Part 64

265 15 6
                                        

"ربما سأقتل نفسي لينتهي كل هذا"
بقي الجميع على حالهم.. صامتون ينظرون بشيءٍ من الدهشة نحو كارتال الذي أقترب من اكين ليقل بنبرةٍ متهكمة: ما بك يا اكين تبدو وكأنك رأيت شبحًا هاا؟ ألم تحكم إغلاق أبواب السيارة جيدًا في تلك الليلة؟، لا يزال اكين ممسكًا بسلاحه بحدة وغير استيعاب، ولكنه ابتسم ليقل بخفوت: كيف نجوت وأنا من تأكد من احتراق السيارة بالكامل؟، رفع كارتال يده اليسرى وعدّ أصابعه أمام أنظار اكين ببرود: واحد.. إثنان.. ثلاثة.. أربعة.. والخامس بقيّ في سيارتك التي احترقت بالكامل "وأشار إلى ندبة جفنه مردفًا" وهذا أيضًا اثرًا بسيطًا، هُنا استدار جومالي ورفع يده وهو يقول بغضب: لقد كتمتُ نفسي عنك طوال الساعتين الماضيتين فلا تجعلني أُرديك قتيلاً هنا، ليقل كارتال فورًا: تؤ تؤ أتقابل إنقاذي لك بهذه الكلمات يا جومالي؟، وقبل أن يتقدم الأخير عائدًا نحو القارب بغضب، منعه صالح مع قول ياماش: لم أندهش أبدًا، فليس بغريبٍ عليّ أن أرى رجالاً *** عادوا من الموت، ليقل كارتال متجاهلاً وهو ينظر إلى ساعة يده: يُستحسن أن تذهبوا سريعًا، فالكبير يبحث عن أخيكم وربما يسعى لاغتياله متى سنحت له الفرصة، ثم وبحركةٍ سريعة غطى رأسه ووجهه عدى عينيه بوشاحه الذي كان يلتف حول عنقه، وقفز من القارب وهو يطلق صفيرًا حتى اقترب رجل يبدو برفقته وبدأ في تجهيز القارب الآخر، وهُنا نظر كارتال إلى اكين بابتسامةٍ لا تخلو من الاستهزاء وهو يسحب حبل القارب: لا تقلق أيها الولد فـ بعد تفجير تلك السيارة تعادلنا، أما إن أردت غير ذلك فأنا جاهز، ثم توقف قبل أن يقفز إلى القارب الآخر ليقل وهو ينظر بنصف عينه نحو صالح: هل نتكلم؟، وقفز بعدها مبتعدًا مع تراجع اكين إلى سيارته وهو يمسح وجهه غضبًا ودهشة بالأكثر، وتراجعوا جميعًا إلا صالح الذي بقيّ واقفًا ينظر إلى البحر وهو يشدّ على قبضته بخفه، توقف جومالي ووليّ ينظران وعاد ياماش ببطء نحو أخيه، ليقل وليّ مخاطبًا جومالي: هل كارتال حقًا من أنقذك؟، فأجاب الآخر: أكره قول هذا ولكن الأهم هو من أنقذ طفل ياماش أيضًا، ثم أردف بحدّه: لم يمت ال***، فقال وليّ متعجبًا: ولكن كيف أنقذكم؟، ليقل جومالي وهوً يمسك معدته وقد استند على وليّ بخفه: وما أدراني؟ لم يقُل شيئًا ال*** وكدتُ اقتله في وسط البحر لولا لوعتي، صمت وليّ مبتسمًا من كلام جومالي بينما اقترب ياماش من صالح وهو يقول: تلك الرسائل كانت تجعلني أشعر بشعورٍ غريب، وها قد تحقق هذا الشعور بالفعل، لقد ظهر أنه على قيد الحياة، ليقل صالح: مع الأسف..، ثم أردف وهو يربت على كتف ياماش: عُد إلى الحفرة يا ابن أبي وأعد زوجتك وابنك وليكن أخي جومالي في أمان، ليهتف الأخير بنبرةٍ عاليه: تعال لنذهب ياهذا لا تتكلم مع ذلك ال***، ولكن الآخر تجاهل كلام أخيه وقفز إلى القارب دون تردد بينما تراجع ياماش وهو يمسح وجهه وذهبوا جميعًا، صعد صالح السلالم وصولاً إلى سطح القارب وتباطأت خطواته حين لمح كارتال يجلس على الحافة وقد ترك قدميه تتدليان نحو البحر أسفله دون أن تلامسه لبُعد المسافة، ليقل الآخر وقد ابتسم حين سمع صوت خطوات صالح تقترب منه: أصبحتُ مثلك وبدأت أميّز الأشخاص وأعرفهم من وقع أقدامهم، صمت صالح وتقدم حتى جلس على الحافة بعيدًا وهو ينظر بنظراتٍ ثابتة رغم الحدّة التي لا يستطيع إخفاءها، لمحه كارتال حين جلس بطرف عينه دون أن يلتفت ثم تنهد ليردف: ما رأيك في قواربي؟ لا شيء يضاهي البحر كملجأ للاختباء حقًا، فـ لقد أصبحت هذه القوارب منزلي في الأيام التي تلت موتي، ثم ابتسم بسخريه ليقل حين لم يجد ردًا من الآخر سوى الصمت والنظرات التي على حالها: لو تعلم كم أن الموت شيء جميل..، ليقل صالح بعد لحظة صمت: ولكنك قلت في إحدى رسائلك الكاذبة أن الموت شيء سيء، ابتسم كارتال وهو يحني رأسه ولم يُجب فورًا بل أخذ نفسًا عميقًا من سيجارته ثم نفثه بتنهيدة قوية ليقل: يعني.. له جوانب سيئة وجيدة، انحنى صالح قليلاً ليقل بنبرةٍ تقطر حدةٍ وترتجف بشكلٍ غير ملحوظ في آن واحد: اختك رأت أشلاءك في المستشفى، دفنتك.. وبكت عند قبرك!