63

3K 71 2
                                        


تنقلت "هنا" بعينيها المذعورتين بين الرجال التسعة ..
وجوههم إجرامية ، تشي بإنعدام الرحمة ، إبتداء من هذا الرجل الهرم و الذي يبدو في العقد الخامس أو السادس من عمره ، و حتي ذاك الفتي الذي بدا في الثامنة أو التاسعة عشر من عمره ..
حاولت "هنا" أن تتسلح بالشجاعة دون فائدة ، فالرعب أتلف أعصابها للغاية ..
لكنها إستطاعت أن تقول بصوت حاد ، إنما مرتعش قليلا:
-انتوا مين ؟ .. و انا فين ؟ انتوا مين و عايزين مني ايه ؟؟
و هنا برز صوت "إسلام" الذي يتصدرهم ، فقال بإسلوبه المقيت:
-مالك بس يا حلوة ؟ .. بتترعشي كده ليه ؟ مش من اولها كده .. انتي لسا ماشوفتيش حاجة.
كانت هناك نظرة قبيحة في عينيه ، فبلغ الذعر مبلغه بـ"هنا" لتهدر بهسترية عصبية:
-لسا ماشوفتش ايه يا حيوان منك ليـه ؟ انتوا لو مـاسبتنويش امشي دلوقتي حالا هــ آا ..
-هـآ هـآ هـآ ..
قاطعها بضحكته المقززة تلك ، و قال متسليا بنظرة الذعر في عينيها:
-و انتي هتعرفي تعملي حاجة معانا يا قطة ؟ .. انتي مش شايفة احنا كـام و لا ايـه ؟ اطمني ، مش ممكن حتخرجي من هنا ابـداااا ..... الا اما نعمل معاكي الصح.
فكرت "هنا" سريعا .. أنهم حقا كثيرون ، و هي عزلاء تماما أمامهم ، لن تستطيع ردعهم ..
جف حلقها حد الآلم ، إلا أنها هددت بإنفعال متهور:
-انا بحذركوا لو حد قرب مني !
كانت يآسة ، بينما تعالت القـهقهات الكريهة ، البذيئة بين الشلة السيئة ..
فإختنقت الكلمات في حنجرتها ، و أغرورقت عيناها بالدموع .. و كانت لا تدري أهي دموع الخوف أم الترقب مما تخبئه الساعات القادمة ..
و فجأة ، وقعت عيناها علي الباب .. فركضت صوبه ..
إلا أن أحد الرجال وقف بوجهها ، و بدا جسده الضخم سدا منيعا أمامها يلغي كل المنافذ ...نظرت بذعر لأعينهم ، فلم تري سوي بريق خبيث يتراقص بعيني كلا منهم ..
و ما أن حاولت التقدم مرة أخري حتي أمسك بها نفس الرجل و شدها إلي صدره الصلب ..
أطلقت "هنا" صرخة حادة و هي تحاول الإفلات دون جدوي ، فإستخدمت يديها و رجليها للتخلص منه .. لكمته علي وجهه بجماع قبضتها ، فأصابت فمه ..
رأت الدماء تنبثق من بين أسنانه ، أعقبتها نظرته الغاضبة الشريرة ، فصاح بعنف:
-و رحمة امي لاطلع ***** اهلك !
و علي حين غرة ، دفعها بمتهي القوة ، لتجد نفسها في اللحظة التالية ملقاة فوق الفراش العريض ...

***********************************

بعد مغيب الشمس ، مضت علي السيدة "قوت القلوب" أصعب ثلاث ساعات ..
إبنتها لا زالت بالخارج ، منذ الصباح .. منذ العاشرة صباحا حتي الآن و قد أعلنت الساعة السادسة مساءً !
لم يساورها القلق إلا عند دقات الرابعة عصرا ..
شعرت بإنها تأخرت قليلا ، فذهبت لتهاتفها من عند الجيران لإنها لا تملك هاتف خلوي ..
ظلت تهاتفها مرة ، تلو المرة ، تلو المرة .. هاتفتها لمرات عديدة ، و لكنها لم تجيب علي أيا من الإتصالات ..
كانت "قوت القلوب" في هذه اللحظة ، تذرع الصالة الصغيرة ذهابا و إيابا بإعصاب ثائرة .. و لما إستبد بها القلق و إجتاحتها موجات متلاطمة من الهلع علي إبنتها ، لم تجد بدا من مخابرة "إياد" عله يستطيع فعل شيء ، أي شيء ..
تركت شقتها ، و إرتدت عباءتها القاتمة و هي تهبط درجات السلم ..
ثم إندفعت نحو تلك البقالة المقابلة لبيتها .. طلبت من البائع أن تجري إتصالا من الهاتف الذي يعرضه للإستخدام مقابل النقود ..
أعطاها الهاتف ، فأخرجت ورقة صغيرة من حافظتها كانت قد دونت عليها رقم "إياد" ..
ضربت الأرقام علي مهل و بتركيز شديد ، ثم وضعت الهاتف علي أذنها في إنتظار الرد ..
و ما هي إلا ثوان قليلة جدا حتي جاء صوت "إياد" القلق بدوره:
-الـو !
ردت "قوت القلوب" في توجس متلعثمة:
-آا ايوه يا اياد بيه .. انا ام هنا يابني.
لم يقل توجسه عنها عندما رد:
-اهلا يا طنط .. خير في حاجة ؟ هنا فيها حاجة ؟؟
تسارع وجيب قلبها ، كما زاد شحوب وجهها وإصفراره و هي تجيبه:
-ما انا بتصل بيك عشانها يابني .. هي خرجت من الصبح و لسا مارجعتش ، و بتصل بيها من تليفونات الجيران كلهم مابتردش عليا .. هي ماكلمتكش و لا حاجة ؟؟
حاول "إياد" ألا يبدو صوته قلقا أو غاضبا و هو يرد عليها:
-لا حضرتك ماتصلتش بيا ، هي بس كلمتني الصبح و قالتلي انها نازلة تشتري شوية حاجات.
ثم أردف بلطف ليطمئنها:
-ماتقلقيش حضرتك انا هفضل وراها لحد ما ترد عليا ، و اذا ماردتش خلال ربع ساعة كمان هنزل بنفسي ادور عليها و اشوف ممكن تكون راحت فين بالظبط .. هي غالبا مش سامعة الموبايل من الزحمة ، اطمني حضرتك خير ان شاء الله.
لم يكن كلامه مقنعا بدرجة كافية ، و لكنها كانت بحاجة ماسة لمن يطمئنها ، فصدقته و راحت تبتهل بخشوع:
-يـا رب .. يــــا رب ، هات العواقب سليمة .. استرها يا كريم عالبت اللي حيلتي ، رجعهالي بالسلامة انا ماليش غيرها !

المظفار والشرسهحيث تعيش القصص. اكتشف الآن