06 هذا كافٍ

16K 1.6K 215
                                        

مرّ الوقت سريعاً منذ ذلك اليوم، اليوم الذي اكتشفت فيه حقيقة هذا العالم، حقيقة كونهِ واقعاً لا يرحم آمال الذين لا يمتلكون شيئاً سواها

اوووه! هذه الصورة لا تتبع إرشادات المحتوى الخاصة بنا. لمتابعة النشر، يرجى إزالتها أو تحميل صورة أخرى.

مرّ الوقت سريعاً منذ ذلك اليوم، اليوم الذي اكتشفت فيه حقيقة هذا العالم، حقيقة كونهِ واقعاً لا يرحم آمال الذين لا يمتلكون شيئاً سواها. أعتقد أنّ معظم الأطفال الذين يولدون بلا مأوى مثلي يُبصرون هذه الحقيقة مبكراً، ولا أظن أنّ معظمنا يستطيع تقبّل العيش بنزاهة فيه، لذلك العديد منهم يسرق ويتسوّل والبعض الغير محظوظ يموت قبل أن يدرك أحدهم وجوده. لكنّني لا أريد أياً من تلك الخيارات، لا أريد أن أصبح سارقاً يخدع الناس ويعيش على ما استطاع أن يسلب منهم؛ فهذه دناءة. ولا أريد أن أصبح متسوّلاً يترجّى المعونة من الناس بلا كبرياء، فإن ذهب كبريائي ذهبت معه روحي وسأظلّ طفيليّا يعتمد على قلوب الناس الرحيمة للعيش، وهؤلاء ليسوا بالكثيرين على أيّة حال. والموت هو آخر ما أتمنّى قدومه، ليس الآن، ليس بعد أن أنقذتني أمّي من وطأة الثلوج عندما فقدت رغبة الحياة وأهدتني فرصة جديدة للعيش.

لا أعلم إذا أدرك أحدهم هذا الشيء، لكنني متيقّنٌ أنّ المخلوقات الأخرى غير البشر التي لا تستطيع التعبير عن نفسها بالكلمات، وتعيش دوماً تحت وطأة أقدامنا، في الواقع تمتلك أرقّ القلوب وأرحم الأرواح وأكثرها نقاءً. المسالمة التي نراها في محيطنا كالكلاب والأحصنة، المفترسة التي نخافها مثل الدببة والذئاب، والصامتة التي تقف شامخة بلا حراك مثل الأشجار وحتّى الأنهار التي تجري بلا توقف (ليس لِزاماً عليهم التنفس لتصبح لديهم أرواح). جميعهم إن حاول الناس فهمهم سيدركون مدى نقاءهم وربما يستطيعون هدم هذا الحائط الذي يفصل بيننا ويميّز البشر ويتوّجهم ملوكاً على الأرض. الأمر مختلف لديّ، فأنا أحبّ الطبيعة وأحاول الانغماس فيها عِوضاٍ عن السيطرة عليها، وهي بالمقابل تستقبلني بأيدٍ مفتوحة ورحب واسع، مهما كان المخلوق مخيفاً أستطيع التواصل معه بصمت ليصبح وديعاً لا يؤذيني. العيش في الغابة أسهل من العيش في المدينة بالنّسبة إلي، ومعظم النّاس إن لم يكن جميعهم لا يستطيعون العيش فيها مثلي. من حسن حظّي أنّ العاصمة تقبع وسط غابة عملاقة، فهي كبيرة ومترامية الأطراف وتحوّطها أشجار الغابة من جميع الجهات، بذلك أستطيع العيش في الغابة والذهاب إلى المدينة كي لا أنسى التواصل مع النّاس بسهولة. فمهما أحببت الغابة والطبيعة أظلّ بشراً يحتاج إلى أقران، وإلّا أصبحت شبحاً يعيش وحيداً وسط الغطاء الأخضر، وأنا لا أريد ذلك.

بدأت بالبحث لي عن عائلة وتركت آمالي الوهميّة في العثور على والديّ الحقيقين. لا أعلم إن كانا يبحثان عنّي أو ينتظرانني أو على قيد الحياة من الأساس، لكنّني لن أنتظرهما ولن أعلّق آمالاً زائفة بالعثور عليهما. انتهى دورهما بالنسبة إليّ. والآن أمتلك عائلة كما حلمت بها في ذلك اليوم عندما دفنت أمّي وإخوتي، ثلاث إخوة وأخت واحدة.