، هُنا تلاشت ابتسامة الآخر وصمت لبرهة حتى قال: كان فتى شجاع.. منحتُه وظيفة في الشركة حين لاحظتُ أن بعض رجالي يستغلونه ويكلفونه بأعمالٍ خطرة لم تكن من مهامه، وعندما اختفيت حين قام ابن أخيك باختطافي من مقر نور الدين، بحث عني مع بقية الرجال لكن ليس مثلهم.. بحث بإرادةٍ صادقة حتى وجدني، وصل إلى السيارة قبل انفجارها بدقيقةٍ وشيكة وأخرجني منها دون أن يشعر ابن أخيك بشيءٍ البته، وقبل أن يعود ليصعد إليها ويفديني بروحه قال لي "اترك أثرًا يخصك ومت يا سيدي، لا تدعهم يستغلونك ويهددونك"، عقد صالح حاجبيه وقد ضيق عينيه بتشتتّ، ليُكمل كارتال وهو يضغط على السيجارة التي بين أصابعه: قطعت إصبعي وتركـتُ أثرًا كما قال، كي أبدو وكأنني مت هناك داخل تلك السيارة، ثم التفت نحو صالح ونظر إلى عينيه ليردف: يعني الأشلاء ليست أشلائي.. ولكن من الجيد أن أحدهم بكى عليه، رفع صالح رأسه وهو يتنهد بقوة ليقل بهدوءٍ غريب: هل تسخر مني؟، لم يُجبه الآخر فورًا بل شرد في البحر ثم قال: هل يبدو لك أنني اسخر؟ أنا قررت أخيرًا أن أموت كما يريدون لأحيا كما أريد، هُنا استقام صالح واتجه نحو الآخر وهو يقول: قراراتك لا تهمني.. أخبرني لماذا أنقذت اخي وابن ياماش؟ إلى ماذا تسعى؟، أخذ الاخر نفسًا من سيجارته ثم أجاب: إلى ماذا أسعى؟ لنقُل أنني فكرت بأن أواجه عديم الشرف الكبير بذات القواعد التي يفرضها وسأُلاعبه بنفس أسلوبه، فلتت ضحكةً من صالح جعلت كارتال يلتفت باستغراب، ليقل صالح متجاهلاً ما قالهُ الآخر: أجبني على سؤالي.. لماذا أنقذت أخي؟، ليُجيب الآخر ببرود: لم أنقذه لسواد عينيه، بل توقعت أن الكبير قد أظهر لهُ وجهه، فقد سمعت أن لديه عادة بإظهار نفسه لضحاياه قبل موتهم ولكن للأسف لم يراه أخيك ولم يأتي ذلك ال*** إلى ذلك المستودع اصلاً، قال هذه الكلمات وقد عاد ينظر إلى البحر المظلم أمامه، صمت صالح يستوعب كلمات الآخر ولم تمضي ثوانٍ حتى هتف بخفوت: يا لك من ***، رمى كارتال سيجارته في البحر واستلقى على ظهره واضعًا ذراعيه تحت رأسه وهو يقول: دقيقة.. هل أنت مستاء لأنني لم أمت؟، ليقل صالح فورًا: تؤ.. بل كنت مستاءً لأنه لم أكن أنا من قتلك، لكن انظر إلى القدر.. يبدو أنه يمنحني فرصة، ثم وفي خلال ثانية.. دارت الدنيا من حوله وتمايلت كما يتمايل هذا القارب في خضم أمواج البحر الخفيفة الآن، ويا لهذا الدوار الذي أصبح يزداد سوءًا هذه الفترة، أغمض عينيه لبرهة ولكنه ظلّ ثابتًا وهو يشدّ على قبضته ليسمع الآخر يقول وهو يتمعن في الفضاء فوقه: جميل فرحت لأجلك، وما زلت تغضب بسرعة وتهاجم كعادتك، ابتعد صالح في تلك اللحظة ولا يعلم كيف تحامل على نفسه حتى جلس على أحد كراسي الاستلقاء وهو يقول: ليلعنك الله ميتًا كنت أو حيًا ياهذا، صمت كارتال وهو يخرج سيجارة أخرى من جيبه بينما كان البحر وكل شيء يدور أمام عينا الآخر الذي كانت الأصوات تتداخل من حوله وتبتعد شيئًا فشيئًا وكأن رأسه قد انفصل عن جسده، أشعل الآخر سيجارته وهو مستلقي ثم قال: وأيضًا.. الطفل عرفت مكانه من سافاش.. وهو الشخص الثالث الذي تحدثتُ عنه في رسالتي الثانية لك، هو كاتب خطط الكبير ومنفذها أيضًا، كان تحت قبضتي ولكنه تمكن من الفرار، حقًا ذلك الوضيع يمتلك مهارة عالية في الهروب أولاً يهرب منك ثم يكرر الأمر معي، رفع صالح رأسه ببطء ليقل ساخرًا: كان أنت من سبقنا إلى الكوخ وقتل الرجال..، ليردّ الآخر: أجل لأنني كنت أريد إنقاذ أختي، ولكنها لن تعلم بأنني حيّ.. سيظلّ أخيها الذي تسبب لها بالخطر ميتًا لحمايتها، عمّ الصمت للحظاتٍ حتى قال صالح وقد هدأ دواره قليلاً: تقول أنك ستلعب بالخفاء مع الكبير كما يلعب هو، ومع ذلك تقول أن سافاش كان بين يديك ولكنه هرب إلى كبيره! وتقول أختي لن تعلم أنني حيّ بينما تذهب لإنقاذها، هل احرَقت نار الإنفجار جزءًا من عقلك أم ماذا؟، ابتسم كارتال ابتسامة تخلو من السخرية هذه المرة ليقل بعد أن اعتدل جالسًا: سافاش لم يراني ولم يعلم بأنني أنا من اختطفه وليلى ايضًا لم تراني حين خرجت من ذلك الكوخ بهلع وقد ظنّت أنها أصابت ذلك ال***، وأساسًا أنت لا تفهم.. ولن تفهم ما دمت تنظر إلى الأمور من الزاوية ذاتها..، ثم التفت نحو صالح الذي استقام واقترب وهو ينظر بحدّه ليقل: أي زاوية أيها البطل الخارق؟