المفقود حكاية عن ذلك الفتى الصغير الذي لطالما آمن بوجود دفء عائلتهِ إذا ما بحث عنه جيداً، إلّا أنّ الحياة تعلّمه أنّ الفرق بين الآمال والواقع قد يؤدي إلى هلاكهِ. فتبدأ حكايته وحكايات العديد من الشخصيات التي سترى النور بوجودهِ، لكن هل هو بالفعل لا يم...
اوووه! هذه الصورة لا تتبع إرشادات المحتوى الخاصة بنا. لمتابعة النشر، يرجى إزالتها أو تحميل صورة أخرى.
ماتيو
أُريد النوم للأبد... ليس لأنني لا أود الاستيقاظ، لا ليس هذا هو السبب، أذكر بأن أمراً لا يصدق قد حدث يُوجِب عليّ التعامل معه، إنما السبب يعود لمذاق هذا النوم، وكأنه وعد قديم، نوم كان لابد أن يعود لي لأنعم بسلامهِ، بحرارتهِ، بهِ وبأحلامهِ الملونة، الكثير الكثير من الألوان، الأشجار، السماء، البيوت، الناس، الحيوانات، جميعهم ينضحون بكل مزيج ألوان يمكن أن يمزج ويخلط، لا يبدو لي المكان واقعياً وكأنني بداخل قصة أطفال، أستطيع إضاقة قرون للفيلة إن أردت، أو تغيير لون البحر بأي لون شئت، أو إمساك النجوم بمجرد رفع يدي، أو حتى القفز بين الغيوم وكأنها وسادات. أهكذا هي الأحلام الوردية كما يقولون؟
تراجعت الألوان وانتقلتُ إلى ما هو أصفى على قلبي، غابة منتعشة في أبهى حلّة للربيع، أرى نفسي طفلاً يستلقي لأخذ قيلولة بعد اللعب لساعات طويلة في أحضانها، يقترب رجل لا يتوقف عن الدندنة مُحاكياً العصافير، يجلس بجانبي فأبتعد متذمراً بما أمتلكه من كلمات محدودة: بارد! هواؤك بارد! يضحك الرجل متراجعاً للوراء ويداه في وضعية الاستسلام، يبقى هكذا يتأملني ساعات لساعات، أشعر بهِ شاحباً كشبح مسكين يبذل قصار جهدهِ لإرضائي وعدم إزعاجي، وفي غمرة مراقبتهِ يعود للاقتراب غير آبه بما أشعر بهِ وكأن الوجه السعيد للقمر انقلب لوجههِ الغاضب، ليس مني بل من نفسهِ، يُقرّب إصبعه من صدري فأكاد أُقذف لعالم الأموات من صقيعهِ، يتراجع، يُغير رأيه، يقول بأنه ما كان عليهِ فعل ذلك وأنا نائم كما فعل منذ سنوات، بأن نومي الطفولي هو ما يجعله يتردد دائماً، نهض ذاهباً إلى لا أعلم أين، ولكنه قبل ذلك قطع وعداً لي إذا ما قرر في النهاية حقاً إرجاعي، فسيتركني أُكمل النوم الذي قاطعه تلك الليلة. اختفى، نهضت حينها وتساءلت مع الأرانب بجانبي: هل سيرجع متسخاً بالدم مرة أخرى؟
اُستبدلت الغابة بسواد يتخلله ضوء قرمزي، إنها خلفية جفوني، لقد خرجتُ من عالم الأحلام، وهناك ما هو رخو وضاغط فوق جفني الأيمن، ما هذا الشعور؟ فتحتُ عيني اليسرى بصعوبة بالغة، ربع وجه بما فيهِ الذقن، ما الذي...؟
"مولاتي لقد استفاق!"
مولاتي؟ تراجع الوجه بعد صدور صوت انتهاء قبلة، وحينها فقط استطعتُ فتح عيني اليُمنى، تنظر إليّ امرأة تتلون عينيها بكل لون رأيته في حلمي، تتسع ابتسامتها بالتدريج، "صباح الخير شمسي الصغيرة، هل نمت جيداً؟"، أتعنيني أنا؟ حسناً إن كانت تتكلم عن النوم فنعم أنا بالغالب أنعم بنوم جيداً جداً، تحرك رأسي بنفسه ليجيبها فأسعدها ذلك كثيراً، بزيادة عن اللزوم، ثم أبعدت شعراتي الجانبية عن وجهي بكلتا يديها. وفي خمس ثوانٍ فقط من التحديق المتبادل، عادت الذكريات سهاماً تخترق رأسي بعشوائية طفل يحمل قوس إطلاقها.