Part 51

342 17 6
                                        

"أنت ذكي مثل عمك أيها الولد"
كان يشّد على ياقة كارتال بقوةٍ دفعت كارتال بأن يُمسك يديّه ويحاول إبعاده لكن لا فائده، ليقل صالح من بين أسنانه وهو يشّد أكثر على ياقة الآخر: قُل لي ما الذي سُرق غير البضاعة؟ ولا تكذب بقولك أنك لا تعرف فلستُ غبيًا لأصدقك وأنت من ورطنا بكل هذا، ليقل كارتال وهو يبتسم بخفه: لا أعرف، ليقل صالح بغضب: لا أصدقك أيها الكاذب الخائن، وبلا وعي تركت أيديّ صالح ياقة كارتال وقبضت على عنقه بقوة، ظلّ يضغط ويقبض كفيّه بقوة وعينيه تقدحان بشرارٍ وقهر في آن واحد، بينما الآخر قاوم فورًا ولكن أخافته قوة من أمامه، ليقل صالح بهمس ومن بين أسنانه: كل هذا حدث بسببك.. تركتني قديمًا ومضيت فلم أجد أمامي خيارًا سوى قتل عبدالله ليعود أبنه لاحقًا وينتقم، والآن؟ تحاول أن تُورطني وتجرّ إخوتي إلى الموت؟، لم يتوقع كارتال أن يُفلت صالح زمام نفسه إلى هذا الحد ولا أن تعود تلك النظرة إلى عينيه.. تلك النظرة التي رآها آخر مرة منذ أعوام، فعادت به ذاكرته وهو ينظر إلى وجه صالح إلى موقفٍ قديم..
<<فلاش باك>>
بعد ليلة ماطرة وبارده وعلى مشارف الفجر كان كارتال يجلس على جذع شجرةٍ مكسور أمام بغال عبدالله مُنحني الظهر، يداه ملطختان بالطين وأصابعه ترتجف من شدة البرد والتعب لكنه ظلّ على حاله لا يشتكي ولا يتذمر وهو يُحدق إلى حقيبة كانت موضوعة أمامه، لحظاتٍ قليلة وشعر بظلٍ خلفه.. ظل صغير لا يكاد يُرى لكنه ظلّ ثابتًا لا يتحرك، لم يلتفت كارتال ولم يتحرك لأنه كان يعلم من صاحب هذا الظل وقد اعتاد أن يراه هكذا.. صامتًا وحِذرًا يخطو على أطراف قدميه خشية أن يسمعه أو يراهُ احدًا، كمن تعلّم النجاة بالصمت واعتاد أن يُخفي نفسه كما يُخفي حزنه وألمه، عمّ الصمت لثوانٍ حتى صعد صالح فوق غصن الشجرة وجلس متربعًا ليقل بهمس: لماذا طرقتَ باب المطبخ ولم تدخل؟، لم ينظر كارتال إليه بل ظلّ يُحدق في الحقيبة ثم أجاب بخفوت وهدوء: لأنني سأقول لك شيئًا لا أريدهم أن يسمعوه، صمت صالح ينتظر الآخر لكي يُكمل كلامه، فتنهد كارتال بخفه والتفت ينظر إليه ليقل ببرود: سأرحل الليلة.. بعد ساعة، تسمّرت ملامح صالح لم يبدُ عليه الغضب أو الحزن فقط اختفى الضوء من ملامحه ليقل بجمود: كنتَ تقول انك ستأخذني معك حين ترحل، ليُجب كارتال وهو يبتسم بخفه: أجل.. كنتُ أقول ذلك لأنني أردتُ أن أصدق أنه ممكن، شدّ صالح يديّه على ركبتيه ليقل: يعني ستذهب ولن تعود، عاود كارتال النظر إلى الحقيبة ليقل: سأعود.. وسأُخرجك من هُنا، ليقل صالح فورًا: ولماذا لا تأخذني الآن؟، التفت كارتال بجسده ناحية صالح وتربّع بقدميه كالصغير أمامه واستند بيديه إلى الخلف ليقل: لأن الوقت لم يحِن بعد، إن أخذتك الآن سنسقط معًا في فخٍ لا مفر منه ولن يبقى لنا سوى الندم والدمار، أحتاج أن أجهز الطريق أولاً وأن أقطع الخيوط التي تربطني بهم ثم أفتح لك الباب الذي لا يُغلق، صمت صالح وأشاح بنظرة وكأنه يستهزئ من كلام الآخر ليردف كارتال: صدقني.. لو كان بإمكاني أن آخذك الآن لما ترددت لكنني لا أستطيع، التفت صالح ونظر إلى كارتال بنظرةٍ غاضبه وحزينه ومقهورة في آن واحد، تجمد وجه كارتال ندمًا حين رأى نظرات صالح هذه بينما أستقام الأخير وهو يقول: سأعاود النوم الآن فبعد ساعتين يجب عليّ النهوض، ذهب صالح وظلّ كارتال ينظر إلى ظهره بمزيجٍ من الألم والندم، نهض وحمل حقيبته وذهب تاركًا ذلك الصغير لوحده بين وحوشٍ بشرية..