، استقام الآخر بدوره ووقف أمام صالح ناظرًا إلى عينيه مباشرةً ليُجيب دون تردد: زاوية الغضب والقهر والانتقام.. هذه الشرارة التي أراها في عينيك الآن هي ذاتها الشرارة التي اشتعلت يومًا حين اندلعت نار الانتقام من عبدالله في داخلك، وها هي تعود اليوم مع ابنه، أغمض صالح عينيه ومال برأسه وهو يبتسم بسخرية بينما ألقى الآخر سيجارته الأخرى في البحر كما فعل سابقًا ثم وضع يديّه خلف ظهره ليردف: وهو يريد هذه الشرارة التي تحجب عقلك عن التفكير بثبات وعقلانية.. اجل بالضبط هذا ما يريده.. أن تجنّ بنار الانتقام وتفقد البوصلة بالكامل وتشك بكل شيء حتى بنفسك، ليقل صالح وهو يحاول كبت غضبه ودواره الخفيف في آنٍ واحد: إياك أن تتحدث وكأنك ترى ما لا أراه، أنت آخر من يحق له أن يتكلم، ثم استدار ذاهبًا ولكنه توقف ليردف وقد عاود الالتفات: أبقى ميتًا حقًا سيكون أفضل، ثم رفع سبابته مردفًا: وابن أخي.. إياك أن تقترب أو تلمس شعرة منه، واستدار ذاهبًا ليصرخ كارتال: لم ينتهي حديثنا ياهذا وانتظر مني رسالة، لكن الآخر تجاهلهُ وقفز بصعوبة من القارب حتى حطّت قدماه على الميناء، واتجه نحو سيارته بقليلٍ من الترنح بينما أشار كارتال إلى رجله وهو يقول: فلنتحرك.. لقد بقينا في الميناء أطول من اللازم هذه المرة، ثم جلس وهو يمسّد رأسه ليهمس: هذه الشرارة ستُحرقك كالسابق إن لم تخمدها بعقلك أيها العنيد، لاحقًا.. فتح عينيه ببطء حين تناهى إلى مسمعه صوت رنين هاتفه، مدّ يده إلى جيبه ليخرج الهاتف دون أن يتحرك، فالثُقل الذي يشعر به يكاد يشلّ جسده بالكامل، وبصعوبة قرأ الأسم الظاهر على الشاشة "ياماش" أغمض عينيه مجددًا محاولاً استجماع نفسه مع صوت الرنين الذي كان يثقب رأسه بشكلٍ مزعج ومؤلم، أجاب ووضع الهاتف على أذنه دون أن ينطق بكلمة، ليسمع ياماش يقول: ابن أبي؟ لقد تأخرت..، هُنا رفع صالح رأسه من على مقود السيارة ليرى أنه متوقف على جانب الطريق، فـ تنهد ومسح وجهه وهو يسند ظهره إلى الخلف ليُجيب: أنا قادم يا ياماش، صمت الأخير قليلاً ثم قال: أنا أنتظر..، فردّ صالح قائلاً بهدوء: لا تنتظرني اذهب ونم الآن، ليُجيب الآخر فورًا: سأنتظرك وأنت تعلم هذا.. هيّا، وأنهى الاتصال ليرمى صالح هاتفه على المقعد الجانبي وراح يتلفّت حوله بغرابة، لا يتذكر متى اصطف أو توقف، ولا ماذا حدث بالضبط، هل غفت عيناه بالخطأ؟ أم فقد وعيه؟ زفر بقوة وهو يسند رأسه إلى الخلف وسُرعان ما ابتسم بغصة لاترحم.. ليهمس: ارجوك يالله ساعدني.. فأنا كل يوم أفقد أملي أكثر، ولأول مرة في حياتي لا أعلم ما الذي عليّ فعله..، ولاحقًا أوقف سيارته في موقفها حيثُ منزل العائلة وقبل أن يترجل منها التقط علبة الماء ذاتها التي ناولته إياها ليلى قبل ساعات، تنهد بخفه ثم شربها دفعة واحدة قبل أن يمسح وجهه بما تبقى منها، وترجل بعدها متجهًا نحو المنزل ليقابله ياماش الذي خرج من المكتب متقدمًا بخطواتٍ هادئة، حتى حاوطه صالح من كتفيه وهو يقول مازحًا: كيف حال طفلك الجديد وأخيك المتهور؟، ضحك ياماش قليلاً ثم أجابه وهو يفتح باب المنزل: بخير وكل شيء على مايرام، ليهمس صالح: الحمدلله..، ثم أردف ياماش: لم أتحدث مع أخيك ولكنه يجلس في الشرفة فـ داملا طردته من الغرفة لأنها غاضبه بالطبع من فعلته، ليقل صالح وهو ينزع حذاءه: ومن يلومها؟ لو تعلم كم أرغب في ضربه، لكنه الأخ الأكبر فماذا عسانا نفعل، ليقل ياماش ببرود: لا تقلق سنضربه.. بالغضب وقلة الاحترام والاستفزاز، ابتسم صالح ليقل: عيب.. ولكن أوافقك الرأي، ثم تقدما إلى الصالون وارتمى صالح بجسده المتعب على الأريكة وجلس ياماش بجانبه، ليسأل الأخير: ماذا حصل معك؟ هل أخبرك كيف نجا؟، فردّ صالح: كما نجوتُ أنا قديمًا.. حين أنقذتني أنت من رصاصات وقنابل بايكال ووضعت أحدهم في سيارتي ليصدقوا أنني مُت، شرد ياماش لوهلةٍ وهو يبتسم بحزنٍ لتذكره تلك الأيام ثم سأل: ومن أنقذه؟، ليُجيب الآخر: لايهم..، ثم أردف وهو يمسّد عينيه: أخبرني بأنه يريد اللعب مع الكبير كما يلعب بدوره، ليردّ ياماش: بالخفاء يعني؟، أومى صالح وهو يغمض عينيه وهُنا هتف الآخر بسخرية: شيء لا يصدقه إلا أحمق، أن يكون موته مجرد تمثيلية وأن الكبير لا يعلم بها، اعتدل صالح وأسند مرفقيه إلى ركبتيه ليقل: لهذا سيبقى ميتًا كما كان، ارتخى ياماش ثم قال: ولكنه أنقذ أخي وابني.. لماذا؟، نظر صالح إلى أخيه بقهرٍ وتفهم ليقل: لم ينقذهم لسواد أعينهم كما قال، بل كان يتوقع أن أخي جومالي رأى الكبير ولكن لم يحصل، ثم مسح عينيه ليردف: وصحيح.. هو من سبقنا إلى سافاش في ذلك الكوخ، لكنه تمكن من الهرب منه كما هرب منّا، فلتت ضحكة سخريةٍ من ياماش ليقل: كنت أعلم أن أحدهم سبقنا إلى هناك.. إذن هو من أنقذ أخته؟