"شخص ما أرادكِ أن تصدّقي ذلك"
مال برأسه قليلاً استغرابًا ودهشة وهو يضيق عينيه بسبب الكلمة التي سمعها من ليلى.. لقد تفوهت بأسم سافاش، كيف عرفته؟ وما أدراها بأسمه؟ بينما رفعت الأخرى الدفتر من يديّ إدريس وتمعنت في الرسمة لتقل: نفس الوشم.. والشعر، ليهتف الصغير: هل تعرفينه؟ هل هو صديقكِ ايضًا؟، التفتت بأعيُنها ناحية إدريس ومن ثم نظرت إلى صالح الذي ينظر نحوها بغرابة وشّك، لتقل وهي تقترب قليلاً من إدريس: لا.. ولكن كيف أصبح هذا الرجل صديقك؟، ليُجيب الصغير تحت أنظار والده الذي بدأ يشدّ على قبضتيه: لقد كان يحميني، ليقل صالح بعد كلمة أبنه هذه: اولوم.. اذهب وألقي نظرة على غرفة ليلى أنت لم تراها أليس كذلك؟، أومى الصغير فاتبعت ليلى حين عرفت مقصد صالح: وستجد في الغرفة دمية صغيرة بإمكانك اللعب بها قليلاً، ذهب إدريس مع نهوض صالح بسرعة حتى جلس بجوار ليلى ليقل: هل تعرفين هذا الرجل!، لتُجيبه ليلى فورًا: هذا الرجل الذي اصطدم بسيارتي قبل فترة ألم أخبرك بهذا في الشركة؟، عقد صالح حاجبيه لتردف ليلى: نفسه.. نفس الوشم والشعر، شدّ الآخر على قبضتيه ليقل: هذا الرجل الذي اختطف أبني.. هذا الرجل الذي أريد الوصول إليه منذ أسبوع يا ليلى!، اتسعت عيناها ثم رفعت يدها ببطء لتضعها على فمها من صدمتها، لتقل بخفوت: كيف؟ أهذه صدفه؟، ظهرت ابتسامة صالح تدريجيًا متأملاً وهو ينظر إلى ليلى ليُتمتم: هل أنتِ متأكدة أنه هو نفسه؟، أخرجت ليلى هاتفها وعبثت بشاشته قليلاً حتى أدارته بعد ثوانٍ نحو صالح الذي نظر إلى صورة شخصية لرقمٍ بأسم سافاش.. أنه حقًا هو.. نفس الوشم والشعر الطويل وبوجهٍ وملامح واضحة أمامه الآن، تمعن في النظر لكنه هتف بعد ثوانٍ بغرابة: كيف حصلتي على صورته؟، فردّت الأخرى فورًا: أعطاني رقمه وهذه صورته الشخصية التي يضعها، وقابلته ثلاث أو أربع مرات وآخر مرة دعاني إلى افتتاح مكانٍ له، وفهمت مؤخرًا أنه يحاول التقرب مني لكنني لم أُعره أي اهتمام، شتم صالح في داخله ولكنه سُرعان ما أخرج هاتفه بسرعة ليقل: أعطيني رقمه حالاً، نظرت ليلى لثوانٍ ثم أعادت هاتفها إلى جيبها وهي تقول: لن أعطيك، التفت صالح نحوها ومال برأسه قليلاً لتردف هي عندما رأت نظرته الحاده: لا تنظر هكذا! لن أعطيك ليس الآن..، ليقل فورًا بحدّه: ماذا يعني هذا؟، ابتسمت بحزن والتفتت لكي تلتقط الأوراق التي وضعتها قبل مجيئهم على الأريكة، ناولتها لصالح الذي التقطها بغرابة، لتقل هي: دعنا نقضي اليوم بسلام، وفي المساء سأعطيك الرقم وأفعل ما تريد، أرخى صالح نظره وتصفح الأوراق مع قول ليلى: ظهر التشخيص الأخير الذي يخص مشكلة رأسي قبل أيام.. وغدًا صباحًا سأخضع لعملية.. ونسبة نجاحها 20٪ فقط، لحظاتٍ ورفع صالح رأسه ليهتف بخفوت وصدمة: ورم! كيف..؟، أشاحت هي بنظراتها ونفت برأسها وكأنها لا تريد النظر لعينيه كيلا تنهار وتقدمت تنهض لتُزيح الأكواب عن الطاولة وهي تقول بنبرةٍ مرتجفة لم تنجح في إخفاءها: في المساء سأذهب إلى المستشفى وغدًا سيحدث ما سيحدث.. قد لا أخرج من العملية سالمة أو لن أستيقظ أو ربما أُصاب بالشلل، أمسك صالح ذراعها بقوة وهو يضع التقرير جانبًا عندما لاحظ نبرتها، فتركت هي الأكواب فورًا ورفعت ذراعها الأخرى تغطي وجهها محاولةً منها لتتمالك نفسها، لم يتكلم بل توقف وصمت وهو يضغط على ذراعها برفق، فعادت لتجلس وهي تغمض عينيها ثم وضعت رأسها على كتفه من الأمام دون تفكير أو تردد.. بينما أغمض هو عينيه بقوة وقد احتّله شعورًا غريبًا لم يفهمه ولا يدري ماذا يفعل في مثل هذه المواقف، فظلّ صامتًا يضغط برفق على ذراعها التي لا زال ممسكًا بها حتى هذه اللحظة، بينما انهمرت دموعها بصمت تندب حالها وحياتها التي تدهورت جدًا خلال فترة قصيرة.. خرج ادريس بعد لحظاتٍ وهو يقول: بابا رجاءًا.. هل يمكننا الذهاب إلى متجر ألعاب؟، ابتعدت ليلى بسرعه وهي تمسح عينيها فورًا بينما مسد صالح مقدمة رأسه قليلاً واشار لأبنه بأن يتقدم، فركض الصغير حتى توقف أمام والده فمسح على رأسه ليقل وهو ينظر نحو ليلى التي رفعت رأسها تنظر بابتسامة خفيفه رغم ملامح البكاء التي ظلتّ عالقة على وجهها: فكرة جيدة.. وسنأخذ أختك ليلى معنا ما رأيك؟