<<نهاية الفلاش باك>>
دفع كارتال صالح بقوة هذه المرة فاستُبدل الموقف سريعًا، ليُمسك بياقة صالح بيديه الصلبتين لكن صالح لم يرضخ بل دفعه بعنفٍ إلى الوراء ثم نهض فورًا، لينهض كارتال هو الآخر ولكنه تراجع خطوة إلى الخلف وهو يلهث محاولاً استجماع أنفاسه، مسّد رقبته ببطء والتفت ينظر إلى المكان حيث كان صالح لكنه وجد نفسه لوحده فقد اختفى الآخر فجاءة، فلم ينتظر كارتال التقط وشاحه من الأرض وأسرع خارج الغرفة بخطواتٍ متسارعة، ليلمح صالح ينعطف من أحد الزوايا فلحقه على الفور، توقف صالح عند منعطف عندما سمع خطوات أحدهم قادمًا من بعيد، ليأتيه صوت كارتال من جانبه: كيف ستخرج من هذا المكان بدون سلاح؟، صمت صالح ولم يجب أو حتى يلتفت وكأن الآخر غير موجود، نظر كارتال قليلاً ثم التفت لينظر إلى الجدار أمامه ليقل: أنت تعلم أنني عُدت من أجلك قديمًا ولو كان متأخرًا، التفت صالح ووجّه لكمة إلى كارتال الذي رفع رأسه فورًا ليقل بحدّه: لماذا تضرب ياهذا؟، تجاهله صالح والتفت فورًا حين أقترب وقع الأقدام، توقف لثوانٍ ليهمس وقد أبتسم بشكلٍ غير ملحوظ: وليّ..، عقد كارتال حاجبيه ليقل باستهزاء: وليّ؟، ليخرج من خلف الجدار وليّ وهو يرفع سلاحه أمامه، فاتسعت عيناهُ حين رأى صالح بخير أمامه، ليقل: صديقي! هل أنت بخير؟، ثم نظر إلى كارتال وشّد على سلاحه وهو يسأل: ماذا يفعل هذا هنا؟، فسأل صالح فورًا متجاهلاً سؤال الآخر: أنا بخير ماذا عن أخوتي؟، فأجاب وليّ وأنظاره نحو كارتال بحذر: بخير لقد نجوا من رصاصات الأحمق نور الدين، وأردف عندما رأى نظرات صالح الذي ينظر بعدم فهم: لقد تقسمّنا، أنا أتيتُ إلى هُنا لكي أخذك حين ينقلوك وهُم هناك ليقابلوا نور الدين ويسلمّوا البضاعة له، وقبل أن يسأل وليّ بشأن كارتال قال صالح: كيف تمكنت من الدخول لم أسمع صوت رصاص ما أو ضجة، فأجاب وليّ: قتلناهم بصمت فهُم كانوا قِلال، أندفع في لحظتها ميكي ومتين من خلف وليّ ومعهم عددًا من الشباب وسُرعان ما صرخ ميكي ببقية الشباب: صالح أخي بخير توقفوا عن البحث، ليسأل وليّ وهو يوجّه سلاحه نحو كارتال: ماذا يحدث ياصديقي؟، التفت صالح فورًا نحو كارتال الذي تراجع ببطء وبخطواتٍ موزونه وهو يرفع سلاحه نحوهم مبتسمًا، لكن تلك الإبتسامة لم تكن سوى ستارٍ هشّ يخفي وراءه ما لا يُقال، عمّ الصمت في المكان للحظة وتأهب الجميع بحذر، كارتال كان يعلم جيدًا أنّه لن يُطلق لكنه رفع سلاحه، رفعه كدرع، كحاجز، فهو يريد الخروج من هنا بما أن جميع رجاله قُتلوا، أجل كان يريد مواجهة نور الدين ولكنه تراجع فالوقت لم يعُد مناسبًا لهذا، ليقل وهو يستمر في التراجع إلى الخلف: ما زلتُ لا أفهم كيف تُميز الأشخاص من وقع أقدامهم.. لكن على كل حال تصبح على خير يا فارتولو، وانعطف فورًا ناحية ممرٍ ما وأختفى عن أنظارهم بلمح البصر، كاد الشباب أن يلحقوا به لولا أن صالح منعهم، ليقل وليّ: كيف أتى هذا إلى هنا؟، ليقل صالح: هو من أنقذنا اساسًا، ضيق وليّ عينيه ليقل: أنقذكم؟ من كان معك؟، ليقل صالح وهو يتجاوز وليّ: سنتحدث لاحقًا دعونا نذهب الآن لكي لا يأتي المزيد من الأفغان، لاحقًا خرجوا جميعًا بسرعه قبل أن يعود نور الدين، فهُم لا يريدون أن يعلقوا مع رجاله الآن، صعد صالح إلى جانب وليّ في السيارة وسُرعان ما وضع رأسه على مقدمة السيارة وحاوطه بيديه وهو يسعُل بخفه، ليسمع صوت ياماش يصرخ بأسمه، رفع رأسه فورًا بدهشه ليرى ياماش فعلاً يترجل من سيارته ويتقدم بسرعه نحو سيارة وليّ، فخرج ليندفع ياماش لعناقه فورًا.. شدّ الأصغر على عناق أخيه وكأنها الطريقة الوحيدة للتأكد من أنه بخير أمامه الآن، ابتعد ياماش ونظر إلى وجه أخيه ليقل: أعتذر..، ليقل وليّ الذي أظهر رأسه من النافذه: يجب أن نذهب فالمكان ليس آمنًا، أومى ياماش ليسأل أخيه: هل أنت بخير؟، أومى صالح ليقل: سنتحدث لاحقًا دعنا نذهب من هنا، عاد ياماش يعانق أخيه بقوة فابتسم وليّ بهدوء من داخل السيارة وهو يرى الأخوة متقلبين.. تارة يغضبان وتارة يتعانقان وتارة يصمتان، ولكن هذه هي الأخوة.. رغم كل الإنكسارات والخلافات والدماء لم تنكسر قط وحين يُخدش أحدهم يركض الآخر إليه بدون ذرة تردد، ذهب صالح مع ياماش وتحركت السيارات لتشّق طريق العودة..
––––––––––––––––––––
منزل صالح خارج الحفرة..
