26

3.1K 99 8
                                        


إستلقت "هانيا" بإسترخاء في المغطس المليء بالماء الساخن ..
كان الحمام بمثل جمال غرفة النوم .. المرايا تغطي مغظم الجدران ، و الأرض رخامية بلون الزبدة ، و المغطس عاجي ذي حنفيتين مصممتين علي شكل ثعبان ..
و الرفوف من حولها مكتظة بعلب البودرة و الكريمات المرطبة و سوائل الإستحمام و الصابون الفاخر ذا الرائحة النفاذة المنعشة ..
فرغت "هانيا" من حمامها .. وغادرت المغطس ..
تناولت منشفة من كدسات المناشف المخملية الدافئة بخزانة الحائط الصغيرة ..
جففت جسدها جيدا و إرتدت برنس الإستحمام الذي وجدته من ضمن هداياه .. لفت المنشفة الصغيرة حول رأسها علي شكل عمامة و عادت إلي الغرفة مجددا و هي تحس بإنتعاش هانئ يملأ مسامها و يغمرها بالعافية و السعادة - رغم الثورة العنيفة التي تعتمل بداخلها تجاه الوضع برمته - ..
نظرت "هانيا" إلي ساعة الحائط ، فوجدتها السابعة مساء ..
ما زال أمامها الوقت الكافي لتهئ نفسها قبل موعد العشاء .. حافت من البرودة التي لاقتها في الغرفة بعد حمامها الساخن ، فإتجهت نحو الخزانة مسرعة ..
توقفت تتفحص بعينيها الملابس و الفساتين .. جميع الأغراض مذهلة ، مبهرة الجمال .. و لكنها لا تتوافق مع ذوقها ..
فهي برغم مستواها الإجتماعي الرفيع و المتحرر ، إلا أنها تفضل الملابس المحتشمة ، و هو إبتاع لها أغراضا تناسب ذوقه هو !
عاودها الغضب من جديد ، لكنها سرعان ما كبحته و عادت تتفحص الخزانة مجددا لعلها تجد ما يناسبها ..
و بعد بحث طويل ، وجدت ضالتها أخيرا ..
إختارت ثوبا بسيطا جدا مسترسل حتي الأرض في خطوط ملساء دون أي زركشة ، حريري ذي لون ناري براق ، أكمامه طويلة ، أما فتحة الرقبة فقد كانت مستديرة منخفضة الصدر و الظهر ..
إرتدت "هانيا" الثوب و وقفت أمام المرآة تتأمل نفسها داخله ..
فوجدت أنه يليق بها تماما .. إذ أن قصته ذات فن رفيع ، كما أنه يظهر شكل جسمها النحيف و الممشوق ..
إتجهت "هانيا" صوب منضدة الزينة ، فمساحيق التجميل و العطور كانت موجودة أيضا ..
صففت شعرها أولا و تركته ينسدل أمواجا شقراء علي كتفيها ، ثم وضعت حمرة فاقعة علي شفتيها ، و كحلت عينيها و جفنيها ببراعة فائقة ..
و أخيرا إختارت عطرا فرنسيا جذابا و نثرت منه حول عنقها و علي بعض خصلات شعرها ..
وقفت بثبات تتأمل مظهرها برضا .. إنها صارخة الجمال ، و لكن جمالها كالعادة لم يكن مصدر سعادتها إطلاقا ..
بل كثيرا ما سبب لها المشاكل ، و ها هي الأن وقعت بأخطر مشكلة في حياتها و كان لجمالها السبب الأكبر هنا ..
تنهدت مطولا و هي ترسخ بأعماقها أنها في أزهي حالاتها لتحصل علي دفعة كبيرة من الثقة بالنفس هي بأمس الحاجة إليها ..
خرجت "هانيا" أخيرا من الغرفة التي خصصت لها و مشت بحذر تجاه الدرج العريض الذي يربط الطابق العلوي بالطابق الأرضي ..
نظرت حولها بإعجاب صادق .. فقد كان البيت كبيرا جدا و جيد الصيانة .. دلائل الثراء واضحة في كل مكان و زاوية .. الثريات اللامعة ، و التحف الفنية الثمينة ، و الديكور العاجي المصقول .. كل شيء رائع و متكامل هنا ..
تعثرت "هانيا" و هي تهبط الدرجات ، فثقتها الجديدة في ذاتها وليدة التحدي ، تخلت عنها للحظات عندما رأت "عاصم" جالسا في البهو المقابل للدرج يحتسي القهوة و هو يتامل حديقة قصره القريبة من الشرفة الداخلية ..
إنتبه "عاصم" إلي وقع خطواتها علي الدرج ، فإلتفت إليها و نهض واقفا عندما رآها تقترب منه ، بينما أحست "هانيا" بصدغيها تنبضان بفعل هذا التوتر المفاجئ الذ إحتلها ..
و لكن عليها أن تضبط أعصابها أمامه قدر المستطاع ..