، التفت إدريس اليها ليقل: فكرة جميلة! هل تذهبين معنا؟، أرخت رأسها قليلاً وهي تمسح دموعًا خانتها بينما نظر صالح بهدوء وحزن، رفعت رأسها بعد لحظةٍ وأومت بخفه مبتسمه فهرع الصغير لاحتضانها بحماسٍ وعفويه، لتقل له حين ابتعد: إذن يا سيد إدريس هل يمكنك احضار سترتي من الغرفة؟، أومى الصغير وركض إلى الغرفة مع استقامة صالح فنهضت هي بالمثل، ليقل بهمس: أنا آسف لـ..، قاطعتهُ وهي تقول: لا تقُل هذا.. وأنا أخبرتك لأنه ليس لديّ سواك لأبوح له بما يجري في حياتي، تنهد بخفه لتردف هي قبل أن يتكلم: هل سنقضي اليوم معًا أم فقط سنشتري ألعابًا لإدريس؟، ليُجيب وهو يبتسم قليلاً لجعلها تبتسم: ربما نشرب قهوة سوداء في مكان ما..، ابتسمت هي بالمثل بينما أرخى صالح بصره قليلاً ثم قال يحاول طمأنتها أو بعث القليل من الأمل في قلبها: سيكون كل شيء على مايرام وستنهضين بخير غدًا، وأنا سأذهب الليلة معكِ لأتكلم مع الطبيب حسنًا؟، ابتسمت هي بهدوء مرةً اخرى وقد ارتاحت قليلاً لتقل: شكرًا.. شكرًا يا صالح، ابتسم بهدوء ليقل: ولكنكِ ستعطيني ذلك الرقم، قلّبت عينيها لتقل: هذا سبب مساعدتك إذن!، ضحك قليلاً ليردّ: أمزح معكِ.. فليذهب الرقم إلى الجحيم، ضحكت هي مع خروج إدريس من الغرفة وهو يمسك بسترة بيضاء بين ذراعيه ليقل حين وقف مقابلها: هل تحبين هذه؟ لديكِ الكثير من السترات هناك، ليقل صالح: وأنت كنت تبحث طوال الوقت يابني؟، فقال الصغير: أجل ووجدت هذه تناسب ما ترتدينه، ضحكت ليلى بينما رفع صالح يديّه ليقل: فاااي جونيور خاصتي كبر لدرجة أنه سيصبح منسق أزياء، التقطت ليلى السترة وهي تضحك لتقل: لأفديه، ومن ثم ذهبت وهي تردف: سأحضر حقيبتي وآتي، أومى صالح وذهب يُمسك بيد أبنه ليجعله يرتدي سترته وارتدى هو سترته بالمثل، خرجوا الثلاثة وحين نزلوا من السلالم أخذ صالح يفتش في جيوبه بحثًا عن مفتاح سيارته لكنه لم يجده فتوقف ليقل: نسيت مفاتيحي على الطاولة، فقالت ليلى: سأذهب و أحضرها، فمنعها الآخر قائلاً: هاير.. أنا سأذهب، فأخرجت مفتاح شقتها من حقيبتها وناولته لصالح الذي عاد أدراجه إلى الأعلى بينما أكملت ليلى طريقها ونزلت برفقة إدريس، فتح باب الشقة بهدوء ودون ضجّه، وحين تقدم لدخول الصالون توقف عندما تناهى لمسمعه صوت الخادمه التي كانت تقول: أجل.. لقد صدّقت تقارير مرضها المزيفه وبأنها ستخضع لعملية غدًا، عقد حاجبيه فورًا واتسعت عينيه بخفه، لتكمل الأخرى وهي تُحادث شخصًا على الهاتف: أقول لك أجل لقد صدقت.. وكل يوم أضع لها الدواء الذي يسبب لها أعراضًا خفيفه في الماء وأتأكد من أنها شربته، صمتتّ تستمع لمُحدثها ثم اردفت: ذهبت الآن مع رجل لا أعرفه وأنظر.. أنا لا أستطيع البقاء هنا كثيرًا، ثم لحظاتٍ وأغلقت الهاتف دون أي كلمة أخرى، فتراجع صالح وأغلق باب الشقة بقوة خفيفة مموّهًا بأنه دخل لتوه، لتسمعه الأخرى التي انتفضت والتفتت فورًا لترى صالح يتقدم دون أن ينظر إليها متجهًا نحو الطاولة ليلتقط مفتاحه، وبلمح البصر التقط التقارير الخاصة بليلى وأخفاها في جيب سترته دون أن تلاحظ الأخرى، ثم استدار عائدًا فلمحها تُحدق به، ليبتسم وهو يرفع المفتاح ليُوضح سبب عودته وهو يقول: عملاً موفقًا، أومت بهدوء بينما خرج هو وفي لحظة إغلاقه لباب الشقة، تملكه غضب شديد.. شديد جدًا كاد يجعله يعود ادراجه ولكنه تمالك أعصابه لينزل خارجًا من البناية، لاحقًا.. صعد إلى السيارة وبجانبه ليلى بينما كان الصغير في الخلف، شغل المحرك وهو يسألها: لم تخبريني.. ما هو أسم طبيبكِ؟ وفي أي مستشفى؟، عقدت ليلى حاجبيها من سؤاله ولكنها أجابت بهدوء: الطبيب كريم في مستشفى ^^^، أومى صالح بخفه وهو يشدّ على المقود يحاول تخبئة انفعاله وغضبه، لم يخبرها بما سمِعه.. فربما ما سمِعه مجرد تفاهات ستجعلها تتأمل، تقارير مزيفة..! لماذا؟ وتخص ليلى التي لم تؤذي أحدًا يومًا؟ قرر أن يصمت وأن لا يقول شيئًا، لأنها الآن إن تأملت بأنه كذب أو خطأ ثم تأكدت لاحقًا من حقيقته أو صحتّه ستنتكس.. فما هو اسوأ من أن يُمنح الإنسان أملاً ثم يُنتزع منه هذا الأمل لاحقًا؟ لذلك صمت.. ينتظر ويريد أن يتأكد أولاً قبل أن يخبرها..
