"كنتُ أريدك أن ترى بعينيك وتسمع بأذنيك.. الآن رأيت وسمعت"
لايعلم كم من الوقت مضى.. دقائق.. ساعاتٍ أم أيام، ولكنه كان يسمع صوت هاتفه يرّن.. يرّن ويرّن لكنهُ لازال مُغمض العينين ويجاهد لكي يفتحهما، شعر بأنه يحلم.. فرنين الهاتف كان بعيدًا وصداهُ كذلك، رويدًا رويدًا بدأ يستعيد وعيه، فتح عينيه ببطءٍ شديد جدًا، وظلّ مكانه لم يتحرك لثوانٍ يحاول عقلهُ استيعاب ماحوله، ثم بلا إرادةٍ منه ارتفعت يده وضغطت على رأسه بقوة، وسُرعان ما تأوه بخفه على أثر الصداع الذي ينهش رأسه الآن، ثم بعد لحظاتٍ تحرك اخيرًا معتدلاً فهو كان مستلقيًا على كرسي، رفع رأسه ليتفحص المكان الذي هو فيه الآن، كان المكان مظلمًا فلم يرى ولم يتعرف عليه جيدًا، مدّ يده المرتجفة نحو جيبه فلم يجد شيئًا.. لا هاتفه الذي يرّن بشكلٍ مزعج ولا مفاتيحه، ثم رفع بصره لينظر فرأى طاولة على بُعد أمتار يتوسّطها هاتفه الذي توقف عن الرنين الآن ولكن شاشته ظلت مفتوحة وهذا سبب رؤيته لهُ في خضم هذا الظلام، ومع توقف رنين الهاتف أنار جزءٌ من المكان أمامه، فالتفت ببطء حين سمع صوتًا غريبًا يهتف: اخيرًا، وحين وقعت عيناهُ على المكان الذي أنارتهُ الإضاءة.. رأى شخصًا مقنعًا بالكامل لا يظهر منه أي شيء البته يجلس على كرسي جلدي مقابلاً له.. ثبتتّ أنظار صالح على الكبير الذي يجلس وهو يضع قدمًا على الأخرى، ليردف بصوتٍ غريب شبه آلي: هل جعلتك تنتظر هذه اللحظة طويلاً يا فارتولو؟، كان صالح ينظر بملامح جامده لا تشي بشيء، لايعلم هل هو أثر المخدر أم أنه لم يستوعب حتى الآن مايحصل، أغمض عينيه بخفه وبشكلٍ غير ملحوظ ثم فتحهما ليتمعّن في الذي يجلس بالقُرب منه، مقنع بقناعٍ أسود غريب يُغطي شعره وكل وجهه حتى عيناه.. بدلة واسعه سوداء برقبة طويلة وسترة كبيرة وطويلة بالمثل لا تُظهر أيٌ من ملامح جسده أبدًا حتى أنه يرتدي قفازاتٍ لتُخفي كفيّه، وأيضًا صوتهُ الغريب يُوحي بأنه يضع جهاز تغييرٍ للصوت، ظلّ صالح يتمعن بنفس ملامحه بينما الآخر موجهًا وجههُ نحوه فقط.. لا يعلم صالح هل هو ينظر إليه أم لشيءٍ آخر، ليهتف الآخر وقد مال برأسه قليلاً: لا تُتعب نفسك بالنظر..، في تلك اللحظة شعر صالح بألمٍ فضيع برأسه، ليس من أثر المخدر فقط بل من شدة التركيز، ولكنه ظلّ ثابتًا ولم يحرك ساكنًا وماهي إلا ثوانٍ قليلة حتى اتسعت شفتيّه بابتسامةٍ ساخرة، ليقل بصوتٍ مبحوح بعد هذا الصمت: يا لك من جبان، ظلّ الآخر جامدًا بينما أردف صالح وهو يتحرك على كرسيه بخفه: حتى صوتك تُخفيه عني؟، كان الآخر صامتًا ولم يُجب، فاستقام صالح بحذر وأعينهُ على الآخر لاتتحرك من عليه أبدًا، ولكنه تلفتّ حوله لوهلةٍ وكأنه يتأكد هل هُم لوحدهم في هذا الظلام؟ أم هناك رجالاً لهذا الجبان يحاوطونه، ولم يتساءل في نفسه كثيرًا ففي لحظةٍ مباغته اشتعلت أضواء المكان كاملةً.. فأغمض عينيه بقوةٍ من أثر الضوء القوي، ودّ لو أنه يحجب عينيه ولكن لم يرفع يده ابدًا.. بل التفت يتفحص المكان بأعين شبه مغلقة، غرفة كبيرة بعض الشيء.. تبدو كقاعةٍ أو مستودع صغير، خالية من أي شيء سوى من كرسيه وكرسي الكبير وطاولة تفصل بينهما، وأحد الجدران يحوي على مايبدو مرآة أو زجاج عاكس.. والطاولة التي تحمل هاتفه ولم يجد أي أثر لرجالٍ آخرين، أعاد النظر إلى الكبير ورفع حاجبيه ليتحرك نصف خطوة.. فقال الكبير حين لاحظ تحرك صالح: سِوارك جميل..، رمقه صالح بعدم فهم وسُرعان ما أرخى بصره بهدوءٍ وبطء نحو ذراعه، فوجد سِوارًا حديديًا أسود يحاوط معصمه، أعاد النظر إلى الآخر الذي قال موضحًا: مترًا واحدًا تتقدم به نحوي سيّحول أخوتك في الحيّ إلى رماد، فالذي بيدك مربوط باجهزة استشعار تنتظر الحركة المناسبة حتى تتفعل وتنفجر، أبتسم صالح ثم استند بذراعه الأخرى على الكرسي عندما شعر بدوارٍ خفيف وهو يقول ساخرًا ولم يتفاجئ: طبعًا..، وما لبث إلا أن عاد ليجلس وهو يتنهد بقوة، ليقل الكبير: كيف حالك؟، رفع صالح حاجبيه ثم قال بهدوءٍ ساخر: بخير ياروحي اشغال وأعمال ولكن الأمور بخير، تراجع الكبير بكرسيه ونهض، بينما راقبتهُ أعين صالح الذي كان يدرس كل حركة يراها وكل كلمة يسمعها، مشى الكبير وهو يُدير ظهره إلى صالح، فلم يصمت الأخير الذي هتف: يراودني شك، توقف الكبير والتفت ليقل: شك ماذا؟