"الجزار لديه أبن.. والأبن لديه وريث"
ارتدى سترته.. سوداء وقميصًا أسود بالمثل، ثم رفع من فوق السرير سترته الثقيلة، ارتداها ومن ثم التقط هاتفه ووضعه في جيب سترته الداخلي، وأمسك بمفتاح سيارته.. توقف عنده لوهلةٍ طويلة وحدّق فيه وهو يستعيد جملة كارتال "لم تُفرط بالسيارة التي أحضرتها لك.." تنهد بخفه وخرج.. خرج من المنزل وصعد إلى سيارته بصمتٍ وجمود، قادها بذهنٍ شارد وهو يسند ذقنه بيده اليسرى التي يسندها على النافذة، وتوقف لاحقًا ليلتقط نظارته الشمسية قبل أن يترجل من السيارة، أغلق الباب ثم أرتدى نظارته ورفع رأسه ينظر إلى المكان الذي أتى إليه، وضع يديّه في جيوبه ومشى.. مشى ومشى حتى توقف عندما رآها.. تجلس ترتدي السواد ووشاحًا على رأسها، تنهد بعمق ثم تقدم بخطواتٍ هادئه، ولكنه توقف على مقربةٍ منها حين التفتت هي عندما شعرت بقدوم أحدهم، لتراه يقف صامتًا.. نظرت إليه قليلاً ثم أعادت نظرها نحو شاهد القبر الذي تجلس على طرفه الآن.. شاهدًا كُتب عليه "كارتال تكين" ولم تقُل شيئًا ولم يجرؤ هو على الكلام.. ظلّ واقفًا ينظر إلى شاهد القبر بصمت.. لم يشعر بالحزن.. ولم يغضب.. فقط يشعر بثقلٌ غريب يضغط على صدره ولا يعلم سببه، مرّت دقائق في خضم هذا الصمت المؤلم حتى استقامت ليلى.. شدّت سترتها على جسدها وعقدت يديها إلى صدرها ثم تقدمت نحوه ببطء، فنزع هو نظارته بهدوء، وقفت هي على بُعد خطوتين منه، فقال هو: بسلامة رأسكِ..، أغمضت عينيها بهدوء ثم قالت: ليسلم الأصدقاء، وأردفت وهي تمشي ببطء: مضى أسبوع..، أغمض هو عينيه بقوة ثم أرتدى نظارته مجددًا ومشى بجوارها بهدوء، مشيا بجانب بعضهما ولم يجرؤ أحد منهم على قطع هذا الصمت الذي يخيّم حولهما.. حتى خرجوا من المقبرة فنزعت ليلى وشاحها والتفتت نحوه بهدوء، تأملتهُ لثوانٍ حتى قالت: لا أحد أكبر من الموت اليس كذلك؟، ظلّ صالح صامتًا فذهبت هي وجلست على كرسي قريب، وحين رأته لم يتحرك ربتت على طرف الكرسي الذي بجانبها تطلب منه الجلوس، تقدم صالح وجلس ببطءٍ إلى جوارها مُسندًا مرفقيه إلى ركبتيه وثبتت عيناه على نقطة أمامه.. ليسمعها تقول بعد لحظات: كنتُ قد قلت لك أن علاقتي بأخي كانت شبه رسمية بسبب سفره وبُعده.. لكن الخسارة حين تأتي ممّن هم من دمك تجرحك بعمقٍ لم تكن تتوقعه، أبي وأمي.. والآن أخي لم يبقى أحد حقًا، التفت صالح بهدوء لتردف هي بعد لحظة صمت وقد أرخت رأسها لتعبث بأصابعها: رجاله اخبروني.. كان يهدد أبن أخيك ويستغله، أشاح صالح بنظراته ببطء، بينما رفعت ليلى رأسها نحوه لتردف: هو من احتجزه.. وهو من قتله داخل تلك السيارة، تنهد صالح ليقل بخفوت دون أن ينظر إليها: ليلى.. أنا حقًا أعتذر، نظرت هي أمامها وتنهدت بقوة لتقل: كيف عرفت؟ هل أبن أخيك هو من أخبرك؟، تنهد صالح بالمثل وأرخى نظره وقد عاد ليتذكر ماحصل..
<<فلاش باك>>
قبل أسبوع وفي تلك الليلة التي كانت نهاية للبعض ومنعطف لآخرين.. استيقظ صالح من غفوته وهو يمسّد رأسه بعنف.. ألقى نظرة سريعة على غرفته شبه المظلمة ثم استقام حتى خرج منها قاصدًا الأسفل.. ولكنه شعر بالهدوء الغريب الذي يعمّ أرجاء المنزل.. خرج وأتجّه ناحية البوابة وتوقف حين لمح موقف سيارات أخوته خاليًا، عضّ شفتيه وتمتم في داخله راجيًا أن ما خطر بباله لم يحدث، تقدم حتى قابل محمود الذي نظر فورًا بتوتر، ليسأله بخفوت: هل ذهبوا..؟، أرخى الآخر بصره وأومى مؤكدًا كلام وشكوك صالح، فابتسم الأخير باستهزاء.. فيبدو أن جومالي فعل ما يريد، وحين أخرج هاتفه غاضبًا ينوي الإتصال بهم قاطعتهُ خطواتٍ اقتربت من البوابة، رفع رأسه ليرى أحدهم يتقدم.. كان اكين.. الذي وقف بوجهٍ بشوش ويديّه في جيوبه ليقل بابتسامه حين رأى عمه: امجا..، رفع صالح حاجبيه ليقل بسخريه: كنت لتبقى في منزلي لفترة أطول يا سيد اكين، فُتحت البوابة ليتقدم اكين اكثر نحو عمه وسُرعان ما عانقه بقوةٍ جعلت الآخر يستغرب فعلته هذه، ثم همس بخفوت: اعتذر.. حقًا اعتذر لم اقصدك بتلك القنبلة، ارتجفت ذراعي صالح التي لم تُبادل اكين العناق حتى الآن بينما فصل الأخير العناق ليقل: لقد قتلته.. قتلت كارتال وأنهيته حتى لا يتعرّض لنا مرةً أخرى، أبتعد صالح خطوتين وهو ينظر بأعينٌ متسعه، ودون أنتظار أي ردّ شرح اكين لعمّه كل شيء قد فعلهُ.. من لحظة احتجازه لكارتال حتى تفجير السيارة قبل ساعة، وأنهى كلامه: الحمدلله لم يحدث لك شيء..، قاطعتهُ صرخة صالح الذي قال: وتشرح لي بكل جرأه؟، أبتعد اكين قليلاً ليُعاود صالح الصراخ: لاان أيها ال***! تلك الفتاة بريئة.. كدتَ تقتلها! كدتَ تقتلني أنا!!، ثم أردف وقد أمسك بياقة اكين: أنا قلت لك لاتفعل شيئًا دون علمي.. قلت لك أجلس بأدبك في ذلك المنزل حتى يهدأ أخوتي، أيها ال*** هل نقوم نحن بمثل هذه الأفعال؟ هل نضرّ الأبرياء الذين لم يؤذونا؟ ماذا لو انفجرت بتلك الفتاة اليوم؟ ماذا لو انفجرت بي وأنا أقود السيارة؟ لديّ عدو ولكنني سأموت بسبب أبن أخي.. اللعنة عليك! كيف جُننت هكذا؟ زوجتك في المنزل تتألم وتقلق عليك وأنت تضع القنابل هنا وهناك!، أغمض اكين عينيه بقوة من كلام عمه، فقد كان كلامًا محمّلاً بكل ما خطر على بال صالح وقتها ولم يكترث الأخير لترتيبه أو تسلسله، ليقل صالح مبتعدًا بضع خطوات لينحني وهو يضغط على صدره: اللعنة عليك..، ثم رفع بصره وقد أحمرّت عينه بغير استيعاب ليردف بخفوت: قتلت كارتال لوحدك دون علمنا..!، ومن ثم ذهب ليجلس على عتبة المقهى وهو يضع يديّه على رأسه، لحظاتٍ وأتى جيلاسون ركضًا.. وما أن وقع بصره على اكين الذي ينظر إليه ببرود حتى اندفع ليلكُمه فورًا، ولم يكاد صالح يرفع رأسه حتى ردّ اكين اللكمة لجيلاسون، فاستقام صالح بسرعه واقفًا بينهما ليصرخ: ماذا تفعلون!، ليصرخ جيلاسون بغضب وهو يُشير بسبابته: آبي.. هذا الرجل ضربني على رأسي ليمنعني من إخبارك بما شاهدته على ذلك الطريق.. لقد قتل كارتال وهو من وضع القنبلة في سيارة الصحفية، نظر صالح إلى الفراغ بحدّه بينما قال اكين بجمود: لقد تأخرت يا جيلاسون.. عمي علِم بكل شيء وإن عُدت لتراقبني مجددًا سأكسر قدميك، فدفعه صالح بقوة يُبعده وهو يقول بحدّه: اخرس وأغرب إلى هناك، قالها وهو يُشير إلى المكتب، ذهب اكين بينما قال جيلاسون بعد أن هدأ: أعتذر يا أخي ولكنه مجنون وأغضبني، صمّت صالح ليقل بعد أن تنهد بتقطع: حسنًا يابني.. اذهب إلى منزلك، ذهب جيلاسون وعاد صالح يجلس على عتبة المقهى وخلفه يجلس اكين ينظر بجمودٍ وصمت حتى عاد الأخوة آنذاك..