––––––––––––––––––––
حيثُ آصلي والكبير..
كانت هي صامتةً ولم تُجيبه لدقائق عندما سأل "لماذا تسعين ورائي؟" ليهتف هو مخاطبًا سائقه ببرود: هل لدينا أحد في ألمانيا..؟، فردّ الآخر فورًا بعد أن أومى ايجابًا: وإن لم يكن سنجعل جميع ألمانيا تتعقب ذلك الشاب، مالت آصلي برأسها وهي تبتسم بخفه.. لقد فهمت مقصد الكبير الذي كعادته يُهدد الشخص بأحبائه، ليقل الأخير: حسنًا ولكن لنسمعها أولاً..، ثم حوّل نظره إليها ليردف: موضوعكِ سداد دين قديم لفارتولو.. آمنا.. وافهمكِ فأنا ايضًا لا أحب أن أكون مُدينًا لأحد ولكن..، لتقل هي: قطعت كلامك بالعسل جنم ولكن موضوعي مع فارتولو انتهى..، مسّد الكبير ذقنه قليلاً ينتظرها تكمل حديثها لتردف هي: أريد أن أصل إلى عمي، عقد حاجبيه بخفه بينما أكملت هي بنبرةٍ مليئة بالحقد: يحيى إردام.. بالتأكيد تعرفه، لحظاتٍ حتى أبتسم الكبير ليهتف بخفوت: أنتِ أبنة أخيه التي تُنجز له أعماله وتُصفي الرجال بغمضة عين لأجله..، لم تتفوه آصلي بكلمة ليسألها الكبير: وماذا ستفعلين بعمكِ؟، فأجابته فورًا وبكل برود: سأقتله، أومى الآخر برأسه ليقل: لا تحبين المراوغة.. جميل ولكن لماذا تريدين قتله؟، فقالت هي: هل يجب أن أقول لك كل شيء؟، فصمت الكبير وكأنه يختبر اختيارها.. هل ستخبره بالحقيقة التي يعرفها أساسًا أم ستُخفيها؟ فهتفت هي بعد لحظة: حسنًا إذن.. لقد قتل عائلتي قديمًا طمعًا في الإستيلاء على أملاك أبي وحتى لا يشاركه أحد فيها، حاولتُ الوصول إليه من قبل بطرقٍ عدة ومنها أنني عملت لديه لكنه مثلك تمامًا لا أحد يتعرف عليه ولا يظهر نفسه ولم أرى وجهه منذ طفولتي، ليقل الكبير فورًا بحدّه: أنا متفرّد! لا أحد مثلي..، ثم أردف بعد لحظة تفكير: يعني هو من أرسل السيارة الغامضة التي تسببت بذلك الحادث؟، رفعت آصلي حاجبيها وبدهشةٍ لم تُخفيها قالت: ماشاءالله.. لا يخفى عليك شيء، استقام الكبير ليقل بعد ثوانٍ: إذن فالحكاية كلها ثأر قديم.. وحسب ما عرفته عنكِ من رجالي في الأيام الماضية كنتُ أظنكِ أذكى من أن تتحركي بدافع العاطفة فقط، لتُجيب آصلي ببرود: أنا لا أبحث عن الثأر فقط بل أبحث عن النهاية.. نهايته هو، زفر الكبير ببطء ثم قال: إذن اسمعيني أيتها المرأة.. إن كنتِ تريدين الوصول إلى عمكِ فلا طريق لكِ إلا كم تسعين الآن.. إلا من خلالي أنا، مالت آصلي برأسها مرةً أخرى لكن السلاح أيضًا منعها من الالتفاتة الكاملة أو حتى من أن تلمح عيناها من يقف خلفها، فتنهدت بشكلٍ غير ملحوظ لتقل: لم أعتاد أن أسلك طريقًا لا أصنعه بنفسي ولكن.. ماذا تريد؟، أقترب الكبير خطوة وهو يقول: ستسلُكين هذا الطريق الذي أصنعهُ أنا رغمًا عنكِ وستعملين لديّ وعلى حسابي، وإلا أخبرتُ عمكِ بمكان أخيكِ الذي لم تتقربي منه ولم تخبريه بنجاتكِ من ذلك الحادث بسبب احتمال أن عمكِ قد يعلم بأمره ويقتله.. فهو الوريث الذكر الوحيد لعائلتكِ أليس كذلك؟، قابلت آصلي تهديد الآخر بابتسامةٍ خفيفة لتقل بعد لحظات: يعني إجبارًا؟ ولا يوجد لديّ خيار؟، ليردّ الكبير فورًا: بالضبط هل لديكِ مانع مثلاً؟، نفت برأسها لتقل: ما دمتُ سأصل إلى عمي.. فهذا شرفٌ لي بأن أعمل معك، ليهمس الكبير: ذكية وتعرف مصلحتها..، ومن ثم هتف لسائقه بسخريه: لقد وجدنا بديلاً لأبن المدير بسرعه.. وجاهزة ايضًا! فحديثها في الاجتماع الماضي دليل كافي على خبرتها، ثم التفت بنظره إلى ظهرها ليردف: لم تقولي لي.. كيف حوّل كارتال الأسهم بدون علمي؟، فقالت هي بهدوء: لم يكن يعلم فقد كان مغشيًا عليه، لم يردّ الكبير فأكملت هي: ليلة أخذي لكنان وجدته على الطريق داخل سيارته متعبًا فأخذته لكي أساعده، ليقاطعها الكبير بابتسامةٍ بارده: ولتحوّلي الأسهم إليكِ؟، وبعد كلمة الكبير هذه.. نهضت آصلي بسرعة مفاجئة وفي غمضة عين أمسكت بسلاح السائق بقوة ووجهته نحو رأسه بحركة مباغته، ثم التفتت فورًا بأعينها نحو الكبير فرأته يتكئ على الطاولة بوجهه وملامحه الكاملة أمامها.. وسيجارةً في يده وهو ينظر بسخرية وبرود ليهمس ساخرًا: كما توقعت..