، ثبتّ صالح بصره على الآخر لثوانٍ ثم قال: هل من يقف أمامي هو أنت حقًا أم شخص آخر أيها الجبان، رفع الكبير ذراعه نحو صالح يُشير له بأن ينتظر وذهب إلى الخارج، تفحص صالح المكان مرةً أخرى بعد خروج الكبير، ونظر إلى الزوايا والجدران فلم يجد كاميرات أو شيء من هذا القبيل، ثم أرخى بصره نحو ذراعه حيثُ السِوار الذي بدأ وكأنه ملتحمًا بمعصمه.. تفقده ليجد ضوءًا أخضر صغير يُشير بشكل منتظم، تنهد بسخريه وراح يفكر.. هل حقًا هذا هو الكبير أم شخصًا آخر؟ لو كان شخصًا آخر لماذا أخفى نفسه لهذا الحدّ إن لم يكن الكبير؟ قاطع تفكيره عودةً الكبير السريعة وهو يحمل بين ذراعيه شرابًا وكأس واحد فقط، تقدم تحت انظار صالح الذي راقب دخوله فورًا، أقترب قليلاً ودفع الكأس نحو صالح والشراب أيضًا، ومن ثم توجّه وعاد إلى كرسيه، ليقل وهو ينظر إلى صالح: دعنا نتبادل الهموم قليلاً، أغمض صالح عينيه بسخريه وهو يتذكر تصرفات عبدالله التي تشابهُها تصرفات أبنه الآن، ومن ثم أردف الكبير وهو يُشير إلى الكأس: يمكنك أخذها لاتقلق هذا البُعد لن يضّر أخوتك، ظلّ صالح صامتًا وهو ينظر، ليقل الكبير وهو يضع قدمًا فوق الأخرى: قلتَ أن الشك يراودك؟، كانت عينا صالح تراقبان من أمامه بتركيزٍ متصل لا يرّف لهما جفن، بينما أكمل الكبير: أنهُ أنا.. من قتلت والدهُ وأخوته وأبناء أخوته قبل أكثر من عشرين عامًا، ليقل صالح فورًا: ومن تسببّ بالشلل لوالدك وقتله مرةً أخرى قبل أسابيع، ليقل الكبير يتصنع الدهشة: ماذا؟، رفع صالح أحدى حاجبيه بصمت ليردف الكبير: هل رأسك بخير؟، ومن ثم أكمل وهو يستند بذراعيه على الطاولة: أنا دفنتُ والدي برفقة أخوتي قبل عشرين عامًا، ارتجفت عينا صالح بشكلٍ غير ملحوظ لكنه ابتسم وهو يقول: هذا لا ينطلي عليّ بأن تحاول اللعب بعقلي، وقبل أن يردّ الكبير قال صالح بتذمر: أشعر وكأنني أتكلم مع آله، أبتسم الكبير من خلف قناعه ولم يرى صالح هذا طبعًا، ليقل الكبير: ماذا؟ ها نحن وجهًا لوجه ألم تكن تريد هذا؟، ضحك صالح بعد كلمة الكبير هذه.. ثم قال وسط ضحكة: وجه لوجه؟، انحنى قليلاً وقد وضع يده على بطنه، راقبهُ الكبير للحظاتٍ حتى رفع صالح رأسه متوقفًا عن الضحك ليردف: قُل وجهًا لقناع هذا الصحيح، وفي هذه اللحظة رنّ هاتف صالح مجددًا فالتفت الأخير نحو هاتفه فورًا، ليهتف الكبير وعينيه على صالح: أبن أبيك لم يتوقف عن الاتصال بالرغم من الرسائل التي أرسلناها أظنهُ يريد سماع صوتك، تنهد صالح وهو ينظر إلى الهاتف ثم أعاد بنظره إلى الكبير الذي قال: ستُجيب وتلهيه حتى ينتهي لقائنا، دخل أحد رجال الكبير وذهب ناحية الهاتف لأخذه ثم اقترب من صالح وقبل أن يمدّ الهاتف إليه هتف الكبير: ضعه على مكبر الصوت.. وتذكر يا فارتولو أي خطأ أو استرجال ستدفع ثمنه أو بالأصح أخوتك من سيدفعون الثمن، تجاهله صالح ومدّ يده ليأخذ الهاتف، فوجد أن المتصل كما قال الكبير هو ياماش.. فتنهد بخفه وأجاب، ليسمع ياماش يقول: اخيرًا أجبتَ ياهذا!، وأردف فورًا دون انتظار إجابة: ماهو العمل الصغير يا صالح؟، ارتخى الكبير بظهره على الكرسي، بينما أجاب صالح بهدوء وبنبرةٍ طبيعية حتى لا يشعر ياماش بشيء: قلت لك عمل يا ياماش.. سأنُهيه وآتي، ليقل ياماش: حسنًا أعرف ولكنني أسأل ماهو هذا العمل؟، تنهد صالح بخفه ثم قال: عمل يا أبن أبي سأخبرك عندما أعود، ليقل ياماش بعد أن تنهد بخفه: حسنًا.. أنظر عليشو لاز..، قاطعهُ صالح فورًا: نتكلم لاحقًا يا ياماش هيّا أغلق، كان صالح يعلم أن ياماش سيأتي بسيرة سافاش لذلك أغلق الهاتف حتى لا يسمع الكبير شيئًا، عقد الأخير حاجبيه ليقل: ماذا كان سيقول؟، ليقل صالح وهو يضع هاتفه على الطاولة: ما شأنك أيها الآلي؟، انفلتت ضحكة خفيفه من رجل الكبير بسبب كلمة صالح ولكنه سُرعان ما كتمها وأبتعد قليلاً، ليُشير له الكبير بأن يأخذ هاتف صالح وهو يقول: أغلقوا هاتفه وضعوا جهاز التشويش.. لا نريد لأحدٍ أن يزعجنا أو يجدنا، فخرج الرجل تحت أنظار صالح الذي كان ينظر ساخرًا، ليقل الكبير: تحب السخرية والنكات كثيرًا، تقدم صالح قليلاً حتى استند على طرف الطاولة بذراعيه.. أمسك بالشراب وسكب منه قليلاً في الكاس ثم دفعهُ نحو الكبير وهو يقول: بصحتك، ظلّ الآخر صامتًا لثوانٍ أبتسم صالح بعدها وهو يقول بسخريه: اووه.. صحيح أنت لا تستطيع أن تشرب بسبب ما تضعهُ على وجهك، ثم عاد ليأخذ الكأس وارتشف ببطءٍ متعمّد ليردف بعدها باستهزاء: أخبرني إذن ماهو همك؟، عمّ الصمت مجددًا حتى استقام الكبير مرةً أخرى وخرج دون أي كلمة تحت أنظار صالح الساخرة والمستغربة أيضًا..