لاحظت "هانيا" أنه كان يرتدي قميصا ناصع البياض ، يبرز لونه الأسمر البرونزي .. و كان شعره ممشطا بعناية و قد بدا لامعا ، أما عينيه البندقيتين فكانتا تراقبانها بتفحص و إعجاب ..
أخذت "هانيا" نفسا عميقا ، ثم إبتلعت ريقها .. ها هي الأن مستعدة لمواجهته ..
لكنها إندهشت عندما أمسك يدها بيده الغليظة و رفعها إلي فمه مقبلا إياه برقة بالغة ، ثم نظر إليها و قال في إعجاب:
-دلوقتي مش ممكن يكون في حاجة في الدنيا تساوي جمالك .. ماكنتش متخيل إن الهدوم هتبقي حلوة عليكي اوي كده !
إغتصبت "هانيا" إبتسامة باردة و أجابته:
-شكرا لذوقك و لكرم ضيافتك ليا .. و يا ريت تكمل جميلك و تسمحلي امشي بعد العشا ، انا خلاص بقيت كويسة خالص.
تجهم وجهه فجأة ، لكنه عاد يقول بلهجة هادئة ناعمة:
-شكلك جلو .. و انتي جميلة جدا كالعادة .. لكن في حاجة ناقصة.
قطبت "هانيا" متعجبة ، لم تفهم من عبارته ماذا يعني !
ما الذي يدور خلف قناعه الأسود ؟ .. كانت عيناه تحدقان في فستانها المتوهج ، تحديدا كان ينظر بقوة إلي فتحة الفستان الصدرية ..
أشعرها ذلك بأنه يتعمد أثارتها بجرأة لا مبالية ، بينما سحبها من يدها خلفه و مشي بها متجها إلي غرفة مكتبه .. حيث ذاك البساط البني الفاتح بفترش الأرض ، و علي الجدران رفوف بيضاء مليئة بالكتب الضخمة و المجلدة .. كانت هناك أيضا مدفأة ضخمة تلفت النظر من حجر الرخام تعلوها ظهرية نحاسية تعكس الوان النار الفاقعة و المتبدلة ..
فتنها المنظر كليا ، بينما توجه "عاصم" نحو المكتب و فتح أحد أدراجه ، و أخرج علبة مخملية فاخرة و عاد إليها ..
لم تتكلم "هانيا" .. كان نظرها مركز علي العلبة في يده .. و عندما فتحها "عاصم" ببطء ، رأت بريق الماس يشع تدريجيا حتي تبينت المحتويات كلها ..
كان عقدا جميلا ثمينا يستقر علي قاعدة غلفت بقماش الساتان ، لم تكن قد رأت لذلك العقد مثيلا ، فقد كانت الأحجار التي زينته من الياقوت الأزرق النادر ، و حوله فصوص من الماس تشع ببريق يخلب الأبصار ..
بالإضافة إلي قرطين مشابهين ، و محبس ذهبي بسيط مرفق بخاتم ثمين زينه صفا عريضا من الأحجار الكريمة المبهرة .. كان طقما كاملا متكاملا ..
إقترب "عاصم" منها فجأة ، فتراجعت بسرعة إلي الوراء و هي تهتف بحدة:
-ممكن افهم في ايه بالظبط ؟؟
بدأت شرارة تلمع في عينيه البندقيتين ، فحدجها بإبتسامة رقيقة قائلا:
-قلتلك في حاجة ناقصاكي .. الفستان عليكي يجنن ، بس لما نلبسك الطقم ده.
و أشار لها بعلبة المجوهرات متابعا بنعومة خبيثة:
-كل حاجة هتبقي كاملة .. دي شبكتك علي فكرة .. انا اخترتلك الياقوت الازرق بلون عنيكي .. اتمني يكون ذوقي عجبك المرة دي كمـ آا ..
-انت مجنون !!
صاحت مقاطعة بعنف و قد غاض الدم من وجهها فجأة ، ثم قالت بصوت واهن مذعور:
- انا مش هتجوزك .. انت مش عايز تفهم ليه ؟ انا مش هتجوزك .. مش هتجوزك !
و ساد صمت لم يتخلله سوي صوت أنفاسها العنيفة المثقلة بالغضب ، و هو كان يراقبها في صمت ملاحظا أقل رد فعل منها و كأنه يختبر ثباتها و إندفاعاتها .. ثم قال بهدوء وثقة:
-هتتجوزيني يا هانيا .. انا عايزك ، بأي تمن ، ماتنسيش انك في بيتي ، يعني علي ارضي .. صحيح انا قلتلك قبل كده ان الشرف عندي خط احمر مقدرش اتخطاه ، لكن لو فضلتي رافضة عرضي ده هضطر اجبرك تقبليه بإرادتك الكاملة .. بس ما اتمناش اننا نوصل للنقطة دي .. صدقيني انا مش عايز آذيكي او اجرحك.