خرجت كاراجا إلى الشرفة وهي تشّد سترتها على جسدها من الهواء البارد الذي يغمر المنزل، لتقل حين رأت مراد جالسًا هناك: كيف تستحمل هذا الهواء البارد اليس هناك مدفئة أو ماشابه؟، ليقل مراد بهدوء: أنا معتاد على البرد ويوجد مدفئة ولكنها في الصالون فقط، صمتت ولم تُجب واستندت على السور لتقل بعض لحظات: ماذا تعمل لدى عمي؟، فأجابها وهو يضع كوب قهوته على الطاولة: أنا المدير العام لأحدى شركاته عن طريق التوكيل، عقدت كاراجا حاجبيها وهي تنظر بعدم فهم، ليردف هو حين لاحظ ذلك: أي أنني أُديرها بأسمه دون أن يكون موجودًا فعليًا، فقالت هي: اووه لهذا عمي لم يعد يذهب إلى الشركة، واردفت بعد أن استدارت نحوه: وهل تهتم ايضًا بأمر الشركة الآخر؟، فهمها الآخر ليقل: المخدرات؟ أجل بالطبع كل شيء..، صمتت لثوانٍ ثم سألت: اكين نائم اليس كذلك؟، أومى مراد بصمت فخرجت هي تمشي في أنحاء المنزل، تفقدت غرف المنزل حتى عادت إلى غرفة عمها السابقة، دخلت حيثُ تولغا الذي كان نائمًا فوق السرير الكبير كما تركته قبل قليل، تنهدت بخفه والتفتت تتفحص الغرفة، فهي لا تشعر بالنعاس ولا تريد أن تنام اساسًا ولا تعرف لماذا، فأتجهت إلى الخزانة وفتحتها لتجد بعض أغراض عمها السابقة وبعضًا من ملابس إدريس، نظرت قليلاً بهدوء ثم قبل أن تغلقها لمحت شيئًا في الأسفل، وسُرعان ما استوعبت أنه صندوق، أخرجته بفضول وحملته حتى وضعته على طاولة في طرف الغرفة، فتحته بهدوء لتجد اوراقًا عده، تفحصتها وحين أنتهت تبدلت ملامحها لأخرى غير مفهومة، همست لنفسها: هذه إدانات صريحة لذلك ال*** كارتال كما فعل قديمًا؟ ولكنها تُدينه هذه المره، ثم التقطت أخرى لتجد اوراقًا رسمية داخل ظرف مختوم بأسم شركة عمها، فتحت احداها لتجد مضمونها "يُعيّن السيد ياماش كوشوفالي مديرًا عامًا للشركة خلفًا للسيد فارتولو سعدالدين اعتبارًا من تاريخ ^^ ويُمنح كافة الصلاحيات الإدارية والتنفيذية" التقطت ورقة أخرى بنفس الختم لترى نفس المضمون ولكن بأسم "تولغا" عقدت حاجبيها باستغراب ولكنها سُرعان ما قوست شفتيها وقد نزلت دموعها، التفت نحو تولغا الذي لايزال نائمًا لتهمس: لم يكتب الأخرى بأسم عمي جومالي.. بل بأسمك، أعادت الأوراق إلى حيث كانت دون أن تغير شيئًا، وأعادت الصندوق بالمثل، ثم جلست على طرف السرير والتقطت هاتفها، عبثت به قليلاً وبعد دقائق أستقامت وخرجت، نزلت مع السلالم لتسمع صوتًا في الأسفل، ظنت أنه مراد ولكنها حين نظرت إلى باب القبو رأت اكين يخرج منه بهدوء، عقدت حاجبيها ولم يكن الآخر قد أنتبه لها، أقفل باب القبو ووضع المفتاح في جيبه وحين استدار وجدها تنظر إليه، لتقترب هي قليلاً وسألت بشّك: ماذا كنت تفعل هناك في الأسفل؟، أبتسم اكين بخفه ليقل: ربما جُننت وبدأت أتجول في المنزل وأنا اُتمتم بكلامٍ غير مفهوم، تململت الأخرى لتقل: أنا اسألك بكل جدية يا اكين ماذا تفعل في قبو المنزل؟، ليقل الآخر: لا شيء فقط استكشف، وتجاوزها ذاهبًا بينما لاحقته نظراتها المليئة بالشك والريبة، تنهدت وذهبت إلى المطبخ أشعلت الضوء وبعد تفحصٍ سريع وجدت آلة قهوة سوداء لابُد أنها لم تستخدم كثيرًا، وبدون تردد حضرت لنفسها كوبًا وجلست على طاولة المطبخ وهي شاردة في أمورٍ تشغل عقلها.. ثوانٍ وتلقت اتصالاً من عمها صالح.. فأجابت وما لبثت ثوانٍ حتى نهضت بخطواتٍ سريعه وهي تقول: سنأتي حالاً ياعمي..
––––––––––––––––––––
المنزل الآمن..
توقفت سيارة ياماش ليلتفت نحو صالح الذي أعاد هاتفه إلى جيبه ثم أمسك بمقبض الباب ليفتحه لكن قبضة ياماش التي أمسكت بذراعه برفق لتمنعه من النزول كانت أسرع، التفت صالح برأسه ببطء ونظر إلى ياماش بهدوء لايخلو من الاستغراب، ليقل ياماش بخفوت: أنا آسف..، لم يُجب صالح مباشرة بل رمق يدّ ياماش الممسكة بذراعه بهدوء ثم رفع نظره إلى عينيه وقد شعر بصوت أخيه أكثر من كلماته، صوته المُنهك من الحروب والمُثقل بالخسارات والمُفعم بشيءٍ يشبه التشتّت والألم، ليقل بخفوت: على ماذا؟