––––––––––––––––––––
الحفرة.. المقهى
دخل ياماش وهو يُغلق هاتفه، ليسأله جومالي: هل أجاب؟، أومى ياماش وجلس على كرسيه وهو يقول: كما قال لديه عملاً وسيأتي، قلبّ جومالي عينيه ليقل: أي عمل أريد أن أفهم؟، ليُجيبه ياماش وهو يرتخي بظهره: ربما أعمال الشركة..، ضحك جومالي بسخرية ثم قال: اوووه صحيح نسيت أنهُ لازال يصنع تلك السُموم، ليقل ياماش فورًا: وأنت تعلم جيدًا لماذا يا أخي، صمت جومالي وتنهد بخفه، لحظاتٍ ودخل وليّ وأخذ مكانه وهو يقول: ظهر أن في إسطنبول هناك مئة شخص يحملون أسم سافاش، ضحك ياماش ليردّ: عليشو لم يجد حتى الآن فكيف ستجده أنت؟، مرّت لحظاتٍ ليسأل وليّ: أين صالح؟، فقال ياماش وهو يرتشف من كوب الشاي: يقول إنه لديه عمل صغير ربما في الشركة وسيأتي، ليقل وليّ مستغربًا: لهذا مراد لا يردّ على اتصالاتي، وحين أنهى وليّ جملتهُ هذه دخل اكين إلى المقهى.. فرفع جومالي رأسه بغضب فور رؤيته له بينما شدّ ياماش على قبضته، وظلّ وليّ صامتًا متفهمًا للوضع ومترقبًا أيضًا، وفي حركة غير متوقعة أغلق اكين باب المقهى، نظروا إليه بغضبٍ واستغراب بينما استدار هو ليهتف برجاءٍ اختلط بالحدّه: ارجوكم..، فنهض جومالي غاضبًا وهو يقول: هل ستجعلني قاتلك ياهذا؟ أذهب وأغرب عن وجهي، فردّ اكين وهو يقترب بجرأة كبيرة: لم تقولا شيئًا منذ عودتي.. منذ أن أخبركم عمي صالح بأنني من قتلت كارتال لم تتفوها بكلمة ولم تقولا شيئًا ولم يُحادثني أحد في ذلك المنزل، أقترب جومالي بغضب ليقل: إياك! إياك أن تنطق بأسم صالح وأنت من كاد يقتله بتلك القنبلة أيها ال***، كان وليّ متأهبًا للدفاع عن اكين في حال تهوّر جومالي بينما كان ياماش صامتًا غاضبًا ينظر إليهم فقط، ليقل اكين مخاطبًا عمه جومالي: لم أكُن متعمدًا! لماذا لا تسمعوني؟ هل سأقتل نصف أبي!، أقترب جومالي وأمسك بياقة الآخر فورًا فاستقام وليّ مقتربًا منهما بحذر، ليقل جومالي بحدّه: لولا صالح لكنتَ ميتًا الآن وأنت تعلم لماذا.. وسبب تحكُمي بغضبي الآن هو أيضًا صالح الذي قال لي "لاتكُن مثله يا أخي" ودفع بعدها اكين بقوةٍ وخرج بغضب، بينما أقترب وليّ وأمسك اكين محاولاً إخراجه من المقهى بهدوء ولكن الآخر أبعد ذراع وليّ عنه وأتجّه نحو عمه ياماش الذي لا يزال في مكانه، ليقل بهدوء: لن أطلب منك مسامحتي.. ولكنني ندمت، ندمت كثيرًا ياعمي ليلعنني الله وأساسًا لعنني..، ومن ثم جثى على ركبتيه بالقُرب من ياماش وأقترب قليلاً حتى وضع رأسه على قدميّ عمه ليردف: أتوسل إليك.. أنا أموت كل يوم.. أموت منذ لحظة عودتي إلى هذه الحفرة، ليتني لم أعُد.. ليتني بقيتُ في السجن ولم أخرج أبدًا، نظر وليّ بحزن بينما ظلّ ياماش ينظر إلى الفراغ بأعينٍ لمعت من دموعٍ تجاهد للخروج، ليسمع اكين يقول مرةً أخرى: أنا اخطأت ياعمي ولكنني ندمت.. لا تسامحني لا تسامحوني ولكن أرجوكم لا تفعلوا هذا بي.. لا تتركوني وحدي كالسابق، لاتتركوني كأبي أرجوكم، هُنا رفع ياماش احدى ذراعيه ليغطي عينيه ودموعه التي تساقطت فور ذكر سليم، استدار وليّ وخرج فورًا كعادته هو لا يحبُ هذه اللحظات، بينما في الداخل بكى اكين وهو يسند رأسه إلى قدميّ عمه، بكى بحرقةٍ بينما الأخير كان يضغط على عينيه بقوة، ثم بعد لحظاتٍ وحين اشتدّ بكاء اكين أكثر رفع ياماش ذراعيه لسحب اكين إلى الأعلى حيثُ احتضنه بقوةٍ وانهار الآخر فورًا في أحضان عمه وكأنه للتو عاد ليتنفس بعد سنواتٍ من الإختناق بذنبه.. ولاحقًا حيثُ جومالي الذي يمشي بلا وجهة يحاول تهدئة نفسه، شعر بأحدٍ يسحب سترته بخفه فالتفت ليرى ولدًا صغيرًا يطلب منه القدوم معه، عقد جومالي حاجبيه وأبتعد قليلاً ليقل بقلةِ صبر: أذهب وألعب في الجهة الأخرى يابني بعيدًا عن الطريق، ولكن الولد عاد ليمسك سترته وهو يسحبه مجددًا، فتنهد جومالي وهو يمسح وجهه ليتمتم: ألهمني الصبر يالله، واستدار لينحني وهو يقول: ماذا تريد يابني؟