، صمت صالح ليردف ياماش بهدوء: صحيح.. لقد سألت عنك حين عدنا ولم تعُد أنت برفقتنا، وأنا نبهتُ الجميع ألا يخبروها لتسمع منك أنت مباشرةً.. فـ هل ستخبرها أن أخاها لا يزال على قيد الحياة؟، استمر صمت صالح للحظاتٍ حتى أجاب: هاير.. ولن يخبرها أحد، ثم استقام مع قول ياماش: ولكن لن يحصل هكذا يا صالح، يبدو أن الأمر..، قاطعهُ الأخير وهو يقول: أنسى الأمر يا ياماش.. حقًا عقلي يكاد ينفجر فكلما أوشكت الأمور على الهدوء والاقتراب من الحل، ظهر ما يُعيد تشتيت عقولنا من جديد، ولكن هذه المرة لن يحدث ذلك، سنستمر في البحث عن ال*** سافاش وإذا ظهر شيء من ذلك الكارتال أنا من سيهتم به هل اتفقنا؟، وحين حاول ياماش الرفض منعه صالح وهو يقول: اتفقنا يا أخي الجميل هيّا أذهب للنوم، ليُقاطعهما دخول جومالي من الشرفة، وحين لمحاه تجاهلاه فورًا وصعدا إلى الأعلى قبل أن يتفوّه بأي كلمة، فـ عاد الآخر إلى الشرفة صامتًا متفهمًا ذلك الغضب ولكنه أيضًا غاضب ولا يحب هذه التصرفات، وبعد ساعات وعلى مشارف الفجر.. فتح صالح الذي لم تغفى عيناه باب غرفة الأطفال، وتوقف للحظاتٍ يتأمل أخيه جومالي الذي ينام برفقة الفتاتين مستندًا على ذراعه، وسُرعان ما عاد صدى كلام أخيه بالأمس في تلك الشرفة يتردد في رأسه، هو غاضب.. غاضب جدًا لأنه لم يخبرهم بشيء وأقدم على فعلته دون أي تفكير، اجل كان هناك طفل في الوسط.. ولكن هذا لا يمنعه من إخبار اخوته ليجدوا حلاً دون أن يضطر للتضحية بنفسه، لو لم ينجو..؟ نفض رأسه عندما شعر فجاءه ببرودةٍ تسري في أطرافه، وبذلك الدوار المزعج يعود من جديد، تراجع وأغلق الباب ثم صعد إلى الأعلى رغم الإرهاق والدوار فقط ليطمئن على ابنه الذي عاد لينام في غرفته الصغيرة السابقة برفقة ياماش جونيور، لاحقًا.. اتجه إلى المطبخ بنيّة البحث عن كيس أدويته الذي أعادهُ له جومالي، فهو لم يجده في غرفته ولا يتذكر أين وضعه، ليجد كاراجا جالسة وأمامها صحنٌ ممتلىء بالفراولة، كانت تأكل بشراهه ولم تنتبه له، بينما تباطأت خطواته وهو ينظر إليها بشبح ابتسامةٍ ظهرت على شفتيه، وحين رأته الأخرى التقطت منديلاً لتمسح فمها فورًا ومضغت ما كانت تأكله بسرعة لتقل: امجا..؟، جلس هو على كرسي بالقُرب منها ليقل وعيناه على صحن الفراولة: هل استيقظتِ مبكرًا يا ابنتي؟، أبعدت هي الصحن قليلاً لتقل: يعني.. فقط جعت قليلاً ونزلت إلى المطبخ، ثم أردفت بعد أن تنهدت بخفه: المنزل هادىء.. انظر إلينا رغم كل ما حصل بالأمس الجميع الآن نائم بهدوء، تمعن صالح في ملامحها قليلاً ثم قال: وماذا نفعل؟ هل نبكي، لتردّ هي بشيءٍ من السخرية: لا.. سننام ونضحك ونعيش كعادتنا ولكنه لن يمرّ أبدًا، هُنا ارتخت ملامح صالح وتبدلت لأخرى أكثر جدية ولكنه ظلّ صامتًا ولم يسأل بينما أشاحت الأخرى ببصرها قليلاً ثم هتفت بما يجولُ في خاطرها لأكثر من أسبوع: أنت من حجز تذكرة السفر لتولغا أليس كذلك؟، صمت صالح لوهلةٍ ثم قال: اجل.. ولم تسنح الفرصة لأتحدث معكِ بخصوص ذلك، فقالت هي فورًا: وفي ماذا سنتحدث ياعمي؟ لقد ذهب واختار طريقة.. أنتهى، رفع صالح ذراعه ومسح على شعرها بحنان ليقل: هو سيعود.. ولكن هل حصل شيء بينكما أو تشاجرتِ معه قبل ذهابه؟، نفت هي برأسها لتقل: لا.. ولكنه سألني عن..، عقد صالح حاجبيه لتُكمل الأخرى بعد أن تنهدت بثُقل: عن آزار، أشاح صالح فورًا بوجهه بشيءٍ من الغضب، لتتبع كاراجا: ولكن بخلاف ذلك هو منذ لحظة قتله لشهرام وقد تغيرت شخصيته مئةً وثمانون درجة، ثم استقامت ومسحت وجهها لتلتفت نحو عمها قائلةً: لا تقلق.. أنا بخير وهذه الأمور التافهه لم تعد تؤلمني كما كانت، ليقل صالح بقلق: ولكنني أشعر بأن هناك شيء، وجهكِ الشاحب لايعجبني و..، ارتجفت يداها قليلاً ولكنها ابتسمت مجاملةً وأجابت قبل أن يُكمل عمها كلامه: لا يوجد شيء.. حقًا أنا بخير ياعمي، فاكتفى الآخر بالصمت.. وصعدت هي عائدةً إلى غرفتها، بينما زفر صالح وراح يبحث عن كيس أدويته مجددًا ولكن لا جدوى.. حتى خرج إلى الشرفة ليجده كما وضعهُ جومالي بالأمس على الأريكة، لم يلمسه.. بل جلس وثبتت عيناهُ على الأدوية بغضب، وماهي إلا لحظات حتى تمكن هذا الغضب منه.. فاستقام والتقط الكيس بعنف ليُمسكه بإحكام، ثم اتجه نحو السور ورماه بكل قوته حتى سقط في الفناء الخلفي.. عاد أدراجه نحو الأريكة وجلس على الفور، ثم بدأ يفكك سلاحه ببطء كما أصبح يفعل عادةً حين يسعى لتشتيت ذهنه..