<<نهاية الفلاش باك>>
مسح صالح وجهه بعد تذكره لتلك الليلة دون أن يُجيب على سؤالها.. فصمتتّ الأخرى لثوان قالت بعدها وهي تتنهد بخفه: يبدو أن أخي ليس جيدًا مع الجميع كما كان معي، أولهم أنت.. ثم أبن أخيك، حتى مع أبي لم يكن جيدًا، ثم سكتت لتردف: لم يكن جيدًا لدرجة أنهُ قتله، أغمض صالح عينيه بقوة، لتقل وقد نظرت إليه: وعرفتُ هذا بفضلك، هُنا رفع صالح رأسه ونظر نحوها بدهشةٍ ليقل بخفوت: هاير.. أنا لم أخبرك..، ثم صفّن ليردف بتشتّت: هل فعلت؟، ابتسمت هي بخفه وربتت على كتفه لتقل: لم تخبرني مباشرةً بل كنت تتحدث مع أخي وعرفت..، مسّد صالح رأسه وقد تذكر جداله مع كارتال داخل بناية شقة ليلى ذلك الوقت، صمت قليلاً ليسأل: تلك الليلة.. كيف عرفتي أنتِ بالأمر وكيف ذهبتي؟، لتُجيبه بهدوء: أتوا بعض رجاله وأخذوني.. أنت كنتَ نائمًا ذلك الوقت، صمت لتردف وهي تنظر إلى يديّها: ذهبنا إلى المستشفى وهناك عرفت.. لم يكن هناك جسد فقط بقايا، شدّ صالح على قبضتيه بخفه بينما أكملت هي: تعرّفوا عليه من خلال أصبعه، أصبعه الخنصر كان مقطوعًا ولكن سليمًا بعض الشيء لذلك..، كان الآخر صامتًا ولم يجرؤ على الردّ ابدًا فليس لديه ما يقوله، وماذا سيقول؟ بماذا سيُعزيها؟ وهي التي فقدت آخر فردٍ من عائلتها قبل أسبوع بهذا الشكل القاسي.. عمّ الصمت للحظاتٍ ابتسمت هي قليلاً ثم نهضت لتقل: فترة قصيرة قضيتها في هذا العالم الوحشي وعرفت خلالها الكثير من الأمور، وأصبحت معتادةً عليها ايضًا، نهض هو بالمثل مع التقاط ليلى لحقيبتها الصغيرة وهي تقول: هل يمكن أن اطلب منك طلبًا؟، نظر بتساؤل لتردف هي: هل يمكنك أن تُحضر إدريس إليّ؟ أريد أن أقضي بعض الوقت معه، نظر إليها لثوانٍ ثم أومى بخفة دون أن يتكلم، واستدارت هي نحو سيارتها ذاهبةً.. بينما عاد هو إلى المقبرة ليخرج من مخرجها الآخر حيثُ سيارته، فمّر أو بالأحرى عاد إلى قبر كارتال في طريقه.. توقف وهو يضع يديّه في جيوبه لوهلةٍ، ثم التفت برأسه ببطء ليُعاود النظر إلى شاهد القبر، ثوانٍ حتى قال بهمس: كنتُ أرغب في أن أجد خلاصًا معك.. لكن الوقت قد فات على ذلك..
––––––––––––––––––––
الحفرة.. منزل عليشو في ساعات المساء الأخيرة
أقترب صالح ليجد عليشو يجلس في الخارج فتقدم حتى جلس بجانبه، نهض عليشو ليقل بهدوء: شاي؟، أومى صالح بذات الهدوء، وذهب عليشو لإحضار الشاي.. فهذا هو الحال منذ أسبوع، كل يوم يقضي صالح أغلب وقته في منزل عليشو يبحثون عن أي دليل يقودهم إلى سافاش ومكان وجوده، ولكنهم حتى الآن لم يجدوا شيئًا.. عاد عليشو بعد دقائق ووضع كوب الشاي أمام صالح، ليمّد الأخير يده نحو اوراق كانت مكومة على الطاولة أمامهم، وبدون أن يسأل صالح قال عليشو: لم نجد لم نجد.. كل شيء لا يكتمل ابدًا، تنهد صالح ببطء وأمسك بالكوب ليرتشف منه ولكن وفي لحظة مفاجئة وقبل أن يرفعه كثيرًا ارتجفت يداه وكاد يسقط الكوب لولا أنه أعادهُ بسرعه فوق الطاولة، ثم نظر إلى يده للحظاتٍ وهي ترتجف قبل أن يسحبها إلى حجره، ليقل عليشو الذي قد لاحظ: ترتجف.. مثل المرة السابقة، وقبل أن يتكلم صالح أتاهم صوت ياماش الذي قال: ماهو الذي يرتجف؟. نظر صالح إلى عليشو نظرةً فهمها الأخير ببراءة فصمّت، ليجلس ياماش وهو يسأل مرةً أخرى: أنا اسأل هنا!، التفت صالح نحوه ليقل بخفوت: لاشيء، ومن ثم التقط ورقةً وناولها إلى ياماش الذي حاله كحالِ أبن أبيه، يقضون معظم وقتهم في منزل عليشو، التقط ياماش الورقة ليرى صورةً لشخص يُدعى سافاش، فرفع عينيه ونفى برأسه فالرجل يختلف كثيرًا عن الرسمة، ليسند صالح ظهره إلى الكرسي وهو يضع يديّه في جيوبه كي لا يرى ياماش ارتجافها، وشرد ينظر إلى النهر أمامه، مضت دقائق وياماش يتفحص الأوراق واحدةً تلو الأخرى ولكن لا فائدة.. ككُل يوم وقتهم يذهب هباءً، وضع الأصغر آخر الأوراق وارتخى على الكرسي وهو يتأفف، ثوانٍ ونظر نحو أخيه الذي لايزال شاردًا، تأملهُ قليلاً ثم قال بخفوت: أبن أبي..، أغمض صالح عينيه بخفه ثم التفت بنظره نحو ياماش، ليردف الأخير وقد تقدم يسند مرفقيه إلى ركبتيه: بخصوص ماحصل قبل الاشتباك، حينها استقام صالح فورًا والتقط سترته ليذهب ولكن ياماش أمسكه من ذراعه، ورغم رغبة الآخر بنفض ذراع ياماش عنه لكنه لم يستطع.. فنهض ياماش ليقل: لن تهرب هذه المرة كالأيام السابقة، أغمض صالح عينيه وهذه المرة نفض ذراع ياماش عنه بهدوء وذهب، فاستدار الأصغر وركل الكرسي بخفه مقهورًا، وفي الجهة الأخرى.. في المقهى، دخل وليّ ولم يجد سوى جومالي الذي يجلس وبيده دفتر الألغاز، تنهد بخفه وهتف: في منزل عليشو كعادتهما؟، أومى جومالي دون أن يرفع نظره عن دفتره، قتقدم وليّ قليلاً ليقل: هل تحدثت معه؟، توقفت ذراع جومالي التي تحمل القلم، ورفع نظره إلى وليّ ليقل: السيد صالح لا ينظر إلى وجهي فكيف أتحدث معه؟، ثم عاد ينظر إلى دفتره وهو يهمس لنفسه: يلومني ويخاصمني كالأطفال تمامًا ويقول أنا لستُ ولدًا صغيرًا، ليقل وليّ: ولكن أنت أيضًا يا جومالي لماذا فعلت ذلك؟ كيف جعلته ينام تلك الليلة أصلاً؟، أغلق الآخر دفتره وقال: جعلته يأخذ أدويته فقط هل فعلت شيء خاطئ؟، نظر وليّ إلى الأسفل قليلاً ثم رفع رأسه وثبت نظراته على جومالي الذي ينظر وهو يطرق بأصابعه على الطاولة بتفكير، ليقل بعد لحظات: لم تفعل خطئًا ولكن.. هو تحدث معك قبلها وأنت سحبت فكرة عدم ذهابه آنذاك أليس كذلك؟ أو أوهمته بذلك، أستمر جومالي يطرق بأصابعه دون أن يُجيب وهذا كان كافيًا بتأكيد ما قالهُ وليّ، فتنهد الأخير ببطء ليقل بهدوء: حتى لو كنت تخاف عليه.. كان ينبغي أن تتحدث معه وتُقنعه بطريقةٍ ما وبصراحة، لا أن تُظهر الأمر كعقابٍ وتُجبره عليه، ولأول مرةٍ يتفق جومالي دون أن يُجادل أو يخاصم، فتنهد بقوة لينهض خارجًا من المقهى تحت أنظار وليّ الذي هتف: لو أنكم تفكروا قبل أن تفعلوا فقط..