، فأمسك الصغير يده وسحبه معه، ولم يجد جومالي سوى أن يتبع هذا الولد الذي لا يتحدث، سحب الولد جومالي نحو زقاق خالي وسُرعان ما أفلت يده وركض مبتعدًا، تلفّت جومالي حوله لوهلةٍ ثم زفر ببطء وشتم في داخله وهو يُتمتم مرةً أخرى "أصبحت لعبة أطفال حقًا" استدار وتحرك خطوتين لكنه توقف عندما سمع صوتًا يقول: أخيك يريدك حيثُ عمله الصغير يا جومالي، استدار ببطء ليجد رجلاً يتكئ على جدار أحد البيوت، مقنع بشعرٍ طويل قليلاً مربوط نصفه إلى الخلف من الأعلى والنصف الأخر بالكاد يلامس كتفيه، يُمسك في يده بندقية تخدير، ظلّ جومالي ينظر بشّك وكادت يده أن ترتفع نحو سلاحه ولكن حين تقدم الآخر قليلاً ومال برأسه إلى الجانب ليتضح شعره بشكلٍ أوضح، هُنا ضيّق جومالي قليلاً وقد راودهُ الشك.. وقد تأكد شكّه حين تقدم الرجل أكثر حتى اتضحت رقبته والوشم الذي يتوسطها، أنه هو.. الرجل الذي رسمهُ إدريس، سافاش.. أنه أمامه الآن! وفي لمح البصر أخرج جومالي سلاحه من على خصره ولكن الآخر قد سبقه وأطلق حُقنة من البندقية التي في يده استقرت في ذراع جومالي التي تحمل السلاح، وابتعد فورًا إلى الجانب بحذر مع سقوط جومالي على ركبتيه، فاقترب الآخر بحماس وهو يقول: فااااي بيه! قالوا لي أنك مجنون الحيّ وظهر أنهم محقين، ثم أردف وهو ينحني قليلاً ليرمق جومالي: لذلك صنعت هذه الحُقنة لك خصيصًا، حاول جومالي رفع وتحريك ذراعه التي تمسك السلاح ولكنه لم يستطع وكأنه ذراعيه بل جسده بالكامل قد شُلّ.. ومن ثم أطلق سافاش صفيرًا تقدم على أثره بعض الرجال الذين اقتادوا جومالي نحو سيارة توقفت بالقُرب منهم والآخر كان في وعيه ولكنه لا يستطيع الحراك..
––––––––––––––––––––
عودةً إلى موقع الكبير وصالح.. بعد عشرون دقيقة
كان جومالي يصرخ بغضب وهو يتحرك يمينًا ويسارًا.. يحاول فكّ هذه السلاسل التي تُقيد ذراعيه على هذا الكرسي الحديدي ولكن لاجدوى، فهُم وضعوه في هذه الغرفة شبه المظلمة وتركوه منذ دقائق، لحظاتٍ وفُتح الباب ودخل سافاش بذاتِ قناعه وهو يقول بسخريه: لقد ثبتتّ في أبحاثي ما حقنتُك به.. سيكون دواءً رائعًا يسبب الشلل المؤقت للحيوانات الكبيرة لعدةِ دقائق لكي تتحكم بها، ليردّ جومالي بصراخ وغضب: أنت الحيوان ياهذا!، استدار سافاش نحو ستارة كانت تغطي الجدار الذي أمام جومالي بينما صمت الأخير لوهلةٍ وقد شعر بأن أي كلمة أو فعلٍ منه قد يُفسد كل شيء إذا علم هذا الشخص بأنهم يعرفون هويته ويبحثون عنه، رفع سافاش الستارة شيئًا فشيئًا حتى ظهر من خلفها زجاج يفصل مابين غرفتين، واتسعت عينا جومالي حين رأى صالح يجلس مُقابل شخصًا مقنعًا.. ليهتف سافاش: أنت بالتأكيد تعرف الكبير.. وقد أمرني في آخر لحظة حرفيًا بأن أجلبك لكي تشاهد لقاءهُ الأول مع أخيك الذي قال لكم بأن لديه عمل صغير، تمتم جومالي وهو ينظر بصدمة: صالح!، ليردف سافاش: أستمع وإن شئت أصرخ وأشتم وخُذ راحتك فهو لا يسمعك ولا يراك ولا يعلم بأنك هُنا أيضًا، وأتجه نحو الباب وهو يُكمل قبل أن يخرج: مشاهدة مُمتعة..، وخرج تاركًا جومالي ينظر إلى أخيه بقلق بينما كان الآخر يشعر بالدوار من حينٍ لآخر.. يشعر بالإعياء وجدًا، ولكنه ظلّ ثابتًا صامدًا أمام هذا الجبان الذي ربما تستهويه رؤية تعبه وألمه، لحظاتٍ وهتف الكبير وهو يطرق على الطاولة بخفه: لابُد أنك تتساءل عن القصة كاملة.. من وإلى، ولا تقلق لقاءنا هذا ستعرف ماعليك معرفته بالحرف ومني شخصيًا أيضًا، صمت صالح متعمدًا.. فوجوده هُنا لن يُضيعه بالحديث والجدال.. لا! سيسمع ما سيقوله هذا الكبير ليفهمه.. ليدرسه ولو قليلاً حتى يستطيع معرفة شيء عن قُرب يخص عدوه، أكمل الكبير ببرود: أرسلني أبي وأنا في العشرين من عمري لنُقل قبل ثلاثين سنة أو أكثر إلى أنقرة لأؤسس لنا أعمالاً هناك وأهتم بها، أمضيتُ سنواتٍ طويلة وحيدًا في تلك المدينة وكنتُ أترقب رؤيتهم على أحرّ من الجمر.. رؤية أبي وأخوتي، لكنني حين عدت وجدتُ ما تركتَه أنت، ضيّق صالح عينيه قليلاً بينما استمر الآخر قائلاً: في ليلةٍ واحدة دفنتُ قرابة العشرين شخص.. بعدها أخذتُ أبحث عمّا جرى وعن ذلك الذي تجرأ على فعلٍ كهذا، قالوا لي أن هناك فتى يُدعى فارتولو، كان يعمل لدى والدك ولكن منذ مقتلهم اختفى ذلك الفتى ذو السبعة عشر عامًا، ارتخى صالح فجاءة بشكلٍ غير ملحوظ وقد شعر بأن جسده أصبح ثقيلاً لدرجةٍ لم يستطع فيها أن يحافظ على استقامته، لم يُلاحظ الكبير هذا فشدّ صالح على ذراعي الكرسي بوهن وهو يحاول تمالك نفسه، وماهي إلا لحظات حتى دخل أحد الرجال بينما أستمر الكبير في الكلام: وبعد معرفتي بهويتك لم أبحث عنك لأنني لو فعلتُ ذلك الوقت لقتلتك فورًا، لذلك هدأتُ نفسي وقلت أنتظر يا رجل.. عندما تكون جاهزًا ستجعله يتذوق الموت الأشنع وهو على قيد الحياة، توقف الرجل خلف الكبير دون أي كلمة فتابع الأخير: وبدأتُ أُدير الأعمال.. ثم اكتشفتُ أن هناك صديقًا وشريكًا لأبي ألا وهو والد أبن المدير، توقف لوهلةٍ ثم أردف: حقًا اشتقت لأبن المدير.. ألم تشتاق إليه؟