، مرّت لحظة صمت وآصلي تشدّ على السلاح الموجهّ إلى رأس السائق الذي تُحاوطه بذراعيها بينما عينيها لا تفارقان الكبير أمامها.. كان الأخير يأخذ نفسًا طويلاً من سيجارته وكأنه ينتظر خطوتها القادمة أو ماذا ستفعل، لتقل ببرود وسخرية خفيّه: لقد سمعنا أن لا أحد يرى وجهك.. حتى أقرب رجالك، ولكن هذا الرجل ماذا يُميزه!، قالت الأخيرة وهي تُشير بعينيها إلى السائق، فابتسم الكبير حتى بانت أسنانه ليقل مخاطبًا السائق: متى رأيتَ وجهي؟، فأجاب الآخر ببرود: بالأمس، فسأل الكبير وهو ينفض رماد سيجارته: وماذا يحصل لمن يتسنى له الشرف برؤية وجهي؟، وحينها أخرج السائق فجاءه سلاحًا آخر من خصره ووجهه إلى رأسه ضاغطًا على الزناد منتحرًا حتى سقط و تناثرت قطراتٍ من دمه على وجه وملابس آصلي التي اتسعت عيناها بخفه صدمةً ودهشة، اطفأ الكبير سيجارته والتفت نحو آصلي التي تنظر إلى جثة السائق ليقل: رأيتي ماذا يحصل لمن يرى وجهي.. وأنتِ رأيته الآن كذلك، فهل سيكون مصيركِ كـ مصيره؟ "قالها وهو يُشير بنظراته نحو جثة السائق" أم نخرج من هنا باتفاقنا وكأننا لا نعرف بعضنا أبدًا أيتها المرأة؟
––––––––––––––––––––
الحفرة..
توقفت سيارة صالح أمام بوابة منزل العائلة وهو يقول مخاطبًا أبنه الذي يعبث في الخلف بأكياس الألعاب: المرة القادمة سنذهب جميعًا.. أنا وأنت وعمك ياماش والفتاتان، اومى الصغير بفرح ومن ثم نظر صالح إلى ليلى التي تنظر مبتسمة بهدوء ليردف: كوب القهوة دين سأوفيه قريبًا فلديّ بعض الأشغال حقًا الآن، أنتِ أقضي اليوم مع إدريس في منزل العائلة وأنا سآتي لاحقًا، لتقل ليلى متفهمه: حسنًا ولكن ربما لو بقينا هناك في شقتي لكان افضل لكي لا أزعج من في المنزل الآن..، فقال صالح فورًا: أي إزعاج تتحدثين عنه حبًا فالله؟ أذهبي وعندما أعود سأتحدث معكِ بخصوص موضوعٍ ما، لم تسأله فقط أومت بهدوء ونزلت برفقة إدريس الذي يحمل كيس الألعاب بصعوبة فساعدته وهي تضحك بخفه، بينما أشار صالح من النافذة لمحمود وهو يقول: عندك..، فأومأ الآخر وتقدم نحو ليلى وإدريس وهو يهتف: تمام آبي، وفي الجهة الأخرى تحديدًا في المقهى هتف وليّ مخاطبًا ياماش: لم أفهم..، ليردّ ياماش بانزعاج: وانا كنتُ أقول بأنك عبقري، ليقل وليّ: دقيقة دقيقة! مادخل هذا في موضوعنا الآن؟، تنهد ياماش بخفه ليقل: أنها تحبه.. وأستطيع أن أقسم على ذلك، صمت وليّ يفكر باستغراب ولكنه لم يندهش كثيرًا.. بينما أكمل ياماش: ولكن صالح.. لا أعلم لكنني أتمنى ذلك حقًا، فلو بادلها.. سيكون ذلك جيدًا جدًا بالنسبة له، ليقل وليّ وهو يرفع حاجبيه بخفه: كُن جديًا يا ياماش هل سيلتفت أخيك أو يبحث عن الحب في خضم كل هذا؟، نظر ياماش إلى الآخر بصمت ليقل بعدها بتساؤل: ألم تقع في الحُب يومًا يا وليّ؟، هُنا ارتخت ملامح وليّ وأشاح بنظره بعد ثوانٍ جعلت ياماش يرفع حاجبيه وهو يبتسم مستوعبًا ليقل: اووها! هيّا أخبرني، عاد وليّ لينظر فورًا بملامح حادة مضحكة من الحماس الذي في نبرة الآخر ودخل في لحظتها جيلاسون وميكي ليقل ياماش فورًا: تعالوا يا شباب لنسمع حكاية حب السيد وليّ جوهر، تقدما بسرعة وجلسا بحماس وهما ينظران بترقب، رمقهم وليّ برعب وقلق ليقل: ماذا يحصل؟ هل أنتم معتوهين؟، ابتسم جيلاسون ونظر إلى ميكي بطرف عينه ليقل بهمس: يحاول تجنبنا حتمًا أنها ستكون حكاية قوية، ابتسم ميكي وبالمثل ياماش الذي مسّد ذقنه قليلاً ليقل بنفاذ صبر: هيّا يا وليّ مابك لا تتكلم!، نهض الأخير بغضب مضحك والتفت حين دخل جومالي ليهتف وهو يتقدم ليقف بجانبه: من الجيد أنك أتيت.. هل هؤلاء مختلين عقليًا أم ماذا؟، عقد جومالي حاجبيه ونظر إلى الجالسين ليقل: ماذا حصل؟، فقال ياماش: كدنا نسمع حكاية حُب من السيد وليّ ويبدو أنها حكاية جميلة ولكن..، ليقل جومالي وهو يضع يديّه خلف ظهره: حقًا؟ اذن سأحضّر الشاي لتخبرنا، حينها اتسعت أعين وليّ ليُتمتم وهو يخرج بسرعه: والله انهم مجانين!، فاصطدم بصالح الذي امسكه فورًا وهو يقول: هوب هوب ما هذه العجلة؟ وايضًا رفقًا بي فأنا رجل هشّ صحيًا، عقد وليّ حاجبيه ليقل: هـ..؟ ماذا صحيًا؟، فضحك صالح قليلاً ولكن الآخر تجاوزه وهو يقول: ليس لديهم عقول البته!، راقبته انظار صالح وهو يبتسم باستغراب من الآخر الذي لطالما بادله هذا المزاح ولكنه الان يبدو غاضبًا، وحين دخل إلى المقهى ووقف بجانب جومالي الذي لازال يقف بجانب الباب قال: ماذا يحصل؟ لماذا خرج وليّ هكذا؟، فقال جومالي وهو يُشير إلى الجالسين: هؤلاء المجانين أرعبوه، عقد صالح حاجبيه وهو يبتسم ليقل ياماش: وكانك لم تشاركنا هذا يا أخي، ومن ثم أردف وهو ينظر إلى صالح: لا شيء سوى أننا كنا نريد سماع حكاية حُب وليّ لكي نخفف عن أنفسنا قليلاً ولكنه مع الأسف تركنا وذهب، قلّب صالح عينيه ليقل: إلا هذه..، ومن ثم أردف وهو يضرب مقدمة رأسه بخفه: انسيتموني ما جئتُ لأجله، ليقل جومالي بهدوء يريد الاطمئنان: هل أنت بخير؟، فقال صالح: لو تتركون هذا السؤال وتكفّون عن سؤالي به!، ليقل جومالي فورًا وهو يقترب: حسنًا ما رأيك بأن أصفعك لأتأكد إن كنت بخير أم لا؟، فرفع صالح ذراعه وهو يقول مبتعدًا عن أخيه: هاير.. توبه ياا، ابتسم ياماش بينما ضحك جيلاسون وميكي بخفه، ليردف صالح: أشعر بالدوار والغثيان قليلاً ولم أنمّ منذ الأمس لكنني بخير، نظر جومالي بقلق بينما قال ياماش بأسى مخفي: هذا طبيعي.. وسيخُف مع الوقت، ليهتف صالح مغيرًا الموضوع: وجدتُ سافاش.. رأيتُ وجهه وملامحه ومساءً سآخذ رقم هاتفه، غصّ ياماش برشفة الشاي التي شربها واعتدل جيلاسون وميكي بذهول، بينما تقدم جومالي ورفع يدّه بعد لحظة قصيرة يتحسس وجه وجبين أخيه وهو يقول: هل ارتفعت حرارتك؟ بماذا تهذي أنت؟، ابتسم صالح وهو يُبعد ذراع الأكبر ليقل: لستُ أهذي.. حقًا وجدته أو شارفت على إيجاده..، نظر الجميع باستغراب وذهول وكأنهم ينتظرون تفسيرًا ما، فأخبرهم صالح بكل شيءٍ جرى معه وبمعرفة ليلى لسافاش.. ولاحقًا أمام مستشفى في وسط المدينة بعد ساعة، اصطفت سيارة صالح بالقُرب من المدخل الرئيسي وترجل منها وهو يحمل في يده تقارير ليلى، دخل وسأل عن مكتب الطبيب فأرشدتهُ ممرضة إليه.. طرق الباب بهدوء حتى سمع صوت الطبيب الذي أذِن له، فدخل وهو يبتسم حتى صافح الطبيب وجلس أمام مكتبه بكل أريحية، ليهتف وهو يضع التقرير على الطاولة: من طلب منك كتابة هذا التقرير؟، عقد الطبيب حاجبيه والتقط الملف ببطء وفتحه.. ليقرأ أسم ليلى، وفورًا ارتجف جسده وأشاح بنظره وهو يُعيد الملف مكانه، ليقل بنبرة لم يستطع اخفاء ارتجافها: من أنت؟ ولن أُدلي لك بمعلومات مرضايّ، نهض صالح فورًا ووضع يديّه في جيوبه ليقل: تكلم..، نظر الآخر بقلقٍ ممزوج بالرعب، ليتنهد صالح بقوة وهو يغمض عينه ومن ثم قال وهو يستند بيديّه على المكتب: هل التقارير مزيفة؟، ابتلع الطبيب ريقه بتوتر وبدون أي ضغطٍ أكثر.. ربما لأنه لمح سلاح صالح الذي ظهر على خصره حين انحنى وأُزيحت سترته قليلاً، قال: أجل.. مزيفة، أغمض صالح عينيه بقوة وهو يتمتم: ليلعنكم الله..، ومن ثم هتف وهو ينظر بحدّه: ومن الذي أمرك بتزييفها؟، فقال الآخر: أرجوك لا تجبرني.. لقد هددني بزوجتي وأولادي ولا أستطيع إخبارك، مال صالح برأسه غاضبًا ليردف الطبيب بهمس وقلق: أرجوك..، ليقل صالح بحدّه: أنظر.. قلت لك تكلم قبل أن أجعلك أنا تتكلم وصدقني لن تريد هذا، صمت الطبيب لثوانٍ قال بعدها باستسلام: لا أعرف اسمه لكنه أمرني بتزوير التقارير الخاصة بهذه الفتاة.. لقد اتت تشتكي من صداعٍ نصفي وقبل أن تظهر نتائج الأشعة السليمة أجبرني على استبدالها بتقارير شخص آخر، ضيق صالح عينيه ليقل: والعملية؟، هنا مسح الآخر العرق الخفيف من على جبينه ليقل: ليس هناك عملية اصلاً.. فقط يريد مقابلتها أو إيهامها بأنه مريضة ولا أعلم لماذا، صمت صالح لثوانٍ وقد تشوّش عقله كثيرًا، فتنهد ببطء وسأل: أوصافه؟