––––––––––––––––––––
داخل أحد المقاهي في إسطنبول.. وقد حلّ الصباح
هتف داهان مخاطبًا والده الذي يجلس أمامه وهو يرتشف من فنجان قهوته: لا تقلق بشأن المحاكمة اليوم يا أبي، لقد ظهر مدير المركز الجديد من جهته.. وهو يريد أن أعود سريعًا إلى عملي، هذا يعني أن حكم البراءة لن يتأخر، وسأعود إلى مهنتي مستعيدًا شارتي وسلاحي والأهم من ذلك.. أنني سأعاود تولّي ملف الكبير من جديد، توقفت ذراع الأخير لثانيةٍ واحدة.. ثانية قصيرة لكنها كانت كافية ليبتلع ما ارتشفه من قهوته ببطء، ثم رفع رأسه نحو ابنه وابتسم ابتسامةً يُخفي خلفها الكثير ليقل: لا زال هذا الأسم لا يُفارقك، أسند داهان مرفقيه إلى الطاولة وهو يردّ: ولن يُفارقني، لأن كل ما حدث لي لم يكن صدفة، توقيفي.. تلفيق التهمة.. تزوير تقرير الوفاة الخاص بالعميد.. كل هذا كان رسالة واضحة أنني أقتربت كثيرًا، لكنهم أخطأوا في شيء واحد، رفع الكبير حاجبيه وهو يسأل: وماهو؟
–ذلك الكبير يظن أنني سأخرج خائفًا وأبحث عن النجاة، بينما ما حدث هو العكس تمامًا.. الآن أعرف أين أضع قدمي، ومن أين أكمل ما بدأتُ به
=وأنا أظن أن العودة إلى العمل بهذه السرعة ليس أمرًا جيد يابني، وإن عُدت.. خُذ إجازة وأذهب بعيدًا لكي تصفي ذهنك قليلاً
–مستحيل.. فـ المدير الجديد للمركز لا يريد عودتي بسرعة فقط لأنني ضابط جيد، بل يريدني لأنني الوحيد الذي اقترب من الكبير، والوحيد الذي لم يُغلق الملف ويرميه جانبًا رغم كل ما وُضع في طريقي من مخاطر
=وهذا ما اقصده.. المخاطر واستهدافهم لك، أفهم خوفي يابني! وتذكر أن الابتعاد قد يكون أحيانًا حكمة لا خوفًا أو هروبًا، قاطع حديثهما صوت كعبها وهي تتقدم نحو طاولتهما قائلةً: صباح الخير، اتسعت عينا الكبير تدريجيًا بشكلٍ غير ملحوظ بينما نظر داهان باستغراب ولكنه سرعان ما استقام وهو يقول: صباح النور يا سيدة آصلي، أبعدت الأخيرة نظاراتها الشمسية وهي تنظر إلى الكبير بفضولٍ مصطنع حتى مدت كفّها وهي تقول: مرحبًا سيد..؟، صمت داهان وعاد ليجلس بينما استقام الكبير بابتسامةٍ ظهرت بصعوبة وهو يردّ: عدنان.. والد داهان، أومت وهي تقول بعد أن صافحته: وأنا آصلي.. تقابلنا في شقة داهان ولم نتعرف وقتها.. ولكن على كل حال تشرفت بمعرفتك، شدّ الكبير على كفّها ولكنها أفلتتهُ بمهارة ثم وضعت حقيبتها على الطاولة قبل أن تجلس بجانب داهان، تحت أنظار الكبير الذي كان ينظر بصمتٍ يُخفي خلفه الكثير من الغضب، ليقل داهان مخاطبًا آصلي: لا أتذكر أننا كنا سنلتقي اليوم، هل هناك شيءٌ طارئ؟، فأجابت الأخرى وعينيها على الكبير بمُكر: لا حاجة، كنت أشرب فنجان قهوة هنا ورأيتكم، فقلت ألقي التحية وإلا فإن صباحي دائمًا مليء بالأعمال هنا وهناك، ابتسم داهان ومسّد لحيته قليلاً، لاحظ ذلك الكبير الذي قال: يبدو أن عليّ الذهاب، ليقل داهان فورًا: لم تُكمل فنجان قهوتك يا أبي، نفى الكبير برأسه وتراجع وهو يقول: سأكون في شقتك يابني ولا تنسى موعد محاكمتك، أومى داهان وحين ابتعد والده التفت نحو آصلي ليقل: هل تراقبيني؟، رفعت الأخرى إحدى حاجبيها وهي تنظر إليه لتقل بسخريه: أنت متباهٍ ونرجسي إلى درجةٍ لا تُطاق، أغمض عينيه وهزّ رأسه وهو يقول: بالطبع جنم هل تلوميني؟، زفرت باستهزاء ثم سألت ببرود: ماذا يعمل والدك؟، عقد داهان حاجبيه وارتخى على كرسيه وهو يقول: وما سبب هذا السؤال؟، لتقل هي فورًا: سأتزوجه.. برأيك ماهو السبب يعني؟، تأفف داهان ليقل: سامحكِ الله.. أتتركيني أنا وتذهبين لتتزوجي بوالدي؟، ابتسمت آصلي وهي تميل نحوه قائلةً بنبرةٍ مستفزة: لا تقلق لن أزاحمك على الميراث، صفن هو بها وبابتسامتها التي ربما يراها لأول مرة، بينما سألت هي مجددًا: أجبني ماذا يعمل؟، ليُجيب الآخر بشيءٍ من الاستغراب: لديه شركة عقارات في أنقره، لماذا هذا الإصرار؟، استقامت والتقطت حقيبتها ثم قالت: أي إصرار؟ أنه سؤال فقط..، ثم اقتربت من وجهه قليلاً وهي تردف: إلى اللقاء أيها الضابط.. الذي ستتجدد صلاحيته اليوم، ثم ذهبت تاركةً داهان يتأمل ظهرها وقد أسند وجهه إلى كفيّه..
––––––––––––––––––––
الحفرة.. منزل العائلة
دلف ياماش إلى الصالون وهو يحمل ابنه بين ذراعيه.. ومن خلفه إيفسون مع ابنتها وليلى التي كانت تنظر بهدوء.. فاعتدل صالح الذي كان يلعب مع ابنه لينظر وقد اغرورقت عيناه ليهمس "قطعة الأسد.." ليقل الصغير: أسمي ياماش، هُنا رفع صالح سبابته بمزاح وهو يقول: أم أنك كوشوفالي؟، أومى الصغير وهو يبتسم، فـ أسند صالح مرفقيه وهو يغطي عينيه من دموعٍ كادت أن تخونه، فيا لهذا الصغير الذي يُعيد إليه صورة نفسه، نظرت ليلى بحزن يشوبه الاستغراب.. بينما فهم ياماش ما يدور في ذهن صالح فقال وهو الآخر قد غطى عينيه: لا تفعل هذا يا صالح، تدارك الأخير الأمر واستجمع نفسه ليقل محاولاً تلطيف الجو: لا.. هذا من الحزن، أنا احترق على همي، ليقل ياماش وقد أنزل جونيور ومسح عينيه: وما هو همك؟، ليُجيب صالح وهو يُشير بإصبعيه: إثنان ياماش كوشوفالي في عائلة واحدة! أنا كيف سأنشغل بهما؟، ضحكوا.. وضحك جومالي الذي يقف عند باب الشرفة يراقبهم ولم ينتبهوا له، تأمل صالح الصغير بينما جلس ياماش وهو يخاطب ابنه: انظر لقد عرفّتك على الجميع بالأمس ولكن بقيّ عمك هذا.. عمك صالح، هيّا اركض..