، لم يُجب صالح وهو ينظر بجمود، فلم ينتظر الكبير إجابة وأكمل: على كل حال.. أصبح أبن المدير شريكًا لي دون أن يرى وجهي، وشيئًا فشيئًا وبعد مرور فترة قصيرة استحوذت على كل شيء.. وأصبح يعمل لديّ، وقبل ما يُقارب الأربعة أعوام تعرفتُ على عمك جومالي، ذلك الرجل الجشع الأناني المعتوه، فلتتّ من صالح ضحكة سخرية صغيره ليُكمل الكبير: ذهبنا إلى أفغانستان آنذاك لتقوية علاقتنا معه.. ولأكن صريحًا غايتي كانت استغلاله بالطبع، كنت آخذ منه معلوماتٍ كثيرة.. تخص الحي، تخصك وتخص أخوتك وعائلتك جميعًا بلا استثناء وعرفتُ كل شيء.. كيف عُدتَ إلى الحفرة عدوًا وكيف قتلت أخاك وعاديت والدك، وكيف تزوجت وأين سكنت خلال حمل زوجتك وأين وُلد أبنك المسكين..، هُنا ضرب صالح ذراع الكرسي بقبضته بخفه وهو يميل برأسه قليلاً ليقل: حقًا؟ ستسرد لي حياتي؟، ليأتيه صوت الكبير الذي بدا وكأنه تجاهله: عمومًا.. في طاولة أفغانستان تلك وحين رآك أبن المدير الذي عرفك من أسمك.. وربما من شيءٍ آخر لم يصرح به، عقد صالح حاجبيه ليرفع الكبير أصبعه يُشير إلى وجه صالح وهو يردف: من عينك الحمراء..، زفر صالح بقوة ومسّد رأسه فهو لم يعد يحتمل هذا الصداع وهذه الإنارة القوية وأيضًا هذا الصوت الآلي الذي يتحدث معه الآن، أكمل الكبير بقوله: أبن المدير أتى إليّ بعد ذلك الإجتماع وهو يقول مُشككًا بي "من أنت حقًا؟" وحينها فكرت! هو أداةٌ في يدي الآن.. أعماله بإدارتي وأخته أعرف مكانها.. فلماذا لا يعرف الحقيقة؟ وهُنا أخبرته بكل شيء فصُعق.. وكأنني أنوي الإنتقام منه هو لا منك! وبسبب هذا ذهب وبحث عنك.. بحث عنك حتى وجدك ووجد الحيّ الذي تقطن فيه، وأيضًا حاول تقريبك منه ليحميك مني، ولكنه مسكين.. لم يستطع فعل شيء، أرخى صالح رأسه وهو يتنفس بقوة.. لم يؤثر به كلام الآخر بالطبع ولكن هذا الثقل والإعياء الذي يشعر به يكاد يسقطه أرضًا، وهذه المرة لاحظهُ الكبير الذي هتف بشيءٍ من الخُبث: هل أنت بخير؟، ظلّ صالح مرتخيًا برأسه ليقل بهدوءٍ ساخر دون أن ينظر: أجل وأستمع إلى همومك ياروحي، فأشار الكبير في لحظتها إلى رجله، فتقدم الأخير ناحية صالح وقد أخرج من جيبه حُقنة صغيرة.. وحين شعر صالح باقترابه رفع رأسه ببطء وببصرٍ مشتتّ، ليهتف الكبير: لقد تناولتَ قبل قليل جرعة صغيرة في الشراب.. والآن هذه الحُقنة شيء صغير أيضًا، لكن لا تقلق فأنا على دارية بوضعك الصحي وأعرف أنك كنتَ مدمنًا سابقًا وأنك حاليًا أدمنت على بعض الأدوية، وحين أنهى الكبير جملتهُ أنتقل بصر صالح إليه وهو عاقد الحاجبين، ليردف الكبير حين رأى استغراب صالح: أجل.. هذا ما يحصل حين لا تراجع الطبيب يا فارتولو، هل تظن أنك تأخذ أدويتك لتحافظ على صحتك واعصابك؟ لا.. جسدك هو من يحتاجها ويطلبها، عاد صالح إلى الوراء بصعوبة ليسند ظهره إلى الكرسي بارتخاء وهو يقول ببطء: إذن شكرًا لإخباري، ليسمع الكبير يقول ببرود: إن توسّلت إليّ لن أعطيك هذه الجرعة، مرّت ثوانٍ وصالح ينظر نحو الآخر بشيءٍ من التشتتّ الذي يحاول جاهدًا أن يُبعده ويُخفيه، أبتسم قليلاً ليقل باستهزاء: حقًا؟، أبتسم الكبير خفيةً من عناد وصمود الآخر، ثم رفع يده يُشير إلى رجله لكي يفعل ماعليه فعله، فأقترب الآخر ومدّ يده يضغط على فخذ صالح حيثُ مكان الحُقنة السابقة، فقال صالح فورًا: مكان جيد للحقن لكنني أرى أن الذراع أنسب، ليردّ الكبير بعد ثوان: حقًا أنت تدهشني في هذا.. أنك بالرغم من كل شيء تسخر وكأنه أمرٌ لا يعنيك، فقال صالح بعد لحظات وهو يحاول جمع وترتيب الكلمات في رأسه: أجل.. أمرٌ عادي بالنسبة لي لأنني مدمنٌ سابق، أشار الكبير إلى رجله وهو يقول: كل مكانٍ لدى المتعاطين مُتاح للحقن يافارتولو.. لكن الوريد الفخذي هو الأنسب والأسرع، جهّز الآخر الحُقنة وضربها قليلاً بأصبعه ثم وحين انحنى ليُفرغ محتواها وهو لازال يضغط على فخذ صالح تفاجئ بذراع الأخير التي أمسكت معصمه بقوة وادارتهُ نحو كتفه لتنغرس الحُقنة به، ابتعد الرجل فورًا وهو يحاول إخراج الحُقنة من كتفه بينما أسند صالح رأسه على الكرسي مرةً أخرى وفتح عينيه ينظر نحو الكبير ليهتف: أنا لا أتوسّل.. بل أفعل ما أريد وما لا أريد، وقبل أن يستدير الرجل بسرعة نحو صالح ليُكمل عمله هتف الكبير فورًا: أتركه.. يبدو أن ما أخذهُ في الشراب كافيًا، التقط الرجل الحُقنة وذهب خارجًا امتثالاً لأوامر الكبير، عمّ الصمت قليلاً حتى قال الكبير بهدوءٍ وبرود متعمدان: هل تعرف لماذا أردتُ حقًا أن التقي بك؟