علي الطرف الأخر ..
أمام الورشة الصناعية الشهيرة بحي الغورية العريق ..
أمسك "رشدي" برسغ "توفيق" في إلحاح قائلا:
-يا توفيق استني بس .. اقعد كده و استهدا بالله ، هتروح فين طيب ؟؟
جاهد "توفيق" في جذب ذراعه من قبضة صديقه بلا جدوي ، فصاح به بعصبية:
-سيبني يا رشدي ، البت مارجعتش من امبارح ، سيبني اروح ادور عليها.
سايره "رشدي" قائلا بهدوء:
-طب بس هتدور عليها فين ؟ انت عارف مكانها ؟؟
أجابه "توفيق" ثائرا:
-لا ماعرفش .. بس لو حكمت هلف البلد كلها كعب داير لحد ما الاقيها.
-طب تعالي .. تعالي بس اقعد هنا معايا.
و أخذ يجره إلي طاولة صغيرة وضعت أمام الورشة غير آبه بتأففه ، ثم جلس إلي جواره و هو يقول بلهجة رزينة هادئة:
-العصبية و الانفعال دول مش هيحلوا حاجة يا توفيق .. لازم تفكر كويس الاول عشان تعرف تتصرف صح.
باغته "توفيق" منفعلا:
-يعني عايزني اعمل ايه يا رشدي ؟ بقولك البت مارجعتش من امبارح !!
صمت "رشدي" قليلا .. ثم قال في تردد:
-طيب .. هي مش ممكن تكون عند اللي اسمه عاصم الصباغ ده ؟؟
حملق فيه "توفيق" بعينين متسعتين ، ثم صاح مصدوما و كأنه قد بوغت بقوة:
-يانهار اسود ! .. صح يا رشدي .. صح ممكن يكون خطفها !
و سرعان ما إحتقن وجهه بغضب حارق ، ثم هب واقفا و هو يهتف بشراسة:
-المرة دي مش هسيبه الكلب ده.
و قبل أن يأخذ خطوة بعيدا ، أمسك به "رشدي" للمرة الثانية و قال:
-استني بس ماتتهورش ، احنا اسلم حل نعمله دلوقتي اننا نروح نعمل محضر في القسم.
-محضر !!
قالها "توفيق" بإستخفاف ، و تابع هازئا:
-انت ناسي اللي حكيتهولك قبل كده و لا ايه ؟ ده قدر يشتري الحكومة مرة .. مش هيقدر يشتريها مرة تانية يعني !
ثم أضاف بحسم و تصميم:
-المرة دي هجيب حق بنت اخويا بنفسي .. و هرجعها انشالله يكون فيها موتي.
*********************
كان يقف أمام مرآة توسطت غرفة نومه الفخمة ذات الألوان الغامقة ..
فيما حدق بإنزعاج إلي تلك الرضوض و الكدمات التي ملأت قسمات وجهه ، و تذكر بغضب متقد ذلك الرجل الذي حرر "هانيا" من هجومه عليها ..
ما زال يذكر جيدا كيف أنه إنتزعه من فوقها إنتزاعا و أمسك بتلابيبه و قد حوله الغضب إلي وحش مخيف لم يري له مثيل من قبل ..
ما زال يذكر أيضا كيف لقنه الرجل و أفراد حراسته درسا قاسيا هو و صديقيه اللذين أرادا مشاركته رغبته المشينة المخزية ..
أفاق من شروده و هو يقسم بأغلظ الإيمان أنه سوف يقاصصه علي ما فعله به ..
أنه يعرفه تمام المعرفة .. إذ ان صوته لا زال يرن بأذنيه .. عندما كان يكيل له اللكمات بعنف .. إقترب بفمه من أذنه و همس بشراسة جلفة " محدش يقدر يحط ايده علي حاجة ملك عاصم الصباغ " ..
"عاصم الصباغ" .. لقد سمع بذلك الإسم مرارا من أبيه ، السيد "كمال الطحان" رجل الأعمال الثري و الشهير بدوره ..
علي حسب تقييم والده لـ"عاصم" أنه رجل مجتهد و حاد الذكاء ، و لكنه أفرض شخصه المنحط علي أصحاب الطبقات الإجتماعية الرفيعة ، بحيث تحول في ليلة وضحها من شاب فقير معدم إلي رجل أعمال ثريا مرموق ..
و لكن مهما كان ذا شأن عظيم .. حتما سوف يضع خطة للإنتقام منه ، لن يترك الحادثة تمر دون رد إعتبار كرامة لكبرياءه المتغطرس ..
إنتفض "جاسر الطحان" بشموخ ، و غادر غرفته بهدوء ..
هبط الدرج بخفة و كاد يخرج من باب المنزل إلا أن صوت والده إستوقفه فجأة:
-جاسر !
جمد "جاسر" بمكانه لوهلة ، ثم إستدار ليواجه والده الذي صُدم من مرآي وجه أبنه المتورم و المتضرج بمزيج من اللونين الأزرق و الأحمر .. :
-ايه اللي عمل فيك كده ؟؟
صاح السيد "كمال" بصدمة ، بينما إقترب منه "جاسر" و هو يجيبه بفتور:
-اتخانقت يا بابا.