، واحتضن ياماش جونيور صالح وبادلهُ الأخير بحنان وهو يقبله من رأسه.. بينما قال إدريس: واخيرًا أصبح في المنزل ولدًا مثلي يلعب معي، بعثر صالح شعر ابنه وهو يبتسم بينما جلس جونيور بجانب إدريس وراح يلعب برفقته ليقع بصر صالح على ليلى التي تعقد يديها إلى صدرها وهي تنظر إليهم.. فـ عاود الابتسام بهدوء وابتسمت هي بالمثل، ولم يشيح بنظره.. بل شرد في ملامحها وشعورًا بالمسؤولية يُثقل قلبه، وليس إلا ثُقل الحقيقة التي ظهرت بالأمس، وما إذا كان قرار عدم إخبارها بأن أخيها نجا من ذلك الانفجار صائبًا أم خطأً، تنهد بخفه ثم أدار بصره نحو أخيه الأصغر الذي جلس ارضًا يلعب مع طفليه وإدريس، ثم أعاد ببصره نحو ليلى مرةً أخرى ليجدها كما هي تبتسم بهدوء وكأنها تشاركه الشعور ذاته.. شعور بأن هذه العائلة بكل فوضاها ومآسيها، لا تزال تجد في بعضها دفء وأمانًا لا يزول ابدًا، ليسمعوا صوت جومالي الذي قال مُشيرًا إلى أخويه: أنتما الاثنان الحقا بي الآن إلى الشرفة، لم يُجيبه أحد فـ عاود القول بحدةٍ حاول اخفاءها عن الأطفال: أنا اتكلم معكما، هُنا نهض ياماش بإتجاه المطبخ وهو يقول ببرود: لا تتكلم معي، رمقهما الأكبر بحدّه ولكي لا يغضب أمام الأطفال بسبب تصرفات الاثنان عاد إلى الشرفة التي لا يوجد غيرها تجعله بعيدًا عنهم، راقب صالح باب الشرفة لبرهة ثم استقام وذهب نحوه وهو يهتف: ابعدوا الأطفال، نظرت ليلى إلى إيفسون بقلق بينما تأففت الأخيرة وهي تقول: سيتشاجرون، فـ راقبت ليلى ظهر صالح وهو يغلق باب الشرفة خلفه بحدّه، التفت جومالي الذي كان يجلس على الأريكة على أثر الصوت ليرى أخيه يتقدم نحوه وعينيه المرهقتين من السهر والدوار الذي يباغته بين الحين والآخر كانتا تشعان بعتابٍ كبير، قابلهُ جومالي بجمود وهو ينتظر العاصفة التي يعلم أنها قادمة لا محالة، ليقل صالح بنبرةٍ هادئة خافته: وتودعنا قبل أن تذهب إلى الموت بقدميك؟، ظلّ جومالي صامتًا وهو ينظر بذات الجمود، ليردف صالح وهو يقترب مُشيرًا بيده: حبًا فالله ألا تكفي القبور التي حفرناها؟، أشاح جومالي بنظره بينما مسح صالح وجهه ولكنه لم يصمت بل قال هذه المرة بنبرةٍ عاليه يشوبها القهر: لماذا لم تخبرني؟ حسنًا.. أفهم سبب عدم إخبارك لياماش فهو قد يجنّ لينقذ ابنه.. ولكن أنا؟ لماذا لم تخبرني أنا؟، ثم انخفضت نبرته وهو يردف: هل تظن أن تضحيتك بطولة يا أخي؟ لا والله ليست بل أنها أنانية، هُنا استقام جومالي ليقل: أنانية؟ هل هذا ما خرج منك يا صالح؟، ليصرخ الأخير: اجل أنانية! فأنت لم تفكر بنا ولم تفكر حتى بابنتك وزوجتك، رفع جومالي حاجبيه بغضب ليقل بنبرةٍ عاليه: لو أخبرتكم كان سيرسل رأس الطفل إلى هنا أنت عن ماذا تتحدث؟، فهتف صالح بصراخٍ أشدّ: وهل كان سيعلم! هل كان سيعلم بأنك أخبرتني!، فعل جومالي حركة فمه المعتادة بينما استدار صالح وهو يمسح وجهه، ثم ابتلع ريقه ليعاود الالتفات وهو يقول بذات القهر: أنا قلت لك.. قلت لك وأنا أنظر إلى عينيك أن أكثر ما يقلقني هو أن يتسلل ذلك ال*** بيننا دون أن نشعر، وها قد فعل.. وأنت نظرت إليّ ولم تخبرني بشيء، تجاوزه جومالي ذاهبًا نحو سور الشرفة وهو يقول: أليس هذا ما نفعله؟ أن نحمي العائلة.. وأن الأفضل أن يموت شخص واحد ليحيا الباقون، هُنا تقدم صالح نحو أخيه حتى وقف بجانبه ليقل: نحيا على ماذا؟ نحن لن نستطيع تحمل خسارة أخرى، هل تظن أن ياماش حين ينظر إلى وجه ابنه لن يتذكرك بحرقه؟ وأنا.. أنا الذي كل شيء يحدث بسببي ماذا كنت لأفعل؟، التفت جومالي بحدّه وودّ في هذه اللحظة لو يكسر فكّ أخيه لأنه ما زال يكرر "بسببي" بينما أردف صالح: ألم تقل لي أن رأسي سيكون بخير؟ كيف كان سيصبح بخير وأنت كدت تجعلنا ندفنك؟ بل صدقني سأفقده.. وربما سأقتل نفسي لينتهي كل هذا، تصلبت ملامح جومالي حين سمع الجملة الأخيرة لكنه ظلّ صامتًا بينما تراجع الأخر بخطواتٍ مترنحه حتى جلس على الأريكة وأسند رأسه بين يديه محاولاً أن يلتقط أنفاسه بهدوء ويستعيد توازنه، ولكن دموعه خانته.. فـ انعقدت ملامحه وسقطت هذه الدموع بصمتٍ ثقيل وهو يضغط على رأسه بيديّه اللتين ترتجفان، مسّد جومالي عينيه بينما همس الآخر بغصةٍ لا تظهر من حنجرته رغم دموعه وربما لن تظهر أبدًا: أقسم أنني تعبت، ثم ابتلع ريقه ليقل وقد رفع بصره نحو أخيه: ياماش قال حين انهار بين يديّ "من بقيّ من العائلة؟" حقًا انظر يا أخي من بقيّ؟ ألم تمتلئ المقبرة بالكوشوفالي؟، تنهد جومالي بقوة ليقل: حسنًا ياهذا.. الموضوع أنتهى ولم يحصل شيء وها أنا ذا أمامكم بخير، ليأتيهم في لحظتها صوت ياماش الذي تقدم بغضب وبدموعه هو الآخر وقد كان يستمع لحديثهم، ليقل بحدّه: اسمعاني جيدًا.. لن يحدث أيّ شيء دون علمي، ثم علت نبرته حتى صرخ وهو يردف مُشيرًا بإصبعه: كلاكما! من الآن فصاعدًا لن تفعلا شيئًا ولن تذهبا إلى أي مكان دون علمي هل فهمتما؟، ثم عاد ادراجه وخرج بغضب مع جلوس جومالي وهو يمسح وجهه، ولم يحتمل الأسمر ضيق أنفاسه ودواره المتزايد، فاستقام على عجل وهو يمسّد صدره محاولاً التقاط أنفاسه، ثم غادر المنزل بأكمله..