وبعد مرور سنتين منذ اكتمال العائلة أصبح العثور على العمل أكثر سهولة؛ فنحن الآن نبدو في الحادية أو الثانية عشرة كما برّر كولِنْ، مازلنا أطفالاً ولكن بأجساد أقوى عن أوّل مرّة التقيت فيها كلّ واحد منهم. لماذا أخترتهم بالذّات؟ لا أعلم بالتحديد، لكنّني أتبّع ما يمليه عليّ قلبي، وهم يثقون بي. العيش في الغابة والاعتياد عليها ليس سهلاً أبداً، وكما استنتجت جميعهم امتلكوا بيوتاً يعيشون فيها قبل أن أعثر عليهم مشرّدين بلا مأوى. مع الوقت استطعت رؤية تحّسن كل واحد منهم بالتأقلم مع الطبيعة. الاعتياد على الماء البارد للنهر الذي لا تدفأ مياههُ إلّا أسابيع قليلة من السنة، النوّم على العشب متكئين على أيدينا بلا أغطية أو وسائد والانتقال للنوم فوق الأغصان أو داخل الكهوف الصغيرة من الأحجار عند هطول الثلوج والرياح الباردة. اعتادوا كلّ ذلك واثقين من أنّ الغابة أكثر أماناً لنا من المدينة.

تحسّنت أوضاعنا مع الوقت، وأصبح لدينا ثياب نرتديها في الشتاء وأخرى عندما يدفأ الجو قليلاً. كما أنني استطعت إتقان طبخ جميع الطبخات التي يعرفها داي، إنّه عبقري! طهي الطعام هي متعتي وشغفي الذي لا أكلّ منه. داي وكولِنْ متعلّمان، وكم حاولا إقناعي بتعلّم القراءة المنهجية، لكنني لا أراها مفيدة الآن، وأستطيع تمييز الحروف وقراءة بعض الكلمات التي يتداولها الناس في السوق، هذا أكثر من كافٍ للعيش الآن، لا أحتاج أن أتعلّم قراءة الكلمات الصعبة التي يتداولها المتعلّمون في محافلهم، وساي يرى أنّ من الأفضل لنا التركيز على العمل، على الأقل في الوقت الحالي (أحياناً يكون صارماً على نفسهِ لدرجة إجبارهِ للراحة وقت العمل). رين تعلّمت من داي كيفيّة صناعة الأعشاب الطبيّة لنا، والآن هي خبيرة فيها وتفوّقت على داي بذلك أيضاً، كما أنّها بدأت تبتكر بعض الوصفات وتستخدمنا لتجربتها كعقاب لنا إذا ما تشاجرنا، داي بالعادة خارج هذه القاعدة، الولاء لمعلّمها كما تقول، أراه ظلماً بحقنّا نحن الثلاثة.

لدينا حلم نسعى لتحقيقه، حلم نوفّر مبلغاً بسيطاً مما نجنيه لجعلهِ حقيقة في المستقبل. لسنا مستعدّين له بعد، لكنّنا سنواصل العمل ونتحمّل الأعمال الشاقة التي تنهك أجسادنا كل ليلة في سبيل تحقيقهِ.

أحياناً تأتيني أحلامٌ توقظني من نومي قبل بزوغ الفجر. لا أتذكر منها شيئاً، كلّ ما أتذكّره هو ذلك الشعور الساحق لكلماتي ووقعها القوّي على ما هو حولي، وكأنني فقدت إنسانيّتي. مثل تلك المرّة عندما قتل حارس الأمن المتوّحش عائلتي. لا أستطيع النوم بعد تلك الأحلام ودائماً ما تجول في رأسي ذكرى الرجل صاحب القبعة السوداء الذي أعطاني اسمي أو إرثي كما قال. هل هو أبي؟ أحاول ألّا أفكر بذلك ولا أريد معرفة هويته. سأتجاهل كلّ ما يعيق هذه الحياة التي أعيشهاالآن، فأنا أمتلك عائلة عزيزة على قلبي وحلماً لابد لنا من تحقيقه، وهذا كافٍ لك ماتيو... بل أكثر من كافٍ.    

المفقودقصص لتهوسّ بها. اكتشف الآن