––––––––––––––––––––
مكتب الكبير..
كان يقف أمام النافذة ويديّه خلف ظهره، ثوانٍ والتفت نحو محاميّ أبنه ليقل: أنتهى إذن؟، ليهتف المحامي: بالنسبة لهم ولكن بالنسبة لنا لم ينتهي.. حتى لو أحالوه إلى السجن وثبتت التهمة عليه بعد المحاكمة التي جرّت قبل يومين سنستمر في البحث عن دليل يُثبت براءته، فهمس الكبير: ربما بقاءهُ في الداخل أفضل حتى أُنهي انتقامي، ليقل المحامي ولم يسمعه: عفوًا؟، فنفى الكبير برأسه ليقل: حسنًا.. التفت إلى عملك وأخبرني بكل ما يحصل معك..، أومى المحامي وذهب، لحظاتٍ حتى دخل أحد رجال الكبير وهو يقول: لقد تأكد موت كارتال ياسيدي، فلقد بحثنا طوال الأسبوع في كل مكان ولم نجد شيئاً يُظهر بأنه حيّ، فجلس الكبير خلف مكتبه وهو يقول: ولكنه لا يموت..، ليهتف رجله: مع الأسف ياسيدي.. لقد مات ودُفن منذ أسبوع كما تعلم، تنهد الكبير بخفه ليقل بعد لحظات: حفيد الكوشوفالي.. أنه ذكي وقوي، صمّت الآخر ليردف الكبير: أمر شركات أبن المدير ماذا فعلتم بها إذن؟ هل وجدتهم شخصًا يستلم الأعمال من بعده؟، فنفى الآخر برأسه ليقل: لم توجهّنا بأمرٍ كهذا..، وفي الجهة الأخرى وفي أحدى شركات كارتال تحديدًا غرفة الإجتماع ذاتها التي ترأسها صالح من قبل، كانوا ثلاثة أشخاص.. يجلسون حول الطاولة وهم يتحدثون عن عرقلة الأعمال بعد موت كارتال وخصوصًا بعد خسارتهم للبضائع التي كانت من المفترض أن تخرج من الحدود قبل أسبوع.. أجل البضائع التي أحرقها جومالي، قال أحدهم: هذه ثالث مرة نأتي فيها ومع ذلك لا نجد أحدًا من طرف كارتال أو أي شخص تولّى إدارة الأعمال من بعده!، وخلال ثانيه.. التفتوا جميعهم نحو صوتٍ أنثوي هتف: لاتقلقوا لقد أتيت، نظر الجميع بغرابةٍ نحو آصلي التي تقدمت نحوهم ببطء وصوت كعب حذائها العالي يتردد في أرجاء الغرفة، كانت ترتدي بدلة رسمية نسائية باللون الرمادي و معطفًا أبيضًا واسعًا وشعرها البني ينسدل على أكتافها، توقف الجميع للحظة وأعيُنهم تتفحص تلك المرأة التي لا يعرفوا من أين أتت أو ما علاقتها بالشؤون التي يجلسون فيها الآن، تقدمت وسحبت كرسيًا لتجلس على رأس الطاولة وهي تضع بعض الأوراق عليها لتقل: من الآن وصاعدًا أنا المديرة هُنا..، رمقوها مطولاً وهي بالمثل حتى هتف أحدهم بازدراء: ههه المديرة! نحن هنا لا نتحدث عن لعبة أطفال كما تظنين.. اذهبي يا امرأة وابحثي عن عمل يناسبكِ واتركي شؤون الرجال للرجال، ابتسمت آصلي ببرود لتقل: سيد عادل؟ ماهذا الكلام سامحك الله؟، رفع الآخر حاجبيه لتردف هي بابتسامةٍ خبيثه: أنت تركي عمرك تسعة وأربعون عامًا.. تتظاهر بأنك تاجر معادن بينما سفنك تُهرّب نصف بضائع المخدرات والآثار عبر ميناء إزمير والنصف الآخر الشركة تهتم بتهريبه، تجمد الرجل في مقعده وارتبك للحظة قبل أن يعود لتماسكه المتصنع، لتُكمل هي وقد ثبتت بصرها على الثاني: ألبرت.. روسي عمرك خمسة وخمسون، تعمل تحت يديك بعض نوادي الليل والحانات في براغ وموسكو وإسطنبول وما يظهر للناس من رفاهيةً هنا وهناك مجرد واجهة، ففي الطوابق السفلية تُباع فتياتٍ قاصرات لمن يدفع أكثر اليس كذلك؟، صمتّ ودُهش الآخر كالذي قبله بينما اتبعت هي وقد نظرت إلى الأخير: المعروف لا يُعرف.. الأفغاني وحيد، أنت جيد جدًا في جلب وتصدير السلاح لأي دولةٍ تخطر على بالك، عمّ الصمت والجميع يرمقون بعضهم بغرابةٍ وعدم فهم، لتقل آصلي وقد استقامت تدفع الأوراق ناحيتهم: هذه وثائق وعقود نقل الأسهم التي أودعها كارتال تكين قبل أن يموت، وأنا لا أتحدث عن ادعاءاتٍ فارغة فاليوم نصفُ أسهم الشركات باتت تحت أسمي وإشرافي أنا.. وأعمالكم ستسير كما كانت تمامًا مع كارتال ولن يتغير شيء، فسأل عادل: عفوًا سيده..؟، لتُجيب ببرود: آصلي إردام..، ليردف هو: حسنًا سيده آصلي من الواضح أنك لا تدعيّن بل تفهمين الأمر جيدًا ولكن.. لمن النصف الآخر من الأسهم؟، لتقل هي وقد لاحظت خُبثه: هذا لا يعنيكم.. أنتم هنا شركاء فقط ولتسير أعمالكم على أكمل وجه..، ليقل الروسي مقاطعًا هذه المرة: وما الذي يضمن لنا أن الأعمال ستسير كما كانت مع كارتال؟، لتُجيبه بالروسية وهي تبتسم: حياتك بالنسبة لك كافية كضمان في الوقت الراهن، رفع الرجل حاجبيه بينما استدارت آصلي ذاهبةً وهي تقول: هيا لنرى.. ليكن خيرًا على الجميع، خرجت من الغرفة وذهبت تمشي بخطواتٍ واثقه لتهمس لنفسها: بدأت أنتظر أيها الكبير.. متى سيحين لي شرف لقائك؟
––––––––––––––––––––
عودةً إلى الحفرة.. بعد وقت