––––––––––––––––––––
بعد مرور ساعةٍ ونصف..
ناولت آصلي بعض الأوراق إلى السكرتيرة التي تمشي بجانبها وهي تقول: وكما قلت سيصلني تقرير مفصّل عن كل ما يخص الشركة، حتى أدق التفاصيل بما في ذلك الشحنات وغيرها، ثم دلفت إلى مكتبها وسُرعان ما تباطأت حركتها وهي تغلق الباب حين رأته يقف بسيجارته التي في يده وهو ينظر إلى الأفق من خلال النافذة، أقفلت الباب ثم تقدمت وهي تقول: اووه اهلاً وسهلاً بصاحب الحلال والحرام، استدار الكبير نحوها بصمت وراح يراقبها حتى جلست على كرسيها خلف مكتبها، ليتقدم ببطء وقبل أن يهتف بشيء قالت: هل تريد قهوة؟ شاي يا سيد..؟ هل أقول عدنان كارا.. أم الكبير؟، اطفأ الأخير سيجارته في الطاولة بهدوء ثقيل ليقل: ماذا تفعلين مع ابني؟ وما الذي تريدينه حتى تتقربي منه؟، لتقل هي ببرود: هل هذا هو سبب زيارتك؟ هل يُخيفك ابنك لهذه الدرجة؟، هُنا استند الأخر بذراعيه على الطاولة وانحنى ليقترب منها وهو يقول بحدّه: أستطيع قتلكِ هنا.. في هذه اللحظة دون أن يشعر أحد بشيء، وبالمثل أستطيع أن أرسل من يُنهي حياة أخيكِ في ألمانيا..، فقاطعتهُ هي فورًا: وسيعلم ابنك بكل شيء.. فلديّ شخص ينتظر خبر موتي أو إشارة مني لينطلق فورًا إلى ابنك وهو يحمل أدلة تُثبت بأن والده هو عدوه، ارتسمت ابتسامةً على شفتي الكبير ليهمس: شخص!، ثم قال: ومن أين لكِ هذه الأدلة التي تتحدثين عنها؟، تجاهلتهُ الأخرى وفتحت أحد الأدراج لتخرج منه ورقةً وضعتها على المكتب وهي تقول: على كل حال هذه تقارير الشحنات والبضاعة التي أتى رجلك بالأمس ليطلبها مني، وبما أنك حضرت تفضل وخذها معك لا حاجة لإرسالها، وصحيح.. أنا انتظرك متى ستوافيني بأخبار عمي لأصل إليه؟، التقط الكبير الأوراق وهو يقول: حين تصبحين ذكية حقًا وتتوقفين عن اللعب معي، واستدار بثبات ليذهب ولكنها قاطعته: أنا جاسوسة لابنك في شركتك ليصل إليك، فهو من طلب مني ذلك وهذا سبب معرفتي به، تجمد الكبير لوهلةٍ في مكانه لتردف هي: وإن أردت أن تعرف تحركات ابنك لتُبعده عنك بالطبع، فسيكون ذلك ممكنًا إن تعاونت معي وبدأت في إيصالي إلى عمي، التفت الكبير ليسأل: جاسوسة مقابل ماذا؟، هُنا قلّبت هي عينيها لتقل: لايهم.. تعاون معي أتعاون معك "ثم أردفت بسخريه" وإلا فإن ذلك الشخص ينتظر إشارة..، رفع الكبير سبابته نحوها وصمت للحظة قبل أن يقول: صدقيني لعبتك هذه لن تدوم..، ثم خرج تحت نظراتها هي، نظراتٍ تحمل لذة خفية رغم إدراكها أنها ترتكب خطأً كبيرًا، فقد قررت اللعب على الطرفين، مع داهان ضد والده ومع الكبير ضد ابنه وليحترقوا جميعًا لا يهمها، لكن السؤال الذي ظلّ يطاردها هل ستنجح هذه اللعبة؟ أم ستكون نهايتها إيذاءً لها.. ولأخيها؟ ثم ما لبثت أن ابتسمت وهي تخرج حاسوبًا.. فتحته لتجد عدًا تنازلي "19:34:17" ذات الفكرة التي اعتمدها كولكان ضد العم حين هددهُ بمقطع الفيديو الذي كان يريد إرساله إلى صالح آنذاك، ظلّت تتأمل الشاشة لثوانٍ ثم تنهدت وهي تقول: حقًا أحسنت يا شهرام لأنك أطلعتني على مثل هذه الأمور، فهو قد أخبرها قبل أن تُفقده عقله عن الفيديو الخاص بكولكان وكيف استُخدمت فيه التكنولوجيا بذكاء، أغلقت الحاسوب ثم همست باستهزاء: هناك الكثير والكثير من الملفات التي ستوضع هنا لتصل إلى ابنك.. وهيّا إن كنت رجلاً كبيرًا حقًا كما تُظهر فأعرف من هو الشخص الذي يحمل جميع معلوماتك..
––––––––––––––––––––
حيثُ المستشفى..