، تنهد ياماش ليقل: لأنني غضبت.. ولأنني لم أكن هناك.. بجانبك، أقترب صالح بخفه وهو يبتسم غامزًا بعينه ليقل: صدقني حتى أنا شخصيًا لم أكن هناك، أبتسم ياماش ولكنه سُرعان ما أغمض عينيه وهو يقول بقهر: أصمت يا صالح، تنهد الأخير وربت على كتف ياماش ليقل: لايوجد شيء لتعتذر عليه وإن قلتها مجددًا سأضربك مثل أخي جومالي، لتُفزعهم طرقاتٍ على نافذة صالح جعلتهما يلتفتان بسرعه، ليروا جومالي منحنيًا قليلاً وهو يضع يديّه خلف ظهره ينظر إليهم بغضب، ليقل صالح الذي سعل بخفه وهو ينظر إلى جومالي: أو سأُفزعك كما أفزعنا هو الآن، ضحك ياماش وترجل من السيارة، ليفتح جومالي باب صالح قبل أن يفتحه الآخر، فترجل صالح وهو ينظر إلى الأكبر الذي لم يُفسح له المجال للمرور بل وقف أمامه مباشرة، كانت عينا جومالي لم تكن تحتويان سوى على سؤالٍ واحد "هل أنت بخير؟" لكن لسانه اختار طريقًا آخر وهو يقول بحدّه ناظرًا إلى ياماش: هل تعرف كم مرة اتصلت بك دون أن ترد؟، تبادل ياماش وصالح النظرات لوهلة ثم رفع صالح يديه وقال بهدوء: لا تتشاجر معه فأنا لا زلت على قيد الحياة اليس هذا كافيًا؟، تفحصه جومالي من رأسه حتى قدميّه ليقل: بالطبع من نهض من سرير المستشفى ليدافع عن ذلك الخائن إن وقع في أيديّ الأفغان سيكون بخير، أشاح صالح بوجهه تعبًا ووجعًا بينما تقدم ياماش ليقول شيئًا ولكن قاطعهم صوتًا ما، صوتًا صغيرًا صرخ "بابا" وقبل أن يرفع صالح رأسه شعر بغتةً بأيدي أبنه الصغيرة تعانق خصره، تجمدت اللحظة بالنسبة إلى صالح الذي جثى لا إراديًا وعانق أبنه بشّده، أنزل ياماش رأسه متنهدًا براحه وهو يتراجع قليلاً بينما بقي جومالي في مكانه ينظر براحة تشوبها غصة، أبعد صالح أبنه وهو يسأل: إدريس.. أشتقت إليك كثيرًا يابني، فأجابه الصغير: وأنا ايضًا لقد أنتظرتك منذ الصباح عندما أتينا لهذا المنزل الجديد، سحب صالح أبنه إلى حضنه مجددًا وهو يتنهد براحة كبيره جاءت في وقتها تمامًا، ليقل ياماش: فلندخل الهواء بارد هنا، لاحقًا.. هتف جومالي بحدّه: إذن ذلك ال*** كارتال هو من أخرجك؟، أومى صالح ليقل ياماش وهو يضع بعض الحساء في صحن أبن أبيه: لا أفهم.. يورطنا ثم يُنقذك! هل هذا مُختل عقلي؟، ليقل صالح وهو يسعُل: هو اساسًا جاء ليُنقذ أخته، عقد جومالي حاجبيه ووضع كوب الشاي على الطاولة وهو يقول: عفوًا؟ وما علاقة أخته؟، نظر صالح لثوانٍ ثم قال: أخذوها معي..، ليسأل ياماش: كيف حصل هذا؟ ما علاقتها بالأمر؟، فأجاب صالح وهو ينظر إلى صحن الحساء: لاشيء.. فقد قدر سيء جعلها تلتقي بي في تلك الظهيرة، تبادل جومالي وياماش النظرات باستغراب ولكنهما صمتا، عاود صالح السُعال وهو يتأفف فالتقط ياماش علبة ماء وناوله إياها وهو يسأل: مابك؟، شرب صالح الماء ليقل بعدها: أنا بخير لايوجد شيء، تنهد ياماش قلقًا بينما نهض جومالي وذهب إلى الشرفة وهو يُتمتم بكلامٍ غير مفهوم، ليقل صالح وهو ينظر إلى ظهر أخيه: مازال غاضبًا مني، صمت ياماش ولم يُجيب، لحظاتٍ ودخلت كاراجا إلى المنزل لتجد أعمامها يجلسون في الصالون وأمامهم بعض الطعام، فجلست وهي تقول: ماذا حصل لماذا انتقلتم إلى هنا؟، ليقل ياماش: حدث الكثير يا سيدة كاراجا وأنتِ خارج الحفرة، تقدم صالح واسند مرفقيه على الطاولة ليسأل: اولاً أين أخيكِ وتولغا؟، لتُجيب: أنهم في الخارج سيأتون، وفي لحظتها دخل الإثنان فأشاح ياماش بنظراته فورًا وهو يشّد على قبضتيه بقوه لحظة رؤيته لاكين، لاحظها صالح الذي تنهد بقلة حيله، ولم تخفى هذه النظرات أيضًا على اكين الذي وقف واتكئ على الباب دون أن يجلس، لاحقًا.. بعد أن أخبروهم بكل شيء قال تولغا بدهشه: كل هذا حصل ولم نعلم سوى الآن؟، ليقل صالح: وماذا ستفعلون إن علمتم؟ الموضوع أنتهى وأنا أمامكم الآن بخير، مسحت كاراجا وجهها بقلة حيله بينما أقترب تولغا الذي كان يجلس بجانب صالح وعانقه، ربت صالح على ظهره بخفه ليقل ياماش: لم ينتهي.. فنور الدين يريد الماسته، التفت صالح فورًا بصدمه ليهتف: ايفاندم؟، ليسمعوا صوت وليّ الذي دلف إلى الداخل وهو يقول: أجل.. مايقوله ياماش صحيح وهذا ما كُنا نخشاه، تجمد صالح ليهمس: الماسه!، جلس وليّ ليقل ياماش: هذا ما قاله "أخرج الألماسة يا أبن إسطنبول"، لتقل كاراجا باستغراب: كيف؟ وما علاقتنا بألماسته، ليقل ياماش: أصعدي إلى الأعلى ياكاراجا، نفت كاراجا برأسها لتقل بإنزعاج: أنا لست طفلة لذا لا تحاول إبعادي ياعمي، بينما التفت صالح نحو وليّ ليسأل: الماسة ماذا؟ هل تخصه أم أنه سيأخذها أم ماذا؟، ليقل وليّ: اتصلت قبل قليل بشخص أعرفه وقال بأن الألماسة تخص نور الدين، ليقل ياماش: هل هو نفس الشخص الذي اعطاك موقع المقر؟، أومى وليّ ليُكمل: هي لم تُسرق مع البضاعة ولكنها كانت موجودة في صناديق البضاعة، ليقل ياماش: مستحيل أنا جعلت الشباب يفتشون البضاعة حين أتت بعد ذهاب ال*** كارتال ولكن لم تكن هناك أي الماسة ولو وُجدت لكنا رأيناها، التفت صالح ليقل: كنت تعلم بأمر البضاعة ليلتها ولم تخبرنا؟