، لم يردّ صالح فأردف الآخر دون مقدمات: ليست يد المقنع من غرست السكين في قلبها يا فارتولو.. بل يدي أنا، أنا من أنهى أنفاس زوجتك الأخيرة وأنا أنظر داخل عينيها، تجمد صالح في مكانه وهدأت رجفته لثوانٍ من صدمة ما سمعه، تحركت عيناهُ حتى ثبتت على الكبير الذي أكمل وهو يستلذُ بملامح صالح وبوقع هذه الحقيقة عليه: أجل.. ليس عمك ولا المقنع، حسنًا.. عمك كان يريد قتلها لكنني أخذتها قبله هي وصديقك.. أخذتهما في تلك الليلة.. بعد أن عرفت هي كل شيء.. من أكون وماذا فعلتَ أنتَ لي، ضحك صالح بسخريه وهو ينحني بخفه، لحظاتٍ ورفع رأسه ليقل: يا لك من كاذب..، ليهتف الكبير: كاذب؟ لو كنتُ كاذبًا لما عرفتُ لون فستانها في تلك الليلة التي كنتَ فيها ترقد في المستشفى.. كان أزرقًا بأكمامٍ طويلة.. ولما عرفتُ كيف هتفت بأسم أبنها وهي تنزف أمام عينيّ، ومن ثم طرق على الطاولة فدخل رجلاً آخر من رجاله وهو يحمل حاسوبًا بين ذراعيه، تقدم حتى وضعهُ في منتصف الطاولة، عبث به قليلاً ثم أدار شاشته نحو صالح الذي كان ينظر بتشتتّ وبجسدٍ وقلبٍ يرتجفان، وحين ثبتت أنظار صالح على شاشة الحاسوب، رآها.. رأى صورتها بذاتِ فستانها التي كانت ترتديه في ليلة مقتلها، وسُرعان ما أرخى رأسه وأغمض عينيه، شدّ صالح جفنيه بكل ما أوتي من قوة وكأنه يحاول أن يمنع تلك الصورة من اقتحام عقله لكن الصوت الذي تلاها كان أشد وقعًا من الصورة ذاتها.. صوتها.. صوتها الذي فارقهُ منذ أشهر.. صوتها بأنفاسٍ متقطعة وهي تهتف بأسم أبنها، ليهتف صالح بصوتٍ متقطع: أغلق هذا.. أغلقه، فمدّ الكبير ذراعه نحو الحاسوب وأغلقه بينما ظلّ صالح على حاله، يريد أن ينهض.. أن يكسر هذا الحاسوب فوق رأس الكبير، ولكن ثقل جسده وهذا الشيء الغريب الذي يشعر به يمنعه.. لحظاتٍ ليقل الكبير: هذا سبب لقائي بك.. فقط لأخبرك أنني أنا من أخذ روح زوجتك وسآخذ البقية واحدًا تلو الآخر..، ونهض عندما رأى رأس صالح ارتمى على الطاولة.. لم يفقد وعيه لكن المهدئ أو ما وضِع له في ذلك الشراب قد تمكّن منه وجدًا.. فخاطب الكبير رجله وهو يُشير إلى السِوار الذي يحاوط معصم صالح: أخبرهم.. دعُهم يعطلونه، فوضع الآخر اصبعه على السماعة التي في أذنه للحظاتٍ ثم قال وهو يبتعد قليلاً باحترام: لقد عطلوه ياسيدي..، فاقترب الكبير أكثر حتى وقف على بُعد خطوتين من صالح، ثم رفع ذراعه ومدّها حتى لامست واستقرت فوق ظهر صالح بخفةٍ جعلت القشعريرة تسري في جسده ولكنه غير قادر على الحركة أبدًا، ثم انحنى قليلاً ليقل بالقُرب من أذن صالح: هكذا أفضل.. تحدثنا بلا قيود، ثم صمت قليلاً وهو ينظر إلى صالح الذي أبتسم مُغمض العينين، ليقل بعدها: كنتُ أريدك أن ترى بعينيك وتسمع بأذنيك، الآن رأيت وسمعت.. والمرحلة التالية أن تشعر، الشعور بالفراغ.. بالفقد.. بالثُقل الذي لا يزول، وأن تتقبل اخيرًا بأن زوجتك قد ماتت.. سأتركك مع كل هذا، ثم التفت برأسه نحو الزجاج.. نحو جومالي الذي كان متجمدًا مكانه بأعينٌ حادة ولا يعلم ماذا يفعل من صدمته، استقام الكبير وتقدم نحو الزجاج وهو يرفع اصبعه باستفزازٍ جعل جومالي يجنّ جنونه ليصرخ: تعال يا هذا! تعال وحادثني كالرجال، بينما الآخر وكأنه سمعه.. أو بالأحرى كان سيتكلم معه على كل حال، ترك الكبير الغرفة بينما بقي رجله واقفًا بالقُرب من صالح الذي بدأ وكأنه في عالمٍ آخر، ثوانٍ حتى فُتح باب الغرفة التي يُقيدون جومالي فيها، دخل سافاش قبل الكبير وخلفه رجلان، ليُقابلوا جومالي بنظراته الحادة الغاضبة ووجههُ الذي يتصبب عرقًا من غضبه، اخذوا أماكنهم بصمت بينما توقف الكبير أمام جومالي ليقل: الأخ الكبير.. كيف وجدتَ لقائي مع أخيك؟، ليقل جومالي فورًا بصراخ: لا*** لقاءك ياهذا فكّ وثائقي فكّها لأُريك وأخبرك، ليهمس سافاش: حقًا مجنون!، وضع الكبير يديّه خلف ظهره ليقل: أرجو أنك سمعت ورأيت ما قلتهُ أنا بوضوح.. فأخيك ربما سينسى غدًا ماحصل هنا أو ربما لن يخبركم بكل ما جرى، ليقل جومالي: ماذا فعلت لأخي؟ ماذا أعطيته يا***، رفع الكبير اصبعه وحرّكه بحركةٍ دائرية ليقل: هذا كله لا يهم.. لأن ما سأفعلهُ في القادم سيجعلكم تنسون كل هذا، فأنا رجلٌ أخطط لخمسِ حركاتٍ قبل أن أقدِم على الخطوة التالية، فانتبه لنفسك جيدًا يا جومالي، ليقل الأخير وهو يحاول الإفلات من قيوده: بل أنا من سيجعلك تنسى نفسك ياهذا.. وأي رجل تتكلم عنه وأنت تختبئ خلف قناعك أيها ال*** هااا؟ ، استدار الكبير وخرج دون أي كلمةٍ أخرى بينما توقف سافاش ليقل مُخاطبًا جومالي قبل أن يخرج وراء الكبير: هاتفك واغراضك وأغراض أخيك هناك على الطاولة، قالها وهو يُشير نحو الطاولة في الغرفة الأخرى حيثُ صالح، ثم أردف: بعد دقائق سيُفك قيدك تلقائيًا ويمكنك الذهاب إلى أخيك.. والى اللقاء أيها المجنون، وخرج بسرعة لكي لا يسمع صراخ وشتائم جومالي..
