المفقود حكاية عن ذلك الفتى الصغير الذي لطالما آمن بوجود دفء عائلتهِ إذا ما بحث عنه جيداً، إلّا أنّ الحياة تعلّمه أنّ الفرق بين الآمال والواقع قد يؤدي إلى هلاكهِ. فتبدأ حكايته وحكايات العديد من الشخصيات التي سترى النور بوجودهِ، لكن هل هو بالفعل لا يم...
اوووه! هذه الصورة لا تتبع إرشادات المحتوى الخاصة بنا. لمتابعة النشر، يرجى إزالتها أو تحميل صورة أخرى.
"ف-تاة القمر؟"
ضَحِكت العجوز بخفة، أخذت الحساء من الطاولة واغترفت منه ملعقة صغيرة، "يجب أن تأكلي شيئاً دافئاً"، حرّكت الملعقة في الهواء على شكل دوائر ومن ثم ارتشفت الحساء ببطء، اغترفت ملعقة أخرى ومدتها نحوي: "تفضلي..."
أطلتُ النظر في اهتزاز الملعقة الخفيف، في ابتسامتها الناعمة، وأصدرت معدتي حينها رجاءً مخنوقاً، رفعتُ يدي لآخذ الملعقة ولكنها أبعدتها قائلة: "افتحي فمك، المرضى لهم الراحة فقط"، ازدادت توسّلات معدتي ففتحتُ فمي بخجل، لقّمتني الحساء كطفلة في الرابعة، "جيد جداً، سنتحدث ما إن تُنهي الطبق بأكملهِ"
لُقمة وراء لُقمة، لم تتوقف العجوز عن التبسّم ولم أتوقف أنا عن الاحمرار خجلاً بالرغم من أن الطفح الجلدي الأحمر يحتل معظم مساحة وجهي، أنهيتُ حساء الشعيرية وقد امتلأ جوفي بدفئها، قالت بصوت لا يقل دفئاً عنها: "هل هدأتِ الآن؟"
"نعم، أعتقد ذلك..."
وضعت راحة يدها فوق جبهتي: "انخفضت الحُمى قليلاً ولكنكِ ستضطرين للبقاء على السرير مدة أطول، الشفاء من الحُمى القرمزية يتطلب وقتاً طويلاً"
أهذا هو المرض الذي خاف العُمال منه؟ سألت بتردد: "هل هي فتّاكة؟ هذهِ الحُمى القرمزية"
"فتّاكة نعم..."، خفق قلبي، "إن لم تحضي بالرعاية الجيدة والروح الرياضية، ولكنكِ فتاة قوية فلا خوف عليكِ، من يستطيع الزحف وهو مصاب بعدوى الحمُى القرمزية ليس ضعيفاً على الإطلاق"
"الزحف؟"
"ألا تتذكرين؟"
"أتذكر م-ماذا؟"
اعتدلت في جلستها: "يبدوا بأنكِ كنتِ تُناضلين بلا وعي"، توقفت قليلاً عن الحديث وكأنها تتذكر شيئاً ما، "تخرج حفيدتي بيلا للمشي بمفردها كل فجر، قبل ثلاثة أيام كادت تموت خوفاً عندما رأت ظلاً يزحف ببطء على قارعة الطريق، هذهِ المنطقة ريفية وشبه نائية ولا يوجد العديد ممن يعيشون فيها، حتى طُرقها لا تُستخدم بالعادة فانصعقت عندما رأت ظل فتًى مريض يزحف"
رفعتُ يدي في الهواء: "لحظة من فضلك، أ-أنا أتذكر بأنني رُميت على قارعة الطريق ولكنني لا أتذكر بأنني زحفت، حملني أحدهم على ظهرهِ... و.. و.."