، نظر ياماش إلى صالح بمعنى "هل الحال كان يسمح في وقتها؟" تنهد صالح بخفه ومسح وجههُ وهو يقول: اللعنه..، ليقل وليّ: لابُد أن يُحل هذا الأمر وإلا لن تكون نهايته جيده، ليقل صالح وهو يرفع رأسه: سأذهب وأتحدث مع نور الدين هذا، فقال ياماش: ماذا! هل جُننت؟ يخطفك وتنجوا منه لكنك تريد أن تعود إلى يديّه!، ليقل صالح بنبرة عاليه: اييي؟ هل أختبئ إذن ما رأيكم؟، صمت الجميع ولم يعلق احدًا ليستقيم صالح بهدوء وخطى إلى الأعلى وهو يقول: سأذهب لأستحم وسنُكمل حديثنا غدًا بخصوص ألماسة ذلك ال***، ليقل تولغا بعد إبتعاد صالح: ماذا حدث؟ لماذا غضبَ هكذا؟، ليقل ياماش بهدوء: ما مرّ به ليس سهلاً، ومن ثم نظر إلى وليّ ليقل: هل أنت متأكد من أنه بخير؟، ليقل وليّ: هو بخير.. لم أرى خدشًا به، تنهد ياماش بضيق مع عودة جومالي إلى الداخل، فتراجع اكين الذي كان صامتًا طوال حديثهم فورًا وخرج متجهًا إلى سيارته قبل أن يلمحه عمه الغاضب، توقف جومالي ليقل مخاطبًا ياماش: ستعود إلى الحفرة أم أعود أنا؟، ليقل ياماش بتعب: دعنا ننام.. الشباب هناك ووليّ وتولغا سيعودان إلى منزل صالح اساسًا، ليقل جومالي: الذي في الحفرة؟، أومى وليّ وهو ينهض ليقل: أجل، وأشار إلى تولغا فلحقه الآخر بتردد، بينما تنهدت كاراجا واستلقت على الأريكة مع نهوض ياماش وصعوده الى الأعلى برفقة جومالي، وفي الطابق العلوي بعد وقت داخل غرفة صغيرة، كان صالح مستلقيًا على السرير بجانب أبنه النائم، تقلب لثوانٍ مغمض العينين وهو يحاول جاهدًا أن يهدأ لكن بلا فائدة، نهض بهدوء وجلس مسندًا مرفقيه إلى ركبتيه وراح يمسح رأسه بقوة وكأن الألم يعتصره من الداخل، رفع رأسه بعد لحظات ونظر إلى الدرج المجاور للسرير، فتحه بسرعه لكنه وجده فارغًا فشتم بداخله وهو يضغط على فكّيه، أين أدويته؟ فهو لم يعد يحتفظ بأي شيء في سترته كما كان يفعل.. نهض وفتح باب الغرفة ليُفزعه وجود ياماش الذي تراجع فورًا وهو يشتم، ثم نظر إلى أخيه ليقل: أفزعتني!، ليقل صالح: أنت من يقف أمام الباب، ثم أنزل بصره حيث كيسًا كان يحمله ياماش في يده وبعض علب الماء في اليد الأخرى، فدعا في داخله أن يكون توقعه صحيحًا وأن ما في الكيس هو بعض من أدويته، ليقل ياماش بهدوء وهو يدخل: هل نام إدريس؟، أومى صالح ووقف أمام الباب ليضع ياماش الكيس على الطاولة الصغيره وهو يقول بخفوت: هذه أدويتك أحضرتها من المنزل، تنهد صالح بقوه وأبتسم بهدوء ليقل: سلمت يا أبن أبي، ربت ياماش على كتفه وجلس على طرف السرير وجلس صالح بجانبه، فقال ياماش: هل أنت بخير؟، مال صالح برأسه وهو يعقد حاجبيه ليقل: كما تراني أمامك أنا بخير!، فقال ياماش وهو يبتسم بحزن: أعلم أننا أعتدنا على كل هذا.. اختطاف وضرب وأسر..، قاطعه صالح بلطف: والجوع والعطش..، فقال ياماش وهو يتنهد بخفه: لا تسخر يا صالح، ليردّ الآخر: أنا لا أسخر وأنا بخير أمامك مابك!، ليقل ياماش: لا شيء سوى أن الغضب أعماني وتركتك تُخرج من المستشفى إلى أيديهم، زفر صالح بقلة حيلة ليُكمل ياماش: أنا لستُ مستعدًا حتى للتفكير في الأمر، ولكن لو كنتُ مكانك لفعلتُ بالضبط ما فعلته بخصوص اكين، ومن ثم أردف بعد أن تنهد بعمق: سيعود بجانب زوجته.. فهي حامل وقلقه عليه، صمت صالح ولم يُجب فقد نفدت الكلمات من بين شفتيه، ها هو أبن أبيه كما عهدهُ يفكر في الآخرين أولًا قبل أن يفكر في نفسه وغضبه، مسح ياماش وجهه ومن ثم عاود النظر إلى صالح ليقل: متى آخر مرةٍ أجريت بها فحوصات بخصوص تعبك؟، صمت صالح لحظة ثم قال: لا أعرف ولكن أظن عندما أحضرنا إدريس بعد ماحصل، أومى ياماش ليقل: ستُجري فحوصات أخرى لنطمئن أكثر، لم يجد صالح سوى أن يومي بخفه فربت ياماش على كتفه وهو يقول: لا تُهمل صحتك وإن فعلت.. فأنا لن فعل بعد الآن، ليقل صالح بشّك: هل تكلمت مع الطبيب؟