بأمري!، نظرت لوهلةٍ نحو البناية وكأنها تنظر إلى داهان.. ثم نظرت إلى الذي أمامها بحدّه لتقل: ولِما سألعب معك؟ لم أكن أعلم أن لديك ابن.. وضابط! ويا للسخرية.. كيف يُعقل هذا؟ ذلك المسكين هل يُلاحق والده دون أن يعلم؟، ليقل الكبير مهددًا برفع إصبعه: ودّعي أخيكِ.. أنتِ انتهيتِ أيتها المرأة، ثبتت الأخرى في مكانها ورغم التهديد الذي كان يقطر سمًا من فمه قالت بصوتٍ هادئ على نحوٍ مستفز: لا تُبالغ.. وأفعل ما تشاء أيها العجوز المقنع.. لكن تذكر أنا لا أخسر وحدي ابدًا، ثم اقتربت حتى كادت تلامس وجهه لتردف: أنا أُجيد التمثيل.. والتخفي أيضًا وأنت تعرف هذا، وإن حدث لأخي شيء فـ سيعلم ابنك الضابط في اللحظة نفسها أن الكبير هو والده، ثم أفلتت ذراعها من قبضته بقوة وصعدت إلى سيارتها.. تاركةً الكبير يراقب سيارتها وهي تبتعد بسرعةٍ كبيرة، خرج داهان في هذه اللحظة وهو يرتدي سترته بتأفف، ثم رفع بصره ليجد والده يقف وهو ينظر إلى الشارع بشرود، عقد حاجبيه واقترب ليقل: بابا؟، ابتسم الكبير حين سمع صوت ابنه والتفت مرتديًا قناع الهدوء وهو يقول: أنا غاضب منك يابني.. كيف خرجت البارحة ولم تخبرني؟ وأنا الذي أتيتُ إلى إسطنبول صباحًا لأزورك في السجن؟، هزّ داهان حاجبيه وهو يقول: لا تفعل ياسيد عدنان..، ثم عاد إلى الوراء وهو يرفع يديّه: دعنا نأكل أولاً ثم سأخبرك بما حصل وكيف خرجت، ابتسم الكبير وهو يهزّ رأسه هامسًا: وكأنني رفيقك لا والدك!..
––––––––––––––––––––
الحفرة.. منزل العائلة الساعة 3:00 بعد الظهر
دخل الأخوة الثلاثة إلى المنزل.. ليقل جومالي وهو يتجاوز أخويّه ذاهبًا إلى الداخل: سنتناول الغداء جميعًا، عقد صالح حاجبيه بينما همس ياماش: كل دقيقة يزداد غرابة، شدّ صالح على ذراع الأصغر وهو يقول: ماذا تقصد؟، نظر ياماش لوهلة ثم قال لكي لا يشغل عقل أخيه فـ لديه ما يكفيه: لاشيء.. فقط سنتناول الغداء بأمرٍ من السيد جومالي، وتوجّه إلى الصالون بينما صعد صالح السلالم بهدوء.. وحين شارف باب غرفة ليلى توقف حين سمع حديثها مع إيفسون التي قالت: لقد رأينا الأسوء في هذا العالم.. لكنكِ في النهاية دافعتي عن نفسكِ حتى وإن أصبحتي قاتلة، فقالت ليلى التي تجلس وهي تسند مرفقيها إلى ركبتيها: ليس همي أنني أصبحت قاتلة.. بل أنني لم أقتله فيعود ليؤذي صالح بعد أن عرف أنني أحبه.. فذلك الرجل مجنون ومريض، تجمّد صالح في مكانه وهو يشدّ على قبضته.. لم تكن خائفة أو مرعوبة لأنها أصبحت قاتلة وهي التي لم تعرف القتل ولا السلاح! بل لأنها لم تُتمّ الأمر ولم تُصبه بالرصاصة فـ يعود ليؤذيهم.. وسرعان ما تراجع إلى غرفته دون أن يدخل، بينما صفنت إيفسون بقهر وهي تقول: وأنا همّي أنني خائفة، التفتت الأخرى إليها لتسأل: لماذا؟، ابتسمت إيفسون بقهر وغطت وجهها بكفيّها وهي تقول: خائفة على ياماش..، عقدت ليلى حاجبيها ثم قالت وهي تضع ذراعها على قدم الأخرى ظنًا منها أنها تقصد زوجها: هل حصل لهُ شيء؟