توقف صالح بسيارته أمام بوابة المنزل، وفتح النافذة حين تقدم محمود نحوه ليتحدث معه، ليقل الأخير: هناك رجل يريدك في المكتب يا أخي أسمه مراد، عقد صالح حاجبيه استغرابًا من قدوم مراد ثم أومى وتحرك بسيارته إلى الداخل، توقف وترجّل منها متجهًا نحو المكتب، ولم يلحظ سيارة ياماش التي توقفت بجانب سيارته وترجل منها بهدوء وهو ينظر إلى ظهر أخيه، دخل صالح إلى المكتب فاستقام مراد فورًا وهو يقول: آبي..، ليقل صالح: ماذا حدث؟، ليردف مراد وهو يخرج ورقة من حقيبته الموضوعة على الطاولة: الوقت متأخر أعلم ولكن.. خُذ وأنظر، التقط صالح الورقة ولم يخفى القلق على ملامحه، ثوانٍ وانقلب هذا القلق إلى تعجبٍ ودهشه.. فرفع بصره نحو مراد وهو يسأل: كيف حدث هذا؟، نفى مراد برأسه ليقل: لا أحد يعلم.. ولا أعلم من أين ظهرت هذه المرأة لتستحوذ على أسهم كارتال، وفي الخارج وقف ياماش أمام الباب الذي كان مواربًا قليلاً عندما سمع حديثهم، بينما أكمل مراد: ولكنها أخذت نصف الأسهم فقط والنصف الآخر لا نعلم بيّد من، هُنا رمق صالح مراد قليلاً ليقل بهدوء: حقًا لا تعلم بيّد من؟، عقد مراد حاجبيه ليقل: ماذا تقصد يا أخي؟، وضع صالح الورقة على الطاولة وجلس مقابل مراد بعد أن مسّد رأسه ليقل: بأسمي..، جلس مراد بدهشه وعدم فهم ليقل: كيف؟ الم تفصل الشراكة عندما خرج هو من السجن؟، نفى صالح برأسه ليُجيب: شكليًا أجل ولكن ورقيًا لا.. ما زلتُ شريكه، أو بالأخرى شريك هذه المرأة الآن، ثم ما لبث أن اتسعت عيناهُ قليلاً ليهمس: آصلي إردام!، نظر مراد باستغراب ليقل صالح: شقيقة تولغا!، ثم صفن لوهلةٍ حتى قال مراد: هذا يعني أن شركتك أيضًا يا أخي نصف أسهمها لكارتال؟، أغمض صالح عينيه ثم ركز على مراد ليقل: إيفيت..، ثم أردف وهو ينهض: ولكن كيف؟ كيف حصلت على أسهم كارتال؟، صمت مراد ليهتف ياماش الذي دلف إلى الداخل بهدوء: كنت قد قلت لك سابقًا إما أنها تريد الإنتقام من الكبير أو تعمل لحساب أحد آخر..، صمت صالح ليقل ياماش: كنتُ قادمًا إلى هنا وسمعت حديثكم، ليقل صالح متجاهلاً كلام ياماش: وربما تعمل لدى الكبير..، تجاوزه الأصغر وذهب خلف المكتب وهو يقول: لا ياروحي، عاود صالح الجلوس وهو يقول بعد أن فكر: لو لم تكن تعمل عنده لما أوصلتني لأبني، أومى ياماش مؤكدًا.. ليقل مراد مخاطبًا صالح: حسنًا.. ماذا تريد مني أن أفعل يا أخي؟، نظر صالح لثوانٍ ليقل: لاتفعل شيء، أنا سآتي إلى الشركة وسأجد حلاً، أومى مراد والتقط حقيبته وتوجّه ليخرج، لكنه سرعان ما استدار وهو يقول: شي.. نسيت أن أعطيك هذه يا أخي، لم يُجيب صالح فأخرج مراد عدة أوراق وظرف أبيض صغير ووضعها على الطاولة ليقل: الأوراق هي أوراقك التي كانت في القبو والظرف هو رسالة..، عقد صالح حاجبيه وياماش بالمثل، ليردف مراد: رسالة من كارتال ربما كتبها قبل موته، وصلت اليوم إلى الشركة وطلبوا مني تسليمها لك خصيصًا، صمت ياماش بينما شدّ صالح على قبضته المرتجفه وأومى بخفه فخرج مراد، التقط صالح الرسالة ووضعها في جيب سترته، ليقل ياماش فورًا: لا تريد أن اقرأها معك؟، نفى صالح برأسه وهو يقول بخفوت: أنا سأقرأها أولاً، ومن ثم استقام والتقط الأوراق بخفه، دفع واحدة منها ناحية ياماش وهو يقول: وقع، ليردّ ياماش وهو يأخذ الورقة لقراءتها: ماهذا؟، لم يُجيب صالح واستوعب ياماش بعد قراءة الورقه ليقل باستغراب: تريد تسجيل أحدى الشركات بأسمي؟، فقال صالح فورًا: أنها نظيفة.. وقانونية، ظلّ ياماش صامتًا وهو ينظر إلى أبن أبيه ليردف الأخير: دع الشباب يعملون بها بشكل قانوني.. ليتركوا عمل السلاح وماشابه، نهض ياماش وهو يُمسك الورقة وتقدم نحو الآخر ليقل: هل يعني هذا أنك تركت الأعمال؟، كان ياماش متأملاً بأن أخيه ترك عمل المخدرات ولكن صالح نفى برأسه ليقل: حصرتها في الشركة التي بأسمي أنا، تنهد ياماش بخفه وصمت حين دخل جومالي، التقط صالح بقية الأوراق وذهب ليخرج، مسح جومالي وجههُ وهو ينظر ساخرًا نحو الباب الذي خرج منه صالح، بينما ثنى ياماش الورقة وذهب ليضعها في الخزنة ليسمع جومالي يقول: متى سيخمد غضبه؟، أبتسم ياماش بهدوء ليقل: حين تتحدث معه، ولاحقًا.. وفي تمام الساعة الواحدة ليلاً.. وفي منزل العائلة الهادئ.. نزل صالح إلى الأسفل بعد أن تأكد من نوم أبنه، ليُقابل اكين الذي كان ينوي الصعود وبيده كوبًا من الماء، ارتجف قلب اكين ولكنه تظاهر بالهدوء والقليل من البرود، تجاوزه صالح ينوي الخروج ليقل اكين: امجا..، لم يردّ صالح متعمدًا من غضبه وهو يرتدي حذاءهُ، يقطنان في المنزل نفسه.. منذ أن عاد اكين إلى الحفرة من أجل زوجته بعد قتله لكارتال، لكن صالح لم يتحدث إليه قط بعد تلك الليلة، ليقل اكين وهو يُراقب عمه: أنا لم ارتكب خطئًا متعمدًا.. وما زلتُ عند موقفي، هُنا استدار صالح بسرعه وأقترب من اكين بغضب ليقل بخفوت ومن بين أسنانه: لا تجرؤ على فتح هذا الحديث الآن هل فهمت؟، أبتسم اكين بخفه وأنزل رأسه ليردف صالح بنفس النبره: لقد جعلتني أندم على كل شيءٍ فعلته لأجلك..، ليقل اكين وهو يرفع بصره: لماذا؟ لأنني قتلت كارتال؟