، حاول الآخر التذكر ليهتف بخفوت: شابًا ليس طويلاً.. شكله يوحي بأنه متعجرف وغني، ثم صمت وأردف: شعره طويل يربط نصفه ولديه وشـ..، رفع صالح يده في وجه الطبيب وهو يغمض عينيه بخفه ليهمس: لكثرة حديثهم عن شعره الطويل ووشمه بتُ أرغب في قص شعره ونزع جلده، واستدار خارجًا عندما لاحظ أن الطبيب من الواضح انه لا يعلم شيئًا آخر ولكن الأخير استوقفه وهو ينهض من خلف مكتبه ليقل: لن يحصل شيئًا لعائلتي ارجوك ليس لديّ غيرهم، صفن صالح قليلاً ليقل: اعتبر أننا لم نتحدث هنا.. ولا تُخبره بأنك أخبرتني إن كنت لا تريد لعائلتك أن يصيبها مكروه، وخرج فورًا دون سماع أي كلمة من الآخر.. ولاحقًا دخل ياماش غرفة أخيه وتقدم حتى فتح درج الطاولة الصغيرة بجانب السرير، فوجد أدوية الآخر وفتح العلبة ليتفحصها، وبعد ملاحظة سريعه أدرك أنها لم تُفتح منذ الأمس إذ لم ينقص منها شيء، فعرف عندها أن أخاه لم يتناول دواءه منذ استيقاظه في الليلة الماضية، تنهد بخفه ولا يعلم هل يفرح أم يحزن.. ولكنه مسح وجهه بخفه وخرج ليُقابل جومالي الذي قال دون مقدمات: أمره لا يعجبني بيبي يخيفني أنه يبدو بخير، ليقل الأصغر بقلة حيله: ماذا تريد بالضبط يا أخي؟ هل تريده ان يتعب، فقال جومالي: بالطبع لا اريد يا هذا! ولكن تخفيف الجرعات كما قال الطبيب سيُظهر أعراضًا اليس كذلك؟، فقال ياماش: اجل ولكن خفيفه لأنها ناتجة عن التخفيف فقط يا أخي لا عن ترك العلاج بالكامل، مسح جومالي وجه ليكمل ياماش لكي يجعل أخيه يتوقف عن التفكير بالأمر: كما أن إدمانه ليس شديدًا وهو لم ينم منذ الأمس ورأيتَ أنه يترنح بين الحين والأخرى.. هذه أعراضًا كافيه، ليُمسك جومالي ذراع ياماش بخفه وهو يقول: هل أخذت الأدوية من غرفته؟، عقد الأصغر حاجبيه بخفه ثم تنهد ببطء ونفى برأسه، ففعل جومالي حركة فمه المعتاده ليقل: ولماذا؟، فردّ الآخر فورًا: لأنني أثق به ولن يأخذ جرعة أكبر مما وصفه الطبيب، ابتسم جومالي باستهزاء ليقل: الموضوع ليس عن الثقة بيبي..، وتجاوزه لينزل الآخر بضيق إلى الأسفل حيثُ ليلى وإيفسون في الصالون.. فجلس مع قول إيفسون التي تخاطب ليلى: لم نتحدث عندما جئتي في المرة السابقة ولكن ياماش أخبرني عندما حضرتي حفل ختان إدريس.. لذا أنا تقريبًا أعرفكِ، لتقل ليلى بهدوء وابتسامة وهي تنظر إلى ياماش: أجل.. عندما كنت أنوي التحدث معهم ولكنهم ذهبوا وتركوني أتحدث مع كراسي الطاولة وقتها، رفع ياماش حاجبيه ليقل وهو يمسك ضحكته عندما تذكر الموقف: لقد تكلمتي في موضوع حساس ويغضبني جدًا لذلك كان ذهابنا وقتها أفضل للجميع من التحدث، ليُقاطعهم دخول صالح الذي أتى لتوه، فخاطبه ياماش مبتسمًا فورًا: الليلة سنتناول العشاء جميعًا.. ودعوتُ ليلى ليكن بعلمك، اومى صالح بهدوء لا يخلوا من التعب وتراجع دون أن يتكلم ذاهبًا إلى الأعلى مع نظرات ليلى المستغربه، توجّه إلى غرفته ليجد جومالي يخرج منها وهو يمسك بكيس أدويته، توقف ينظر تارةً إلى وجه أخيه الذي ينظر بصمت وتارةً إلى يده التي تحمل الكيس، فتظاهر بأنه لم يفهم ولم يرى رغم النيران التي اشتعلت بصدره غضبًا من نفسه، وذهب يدخل إلى الغرفة بينما التفت جومالي ينظر إليه للحظات وذهب دون أن يقول شيئًا.. وفي بداية ساعات المساء.. تجمع الجميع على طاولة العشاء.. باستثناء صالح واكين وزوجته، جلست ليلى وهي تتساءل في داخلها عن صالح ولماذا لم ينزل منذ وقت لكنها لم تسأل احدًا ابدًا.. تقدم جومالي وجلس بدوره وهو يقول بجمود يخاطبها: اهلاً وسهلاً، ابتسمت مجاملة وهي تردّ: اهلاً بك، ليقل ياماش الذي يجلس على رأس الطاولة: أخي جومالي تعرفينه..، ثم أشار إلى داملا وابنتها وهو يردف: هذه زوجته وأبنته آسيا، ومن ثم أكمل وقد ابتسم قليلاً: تعرفتي على زوجتي إيفسون اساسًا وهذه ابنتي ماسال، اومت ليلى بهدوء ومن ثم أشار إلى كاراجا التي كانت شارده بعدم مبالاة ولم تنتبه لحديثهم: وهذه كاراجا.. أبنة أخي، عمّ الصمت لثوانٍ حتى نطق جومالي بالسؤال الذي يضجّ في جوف ليلى، السؤال الذي كانت تُمسك نفسها بصعوبة عن التفوّه به: أين صالح؟