، أبعدت إيفسون يديها لتقل ضاحكةً بحزن بعد لحظة: هاير.. هذا هو حالنا هنا فقط.. خوف وقلق كل يوم، وأنتِ علقتي هنا أيضًا بحبكِ لصالح، تنهدت ليلى بخفه وهي تقول باستهزاء: وهل الحب باختيارنا؟، عمّ الصمت حتى مسحت إيفسون وجهها واستقامت وهي تقول: هيّا.. دعينا ننزل لنتناول شيئًا ونفضفض قليلاً فـ كلتانا كانت ليلتنا صعبة، وفي الأسفل.. دخل اكين برفقة كاراجا قادمان من المستشفى، وتقدما إلى الصالون ليُقابلهما ياماش الذي عانق اكين فورًا وهو يقول بهدوء: جيد أنك سمعت كلامي وأتيت إلى المنزل لترتاح قليلاً، أومى اكين وهو يبتسم رغم قلقه على زوجته التي لم تستيقظ حتى الآن رغم تحسن حالتها.. خرج جومالي من الشرفة ليقع بصره على اكين بصمت.. فـ تراجع الأخير إلى الأعلى لكي لا يُغضب عمه فهو يعلم أنه لا يُطيق النظر إليه.. تنهدت كاراجا بضيق وهي تجلس على الأريكة بجانب الأطفال، بينما صعد اكين إلى السلالم وقابل صالح الذي اندهش حين رآه، فـ عانقه كما فعل ياماش وهو يقول: امجاجم.. متى أتيت؟، ابتسم اكين وهو يُجيب: قبل قليل، سأرتاح قليلاً وأعود إلى ياسمين، فصل صالح العناق وهو يسأل: هل استيقظت؟، نفى اكين برأسه مقهورًا فـ ربت صالح على وجنتي ابن أخيه وهو يقول يحاول طمأنته ولو قليلاً: سيكون كل شيء على ما يرام.. حسنًا؟، أرخى الآخر بصره قليلاً وهو يقول: لا أزال لا أعلم كيف سأخبرها بأنها خسرت طفلها الذي كانت تخشى فقدانه، اقترب صالح وقبّل رأس اكين وهو يقول: معًا.. ستستمدان القوة من بعضكما، أومى اكين وهو يتنهد بخفه وتجاوز عمه صاعدًا إلى الأعلى.. بينما تقدم صالح إلى الصالون بخطواتٍ بطيئة، حتى رأى ياماش يلعب مع الأطفال، ابتسم قليلاً والتفت حين تقدمت كاراجا وعانقته، فمسح على رأسها وهو يسأل: كيف حالكِ؟، أومت بهدوء وقالت: بخير.. ولكنني جائعة، وذهبت إلى المطبخ مع ابتسامة صالح، ولحظاتٍ حتى دلفت ليلى إلى الصالون برفقة إيفسون.. وفورًا ركض إدريس وهو يحمل دفتره نحو ليلى التي انحنت لتعانقه وهي تبتسم رغم ملامحها المُتعبة، ابتسم ياماش وبالمثل إيفسون التي اتجهت إلى المطبخ حيثُ داملا، جلس صالح واكتفى بالنظر، ليقل الصغير وهو يبتعد عن ليلى: لقد انتهيتُ من رسمتي وسأريكِ إياها الآن كما وعدتكِ، ابتسمت ليلى بحزن.. فـ حتى أنهى الصغير رسمته قد حدث الكثير والكثير.. ولكنها قالت بهدوء: وماذا رسمت؟، أراها إدريس الرسمة التي لم تكن إلا رسمة بريئة لمنزل وحديقة جميلة.. ثم قال وقد أقفل دفتره: لا تذهبي إلى منزلكِ مرة أخرى.. أبقي هُنا، ابتسم ياماش بلا إرادة وهو يرى إدريس قد بدأ يتعلق بليلى.. بينما انتقل بصر الأخيرة إلى صالح وهي تردّ مخاطبًة الصغير وعيناها على صالح: هل تريد أن أبقى؟، كانت في داخلها تسألهُ هو وليس الصغير.. ولكنه أشاح بنظره قليلاً بينما أجاب الصغير: أجل جدًا وبشكلٍ كبير، قاطعهم جومالي وهو يدخل إلى المنزل ويحمل في يده كيسًا ورقيًا.. هتفت داملا فورًا وهي تتقدم حين رأته: لا تذهب مجددًا دقائق وسنجلس على المائدة، ليقل ياماش: نجتمع على مائدة غداءٍ متأخر؟ غريب، وضع جومالي الكيس الذي في يده على أحد الطاولات البعيدة ثم قال وهو يستدير نحو أخوته: ليس غريبًا..، جلست ليلى بصمت وأومى لها جومالي بهدوء حين رآها.. ثم أردف: وهذه العادة لن تنقطع هل سمعتم؟ كل يوم ستجتمعون على ذات المائدة مهما كانت أحوالكم، ثم قال: هيّا..، وذهب ليأخذ الكيس الورقي وهو يُخرج منه بعض الحلويات الصغيرة للأطفال.. فـ ركضوا خلفه فورًا بينما استقام ياماش وهو يزفر بضيق يحتّله من تصرفات أخيه.. ولكنه اقترب من ليلى ليقل: أتمنى أنكِ بخير.. وحركة ذكية حين حفظتِ الموقع، ابتسمت الأخرى لتقل: ليست هذه أول مرة أحفظ فيها موقعًا، لكنها أول مرة أحفظ فيها موقعًا في موقفٍ كهذا طبعًا، ثم أردفت وقد التفتت نحو صالح: هل ذهبتم؟، صمت صالح وحين لاحظ ياماش هذا أجاب: أجل ذهبنا.. ولم نجده ربما هرب، تنهدت بعمق وهي تمسح وجهها لتقل: كيف استطاع الهرب؟ حقًا لا أعلم إن كنت قد أصبته أم لا، لكن عندما هربت كان الباب الذي كان مقفلاً مفتوحًا على مصراعيه، ولم يكن هناك أي أثر لأولئك الرجال المقنعين الذي كانوا يحرسون الكوخ، تبادل ياماش وصالح النظرات بغرابةٍ يغمرهما الشك والحيرة حيال ما حدث بالفعل في ذلك الكوخ.. ليُقاطعهم صراخ جومالي الذي قال "تعالوا ياهذا!" فـ استقاموا فورًا إلى مائدة الغداء الذي فرضها جومالي رغم فوضوية الأيام.. جلسوا جميعهم وحين تقدمت ليلى لتجلس بجانب إدريس نهض الصغير وترك لها الكرسي الذي بينه وبين والده وهو يقول: أجلسي هنا مثل المرة السابقة، لم يُبدي صالح أي ردة فعل بينما ابتسم ياماش وهو يرفع إبهامه بإشارة إعجاب نحو إدريس وكأنه يقول "احسنت" جلست ليلى وهي ترجع بعض خصلات شعرها للوراء.. ليقل ياماش الذي يجلس على رأس الطاولة حين جلست جنة برفقتهم وقد كانت آخر من جلس: هيّا.. بالعافية على الجميع بإصرارٍ من أخي جومالي، قال الأخيرة مُشيرًا الى أخيه الذي يجلس على رأس الطاولة من الطرف الأخر ضحك الجميع حتى جومالي بهدوء.. وتناولوا الغداء هذه المرة بصمت.. بعضهم يأكل وبعضهم يحرك الملعقة دون أن يلتقط شيئًا، فيما كان واحد منهم يراقب الجميع بأعينٍ متأملة.. جومالي الذي جمعهم الآن على هذه المائدة فقط ليتمعن بهم لآخر مرة، فالمُهلة حتى إتصال ذلك الكبير لم يتبقى عليها إلا أقل من ساعتين، وهو لم يجد حلاً سوى التضحية بنفسه.. قضى اليوم على الأسطح يفكر بعمق علّه يجد مخرجًا ولكن دون جدوى.. فتنهد بعمق وراح ينظر إليهم فردًا فردًا.. بداية من ياماش وأبنته ماسال في حضنه، ثم نظر إلى صالح وبجانبه ليلى وأبنه.. ثم التفت برأسه إلى الجانب لينظر إلى زوجته التي بالقرب منه تُطعم أبنتها بهدوء.. ثم إلى اكين الذي بجانب إيفسون.. واخيرًا إلى كاراجا التي بجانب جنة، جميعهم جلسوا صامتين رغمًا عنهم وكأنهم يشعرون بشيءٍ في الأجواء يُنذرهم بأن أمرًا ما سيحدث قريبًا.. وخصوصًا أصغرهم ذلك الأشقر الذي نظر إلى زوجته الشاردة.. ثم إلى أخيه الأكبر الذي ينظر بنظراتٍ غريبة..