، رفع صالح يده بحدّه ناويًا صفعه ولكنه تراجع واستدار خارجًا بغضب من المنزل، بينما ظلّ اكين واقفًا للحظاتٍ يتأمل الباب المغلق وكأن عمه لايزال واقفًا أمامه، ليلتفت حين لمح عمه جومالي يدخل قادمًا من الشرفة، رمقه جومالي بحدّه وتقدم ليرتدي سترته خارجًا كأخيه دون أن يوجّه لهُ سؤالاً أو يحدثه فجومالي أساسًا منذ ذلك الحين ومنذ كشفهم لفعلة اكين وهو لا يُطيق رؤيته، لا أحد من أعمامه يُحادثه.. بل لا أحد في هذا المنزل يُحادثه سوى زوجته، صعد إلى غرفته وأغلق الباب خلفه، ومن ثم تقدم ليضع كأس الماء بجانب ياسمين النائمه واتجه إلى النافذة، عقد يديّه إلى صدره وهو ينظر إلى الخارج وفي حلقه غصة جعلتهُ يتنهد بقوةٍ وبأعينٌ دامعه.. بينما وحيثُ صالح الذي كان يمشي في أزقة الحفرة قاصدًا مكانًا ما.. وماهي إلا دقائق حتى وقف أمام ذلك المنزل الأزرق.. منزل والدته، منزل ميهريبان، دفع الباب بيديّه وتقدم ليقف بين غرفته والصالون، نظر يسارًا ليجد الفوضى تعمّ الصالون كما عهدهُ، ونظر يمينًا حيثُ غرفته ليجدها مرتبة ونظيفه كما كانت حين وجدوا الفلاشة وصورة منزل عبدالله آنذاك.. وقف صالح للحظاتٍ وعيناه تنتقلان بين الفوضى في الصالون والرتابة الغريبة التي تخيّم على غرفته، تنهد بخفه وتقدم نحو السرير، جلس ووضع رأسه بين كفيّه وهو يتنفس بعمق، رفع رأسه بعدها وأخرج الرسالة من جيبه.. الرسالة التي يقول مراد أنها من كارتال.. قلبها ليقرأ ما كُتب على الظرف، minik "الصغير" ضحك باستهزاء وطوى الرسالة بيديه بعنف، كاد أن يمزقها لكنه تنهد بخفه بعد لحظات وفتحها.. فتحها بجمودٍ وبرود، وحين وقع بصره على أول جملة "أعلم أنك اصبحت تكره هذه الكلمة وأعلم أنك ربما اجتاحتك رغبةٌ بتمزيق الرسالة وضحكت ساخرًا قبل أن تفتحها، لكنني لم أجد غيرها لتكن علامة لا يلتبس فيها الأمر على أحدٍ سواك" أغمض صالح عينيه بقوة ثم اسند ذراعيه إلى ركبتيه وأمسك الورقة جيدًا لكي يُكمل قراءتها.. "ليكن بعلمك أنني كتبت الرسالة فقط لعدم ثقتي بالزمن.. وبالرجال من حولي ولا حتى بنفسي أحيانًا، أعلم أنّك تعتبرني خائنًا.. وأنت محق، خنتك حين صمتّ، وحين مشيتُ في طريقٍ كنتُ أعرف أن نهايته الموت كما قلتَ أنت سابقًا، لكنني ومنذ اللحظة التي قابلتك بها في أفغانستان كنتُ دائمًا أحاول أن أكون حاجزًا لا وسيطًا وإن بدا لك أنني أدفعك نحو الهاوية أو أضرّك أنت وعائلتك، فأعلم أنني مجرد عبد مأمور ينفذ ما يُطلب منه طوال حياته.. عبدٍ مأمور يحاول فقط حماية أخته، على كل حال.. لكل منّا نقطة ضعف وربما قوة.. الجزار لديه أبن.. والأبن لديه وريث، لا هوية واضحه فقط معرفة مع الأسف، وأخيرًا.. ولكي لا أُطيل عليك فخطّي ليس جيدًا وربما لم تفهم بعضًا مما كتبته، أمانتي هي أختي.. أنها بأمانتك.. أحمق وحقير لأنني اطلب منك هذا؟ أجل ولكنني سأطلب.. أختي بأمانتك.. فأنت تحمي جيدًا.. والموت شيء سيء للأسف ولا نستطيع منعه.. وأرجو أن تفهم ما أقصده بالحرف" وحين أنتهى صالح من قراءتها، بعثرها في يده ثم وضعها في جيبه وعاد ليضع رأسه بين كفيّه، ليهمس بنبرةٍ مكتومه: ليلعنك الله، فرفع رأسه فورًا حين سمع صوت أخيه يقول: من؟، أشاح صالح بنظراته بعيدًا عن جومالي الذي يقف بالقُرب من الباب، ظلّ جومالي الذي لحق بأخيه إلى هنا صامتًا لثوانٍ وهو ينظر إلى الآخر الذي ينظر إلى الفراغ، تقدم بضع خطوات ولكنه توقف حين استقام صالح وخطى يريد تجاوزه ليخرج، لكن جومالي أمسكه من ذراعه بقوة ليقل: إلى متى؟، أغمض صالح عينيه بقوة ليردف جومالي: هل ستتصرف كالأطفال وتغضب لأنني لم أدعك تذهب للاشتباك ولم تستطع معرفة ما فعله أبن أخيك إلا بعد فوات الأوان؟، ليقل صالح بخفوت: لا أريد.. أترك ذراعي، لم يحرك جومالي ساكنًا وقال: لا تريد ماذا؟ أن تُخرج ما في قلبك؟ هيّا أنني أمامك عُد وأصرخ وأفرغ غضبك هيّا، قال الأخيرة بنبرةٍ عاليه جعلت صالح يلتفت ليصرخ: أنا لستُ عاجزًا، صمت جومالي للحظاتٍ قبل أن يقول بنبرةٍ هادئه ولكن فيها شيءٌ من الحدّه: من قال لك ذلك؟، أبتسم صالح بسخريه ليقل: إذن لماذا فعلت مافعلته في ليلة الاشتباك؟ ولا تقُل لي بأنه عقاب لأن هذا لا ينطلي عليّ، تنهد جومالي وهو يُشيح برأسه قليلاً، ليردف صالح: هل رأيت؟ هذا هو..، ومن ثم ارتفعت نبرته ليقل: أنا لستُ بخير أجل ولكنني لستُ عاجزًا، ليقل جومالي بذاتِ النبرة: أجل لستَ عاجزًا ياهذا! فقط قلقنا عليك هل تم؟، عاود صالح الإبتسام بسخريه واستدار وهو يمسح وجهه ليقف بالقُرب من النافذة، رفع يديّه إلى رأسه ليهتف بخفوت: لا أريد أن أغضب ولا أريد أن أتحدث، لا أريد أن نتجادل وأن نغلط، وأرخى رأسه قليلاً ليردف: رأسي يؤلمني..، فعل جومالي حركة فمه المعتاده وأقترب حتى وقف بجانب أخيه، رفع كفه ووضعهُ على رأس صالح ليقل: أعلم، رفع صالح رأسه مبتعدًا عن كفّ جومالي ثم التفت ليقل: ربما هذا كله مجرد كابوس.. ربما لم يحصل أيٌ من هذا! ربما لم استيقظ من تلك الغيبوبة وربما أساسًا لم أعُد من أفغانستان برفقة العم!، وفورًا مسك جومالي فك صالح بخفه ليقل بحدّه: عُد لوعيك ياهذا! رأسك يؤلمك أجل.. ولكنك لم تفقد عقلك، أغمض صالح عينيه بقوة ثم فتحهما ليقل بغضب وهو يبتعد عن جومالي متجهًا نحو السرير والطاولة: أنا افقده رويدًا رويدًا، وراح يفتش في جميع الزوايا ليقل جومالي: ماذا تعني؟، لم يُجيبه صالح الذي أستمر يتفحص ليردف الأكبر: عن ماذا تبحث؟، هنا ركل صالح الطاولة المقلوبة بفعل ياماش بقوة، ليصرخ: عديم الشرف يدخل إلى هنا ويضع صورًا والماسة دون أن يراهُ أحد وينظف الغرفة أيضًا!، ليقل جومالي بعد أن تأمل أخيه قليلاً: هل فضلّت أن تغضب على الطاولة بدلاً مني؟