المفقود حكاية عن ذلك الفتى الصغير الذي لطالما آمن بوجود دفء عائلتهِ إذا ما بحث عنه جيداً، إلّا أنّ الحياة تعلّمه أنّ الفرق بين الآمال والواقع قد يؤدي إلى هلاكهِ. فتبدأ حكايته وحكايات العديد من الشخصيات التي سترى النور بوجودهِ، لكن هل هو بالفعل لا يم...
اوووه! هذه الصورة لا تتبع إرشادات المحتوى الخاصة بنا. لمتابعة النشر، يرجى إزالتها أو تحميل صورة أخرى.
ألقى سائس الخيول نظرة تأكيد أخيرة عليهم قبل أن يتخذ قراره وهو يهمهمْ، يحتاج أيدٍ عاملة تعينهُ على الاعتناء بخيول زوّار العاصمة، إلّا أنه لم يكن ينوي تعيين أطفال في الثانية عشرة كما يبدوا لهذهِ المهمّة. كانوا واقفين بثقة أمامه وكأنّهم خبراء في الاعتناء بالخيول. كولِنْ كعادتهِ يحاول استرضائهُ ليقبلهم.
"كنْ واثقاً بأنّنا سنحرّك أيدينا أكثر من أفواهنا سيّدي"، تنهّد السائس الشاب مُذعناً لهم، لا يمتلك خياراً آخر، فمن يريد أن يعمل طوال النهار والليل معه في هذا الموسم الممطر من السنة؟
كان نور الشمس يكاد يختفي تماماً من وراء الغيوم الداكنة، والأمطار تهطل بشكل متقطع وبغزارة، ربما يضحي ذلك النهار كالليل مرّة أخرى. ماتيو يغسل جذع الخيل الأسود بالماء والصابون للمرّة الثالثة ذلك الصباح والحصان يتقبّل هذهِ المبالغة منه بلا اعتراض، الزوّار ليسوا بالكثيرين اليوم وقد أنهوا جميع الأعمال التي طُلبت منهم منذ نحو ساعة فما كان منه إلّا غسل هذا الحصان مراراً وتكراراً لطرد الملل، وساي يقوم للمرّة الخامسة بترتيب مكعبات القش بطريقة تضمن عدم وقوعها. كان ماتيو يراقب إخوتهُ الثلاثة متحلّقين حول حِجر (أنثى الحصان) حامل في أشهرها الأخيرة، لونها بنّي ليس بالفاتح وليس بالداكن وشعرها أسود أملس.
"لن تلد فجأة أثناء تحديقكم بها كما تعلمون"، نادى عليهم ماتيو من الجهة الأخرى من الإسطبل.
فأردف كولِنْ من دون أن يلتفتوا نحو الفتى العامل على الجهة الأخرى: "ما رأيك أن تتوقف عن تعذيب حصانك بالصابون وتنظم إلينا هنا؟ رين تستطيع الإحساس بتحرّك طفلها"
"أسنان الجياد أصبحت تبرق بياضاً أكثر من أسنان النبلاء الذين يمتطونها، توقف قبل أن تبرق ألوانهم بياضاً أيضاً"، قال داي وهو يحاول تحسّس موقع رأس الجنين، فتجهّم وجه ماتيو قليلاً وهو يكمل مسح جسد الحصان وكأنّه لم يسمع شيئاً. لن يتأذى أحدهم إذا غسل الحصان أكثر عن مرّة وبالتأكيد لن يتحول لونه للّون الأبيض. ثلاث سنوات من العمل المتواصل جعلتهم يدركون نقاط قوّة كل واحد منهم، فأصبح عملهم مرّتباً ومنسقاً بينهم بشكل أفضل وأسرع، التعب أقلّ وتوفير الجهد أكثر، كلّ شيء بدا لهم يمضي بسلاسة وسلام. أراد ماتيو أن تستمرّ أوقاتهم هكذا أو بالأحرى تمنّى ذلك، فهو يعلم إن ارتاح لهذهِ الحياة لحظة انقلبت عليهِ فجأة.