ولاحقًا.. الساعة 4:40 مساءً
دلف صالح إلى الشرفة وهو يقول: ناديت عليّ يا أخي، تقدم أكثر نحو جومالي الذي كان جالسًا على الأريكة وهو يسند رأسه إلى الخلف ينظر إلى السماء بشرود، عقد صالح حاجبيه وظلّ ينظر لثوانٍ ثم هتف بهدوء: هل حصل شيء؟، تحركت عينا جومالي حتى ثبتت على أخيه ليقل: هاير.. أردتُ التحدث معك، نظر صالح لوهلة مستغربًا، فـ أشار جومالي بأصبعه إلى الأريكة المقابلة فـ التفت الآخر ليرى كيس أدويته كاملة هناك، جلس على الطاولة أمام أخيه وهو يقول مازحًا: ماذا؟ هل تعبت مني بهذه السرعة؟، ليقل جومالي وهو لايزال ثابتًا على هيئته: لم يمضي وقت طويل وأنا أحاول أن أكون أخًا كبيرًا لك.. فـ كيف لي أن أتعب يا صالح؟، تلاشت ابتسامة الأخير من حال أخيه الغريب لكنه سرعان ما أعاد ابتسامته ليقل: صدقني لو كنت مكانك لتعبت، تنهد جومالي بعمق ثم قال دون مقدمات: هل تعلم حقًا متى رأيتك كأخي الأصغر؟ أو بالأحرى.. متى رأيتُ صالح الذي يراه الجميع لا فارتولو؟، انقبض قلب صالح.. بينما أكمل جومالي: حين لكمتني بكل قوتك في المقهى بعد هروب العم، وحين عدت لاستعادة سيارتك آنذاك وانفجرتَ غضبًا في وجهي ثم رأيتك تنام بجانب ابنك، وحين بقيت ثلاثة أعوام كاملة إلى جانب العم.. رغم كل ما فعله بك ورغم تعبك فقط لتحمي العائلة والحفرة، أرخى صالح رأسه وراح يمسد مقدمته باختناق وهو يقول بخفوت: ما الحاجة لهذا الكلام الآن؟، ابتسم جومالي واعتدل حتى جلس ليقل: ستضع أدويتك في غرفتك، وستعدني بأنك لن تتجاوز الجرعة التي وصفها لك طبيبك مفهوم؟، رفع صالح رأسه ليُكمل جومالي: ستتعافى.. وستتحسن صحتك لتكون بجانب ابنك والعائلة، ثم ربت على ركبة أخيه الذي انربط لسانه وهو ينظر إليه بقلقٍ امتزج بغصة تملّكت حنجرته، ليقل جومالي مجددًا ولكن هذه المرة بنبرةٍ خافته وكأنه لايريد فتح جروح أخيه: أنت قوي يا صالح.. قوي وشجاع لدرجة تُخيف جومالي كوشوفالي تخيل!، ضحك صالح بلا إرادة وهو يمسح وجهه بينما أكمل جومالي: لقد خسرنا كثيرًا.. وأنت خسرت أكثر أعلم، وربما سنسخر مجددًا أيضًا..، زفر صالح بقوة ليقل: لماذا تقول هذا يا أخي؟، تنهد جومالي بخفه ثم قال: أقول أننا خسرنا كثيرًا.. ولكن هناك شيئان لا تخسرهما يا صالح، عقد الآخر حاجبيه ليُكمل جومالي: صحتك.. وقلبك، صحتك بأن لا تتغاضى عن تعبك ولا تُرهق نفسك بالركض هنا وهناك وكأنك لا تشعر بالألم ولا تحتاج إلى الراحة، وقلبك بأن تسمح له أن يتنفس من جديد.. فالإنسان لا يستطيع أن يعيش وحيدًا إلى الأبد، أشاح صالح ببصره وهو يقول محاولاً الخروج من جدية الحديث التي ستخنقه: حقًا أدهشتني.. جومالي كوشوفالي يقول هذا الكلام!