02 مُشعْ

43.2K 2.4K 1.3K
                                        

السماء ملبدةٌ بالغيوم وبشكل غريب في هذا الوقت من شهر مايو، هل يا ترى تُحسّ الطبيعة بموت أحدهم فتتعمد خلق هذا الجو لتزداد تعاسة الإنسان؟ لم يكن كولِنْ يفهم هذا الانسجام الغريب بين الإنسان والطبيعة، ولم يكن لديه الوقت ليفكر بهِ، أمه ذات الشعر الكستن...

اوووه! هذه الصورة لا تتبع إرشادات المحتوى الخاصة بنا. لمتابعة النشر، يرجى إزالتها أو تحميل صورة أخرى.

السماء ملبدةٌ بالغيوم وبشكل غريب في هذا الوقت من شهر مايو، هل يا ترى تُحسّ الطبيعة بموت أحدهم فتتعمد خلق هذا الجو لتزداد تعاسة الإنسان؟ لم يكن كولِنْ يفهم هذا الانسجام الغريب بين الإنسان والطبيعة، ولم يكن لديه الوقت ليفكر بهِ، أمه ذات الشعر الكستنائي تأنّ بحرقة وهي تشاهد الفرسان يحملون تابوت أباه، يضعونه بأناة بجوار الحفرة التي سيمضي فيها جسدهُ طويلاً. جمْعٌ غفيرٌ قد اجتمع في المقبرة الخضراء، نبلاء وفرسان وأغنياء وتجار برجوازيين والعديد من الموظفين الملكيّين تعلو أمارات الحزن وجوههم.

لم يستغرب كولين ذو التسع سنوات هذا التجمهر الكبير لجنازة أبيهِ، فمن الطبيعي أن تشاع جنازة الساعد الأيمن للملك وصديق سرّه وعمرهِ في السلم والحرب بطريقة تليق برجلٍ مثلهِ. لطالما كانت عائلة روزمان النبيلة صديقة مقرّبة للعائلة الملكيّة ومحطّ أنظار وحسد جميع العائلات النبيلة الأخرى، لكن كولِنْ لم يكن يرى الأمر محطّ إعجاب أو حسد، فلولا هذه الصداقة التي يحسدونهم عليها لربما كان أباه حيّاً الآن.

هل يستطيع القول بأن الملك هو من تسبب في موت والدهِ؟ لا يعلم.

ما يزال متعلقاً بفستان أمّهِ الأسود والدموع تنساب من عينيهِ غديراً، فقط ولا غير، لا يأنّ ولا يشهق ولا يصرخ، يشاهد التابوت بصمت وبداخلهِ صوت يقول: اليوم تقضي وقتاً كثيراً مع أباك على غير العادة! لكنّ الجسد وحدهُ لا يكفي، يريد لتلك الأيدي الكبيرة أن تستقّر على رأسه تمدح ثقافته الواسعة واجتهاده في قراءة الكتب الصعبة وفصاحتهِ المذهلة لطفلٍ بعمرهِ، يريد من أذني أبيه سماع تطوّر عزفهِ على الكمان ليُظهر ثغرهُ عن ابتسامة سعادة برونق الموسيقى. جسد هامد بلا روح مهما طال بقاؤه معه لن يستطيع فعل ذلك.

هبّت على المقبرة رياح مباغتة، التفّ الجميع للوراء وانحنوا انحناءة احترامٍ لملكهم الموقّر، هل تستطيع الرياح الإحساس بقدوم الملوك الآن؟ لم يلتفت كولِنْ للوراء بعد، لم يستطع، مشاعره تعصف في قلبهِ، لا يريد رؤية الملك لأول مرة في حياتهِ بهذهِ النفسية المتزعزعة التي قد ينجم بسببها، وباحتمال كبير، حفر انطباع أول كان ليحزن أباهُ الراحل.

الملك وأباه كانا صديقين منذ الصغر، خاضا حرب إعادة توحيد المملكة الغربية معاً، وأباه لم يكن ليتزوج أمه إلّا بعد إلحاح الملك عليهِ بذلك، نعم كانا بهذا القدر من القرب. كان من المفترض لهما أن يعيشا حياة هادئةً بعد إخماد الفوضى، الآن وقد توحدت القارة الغربية في مملكة واحدة وعادت تحت الحكم الملكي القديم، كان حقاً من المفترض أن يشرق المستقبل للجميع. إلّا أن الوقت السعيد لا يدوم للأبد، كولِنْ يعلم ذلك جيّداً، ولكن أحداً لم يكن ليتوقع أن تعصف الحياة عليهما بغضون ثلاث سنوات فقط! تزوج الملك ما إن انتهت الحرب على الفور، أنجب وريثاً أرادهُ أن يعيش حياة أبعد ما تكون من الحرب، أقرب للسلام والمستقبل، والحياة، كما عهدها الإنسان، أرادت الشقاء لهذا الملك طوال حياتهِ، فقد خُطف الأمير بعد إتمامهِ عامه الأول فقط. حلّت كارثة عظيمة على الملك والملكة والبلاد بأجمعها، وأولهم بالطبع كان أباه، وكأن الذي خُطف كان كولِن وليس الأمير.

المفقودقصص لتهوسّ بها. اكتشف الآن