––––––––––––––––––––
عودةً إلى الحفرة..
كان اكين يجلس وهو يضع رأسه على الطاولة نائمًا.. أجل لقد غفى بعد موجة البكاء التي جرّت قبل نصف ساعة، خرج ياماش من دورة المياه مع دخول وليّ بهدوء وهو يضع هاتفه على أذنه، ليقل ياماش حين لاحظ تأفف وليّ: بمن تتصل؟، فقال وليّ بهدوء: بمراد.. لدينا عملية تسليم الليلة ولكنهُ لا يجيب لا على اتصالاتي أو رسائلي، عقد ياماش حاجبيه ثم قال وهو يُخرج هاتفه: تسليم ماذا؟، فقال وليّ بهدوء: تسليم بضائع.. بضائع تخصني أنا، أومى ياماش بتفهم ثم أتصل على صالح ليس لسببٍ محدد، بل لأن شعورًا غامضًا راودهُ وكأنه نداء خافت في جسده يدفعه للإتصال بأبن أبيه، وضع الهاتف على أذنه للحظاتٍ حتى سمع بأن هاتف صالح مغلق، هُنا لايعلم لماذا ارتجف قلبه لوهلةٍ، فرفع بصره نحو وليّ ليقل: وصالح لا يرد..، نظر وليّ بغرابة ليقل: حسنًا.. أتوقع أنه يجب عليّ الذهاب إلى الشركة واقتحام أعمالهم، ليقل ياماش: سأذهب معك، فمنعه وليّ الذي قال: أبقى هنا لاداعي لذلك، ثم أردف: أين جومالي؟، فردّ ياماش وهو يمسح وجهه: تجده على أحد الأسطح كعادته عندما يغضب، أومى وليّ وذهب إلى سيارته قاصدًا الشركة، ولاحقًا.. دخل ومشى في ممرّاتها يبحث عن الإثنان.. حتى وصل إلى مكتب صالح أو مراد حاليًا، دخل ولم يجد احدًا، فعاد ليخرج لتُقابله على ما يبدو سكرتيرة مراد، ليسألها: أين فارتولو؟، فقالت هي: أتى لاجتماع السيد مراد ولكنه خرج سريعًا، تنهد وليّ بخفه وعاود سؤالها: إذن مراد؟، هُنا أجابته هي بهدوء: إنه في غرفة الاجتماعات لديه اجتماع مهم ولا يريد أن يقاطعه أحد، إن أردتَ سأخبره بأنك أتيت لاحقًا، فنفى وليّ برأسه وتجاوزها ذاهبًا إلى غرفة الاجتماعات، طرق بابها بطرقات خفيفة ثم فتحه وهو يقول: أي اجتماعاتٍ تلك التي تجعلك تغلق هاتفك..؟، لكنه تجمد فورًا حين رأى الغرفة خالية إلا من مراد الذي يضع رأسه على الطاولة، تقدم بشّك وبخطواتٍ بطيئه ناحية مراد وهو يهتف: هل تنام في وسط اجتماعك ياهذا؟ وبضائعي التي تحدث معك صالح بشأنها أين هي؟، ولكنه سُرعان ما اتسعت عيناهُ بقلق وهو يرى مراد بعينيه المفتوحتين، تملّكه شعورًا مخيفًا ولكنه حاول تكذيب شعوره وهو يتقدم ليقول: أنا أتحدث معك ياهذا!، وما إن اقترب حتى رأى أثرًا قاتمًا يُحاوط عنق مراد.. وشفتيه الشاحبتين وعيناه تنظران للفراغ بلا حياة.. اتسعت عينا وليّ أكثر وتلفت حوله فورًا بغرابةٍ وقلق، ثم اقترب من مراد وهزّه بخفه وكأنه يرجو بأن مايراهُ غير صحيح لكن لاحياة في الآخر ابدًا، هُنا أخرج هاتفه فورًا وهو يهتف: اللعنة!، أتصل على ياماش الذي أجاب وهو يقول بقلق: كنت سأتصل بك.. هاتف صالح لايزال مغلقًا وأنا بدأت اقلق حقًا، ليقل وليّ: أحدهم قتل مراد، تجمد ياماش الذي كان يقف على عتبة باب المقهى ليقل: ماذا؟ وصالح..؟، التفت وليّ ناحية باب الغرفة ليخرج بسرعة وهو يقول: ليس هُنا.. أذهب إلى أحد رجالي وأخبرهم بأن يبحثوا عن موقعه الآن وأنا سأتفقد كاميرات المراقبة الخاصة بالشركة لأتأكد، لم يكاد ياماش يستوعب ما قالهُ وليّ حتى أغلق الآخر الاتصال فورًا، ركض وليّ يبحث عن غرفة المراقبة حتى وجدها، وفورًا دخل وباغت رجل الأمن الذي كان يجلس أمام الشاشات، أغلق الباب ورفع سلاحه في وجه الآخر وهو يقول: أريد أن أرى الكاميرات الخاصة بغرفة الاجتماعات الآن، ليهتف الآخر: لا استطيع.. لا أحد يراها سوى مدير الشركة أو الشرطة، ولاحقًا.. كان رجل الأمن يمرر يده على لوحة المفاتيح برعب وهو يحاول استرجاع المشاهد الخاصة بغرفة الاجتماعات خلال الساعة الماضية، فأمره وليّ الذي يوجهّ سلاحه إلى رأسه بالتوقف حين رأى صالح يدلف إلى الغرفة بهدوء، رأى وليّ كل شيء.. تهديدهم لصالح وخروجهم ثم قتل مراد.. مرورًا بكاميرات الخارج حين صعدوا إلى سيارةٍ غريبة، تراجع وليّ وركض إلى الخارج فورًا، فهو يعلم أن رجل الأمن سيبلغ الشرطة بسبب مداهمته ورؤيته للكاميرات بلا إذن رسمي.. بينما في الجهة الأخرى في الحفرة حيثُ ياماش الذي يمشي ذهابًا وإيابًا وهو يقول: وأخي جومالي لا يرد!، ثم انحنى ورمى هاتفه وهو يصرخ: اللعنة!، فهتف أحد رجال وليّ الذي يجلس بجانب فرحات وهو يعبث بالحاسوب: هُنا.. موقع الإثنان في منطقة نائية ليست واضحة بعد، تقدم ياماش بسرعة ليقل: الإثنان..؟، فقال فرحات: أخي جومالي في نفس الموقع يا أخي، اتسعت عينا ياماش وهتف بسرعة: أين؟ أعطني الموقع الآن، فهتف رجل وليّ: لم نُحدده بدقة حتى الآن مع الأسف..، وقبل أن يُجيب ياماش رنّ هاتفه المُلقى على الأرض في هذه اللحظة فأسرع ليلتقطه وهو يُجيب، ليأتيه صوت وليّ الذي هتف: لقد ذهب مع أحدهم.. هل وجدت موقعه يا ياماش؟، فقال الآخر فورًا: ليس بعد وأخي جومالي في نفس الموقع، ليقل وليّ باستغراب: جومالي؟ كيف؟ ألم يكن في الحفرة؟، فقال ياماش بصراخ: لا أعلم! لقد أختفى أيضًا وأكاد أجنّ من قلقي..