، ليردّ الأكبر فورًا: وماذا في هذا؟، لم يُجيب صالح فقال جومالي بهدوء: لا تُحمل نفسك ذنب ما يحدث.. ورأسك بخير وسيصبح بخير تمامًا صدقني، هنا التفت صالح نحو أخيه بملامح مقهورة وبغصةٍ لا توصف، ليردف الآخر: إياك! إياك أن تُشكك في عقلك، ثم مدّ ذراعه وسحب رأس أخيه ليعانقه، بادله صالح بتعبٍ وقلق وقلبٍ يخفق بعنف، وما هي إلا ثوانٍ حتى دفن عينيه في كتف أخيه وهو غارقٌ في أفكاره.. لماذا يقول جومالي مثل هذه الكلمات؟ ما الذي يحدث؟ وهُنا رنّ هاتف الأكبر.. فـ ابتعد عن أخيه ونهض ليغادر الشرفة بسرعة دون أن يلتفت، وبقي الآخر جالسًا يراقب خطى أخيه وهو يضع كفّه على قلبه وقد تملّكه خوفٌ غامض، وفي الداخل.. توقف جومالي في الصالون وهو ينظر إلى زوجته وابنته.. كانت الطفلة غافية في حضن والدتها والأخيرة تعبث بهاتفها ولم تنتبه له، لا يستطيع ولا يقوى على توديعهما ابدًا.. فتجاوزهما ليرتدى قبعته ويهّم بالخروج، ولكن إيفسون تقدمت نحوه لتقل وهي تنظر إلى ساعتها: الساعة الخامسة..، أومى وهو يردّ: سيعود.. ابن أخي سيعود انتظري فقط، وخرج بخطواتٍ أثقل مما يُمكن وصفه.. أجاب على الرقم المجهول وهو يتجّه نحو سيارته ليقل بحدّه: سآتي.. ولكن ابن أخي سيكون في الحيّ لحظة قدومي إليك..
وبعد وقت.. تحديدًا الساعة 5:30 مساءً
خرج ياماش من باب المكتب على عجل وخلفه متين، توجّه نحو المنزل وحين شارف على الاقتراب رأى اكين يخرج برفقة صالح الذي يرتدي سترته بهدوء.. فهتف فورًا: عليشو يقول أنه وجد مكان قد يكون ذلك الحيوان مختبئًا فيه، انده على أخي جومالي لنذهب، فقال صالح بإرهاق وهو يتقدم نحوهم: خرج منذ نصف ساعة، ستجده في المقهى.. هيا لنرى، ليهتف اكين: سأذهب معكم، صمتوا ولم يقولوا شيئًا وحين استداروا نحو السيارة سمعوا صراخ جيلاسون وهو يركض باتجاههم وفي يده شيء ما.. وخلفه ميكي واضعًا ذراعيه على رأسه ويتبعهما عدد من شباب الحفرة، نظر الجميع بدهشةٍ وقلق، بينما خرجت النساء مسرعات على أثر الصراخ.. ليقل جيلاسون بصوتٍ باكي وهو يتردد في التقدم: ياماش آبي..، ثم نظر إلى صالح ليردف: آبي..، فقال ياماش بحدّه وقلةِ صبر: ماذا حصل ياهذا؟ تكلم، هُنا رفع جيلاسون القبعة التي في يده.. قبعة جومالي وفي داخلها قطعة شطرنج، ليقل: وجدناها في المقهى..