جلس صالح أمام مكتب الطبيب فريد الذي كان يتفحصّ صورًا للأشعة من خلال شاشة الحاسوب التي أمامه، تمعن فيها مطولاً ثم قال وهو يمسّد ذقنه قليلاً: ما يهمني الآن ليس الصورة بحد ذاتها.. بل حالتك أنت، رفع صالح رأسه ثم قال وهو يرتخي بظهره: أنا بخير، استقام فريد وهو يقول: لم تنم جيدًا منذ يومين ولم تنل قسطًا مناسبًا من الراحة إلا قبل ساعة حين أعطيتك مهدئًا خفيفًا، تتناول جرعاتٍ خفيفة من دوائك ولابد أنك تعاني من أعراض انسحابٍ بسيطة، تعرضت لإجهادٍ عصبي كالمعتاد، ومع ذلك تقول انك بخير؟، ابتسم صالح بهدوء مع جلوس فريد على الكرسي المقابل له ليقل: أعتدتُ على الأسوأ..، هزّ فريد رأسه نافيًا ليقل: ما تمرّ به ليس اعتياد بل إنهاك عصبي، ماحدث لك في السيارة كالإغماء الجزئي وعدم تذكرك للتفاصيل هذه أشياء لا يمكن تجاهلها، قلّب صالح عينيه ليقل: دقيقة.. حدثني بالتركية أو الروسية لأفهمك فأنا لا أفهم لغة الأطباء، ضحك فريد وضحك معه صالح حتى سعل قليلاً وحينها رفع الآخر حاجبيه ليقل صالح: سعال طبيعي بسبب الضحك لاتخاف حقًا أنا أفضل حالاً الآن، ثم أردف وقد تنهد بخفه: وماذا سنفعل إذن أيها الطبيب؟، ليقل فريد: أولاً وأهم شيء هو أن تراجع المستشفى كل أسبوع على الأقل لأتابع حالتك جيدًا، ليقل صالح مازحًا: لن يحصل هذا.. غيره؟، ضيق فريد عينيه ليقل: لاشيء.. إن لم تتعاون أنت، هُنا رفع صالح حاجبيه مبتسمًا ليقل: تهديد مبطن؟، رفع الآخر كتفيه بلا مبالاة ليردف صالح: وماذا تقترح الآن إذن؟ غير المراجعات، ليقل فريد: سنعيد صرف الدواء لك وجرعته ستظلّ كما هي دون أي تخفيف زائد هذه الفترة، ولكن لفترة قصيرة فقط، أيضًا من الأفضل أن تبقى تحت المراقبة لعدة ساعات ولكنك لن تفعل، أساسًا قدومك اليوم بإرادتك كان بمثابة معجزة بالفعل، تأفف صالح ليقل: سامحك الله، ولكن فريد اتبع: أنت الآن تلقيت محاليل لتعويض شيء من الإجهاد، إضافة إلى مهدئ بسيط ليساعدك على النوم دون أي تعارض مع خطة تخفيف جرعاتك، ما اقترحه هو أن تذهب وتستريح، وتعال غدًا لنعيد التقييم، وركز! قلتُ غدًا ليس بعد أسبوعين أو ثلاثة..، شدّد فريد على نبرته في الجملة الأخيرة وهو يثبت نظره نحو صالح، فأجاب الأخير بابتسامةٍ مرهقه: حاضر أيها الطبيب.. غدًا، استقام الاثنان ليقل فريد: لا تقود السيارة طويلاً بنفسك، ولا تنفعل كثيرًا ولا تتجاهل أي دوار متكرر أو ثُقل في الرأس وكأنه أمر عابر، تنهد صالح وأشار بيده وهو يقول: أمرك، وتراجع إلى الخارج، ليتفاجأ بها تقف بالقُرب من الباب وهي تضع ذراعيها في جيوب سترتها الرمادية وملامحها التي لا تخلو من التعب تقول الكثير والكثير.. وقد عرف أنها سمعت حديثه مع الطبيب.. توقف مكانه وهو ينظر بصمتٍ وتساؤل كيف عرفت أنه هنا، لتقل ليلى ولم تستطع منع نفسها من السؤال: لهذا تأخرت بالأمس؟ اغمى عليك في السيارة؟، رفع هو حاجبيه لوهلة ثم تنهد بعمق ليخرج في هذه اللحظة فريد الذي كان يريد الذهاب لمكانٍ ما ولكنه توقف حين رآهما.. وسُرعان ما اقترب وهو يبتسم ليقل: سيدة ليلى؟، صافحته وقد ابتسمت رغم انشغال عقلها، بينما نظر صالح نحو الآخر باستغراب ليقل فريد حين رأى نظرة صالح: كانت تطمئن عليك كل يوم هي وأخيها أثناء غيبوبتك، شرد صالح بصمت في وجه ليلى التي ابتلعت ريقها بخفه حين ذُكر أخيها، بينما التفت فريد بعفويةٍ نحوها ليقل وهو يُشير بعينيه نحو صالح: لو يترك عناده لكان تحسن منذ وقتٍ طويل، لتقل هي وعينيها على صالح: أنه عنيد اليس كذلك؟ حتى أنه لا يتكلم إلا حين يريد، كانت تقصد عقدة لسانه.. فـ بالرغم من تفهمها إلا انها زعلت قليلاً لأنه لا يُحادثها كما كان، هُنا تنهد صالح ليقل بخفوت وهو ينظر إليها: الله الله ما العلاقة؟، ثم التفت بعينيه نحو فريد وهو يقول: اذهب إلى عملك أيها الطبيب ودعنا وشأننا، ابتسم فريد ثم ربت على ظهر صالح وهو يتراجع ليقل: لا تنسى أن تصرف ادويتك وتعال غدًا، وحين ذهب سألت ليلى وهي تقترب قليلاً: ألا تذهب للمراجعات خاصتك؟، لينفي صالح وهو يرفع حاجبيه: تؤ..، ثم ذهب وخطى ببطء وهو يضع يديّه في جيوبه وتقدمت هي بالمثل ومشت بجانبه صامتةً بشيءٍ من الغضب واليأس، لتقل بعد أن تنهدت بخفه: رأيتك تخرج من المنزل متعبًا ولم أستطع منع نفسي من الاطمئنان عليك، صمت الآخر دون تعليق.. ولحظاتٍ حتى سمعته يقول بخفوت وهو ينظر إلى الطريق الذي يخطو به: ليس لأنني لا أريد أن أتحدث إلا عندما أشاء بل..، قاطعتهُ بهدوء وهي تقول: أعلم أن صمتك ليس تجاهلاً يا صالح.. أعلم، عمّ الصمت واستمرا في المشي حتى خرجا من المستشفى، ليقل بعد أن أخذ نفسًا عميقًا: لا أعلم ماذا أقول.. ولكن أريدك أن تعلمي أنني أحاول..، مرّت ثوانٍ نجحت فيها ليلى في منع غصتها وهي تمدّ يدها لتقل: مفتاح السيارة..، عقد حاجبيه وهو ينظر إلى كفّها الممدودة، لتردف هي: لن تقود السيارة بهذا التعب فـ عقلك الآن بعد المهدئات لا يبحث إلا عن وسادة، فقال هو بهدوء: وسادة ماذا؟ ثم هل تستطيعين قيادة سيارة ذات دفع رباعي؟، ظلّت صامته ولم تُجيبه ولا زالت كفّها ممدودة، بينما نظر هو إليها طويلاً.. وقد شعر أن عناده تلاشى أمام إصرارها، ودون أن يتفوّه بكلمة أخرى أخرج مفتاحه ووضعه في كفّها، هُنا ابتسمت هي بهدوء وغمزت بعينها وقد جعلته يبتسم بالمثل، ثم ذهبا بإتجاه السيارة.. وقبل أن تُمسك ليلى بمقبض الباب، التفتت فجاءه حين دوى صوت مكابح سيارة عالٍ يقترب منهما بسرعةٍ كبيرة، وفي غمضة عين وبيدٍ قوية استعادت غريزتها القتالية في خضم هذا التعب والإنهاك، دفع صالح ليلى بعيدًا عن مسار السيارة المندفعة، لترتمي هي بين سيارته وسيارةً أخرى مركونة خلفها، وقبل أن تحاول استيعاب ما يحدث انهمر الرصاص كالمطر فوقها بقوةٍ جعلتها تصرخ "صالح!" وهي تغطي رأسها بيديها..
إلى اللقاء في البارت القادم..

لا يوجد سوى الألم..حيث تعيش القصص. اكتشف الآن