، عاد صالح ليجلس وهو يقول متجاهلاً كلام أخيه: أمامي شخص لا أستطيع لمسه بيدي ولا رؤيته بعيني ويكاد هذا الغموض يُصيبني بالجنون، زفر جومالي بقوة ثم قال: إذن صبّ جنونك عليّ أو عليه لا على الطاولة ولا على أشباحٍ تجوبُ رأسك، ثم اقترب وانحنى قليلاً ليردف بحدّه: ولكن ضع ببالك أنني أخيك الأكبر وسأصبّ جنوني عليك بالمثل حين تفعل شيئًا متهورًا، رفع صالح عينيه قليلاً فضربه جومالي على كتفه وهو يقول: هيّا.. هيّا لنذهب إلى الملعب ياماش ينتظرنا، عقد صالح حاجبيه ولم يكاد يسأل حتى سحبه جومالي إلى الخارج، بينما وحيثُ الملعب.. الفارغ تمامًا بالطبع في هذا الوقت المتأخر، كان ياماش يمشي والكرة بين قدميه، يركلها بخفةٍ إلى الأمام ثم يلحقها بهدوء ويعاود ركلها وكأنه يحاول قتل الصمت الذي يُحيط بالمكان، لحظاتٍ ورفع رأسه حين لمح أخويه يقتربان من البوابة، فتوقف ورفع يديّه ليقل: اخيرًا.. خفت أنكما لن تأتيان، ليقل جومالي وهو يبتسم: عيب عليك بيبي.. جومالي إن قال شيئًا فهو يفعله، أبتسم ياماش بالمثل بينما رمقهم صالح بهدوء، ليقل ياماش: اييي؟ هل تحدثتما؟، ليقل جومالي فورًا بعجله: أجل أجل لقد تحدثنا.. هيّا، ليهتف صالح اخيرًا: هيّا ماذا؟، ليقل ياماش: سنتبارز..، رفع صالح حاجبيه ثم نظر إلى ساعته ليقل: الساعة الواحدة هل تعرفون هذا؟، ليقل ياماش: وهل يهم الوقت؟ فلنبدأ، ليقل جومالي وهو يُشير بأصبعه نحو صالح: وليكن بعلمك.. كل شيء مسموح يمكنك كسر قدمي أو لويّ ذراعي خُذ راحتك، ثبتت أنظار صالح على الكرة التي أمام ياماش، نزع سترته ببطء ورماها على أحد الكراسي، وبالمثل جومالي وياماش، تقدم صالح وهو يضع يديّه بجيوبه فناوله ياماش الكرة وهو يغمز بأحدى عينيه، بينما ابتعد جومالي قليلاً ليقل: انتظروا حتى أُنهي تماريني، ولم يكمل جملته حتى ارتطمت الكرة التي ركلها صالح في جسده، ترنح خطوتين ثم قال وهو يرفع يده: المرمى هناك أيها الأحول!، ليقل ياماش وهو يركض ناحية الكرة: أنت قلت لهُ كل شيء مسموح فتحمّل، ومضت ربع ساعة وهم يتبارزون حتى توقف صالح وجلس أرضًا وسط الملعب وهو يلتقط انفاسه ببطء، توقف جومالي بالمثل وانحنى يسند ذراعيه إلى ركبتيه وهو يتنفس بقوة، ليتقدم ياماش وهو يقول: هيّا لم ينتهي الحماس أيها الكبار!، ليقل جومالي وهو يجلس بجانب صالح: كبار؟ ليكن هناك عيارًا لفمك يابني، ضحك ياماش واقترب ليرتمي أرضًا وهو ينظر إلى السماء السوداء فوقهم.. سماء هذا الليل الذي يصحبهُ نسيم بارد، ليهتف ياماش: هل نحن مجانين لنلعب في هذا الوقت المتأخر؟، ليستلقي صالح بالمثل وهو يقول: تحدث عن نفسك، استقام جومالي وذهب ليحضر بعض الماء، بينما ظلّ الإثنان يتأملان مافوقهما بصمت، ليهتف ياماش: كم أحب هذه اللحظات..، أبتسم صالح بخفه دون أن يرد ولحظاتٍ ليُدير رأسه وهو يهتف مخاطبًا جومالي الذي يتقدم نحوهما: هل تحضر سترتي يا أخي؟، أبتسم جومالي وذهب إلى الكراسي والتقط سترة الآخر وأقترب منهما حتى جلس أمامهم، رمى علبة ماءٍ إلى ياماش وألحقها بأخرى مع السترة نحو صالح الذي لازال يستلقي، ليقل ياماش مخاطبًا صالح وهو يرتشف من الماء: هل بردت؟، نفى صالح برأسه ونهض جالسًا، وتفحص سترته حتى أخرج رسالة كارتال، عقد جومالي حاجبيه بينما تنهد ياماش ليقل: هل قرأتها؟، أومى صالح بخفه ليقل جومالي: ماهذه؟، فأجاب ياماش عن أخيه: رسالة من كارتال، فهتف الأكبر وهو يعتدل في جلسته: ألم يمت هذا؟، ليقل صالح هذه المرة: كتبها قبل موته، ثم ناولها إلى ياماش الذي التقطها تحت انظار جومالي الذي همس: حتى وهو في قاع الأرض..، عاد صالح ليستلقي بينما زفر جومالي بقوة وثبت بصره على ياماش الذي قرأها بعينيه، ليقل لاحقًا بخفوت وهو ينظر بعدم فهم: "الجزار لديه أبن، والأبن لديه وريث، لا هوية واضحه فقط معرفة" ماذا يقصد بهذا؟، مدّ جومالي يده يطلب الورقة فناولها ياماش إليه بينما نهض صالح بملامحٍ غريبة وأعين متسعه قليلاً، ليقل ياماش عندما لاحظ ذلك: ماذا؟، ليهتف صالح وكأنه للتو استوعب أو بالأحرى للتو فكر: الجزار.. الجزار هو عبدالله، هكذا كنا نسميّه، ليقل ياماش: حسنًا عبدالله لديه أبن وهو الكبير و..، توقف لوهلةٍ وثبت بصره على صالح الذي نظر إليه بالمثل وهما يفكران بذات الشيء، ليهمس صالح: الكبير لديه أبن..، صفّن ياماش لوهلةٍ حتى أردف صالح: لذلك لم يقلها مباشرة.. ولكنه كان متأكدًا بأنني سأفهم، ليقل ياماش وهو يمسد شعره: "لا هوية واضحة فقط معرفه" ربما يقصد بذلك أنه لم يعرف هويته فقط علِم بالأمر، وصمت قليلاً ليردف: ولكن لماذا لم يخبرك من قبل؟ لماذا كتب هذه الرسالة هل كان يتوقع موته؟، نفى صالح برأسه ثم شرد بعيدًا ليقل: لا يريد للكبير أن يعرف بأنه هو من أخبرني خوفًا على أخته، ليُتبع ياماش باستيعاب وعدم فهم في آنٍ واحد: ولذلك كتبها لتصلك بعد موته، وهذا يعني أنه كان يتوقع موته؟ ولكن الكبير لم يقتله..، ثم مسح وجهه ليقل: لقد تشوشّ عقلي، تنهد صالح ليقل: لا أعلم ولكن..، ليُقاطعهم جومالي الذي قال بعد أن قرأ الرسالة مرتين: انظر لهُ كيف ينتقي الكلمات أيضًا! أجل حقير وأحمق و*** لأنه يطلب منك حماية أخته، نظرا إليه لثوانٍ حتى استقام ياماش ليقل: الرجل مات يا أخي..، ثم أردف وهو يخطو خطوتين: أنا بردت ونعست جدًا هيّا فلنُعد إلى المنزل، استقام الإثنان بهدوء.. ومزق جومالي الرسالة إلى نصفين، وكان يريد أن يكمل ولكن صالح منعه وهو يأخذها منه ليقل: ماذا فعلت يا أخي؟، ليقل ياماش: لا تمزقها ربما سنحتاجها..، رفع جومالي يديّه وهو يقول: فقط غضبتُ قليلاً..