-اتخانقت يا بابا !!
ردد "كمال" بنزق منفعل ، و عاد يسأله غاضبا:
-و اتخانقت مع مين و ليه يا افندي ؟؟
زفر "جاسر" بضيق قائلا:
-الموضوع انتهي خلاص يا بابا ، و بعدين ده شيء يخصني انا.
-اتكلم معايا عدل يا ولد !
قالها " كمال" بخشونة ، فكبح "جاسر" عصبيته بقوله:
-طيب حضرتك عايز مني ايه دلوقتي ؟؟
عاينه أبوه للحظات في تقييم مزدر ، ثم قال:
-هيئتك هيئة راجل .. لكن عقلك و تفكيرك و تصرفاتك عيالي اوي.
كز "جاسر" علي أسنانه بقوة حانقا من كلام أبيه ، بينما أشار له الأخير برأسه و هو يقول آمرا:
-تعالي ورايا.
تبعه "جاسر" علي مضض حتي وصلا إلي غرفة المكتب ..
جلس "كمال" خلف مكتبه و دعا إبنه للجلوس في المقعد المقابل له ..
و بعد صمت قصير .. هتف قائلا:
-مبدئيا عايزك تعمل حسابك بكرة الصبح هتروح مع اختك و هي بتقدم في الجامعة.
سأله "جاسر" بإهتمام:
-و اختارت تدرس ايه بقي ؟؟
بصوت خال من الحماسة أجابه والده:
-سينيما .. اختارت سينيما.
-نعم !!
هتف "جاسر" منفعلا ، و تابع:
-ده مجموعها كويس و تقدر تدخل كلية كويسة .. انت موافق علي حوار السينيما ده ؟!!
مط "كمال" شفتيه متآسفا علي عناد إبنته و قال:
-انا ماتعودتش اغصبها علي حاجة من يوم ما امكوا اتوفت الله يرحمها .. هي حرة.
صاح "جاسر" بفظاظة جلفة:
-هي حرة يعني ايه ؟ انت عارف ايه هي السينيما ؟ عارف الوسط ده بيحصل في ايه ؟؟
أجابه "كمال" بلهجة حادة:
-اختك مؤدبة يا جاسر .. و انا بثق فيها.
و قبل أن يتفوه بحرف أخر قاطعه بصرامة:
-خلاص انتهينا.
صمت "جاسر" قاطبا في غضب ، بينما غير "كمال" مسار الحديث فسأله بإهتمام:
-قولي بقي بصراحة .. مين اللي عمل فيك كده ؟؟
نظر له "جاسر" بتشكك ، فإبتسم والده بخفة و قال بلطف يحثه علي الكلام:
-قولي يا جاسر ماتخبيش عليا .. انت ابني و انا عارف انك عنيد و متهور زيي و مابتسيبش حد غلط فيك .. بس انت ابني بردو و اللي يضرك كأنه ضرني بالظبط.
إسترخت تعابير وجه "جاسر" فتنهد "كمال" بعمق و عاد يسأله:
-ها بقي .. مش هتقولي اتخانقت مع مين ؟؟
بعد تردد .. قص عليه "جاسر" الأمر كله ..
إتسعت عينا "كمال" في غضب و هو يصيح بإهتياج:
-نهارك اسود .. انت ازاي فكرت تعمل كده ؟ انت اتجننت ؟ انت مش عارف دي تبقي مين يا متخلف !!
أجاب "جاسر" بغلظة:
-عارف يا بابا .. هانيا مصطفي علام .. بنت حلوة كانت غنية لحد ما ابوها فلس و انتحر و مابقاش حيلتها و لا مليم.
ثم رفع يده إلي وجهه يتحسس صدغه الأيمن مغمغما بحنق:
-و اول واحدة ترفضني و مش كده و بس لأ دي اتجرأت عليا و ضربتني بالقلم كمان .. كان لازم اخد حقي.
صرخ "كمال" بإنفعال:
-و لما عمها ياخد خبر بعملتك السودة دي !
ببرود و لامبالاة رد "جاسر":
-هو انا لحقت اعمل حاجة .. و بعدين حتي لو عمها عرف ما هو كمان بردو فلس انت ماسمعتش اخر اخبارهم و لا ايه ؟ مش مروان ابنه رفع عليه قضية حجر و كسبها .. يعني هما الاتنين بقوا صفر عالشمال .. و لا ليهم اي لازمة ، مايقدروش يعملوا حاجة.
ثم تمتم بغيظ:
-هانيا دلوقتي ماتهمنيش اد ما يهمني اللي اسمه عاصم الصباغ ده .. لازم اربيه.
أنذره والده محتدا:
-انت مش هتعمل حاجة خالص .. الموضوع انتهي و مش عايز اسمع فيه كلمة زيادة لا من قريب و لا من بعيد .. فاهم ؟؟
-يعني عايزني اسيب حقي ؟!!
هتف "جاسر" مستنكرا ، فباغته والده بلهجة قاطعة:
-انت الغلطان في الحكاية كلها .. و اي بني ادم غيره لو كان شافك في الوضع ده كان هيتصرف زيه بالظبط .. فأعقل كده و بطل جنان .. انا مشغول الفترة دي في الشغل و مش فاضي الم وراك.