قفز الإزدراء إلي ملامحها بلمح البصر ، و قالت بقسوة عنيفة:
-احقر منك ماشفتش في حياتي و لا هشوف .. يعني بتهددني بصراحة و بعدين بتقولي مش عايز تجرحني و لا تأذيني ؟ .. انت جنسك ايه بالظبط ؟ انت مش بني ادم .. انت منافق اوي !
لفظت جملتها الأخيرة بصوت غاضب مختنق لفرط عصبيتها ، بينما إبتسم بسخرية مريرة قائلا:
-انا عارف انك بتكرهيني .. دي حاجة ماعنديش شك فيها .. بس قدرك كده ، و مش هتعرفي تغيريه .. هنتجوز يا هانيا.
قالت بشراسة و كأن شيطانا يدفعها لإثارة غضبه الساكن:
-انا مستحيل اتجوزك .. فاهم يعني ايه مستحيل ! مستحيل اسمحلك تلمسني او تقرب مني اصلا ..انا عندي اموت و لا اني ارتبط بيك بأي شكل من الاشكال ، انا بكرهك ، بكره اللحظات الي بشوفك فيها و اي حاجة تخصك من قريب او من بعيد.
إرتسم تعبير بشع علي وجهه ، و إشتعل الغضب كنيران بندقية في عينيه الحادتين مما جعلها تنكمش و تتراجع إلي الوراء بتوتر ..
رمي علبة المجوهرات من يده بإهمال فسقطت و تناثرت القطع الثمينة فوق أرضية المكتب ..
فيما قطع "عاصم" المسافة بينهما بخطوتين واسعتين و أمسك بذراعيها قبل حتي أن تفكر بالفرار ، فأحست بالألم عندما إنغرزت أصابعه القاسية في بشرتها و إنتابها ذعر شديد عندما أدركت خطورة موقفها ..
وقع بصرها علي فمه القاسي و هو يقول:
-للأسف انتي مضطرة تقبلي حقيقة اني هربطك بيا قريب اوي .. مضطرة تتحمليني كمان .. انا مش ناوي اسيبك ابدا ، انتي زي هدية او مكافأة كده كان لازم اخدها من زمان بعد اللي ابوكي عمله فيا.
حاولت "هانيا" بشدة أن تتملص من قبضته الحديدية دون جدوي ، فقالت و صدرها يخفق بسرعة ملحوظة:
-نجوم السما اقربلك مني .. عمي مش هيسكت زمانه بيدور عليا و هيلاقيـ آا ..
قاطعها بضحكة خشنة قاسية ، ثم أمسك وجهها بإحدي يديه الكبيرتين و عن قصد أجبرها علي النظر إلي الندبة في وجهه ، بينما إختفت كل شجاعتها و أحست بالنفور من قربه ، من لمسة يديه ، بل و من النفور لإعتقادها السابق أن وجهه كان أجمل وجه رأته .. رغم خطوط التشوه الغائرة بالجانب الأيمن من وجهه ..
نعم كان وسيما .. و قاسيا ..
فيما قال بصوت جمد الدماء بعروقها:
-عمك ! عمك كان هنا من شوية .. كان متأكد انك عندي و انا ماكدبتش عليه ، قولتله انك هنا .. لكن للأسف ماقدرش يعمل حاجة و لا هيقدر لا هو و لا غيره .. انتي بقيتي ملكي.
صرخت به بعصبية:
-انا مش ملك حد.
مط شفتيه متأسفا علي عنادها و قال:
-انا كنت بحاول اعاملك كويس عشان الحياة بينا تبقي سهلة .. لكن انتي اختارتي ماتتعاونيش معايا .. براحتك مافيش مشكلة بالنسبة لي طالما اللي انا عايزه في كل الاحوال هيحصل.
إرتسم الذعر في عينيها و إنتفض جسدها بين ذراعيه بعنف ، و عبثا حاولت أن تحرر وجهها من قبضة يده القوية ، و بجهد تلوت بوجهها يمنة و يسرة حتي إستطاعت أن تنشب أسنانها اللؤلؤية بلحم كفه في قوة شرسة ..
صرخ "عاصم" بألم و أرخي قبضته عنها مطلقا شتيمة مختنقة .. فهربت "هانيا" منه و راحت تتعثر علي الأرض الرخامية الملمعة ..
أخذت ترتقي الدرج العريض الذي بدا لها بلا نهاية ، و لم تستطع أن تتأكد من مصدر الدوي في أذنيها .. أهي خفقات فلبها ؟ أم وقع قدميه خلفها ؟؟
وصلت إلي غرفتها متقطعة الأنفاس و أغلقت الباب من خلفها بإحكام ، ثم إستندت بظهرها إليه ..
سرت قشعريرة من مفرق رأسها حتي قدميها و صارت ترتعش في كل أنحاء جسدها ..
تحاملت علي نفسها حتي وصلت إلي الفراش .. فإستلقت فوقه و راحت تجهش بالبكاء المُر ...

يتبع ...

المظفار والشرسهحيث تعيش القصص. اكتشف الآن