، نفى ياماش برأسه وخرج دون أن يقول كلمة أخرى تاركًا صالح الذي أخذ يتفحص أدويته، كانت جديده.. فاستغرب لأن الطبيب فريد لم يقل له شيئًا بخصوص تغيير الأدويه، ولكنه في تلك اللحظة ليس في حالٍ للتفكير في شيء فأخذ قرصًا من كل نوع وألحقها بالماء وعاود الإستلقاء بجانب أبنه، لحظاتٍ ونظر إلى هاتفه، فخطرت على باله ليلى.. فالتقط الهاتف دون أن ينهض وأرسل رسالة محتواها "هل أنتِ بخير؟" أعاد وضع الهاتف على الطاولة وما إن انقلب إلى الجانب الآخر وأغمض عينيه حتى سمع صوت رسالةٍ وارده، فتح عينيه ونظر إلى الهاتف مجددًا، مدّ يده ببطء وأمسكه فوجد أسمها، فتح الرسالة ليجدها قد أجابته "بخير.. وأنت؟" ظلّ ينظر إلى الشاشة لثوانٍ ثم وضع الهاتف جانبًا دون أن يُجيب وأعاد إغلاق عينيه ليستسلم اخيرًا لنعاسٍ باغته.. بينما في الجهة الأخرى وفي قصر كارتال كانت ليلى تجلس في أحد الغرف وهي تُمسك هاتفها بين يديها وتُقلبه تنتظر جواب صالح، ولكن مرّت دقائق ثقيلة عليها دون رد.. نظرت إلى الشاشة مجددًا وأعادت قراءة كلمتها القصيرة وترددت في رأسها كصدىً باهت وناقص، كانت تريد أن تقول أكثر، أن تسأله "كيف خرجت بعدي؟" أو "هل تأذيت؟" لكنها لم تفعل، كان اليوم عصيبًا.. اختطاف وخوف وأسلحة ثم نجاة.. كان وكأن اليوم بالنسبة لها أشبه بأحد حلقات مسلسلٍ مشّوق، تنهدت ببطء واستلقت على السرير ووضعت الهاتف بجانب رأسها وحدقت بالفراغ رغم رجفة قلبها لتسمع بعد لحظات صوت باب الغرفة يُفتح، فهرعت جالسة بسرعة وهي تنظر بقلق، فدخلت خادمة وهي تحمل كوب ماء بين يديها، أخذت ليلى زفيرًا قوي، حقًا ما حدث اليوم سيترك أثرًا عليها.. وسيُثير خوفها حتى من أبسط الأشياء لأيام طويلة قادمة، تقدمت الخادمة نحو ليلى ووضعت الكوب على الطاولة بهدوء لتقل: إن احتجتي لأي شيء آخر أخبريني يا سيدتي، نظرت ليلى بغرابةٍ وسخريه.. فهي لم تعتاد هذا الوضع، خادمات وقصر وثراء وغيره، ولكنها سألت متغاضيه: هل أتى أخي؟، نفت الخادمة برأسها وقالت: هو يتأخر عادةً، فسألت ليلى: منذ متى وأنتِ هنا؟ لم أراكِ من قبل، لتُجيب الأخرى: منذ أيام قليلة.. أنا طاهية فقط لاغير، ابتسمت ليلى بخفه ثم قالت بسخرية ناعمة: يبدو أن أخي قرر أن يعيش كالأمراء، أومت الخادمة بأدب دون أن تُعلق ثم انسحبت من الغرفة بهدوء تاركة ليلى وحدها من جديد في غرفةٍ فارهة وصامتة تُمثل كل ما لا يشبهها، نظرت ليلى إلى الكوب الموضوع على الطاولة ثم إلى الستارة الثقيلة المغلقة ثم عادت بعينيها إلى الهاتف لا إشعار.. لا رسالة.. لا شيء فأغمضت عينيها للحظة واسندت مرفقيها إلى ركبتيها ودفنت وجهها في كفّيها مرهقة وخائفة وقلقة ومُتعبه..
––––––––––––––––––––
صباحًا..
نزل صالح من الأعلى ليجد جومالي يرتدي سترته ويهّم بالخروج، ليسأله فورًا: إلى أين؟، استدار جومالي نحو صالح وأجابه بعد أن نظر قليلاً: إلى الحفرة، فقال صالح وهو يلتقط علبة ماء: سأذهب معك، خرج جومالي بهدوء ليقل صالح مُخاطبًا جنات التي خرجت من المطبخ وهي تحضر طاولة الفطور: هل خرج ياماش؟، رفعت جنات كتفيها لعدم معرفتها، فقال صالح وهو يهّم بالخروج: لاتدعي الأطفال يخرجون إلى الخارج مهما حصل، فقالت جنات: أنا أسفه يا أخي، التفت صالح نحوها بغرابه ليُتمتم: الجميع يتأسف مابهم!، ثم قال: على ماذا؟، لتقل جنات: لو أنتبهت لهم ذلك اليوم لما أخذوا إدريس، تنهد صالح بحزن وقال: ليس خطأك يا جنات وأنا أعلم بأنكِ تحبين إدريس فأنتِ معه منذ أن كان صغيرًا، ابتسمت جنات بحزن لتقل: هو أمانه أختي سعادات، استدار صالح فورًا ومسح جبينه وهو يخرج، لاحقًا.. وفي السيارة التي يقودها جومالي في الطريق إلى الحفرة كان الصمت سيد المكان للحظاتٍ حتى قطعهُ صالح بسؤاله دون أن ينظر وهو يسند رأسه إلى الخلف: ياماش في الحفرة؟، ليقل جومالي: أجل، عمّ الصمت مرة أخرى حتى سعل صالح فمّد جومالي يديّه نحو علبة الماء ورماها في حجر أخيه وهو يقول: أراك تسعُل كثيرًا منذ الأمس، التقط صالح العلبة ليقل ساخرًا: هل ستكتب لي وصفه يا أخي؟، فقال جومالي فورًا: إن استمريت هكذا ربما سأكتب وصيتك، ضحك صالح بخفه ليقل: ليس لهذه الدرجة، ليقل جومالي بعد لحظة صمت وهو ينظر إلى الطريق: لا تُهمل نفسك، لم يُجب صالح فأردف جومالي: هل أرسلت أبن أخيك إلى منزلك؟، التفت صالح نحو أخيه وهو يقول بقلة حيله: هناك أشياء أهم لنهتم بها يا أخي، ليقل جومالي فورًا بسخريه: أهم من أبن أخيك؟، فقال صالح وهو يعود لينظر إلى الأمام: لا شيء أهم من العائلة.. العائلة كل شيء، الم يقل أبي هذا؟، صمت جومالي واكتفى بتنهيدة عميقه، وصلا إلى المقهى فنظرا بغرابةٍ حين وجدا سياراتٍ غريبة أمام المقهى، نزلا ليتقدم جيلاسون بهدوء وهو يقول: نور الدين هنا يا أخوة، أنه مع أخي ياماش في الداخل، ليقل جومالي وهو يتفحص باب المقهى: ما رأيك بأن تعود إلى المنزل يا صالح..، فأجاب صالح بسخرية وهو يعدل ياقة قميصه: وأن أختبئ؟ حاضر أنا في أمرك يا أخي..، وتجاوز السيارة وأخيه ذاهبًا بإتجاه المقهى، ففعل جومالي حركة فمه المعتاده ولحق به، وفي الداخل كان ياماش جالسًا على كرسيه يُقابله نور الدين وجهًا لوجه، بينما امتلأت بقية طاولات المقهى برجال نور الدين، كان الصمت يعّم المكان للحظاتٍ حتى دخل صالح ووقف ليقل وأنظاره على ذلك الرجل الذي يغطي الشيب شعره: السلام عليكم..، التفت نور الدين وشبح إبتسامة على وجهه ليقل: وعليكم السلام..، تقدم صالح وسحب الكرسي الذي يفصل بين أخيه والآخر وجلس بينما دخل جومالي وهو يتفقد الطاولات التي امتلأت بغضب، جلس جومالي مقابل صالح ليقل الأخير: نور الدين اليس كذلك؟، أومى نور الدين ليقل: وأنت فارتولو الذي أستطاع الهرب من رجالي بالأمس، ليقل صالح بخفوت ساخرًا: هذا لأنك لا تعرف كيف تحافظ على رهائنك، ثم زفر بخفه ليردف: ما الذي تريده بالضبط؟، نظر نور الدين إلى ياماش ليقل مخاطبًا صالح دون النظر إليه: كلامي مع أخيك ليس معك، رفع صالح حاجبيه ليقل ياماش: أولاً نحن واحد.. وثانيًا كما قال أخي ما الذي تريده بالضبط، جذبت كلمة "Abim" إنتباه صالح ولكنه صمت، ليقل نور الدين: الألماسة.. كما قلتُ بالأمس، ليقل ياماش: بالأمس؟ تقصد حين خدعتني ولم تُحضر أخي بالرغم من اتفاقنا، ليقل نور الدين بحدّه: وأنت خدعتني بأخذك لألماستي، وقبل أن يتحدث ياماش قال جومالي: أذهب إلى السوق وأشتري لك واحده بدل أن تزعجنا، كتم صالح ضحكته بينما همس ياماش لأخيه معاتبًا: آبي..، ليقل نور الدين: لا يمكن لأي ألماسة تُشترى بالسوق أن تُعوض ما أملكه، هي ليست مجرّد حجرٍ ثمين بل مفتاح لأمور أكبر لا تدركونها بعد وهي ما تجعلني أجلس الآن أمامكم وأُحادثكم بكل هدوء بدلاً من تفجير رؤوسكم، ضرب جومالي قبضة يده على الطاولة فأسرع صالح ليقل: نحن لا نحتفظ بما لا يخصنا ولا نسرق ايضًا، وألماستك التي تتحدث عنها ليست هنا ولا نعرف مكانها، ليُتبع ياماش على كلام أخيه: وسبق وأن أوضحت لك بأن البضاعة أتت إليّ بغرض توريطي معك فأذهب إلى كارتال ربما تجدها عنده، ليقل نور الدين: هذه كله لا يهمني البته..، ثم رمق الأخوة لثوانٍ أردف بعدها: لديّ عرض لكم إن كنتم لا تريدون المشاكل، فابتسم ياماش بسخرية ليقل: المشاكل قد بدأت اساسًا ونحن لا نتفاوض تحت التهديد، أبتسم جومالي بخفه بينما تمعن صالح في النظر قليلاً ليقل متجاهلاً أخوته: وماهو عرضك؟، نظر إليه جومالي وياماش بغضبٍ واستغراب، ليقل نور الدين: كما قالوا.. وكما سمعنا.. فارتولو سعدالدين ذكيًا، ثم أكمل وهو يضع كفه على الطاولة ينظر إلى صالح: العرض واضح.. أريد الألماسة خلال ثلاثة أيام مقابل أن أنسى ما حدث وأكفّ رجالي عنكم وتبقون أنتم في حيّكم كما تشاؤون، قاطعه جومالي بحدّه ممزوجة بالسخريه: وإن لم نجدها؟، فرمقه نور الدين ببرود ليقل: حينها.. لن تجدوا أنفسكم حتى، واستقام خارجًا دون أن يُضيف كلمة أخرى فهرع رجاله خلفه فورًا، عمّ الصمت للحظاتٍ قال بعدها جومالي باستنكار وهو ينظر إلى صالح: اتريدنا أن نركض خلف هُراء بسبب حجر؟، دخل في لحظتها وليّ بهدوء بينما أجاب صالح: ليس هُراء بل شيئًا ما يجعل رجالاً أفغان مدججين بالسلاح يحتلون المقهى، شّد صالح على كلمة "أفغان" مما جعل جومالي يسند ظهره وهو يبتسم بسخريه، ليقل ياماش وهو ينظر شاردًا إلى الطاولة: لن يتركوننا حتى يجدوا الألماسة.. حتى لو لم يكن لنا علاقة بها، فقال وليّ: هؤلاء هُم الأفغان.. سواءً كنت مذنبًا أم بريئًا ما إن يشكوا بك فأنـ..، قاطعهُ جومالي ليقل: سئمنا من هؤلاء ياهذا، مسح صالح وجهه ليهمس وكأنه يُخاطب نفسه: أين سنجدها؟، فرفع ياماش أنظاره نحو أخيه بينما قال وليّ: ربما من الأفضل أن نبدأ بكارتال.. فهو سبب كل هذا، ليقل ياماش: قلتَ ما كنتُ أريد قوله..، ضرب صالح جبينه بخفه وهو يقول: كان بإمكاني الضغط عليه بالأمس ولكنني تركته، ليقل جومالي ببرود: لا مشكلة بإمكاني الذهاب وإحضاره فورًا..