، نظرت ليلى لياماش تنتظر إجابته ليقل هو: لقد غفـ..، ولم يكمل جملته حتى أتاهم صوت صالح وهو يتقدم بهدوء: لقد أتيت..، استدارت ليلى نحوه مبتسمة بينما اومى جومالي بهدوء فجلس صالح على كرسي بين أبنه وليلى مع سؤال ياماش له: هل نمت؟، فأجاب صالح وهو يستند بظهره على الكرسي: لساعة وكان نومًا متقطعًا ولكن لا بأس به، رمق بعدها الجالسين حتى استقرت عيناه على ابنة اخيه.. فقال بحنان: كاراجا.. كيف حالكِ امجاجم؟، رفعت الأخرى رأسها مبتسمة وهي تردّ: بخير امجا.. أنت كيف اصبحت؟، فأومى صالح بهدوء وهو يقول بعد أن تمعن بالنظر إليها: وجهكِ شاحب قليلاً..، توترت الأخرى ولكنها أجابت بهدوء مشوبّ بالتوتر: لاشيء.. فقط متعبه قليلاً، صمت صالح وأشاح بنظره متفهمًا، بينما لاحظت ليلى كفّ كاراجا التي وضعته على بطنها بشكل غير ملحوظ ولكنها صمتت واشاحت بنظرها بهدوء، أتت جنات تضع بعض الأطباق على الطاولة مع دخول اكين الذي توقف بصمت عند مدخل الصالون حين التفتت ليلى وتجمدت وهي تنظر إليه.. إلى قاتل أخيها، مسح صالح وجهه بغضب وتوتر بينما صمت ياماش بأسى وجومالي الذي ينظر بحدّه، عادت ليلى برأسها لتنظر إلى صالح بارتجاف وهي تنهض ببطء لتقل: سأذهب..، فقاطعها اكين فورًا وهو يذهب باتجاه السلالم إلى الأعلى: لاداعٍ لذلك.. بالعافية لكم، بينما مسك صالح كفّ ليلى وأعادها جالسة بهدوء، رمق ياماش كفوف الاثنان التي تشابكت لثوانٍ قليلة بابتسامة لا اراديه.. ثم مضت ساعة كامله.. مضت والجميع يتناولون العشاء ويتبادلون أحاديثًا عادية طبيعية وجميلة.. أحاديث جعلت كلاً منهم بلا استثناء يبتسم طوال الوقت دون إراده، يبتسم لأن هذا الجو الطبيعي المُريح الذي افتقدوه لوقتٍ طويل واجتماعهم جميعًا على ذات الطاولة قد عاد ولو قليلاً.. لاحقًا خرج صالح إلى الشرفة تاركًا اخوته في الصالون وتوجّه نحو ليلى التي تقف أمام السور بجانب إيفسون وهما تتحدثان، التفتت إيفسون حين نادت عليها ابنتها وذهبت تاركةً الاثنان في الشرفة، تقدم صالح ليقل: هل قضيتي وقتًا جيدًا؟، ابتسمت هي لتُجيب بنبرةٍ هادئة فيها من الامتنان ما لا تستطيع اظهاره: الجو العائلي.. حقًا جميل وشكرًا للمرة الألف يا صالح، ابتسم الأخير بهدوء لتردف ليلى: متى سنذهب؟، فردّ عليها باستغراب: إلى اين؟، فعقدت الأخرى حاجبيها لتقل: المستشفى.. يجب أن اكون هناك بعد ساعة ونصف، انزل رأسه وهو يتنهد بقوة ليقل: هل تشعرين بأعراض قوية يا ليلى؟ تشوشّ رؤية صعوبة في الكلام وفي تحريك اطرافكِ نوبات تشنجات..، صمتتّ الأخرى مستغربه وخائفه لتقل: لا.. صداع..، ومن ثم اردفت بهدوء: فقط صداع.. ودوار خفيف، ليقل صالح: ومنذ متى؟، فقالت هي بعد لحظة تفكير: منذ أسبوعين تقريبًا، ابتسم صالح بحزن ليقل بعد لحظات: بسبب الماء الذي تشربينه من يدّ تلك الخادمة، نظرت هي بصدمه وعدم فهم ليردف الآخر: وقبلها ربما كان صداعًا عاديًا وإرهاقًا بسبب ما مررتِ به مؤخرًا.. ولكن الم تلاحظي شيئًا خاطئًا وغير منطقي؟، ارتجف قلب ليلى لتقل حين تمعنت في وجهه قليلاً: ماذا حصل ياصالح! انت تريد قول شيء، تنهد الآخر بعمق ليُجيب بعد أن نظر لعينيها وعاود الابتسام قليلاً: أنتِ بخير.. لايوجد ورم وماشابه، ابتسمت ليلى للحظةٍ قصيرة وكأن كلمات صالح كانت نورًا خافتًا صغيرًا اخترق ظلامًا ثقيلاً في صدرها.. لكن سرعان ما انعقدت ملامحها من الدهشة وهي تقول بخفوتٍ واضطراب: ماذا قلت؟، اقترب صالح خطوةً ليقل: كل ما قالوه لكِ في المستشفى، تقاريرهم.. تشخيصهم.. وحتى العملية.. جميعها كذب، وقبل أن تتكلم وقد عرف ما ستقوله هي: ستقولين الطبيب و.. و.. الطبيب كان مُجبرًا والتقارير مزيفة يا ليلى، وضعت الأخرى يدها على صدرها وكأنها تحاول تهدئة ضربات قلبها بينما اكمل صالح: شخص ما أرادكِ أن تصدّقي ذلك، هُنا تراجعت هي وجلست على أقرب كرسي بالقُرب منها لتقل بخفوت: : لا.. لا يُعقل من قد يفعل شيئًا كهذا؟ ولماذا!، هُنا اتكئ صالح بظهره على السور وهو يهتف بهدوء مشوبّ بالغضب: المدعو سافاش..، ضحكت هي بسخريه بالرغم من دهشتها بينما أردف صالح: تقولين انه كان يتقرب منكِ؟ ال*** ربما لديه نوايا لا نعلمها، ولكن صدقيني سا*** هذه النوايا، وعند كلمته هذه وعند ملامح الصدمة التي لا تزال تعتلي وجهها هي رنّ هاتفها الذي في جيبها باتصالٍ وارد.. فأخرجته وهي تمسح وجهها بتشتتٍ وعدم استيعاب، لتجد الاتصال باسم "سافاش" يقولون دائمًا ان الشخص الجيد يظهر عند ذكره.. ولكن ماذا عن السيئون؟ عن أولئك الذين يُذكر أسمهم فيُفسدون الهواء من حولنا غير مكتفين بظهورهم احيانًا؟ وفي الجهة الأخرى من المنزل.. في الخارج كانت كاراجا تجلس على عتبة باب المنزل وهي تلفّ وشاحًا حول جسدها، تتشبث به وكأنها محاولةً منها لتحمل ما تعجز عن احتماله، كان العشاء رائعًا حقًا وقد منحها لحظاتٍ قصيرة من النسيان، جعلها تضحك وتتنفس بهدوء.. لكن الآن وقد اختلت بنفسها عادت أفكارها تثقل صدرها من جديد، كيف ستخبرهم؟ كيف ستخبر أعمامها واخيها بأمر حملها؟ هل سيتقبلون ذلك أم سيغضبون؟ هي لا تريد التخلص من الطفل وهي متأكدة تمامًا من رغبتها هذه.. رغم أن والده مضى بعيدًا وتركها ولو جزئيًا، إلا أنها لا تستطيع أن تُلقي ببراءته ثمنًا لرحيل والده الذي لا يعلم بأنه سيصبح أبًا، تنهدت ببطء مع قدوم جيلاسون الذي يحمل كوبان من الشاي، ناولها أحد الأكواب وجلس بجانبها صامتًا.. لحظاتٍ حتى قال: لم تخبريهم؟، نفت برأسها لتقل: سأخبرهم حين يحين الوقت المناسب، ثم اردفت وقد ربتت على كتفه قليلاً: من الجيد أنك جئت في ذلك اليوم.. وإلا لا اعلم حقًا ماذا كنتُ سأفعل بنفسي، فقال جيلاسون بهدوء بعد لحظة رغم الشعور المزعج والمؤلم الذي يُرافقه منذ رؤيته لاختبار الحمل آنذاك: أريدكِ أن تكوني على يقينٍ بأنني سأبقى بجانبكِ مهما حدث، ابتسمت وهي ترخي رأسها.. فأردف هو: وإن اردتِ سأصبح والد الطفل..، هُنا التفتت برأسها مندهشة وغاضبه في الوقت ذاته، ولكنها لم تتفوّه بكلمة بل استقامت وعادت إلى المنزل بخطى غاضبه، وبعد وقت.. في تمام الساعة العاشرة مساءً.. أخرجت ليلى بطاقة الدعوة الخاصة بحفل افتتاح مكان سافاش أمام الحارس الذي يقف عند الباب، وسرعان ما ابتعد قليلاً باحترام سامحًا لها بالدخول، كانت ترتدي تنورة جلدية سوداء متوسطة الطول.. سترة رمادية مزخرفة بطريقة جميلة وجذابة.. وفوقها سترة سوداء أكبر وأطول لتقيها من البرد والثلج الذي بدأ يتساقط بخفة منذ يومين، تقدمت إلى الداخل وهي تعدل شعرها الذي كانت تسرحه كعادتها دون كلافة فهو بالكاد يُلامس كتفيها، تنهدت ببطء ودارت بعينيها في أرجاء المكان، كان مزدحمًا بعض الشيء كعادة الاحتفالات الافتتاحية وغيرها.. لحظاتٍ والتفتت حين سمعت صوت أحدهم يقترب منها وهو يقول: اهلاً وسهلاً..، فرأت سافاش بشعره المرتب وبدلته الراقية والمكلفة يتقدم نحوها بابتسامة عريضه وكأنه كان ينتظرها طوال الوقت.. وهو كذلك، أجبرت نفسها على الابتسام وهي تصافحه ليقل بعد أن تأملها من قدميها حتى رأسها بإعجاب: لقد شرفتيني حقًا بحضوركِ الافتتاح.. وأنا سعيد بشكل لا تتصورينه لوجودكِ هنا الليلة، ابتسمت هي.. ولكن هذه المرة بصدق! وليس إلا لأنها لمحت ياماش اعتلى مسرح الغناء ورأت صالح الذي يجلس على بُعد مسافة على طاولة بالقرب من البار برفقة جومالي ووليّ مرتديًا نظارته الشمسيه ينظر إليها من بين الزحام وهي تقف بجانب هذا الرجل.. ابتسم صالح بخُبث وغضب في آنٍ واحد بينما نظرت هي لسافاش بنظرةِ انتصارٍ وثقه وقوةٍ فضيعه..
إلى اللقاء في البارت القادم..
أنت تقرأ
لا يوجد سوى الألم..
Fanfictionسيناريو بأحداث مختلفه للجزء الرابع "Çukur" *ملاحظه: هذه المره الأولى لي في كتابة شيئًا ما..