––––––––––––––––––––
مكتب الكبير.. صباحًا
دخل سافاش بعجلة حتى وقف أمام المكتب ليقل: طلبتني يا سيدي؟، نظر الكبير لثوانٍ ليقل وهو ينظر بتفحّص: قميصك مقلوب، أرخى سافاش رأسه ببطء ينظر إلى قميصه الداخلي، ثم رفع نظره وهو يبتسم ليقل: لأنني كنت على عجلةٍ من أمري لذلك..، أرخى الكبير ظهره على الكرسي ليقل: ما التالي في الخطة؟، صمت سافاش لثوانٍ ليقل: ألم تقل أننا سنختفي ونتوقف قليلاً؟، مدّ الكبير يده حتى التقط قطعة شطرنج كانت موضوعة على مكتبه، ثم عاود النظر إلى سافاش ليقل: لماذا تحب أن ترد على سؤالي بسؤال؟، صمت سافاش ليردف الكبير: قد توقفنا لفترة طويلة اساسًا.. واخبرني الآن ماهي الخطوة التالية في الخطة يا..؟، ليهتف الآخر فورًا: سافاش..، أومى الكبير ليُكمل سافاش مُجيبًا: لم اراجع خُططي جيدًا ولكن خطوتنا التالية بعد نور الدين هي أن نأخذ أحد الأخوة بعد أن يرى فارتولو ذلك الفيديو..، نهض الكبير وهو يُدير قطعة الشطرنج بأصابعه، بينما لاحقته أنظار سافاش بصمت، توقف الكبير أمام سافاش وجلس على حافة الطاولة ليقل: أحد الأخوة..؟، فأجاب الآخر: أقصد أكبرهم.. جومالي تحديدًا.. ولكن إن غيّرت رأيك ياسيدي فأنا جاهز، نظر الكبير للحظاتٍ ليقل: لم أغيّر رأيي.. ولكن لم يحّن وقته، وأردف وهو يرفع أحدى قدميه على الطاولة: دعهُم يحضرون فارتولو إليّ لنرى وجهز كل شيء، أبتسم سافاش بخفه ليقل: بأمرك..، وخرج من المكتب وهو يهمس: اييي سيد عدنان! عُدنا بعد أن أُدخل أبنك إلى السجن وضمنتَ أنه لن يتمكن من تعقب آثارك..
––––––––––––––––––––
الحفرة.. منزل العائلة بعد ساعة..
حيثُ صالح الذي خرج من غرفته لتُقابله كاراجا التي أتت لتفقده، فقالت فورًا: جيد أنك استيقظت ياعمي.. الفطور جاهز، أبتسم صالح ونفى برأسه وهو يقول: بالعافية لكم يا أبنتي، لتقل هي برجاء: أرجوك لاتردني وأساسًا عمي ياماش أيضًا في الأسفل، نظر لثوانٍ تنهد بعدها بخفه وأومى موافقًا فابتسمت هي وعادت إلى الأسفل، فتشّ في جيوبه قبل أن يُغلق باب الغرفة.. فلم يجد هاتفه، عاد إلى الداخل ليبحث ولكنه لم يجده، فخرج ذاهبًا الى الأسفل، وحين دلف إلى الصالون سأل كاراجا التي كانت تضع أكواب الشاي على الطاولة: هل رأيتي هاتفي؟، أومت هي لتقل: والله رأيت هاتفًا مع إدريس برفقة الفتاتين.. ربما هو هاتفك، ليزفر صالح ببطء وهو يجلس ليقل: لقد بدأ يستعيد عاداته السابقه.. هذا جيد، ليقل ياماش الذي كان واقفًا يأكل بعض الفطائر: ماسال أيضًا تأخذ هاتفي بين الحين والآخر، ليقل صالح مستغربًا وقوف ياماش: اجلس وكُل مثل البشر يابني، فأجابه ياماش نافيًا: سأذهب إلى المقهى..، ومن ثم أردف سائلاً داملا التي تقدمت نحو الطاولة: أين أخي جومالي؟، لتُجيب الأخرى ببرود: خرج قبل قليل ذاهبًا إلى المقهى، أومى ياماش بينما صمت صالح لوهلة من نبرة داملا ثم قال وهو يلتقط بعض الزيتون: هل هناك شيء يا زوجة أخي؟، فردّت داملا بتلقائيه: هاير.. فهو فقط ثور كعادته، نظر صالح نحو ياماش ولم يستطع الأخير منع ابتسامته، ليهتف صالح وهو يبتسم: أنها محقة..، تقدم ياماش نحو صالح ليقل: هل انتظرك لنذهب سويًا؟، نفى صالح برأسه ليقل: دعني اولاً أتفاهم مع أبني بشأن الهاتف ومن ثم سآتي.. أنتَ أذهب، ربت ياماش على كتف أبن أبيه وخرج بينما جلست كاراجا وهي تضع صحنًا من الفراولة أمامها، لتقل داملا: على حدّ علمي لم تكن هناك فراولة في المطبخ، لتُجيب كاراجا بلا مبالاة: اشتهيتها فطلبتُ من أحد الشباب أن يجلبَ لي القليل، نظرت داملا باستغراب ولكنها لم تقل شيئًا بينما لم ينتبه صالح لحديثهم فكان شاردًا وهو يُقلب حبة الزيتون بين أصابعه، لتقل كاراجا حين لاحظت شرود عمها: لماذا لا تأكل ياعمي؟، أفاق من شروده وأكل حبة الزيتون لينهض وهو يلتقط كوب الشاي ليقل: والله لا شهية لي يا ابنتي، وذهب إلى الأعلى حيثُ أبنه، لاحقًا اتكئ على باب غرفة الأطفال وهو يرتشف من كوب الشاي بهدوء، وحين رأى إدريس والده خبأ الهاتف خلف ظهره فورًا، تظاهر صالح بعدم رؤيته للهاتف وأقترب منهم ببطء وهو يقول: ماذا تفعلون؟، نظروا الثلاثة إلى بعضهم ببطء وارتباكٍ بريء طفولي، ليهتف إدريس: نلعب يا أبي نلعب فقط، اقترب صالح أكثر وجلس القرفصاء أمامهم ومن ثم وضع كوب الشاي بجانبه على الأرض ومدّ يده ببطء ليقل بهدوء: أعطني ما خلف ظهرك يا إدريس، مدّ الصغير يده بتذمر نحو أبيه فأخذ صالح الهاتف وتفقد شاشته ليجدها مطفأه، زفر ببطء ليقل: لا تلعب بهاتفي يابني.. أنظر لقد أنتهى شحنه، أومى الصغير بدون تردد فربت صالح على رأسه بهدوء لتقل ماسال: أسف، أبتسم هو ليقل: أسمها آسفه امجاجم وليس أسف، أومت ماسال وهي تبتسم لتُكرر ببراءه: آسفه، ليرفع يديّه وهو يُشير إلى خديّه مخاطبًا الفتاتين: هيّا قبلوني لأرى، اقتربتا لتقبيل خديّه ثم أشار إلى أبنه وهو يقول: وأنت يا سيد إدريس؟، فنهض الصغير فورًا وقبل رأس والده، ربت صالح مرة أخرى على رأس أبنه والتقط كوب الشاي ليخرج وهو ينظر إلى هاتفه المغلق، لاحقًا.. وفي طريقه إلى المقهى انارت شاشة هاتفه، فالتقطه وهو يقول: اخيرًا..