، تنهد صالح بقلة حيله ليقل: إياك أن تفعل شيئًا كهذا دون تخطيط يا أخي، صمت الجميع ليقل وليّ وكأنه يريد شرح الموضوع: في ما يخصهم الألماسة ليست مجرد حجر بل هناك الكثير مما تعنيه، نظر ياماش بترقبّ بينما اسند صالح رأسه إلى كفيّه وهو يتنفس بعمق، ليُكمل وليّ: حين تكون تاجر مخدرات أو سلاح كبير، لا يمكنك تكديس الملايين في خزنةٍ أو تحويلها ببساطة عبر المصارف والبنوك فهذا سيكشف أمرك خلال ثانيه، لذا فإن هناك من يربطها بأشياءٍ قانونية مثل الشركات وغيرها، قالها وهو ينظر إلى صالح بهدوء فأنزعج جومالي وقد تذكر أن أخيه لايزال يُنتج ويبيع ذلك السُم، أكمل وليّ: وبحسب ما سمعته من بعض المعارف الذين تعاملوا سابقًا مع نور الدين فهو قد استخدم الألماس أكثر من مرة كوسيلة لغسل الأموال، ليُتبع صالح وقد رفع رأسه بابتسامة مستهزئه: وغالبًا هي وسيلة لتصفية أموال المخدرات أو الأسلحة، لم يُعلق احدًا فأستند صالح بيديّه ونظر إلى جومالي ليردف بهدوء لكن في نبرته تحذيرًا واضحًا لأخيه وكأنه يُنبهه بأن يأخذ الأمر على محمل الجد: قطعة حجر أجل.. لكنها تحمل ملايين الدولارات، زفر جومالي بحدّه ثم قال وقد اعتدل على كرسيه: اييي وماذا سنفعل؟، فقال ياماش وهو ينظر إلى صالح: ليس سواه.. كارتال هو الوحيد الذي يعرف مكانها، ليقل صالح: أنا سأتكلم معه، أقترب جومالي قليلاً ناحية الطاولة لينظر إلى صالح بتمعن وهو يقول: تتكلم؟، زفر صالح بضيق ليردف جومالي بنبرةٍ عاليه: الرجل *** وسط حيّنا وأحرق السندات ولو كانت مزيفة وورّطنا بالبضاعة وهؤلاء الأفغان المهووسين بقطعة حجر وأنت تقول بكل أريحية بأنك ستتكلم معه؟، ليُجيب صالح بهدوءٍ مُريب: وهل نُصلح الخراب بالمزيد من الخراب؟ إن جلبناه الآن إلى الحفرة وسط هذا الغضب لن نأخذ منه شيئًا، دخل تولغا الذي كان يُريد قول شيء ولكنه صمت حين رأى الأخوة في مناقشة لا يمكن قطعها، فوقف بجانب وليّ الذي نظر إليه بتساؤل فأومى له بخفه وهو يقول بخفوت: لاشيء مهم..، بينما قال جومالي بحدّه: منذ متى بدأت تخشى هذا الغضب والخراب ياصالح؟ أم أن لك ماضٍ معه لا نعرفه؟ بالطبع الرجل بطل.. دائمًا ما ينقذك قبل أن نفعل نحن، حدّق صالح في وجه أخيه بدهشه ليقل: ماذا! ماذا تعني بقولك هذا يا أخي؟، ليقل جومالي: أنت تدافع عنه..، نهض صالح وهو يقول غاضبًا: أنا لا أدافع عنه بل أقول الحقيقة، لو اعتقلناه الآن أو عذبناه أو حتى قتلناه، هل سنجد الألماسة؟ هل ستُحل مشكلتنا؟، ليقل جومالي بذات الغضب: لا ولكن بإمكاننا إيجاد شيء ما أو حتى تلقينه درسًا بسبب مافعله، صرخ ياماش الذي كان يمسد رأسه بقوه: يكفي! ماذا حصل لكما؟ هل في كل مرة يجب أن تجدان سببًا لكي تتجادلان؟، نهض جومالي بغضب وذهب بإتجاه منضدة الشاي بينما زفر صالح بقوة وهو يغمض عينيه ليقل بعدها بهدوء: لنعمل بهدوء أولاً وإن اضطررنا لاستخدام القوة.. فلن يردعنا شيء وأنا أولكما، استقام ياماش وشدّ على ذراع صالح ليقل: أنت اهدأ فقط ولا تنسى صحتك، أبتسم صالح بسخرية بينما تقدم تولغا ليقل: هناك من يريدك في الخارج يا أخي، عقد صالح حاجبيه ليردف تولغا: ليلى..، وفي الخارج تقدم صالح ناحية ليلى التي كانت تقف متوترة عاقدةً يديها إلى صدرها بشعرها المربوط إلى الخلف بإهمال وسترتها الطويلة، لتقل حين رأت صالح: هل يمكننا التحدث؟، استدار صالح ينظر إلى ياماش الذي ينظر باستغراب، ثم عاود النظر إليها ليقل: ماذا حصل؟، فقالت هي فورًا: لنتكلم في مكانٍ آخر، نظر صالح لوهله ثم قال: فلنذهب إلى دكان ميكي إذن، ذهبا بعد أن أومى صالح لياماش بخفه، فخرج جومالي ليسأل: هل هذه الصحفية التي في حفل الختان؟، أومى ياماش ليقل وليّ بتردد: أنها أخت كارتال..، اتسعت عينا ياماش بخفه بينما ضحك جومالي وعاد إلى الداخل دون أن يعلق، ليقل ياماش: كيف؟، ليقل وليّ: لا تسألني..، بينما في دكان ميكي، جلس صالح وهو ينظر إلى ليلى التي وقفت أمامه لتقل: أخي ليس موجود يا صالح، ضيق الأخير عينيه بتركيز ليسأل: ماذا تقصدين بأنه غير موجود؟، لتقل ليلى فورًا بسرعة وقلق: لم يعد إلى المنزل منذ الليلة الماضية.. هاتفه مغلق ورجاله يقولون إنهم لا يعلمون أين ذهب، وفي الجهة الأخرى في منزل صالح خارج الحفرة.. فتح اكين باب القبو بهدوء وهو يحمل قفازات ملاكمة بيدّه الأخرى.. نزل من السلالم بهدوء حتى توسط القبو، فوضع القفازات على الطاولة الخشبية ورفع بصره إلى ذلك المُقيد على الكرسي الذي ينظر نحوه بنظراتٍ ساخره وبارده رغم صعوبة تنفسه والعرق الذي يتصبب من جبينه وشعره الذي يغطي عينيه، تقدم اكين نحوه وأزاح القماش عن فمه وهو يقول: صباح الخير يا كارتال..، ثم استدار نحو قفازات الملاكمة وارتداها وهو يردف: يا للأسف.. أنظر كيف تقلّبت الأحوال، فقال كارتال بصوتٍ مبحوح وهو يبتسم: أعترف.. أنت ذكي مثل عمك أيها الولد..
إلى اللقاء في البارت القادم..

لا يوجد سوى الألم..حيث تعيش القصص. اكتشف الآن