––––––––––––––––––––
عودةً إلى جومالي وصالح.. بعد وقت
كان الأكبر ينظر إلى أخيه بترقّب، والآخر بدأ للتو يتحرك ببطءٍ شديد يحاول النهوض، صرخ جومالي فورًا حين لاحظ تحركه: صالح!، ولكن لا فائده.. فالآخر لا يسمعه، حاول جومالي للمرة الألف أن يُحرر يديّه فشدّ عليها يحاول إخراجها من السلسلة ولكنها مُحكمة فتوقف وهو يتنفس بقوة ليعاود النظر نحو أخيه الذي نهض هذه المرة وهو يستند على الطاولة، رفع صالح رأسه ونظر حوله لوهلةٍ وهو يشعر بدوارٍ وإعياء شديدان، ثم نظر إلى معصمه فلم يجد شيئًا سوى أثر ذلك السِوار.. فعرف أن الكبير ومن معه قد غادروا، ابتعد عن الطاولة والكرسي وهو يترنح وما لبث أن تحرك خطوتان حتى سقط على ركبتيه وهو يستند بيديّه على الأرض، بينما تأملهُ جومالي بقلق وهو يكادُ يجّن لعدم قدرته على تحرير نفسه والذهاب إليه، لحظاتٍ مضت وصالح على حاله حتى سمع جومالي صوت صرخةٍ دوت في المكان بأكمله من أخيه، فعاد يتحرك بقوة وهو يصرخ في الفراغ وقد طفح كيله: حررّوا قيدي ياهذا!، بينما صالح الذي توقف يتنفس بشكلٍ متقطع بعد صرخته هذه التي خرجت وكأنها تندب حظه.. تندب حياته التي كل يوم تجعلهُ يعاني أكثر من ما عانى.. استقام وهو يستند باحدى ذراعيه على الطاولة ليُردد بخفوت مخاطبًا نفسه يمنعها من الانهيار: لا.. لا إياك!، ولكن في النهاية.. بإمكان البشر التحمل لدرجةٍ معينة فقط قبل أن يجد العقل طريقته الخاصة، فعاد صالح ليسقط وقد صرخ مرةً أخرى ولكن هذه المرة بقوةٍ أكبر تبعها ألمٌ وضغط فضيعان كادا يُسقطان جسده أرضًا كليًا، ولكنه شعر بذراعين ترفعانه بقوة.. ذراعين امسكت بجسده وحاوطته بقوة تمنعه من السقوط أكثر، ولم يكن سوى جومالي الذي حُررّ قفل سلاسله الكترونيًا قبل لحظات قليلة فهرع فورًا لأخيه، رفع جومالي أخيه وهو يقول بحدّه: ليس الآن.. لا تفعل، ثم مدّ ذراعه بسرعة نحو هاتفه الذي على الطاولة، وجدهُ مغلقًا لكنه أعاد تشغيله فورًا ناويًا الإتصال بياماش، بينما كان الآخر صامتًا وهو يتنفس بقوة، ليقل جومالي عندما لاحظ أنفاس الآخر المتقطعة: صالح؟، ليهتف الأخر بخفوت: لقد قتلها..، فحاول جومالي رفعه وهو يقول: إياك أن تترك نفسك يا صالح إياك، ولكن الآخر ارتخى وقد اهتزّ جسده بقوة أثر دموعًا خانته، رمى جومالي هاتفه حتى تحطم فقد كان مغلقًا بالكامل، عاود يشدّ على أخيه ليرفعه ولكن الآخر كان يرفض ذلك.. فهزّه جومالي بعنف وهو يصرخ: لا ياهذا! عُد لوعيك! ليس الآن.. لن تفعل ما يريده لن تشعر بشيء، نفى صالح برأسه وماهي إلا لحظات حتى ارتخى جسده بالكامل، فانتفض جومالي خوفًا وهو يردد: هاير.. هاير، ثم أردف صارخًا وهو يتفقد أخيه: اللعنة اللعنة لا تفعل هذا يا صالح لاتفقد نفسك..، ولكن الآخر وكأنه استسلم بصمتٍ لعُمق الألم الذي لم يعد له قاع.. ورويدًا رويدًا حتى تلاشت أنفاسه تحت أنظار جومالي الذي تجمد وهو يُحدق بصدمةٍ وخوفٍ وقلقٍ في آنٍ واحد..
إلى اللقاء في البارت القادم..
أنت تقرأ
لا يوجد سوى الألم..
Fanfictionسيناريو بأحداث مختلفه للجزء الرابع "Çukur" *ملاحظه: هذه المره الأولى لي في كتابة شيئًا ما..