، تجمد ياماش في مكانه بينما سرت برودة قاسية في جسد صالح وهو يحدق في قبعة أخيه.. وتراجع اكين خطوةً إلى الخلف من خوفه، أما داملا التي اختل توازنها.. اسندتها إيفسون فورًا بأعينٍ متسعة ومذعورة، وتقدمت كاراجا بخوفٍ كأخيها.. بينما نظرت ليلى بحيرة وقلق وهي لا تفهم ما يعنيه هذا، تقدم ميكي ومدّ ورقة بيضاء وهو يقول برجفه: كانت بجانب القبعة يا أخي.. بها عنوان لمكانٍ ما، عمّ الصمت المكان حتى تقدم صالح بسرعة قوية وهو يلتقط الورقة من ميكي.. رمقها بسرعة ثم ركض بقوة نحو سيارته ولحقهُ ياماش بلا تردد.. وكذلك جميع شباب الحفرة، وداملا التي ركضت بلا سترة وهي ترتجف خوفًا على زوجها.. صعدت إلى سيارة متين وبالمثل كاراجا دون أن يمنعهن أحد، فـ هُم ليسوا في حالةٍ تسمح بذلك اساسًا، وعلى بعد مسافة.. وفي مستودعٍ واسع جدًا وخالٍ من أي شيء سوى كرسي وحيد في الوسط، كرسي فوقه جثة معلقة من السقف بحبلٍ سميك ومغطاة بوشاحٍ أسود كبير، كسر الأخوة بوابة المستودع الكبيرة بعنف.. فهذا هو العنوان الذي كُتب على الورقة التي كانت بجانب قبعة أخيهم، تقدموا بسرعة لكنهم ما لبثوا أن تجمد كلاً منهم في مكانه، وكأن أقدامهم تسمّرت في أرض هذا المستودع البارد، سقطت أسلحتهم من أيديهم.. وتجمدت أطرافهم وأعينهم نحو الجثة المعلقة والتي يغطيها وشاحًا أسود ما عدا قدميها، كانت الوحيدة التي تقدمت بخطواتٍ بطيئة هي داملا بسلاحها الذي في يدها المرتجفة.. ومع تقدمها عمّ الصخب في أنحاء المستودع، ودوى صوت أغنيةٍ ما.. أغلقت كاراجا أذنيها رعبًا من الصوت العالي بينما تلفت شباب الحفرة بأسلحتهم تأهبًا رغم صدمتهم من هول المنظر، وأستمرت داملا في التقدم مع كلمات الأغنية التي جعلتها تتقدم أكثر وأكثر بلا وعي
Bu yol uzun.. Ben beklerim günahım neyse
Sen canım' al, ben razıyım bir hazin söze!
Senin gönlün bendedir yâr, bendeki sende
Bir başkasına yaramaz bu can üzülmem..
Hayran oldun gülüm.. Bu dünya aşka büründü
Başka başka diyarda bi' benden güzeli mi var?
Ömrüm bir idi bin oldu, Sevdam coştu, kudurdu
Aşka karşı diyarda bi' senden güzeli mi var?
تقدّمت داملا أكثر وسط صدى الأغنية الذي يملأ المستودع وكأنه عزاءٌ ساخر.. تقدمت بخطواتها المتعثرة وأنفاسها المتقطعة كانت عيناها معلّقتان بالجثة التي تتمايل ببطء مع حركة الهواء.. بينما بقيّ ياماش وصالح واكين وكاراجا والبقية بأماكنهم وكلاً منهم بصره معلقًا نحو أقدام الجثة المعلقة..
إلى اللقاء في البارت القادم..
أنت تقرأ
لا يوجد سوى الألم..
أدب الهواةسيناريو بأحداث مختلفه للجزء الرابع "Çukur" *ملاحظه: هذه المره الأولى لي في كتابة شيئًا ما..