، ثم تفحصه ليجد عدة اتصالاتٍ من مراد، استغرب قليلاً وبدون تردد أعاد الاتصال به فأجاب الآخر ليقل صالح: عساهُ خير يابني ماهذه الإتصالات؟، صمت الآخر لثوانٍ قال بعدها: آبي.. هل ستأتي إلى الشركة؟، فقال صالح: ليس اليوم.. ربما غدًا، فردّ الآخر فورًا: تعال الآن يا أخي فالوضع عاجل والأمور معقدة وأحتاج لمساعدتك، أنا انتظرك في غرفة الاجتماعات، استغرب صالح نبرة الآخر ولكنه قال بدل أن يسأل: حسنًا سآتي، وأدار المقود ليُغير إتجاه السيارة متجهًا لخارج الحفرة، وصل إلى الشركة بعد مشوار ليس بالطويل.. دخل واتجه فورًا الى غرفة الاجتماعات حيثُ مراد وحين دلف إلى الداخل وجد الآخر يجلس على رأس الطاولة الكبيرة لوحده، أُغلق الباب تلقائيًا خلف صالح بينما تقدم وهو يقول: اييي؟ ماهو الأمر العاجل أيها المدير؟، أغمض مراد عينيه بقوة وبملامحٍ مقهوره ونادمه، رفع صالح حاجبيه من ملامح الآخر ولكن ما لبث إلا وشعر بيدٍ تسحب سلاحيه من خصره، وسلاحًا لامس مؤخرة رقبته فتجمد فورًا وثبت مكانه وقد استوعب الموقف.. ليهتف مراد فورًا: أنا آسف يا أخي لقد هددوني.. كادوا يقتلوني، التفت صالح بخفه إلى الجانب ليرى من خلفه، والتفت أكثر حتى وقعت عيناهُ على أربعة رجال يرتدون بدلاتٍ رسمية، ليقل أحدهم بدون مقدمات: ستأتي معنا يا فارتولو.. فالكبير يريد رؤيتك، اتسعت عيناي صالح وهو يحاول استيعاب ماسمعه، الكبير؟ يريد لقاءه؟ كيف وهذا الرجل لا يخرج من جُحره أبدًا.. هل هذا فخ؟ هل هو تهديد وخطرًا جديدًا؟ أم خدعة؟ أم ماذا! هذا ماكان يدور في رأس صالح وهو ينظر إلى الرجال بذات الملامح، ليردف الرجل: لا تجعلنا نستخدم القوة.. تعال معنا برضاك، رمقهم صالح لثوانٍ ثم أعاد النظر إلى مراد ورفع حاجبيه بخفه وكأنه ينبهه أو يطلب منه شيئًا خفيةً، صمت مراد ولاحظ هذه النظرات وربما فهمها بأنه يطلب منه أن يُعطي أخوته خبرًا، وعلى حين غرة تقدم أحد الرجال وهو يوجّه سلاحه تجاه مراد، فقال صالح فورًا بنبرةٍ هادئه وهو يرفع يده: حسنًا سآتي، ليتقدم آخر وراح يفتش صالح.. سترته وجيوبه وحتى أكمامه بدقه، اخذوا هاتفه ومفتاح سيارته ومسبحته وكل شيء.. ليقل الرجل الذي فتّشه: تم، أومى الآخر ليقل محذرًا: ليس فقط هذا الرجل، قالها وهو يُشير نحو مراد وأردف: حتى أخوتك.. فلو وصل إليهم خبرًا بأنك ذهبت برفقتنا سيتعرضون لخطرٍ جسيم، أغمض صالح عينيه بغضب وهو يبتسم ساخرًا بينما أقترب الرجل منه وقال: أنزع سترتك و ضعها على كتفك، ليقل صالح: وهل تريدني أن أخلع القميص أيضًا؟، أبتسم الرجل ببرود ليقل: سترتك تكفي، وابتعد قليلاً ليرمقهم صالح بنظراته سريعًا.. واحدًا أمامه وهو الذي يخاطبه واثنان بالقُرب من الباب يوجّهان أسلحتهما نحوه والأخير بالقُرب من مراد، لايستطيع.. لا يمكنه الهجوم وهزيمتهم بدون سلاحيه.. ومراد مُهددّ وأخوته على مايبدو.. ولن يخاطر أبدًا، فارتسمت ابتسامةً على شفتيه ورفع ذراعيه ليخلع سترته فقال الرجل: ببطء..، ثبتّ صالح بصره على الذي أمامه وهو يخلع سترته ببطء حتى وضعها على كتفه، فذهب أحدهم ليُحضر بعض الأوراق وناولها للذي يبدو أنهُ قائدهم، أخذها الأخير وطوى الأوراق حول سلاحه ليُخفيه كي لا يلفت الإنتباه، ثم ابتعد وهو يمدّ أحدى ذراعيه نحو الباب ليقل: لدينا عمل عاجل يا مديري فلننطلق، فهِم صالح الأمر على الفور.. فهُم يريدون مغادرة الشركة وكأنهم من ضمن الأشخاص المرافقين له أو أحد أعضاء الشركة، فابتسم بخفه ليقل: الكبير يريد لقائي؟، اومى الآخر ليتنهد صالح بعمق وابتسامته لاتزال ليشدّ بذراعه على سترته بشكلٍ طبيعي وكأنه على عجلة من أمره لم تجعله يرتديها وخطى نحو الباب وهو يقول: هيّا لنرى..، خرجوا ثلاثة خلفه بخطواتٍ طبيعية بعد أن اخفوا أسلحتهم بينما بقي واحدًا منهم أتجّه فورًا نحو مراد وهو يُخرج سلسلة من جيب سترته، وبلمح البصر حاوط بها عنق الآخر.. وخنقه حتى فقد مراد انفاسه بأعين مفتوحه رغم أنه كان يقاوم، أرتمى رأس مراد على الطاولة فاقدًا لحياته، ليُعيد الآخر السلسلة إلى جيبه وعدّل سترته قليلاً وهو يخرج مغلقًا الباب خلفه وكأن شيئًا لم يحصل، خرج صالح من الشركة والثلاثة خلفه، ليجد سيارة تنتظرهم صعدوا إليها وحين ابتعدوا عن الشركة شعر فجاءة بوخزة في فخذه، فرأى أن الآخر قد حقنه بشيءٍ ما، وقبل أن يتمكن من دفع الإبرة بعيدًا بالقوة أفرغ الآخر محتواها بسرعةٍ كالبرق وثبّت ذراعيّ صالح ليمنعه من المقاومه.. ثوانٍ قليلة كانت كافية حتى ارتخى جسد صالح نتيجة المخدر، ف مال برأسه وهو يحاول مقاومة ما يسري في جسده لكن دون جدوى.. فأظلمت عيناه شيئًا فشيئًا.. وكان آخر ما سمعه هو أحد الرجال يهتف بالآخرين: هيّا.. فالكبير لا يُحب الإنتظار
إلى اللقاء في البارت القادم..
أنت تقرأ
لا يوجد سوى الألم..
Fiksi Penggemarسيناريو بأحداث مختلفه للجزء الرابع "Çukur" *ملاحظه: هذه المره الأولى لي في كتابة شيئًا ما..
