لقد حدّثنا إرشادات المحتوى.
راجع أحدث الإرشادات لمواصلة مشاركة القصص بأمان.

الملتقى

1.3K 81 32
                                        

كتبت هذا النص منذ ما يفوق سنة تقريبا قبل أن أدخل مرحلة القحط الأدبي... كانت من أكثر اللحظات ألما في حياتي... و يبقى هذا النص جرحا في بعد محضور من أبعاد الروح..

________________________________________________

طريق العودة و الظلام يلتهم كرنفالات السماء , نسيم لذيذ يدفعنا للرقص في فوضى الخطوات .. هل جرّبت يوما طعم الوحدة بعد فنجان من القهوة و صخب القهقهات المدوّي في رأسك كالصداع ؟ أم جربت يوما أن تسمع نداء الغربة من عمقك حين الزهرة الهائمة في تفاصيل وجهك تدعوك للجلوس و الثرثرة و حين الطير المنطلق الى وكره يشدو أغنية لا يعرفها سواك ؟ الوحدة و طقطقة خطواتك خلفي , أعذب صورة للتناقض أشاهدها و تملأني نشوة لكتابة هذا المجاز . أصابعك تنساب متلعثمة على يدي و مرتبكة تشدّ أصابعي , أسمع في همسها خوفا من أن أسحب يدي . لا أفكّر في النظر الى وجهك و الى اللاشيء المتبعثر في عينيك . أعلم مسبقا أنك نسيت ترتيب رقبة معطفك , هل تعلم أنني أهوى الثغرات التي تنساها حين تحاول أن تبدو مثاليا ؟ أسمع لك همهمة , أطراف كلمات أفهمها حين لا أفهمها و لغو كثير , ثم تدندن لنفسك أغاني "أزنافور " , أدرك أن في صدرك بوح عميق و اختناق مبهم حين تختبئ خلف صوتك المغني . مازلت لا أحتاج الى النظر اليك كي أعرف أنك تحملق في السماء باحثا عن الشفق الأزرق ذاك , و عن الطريق الى عوالمك و انتمائك هناك . هناك حيث لا وجود الا لك و حيث أكون صورة بلا إطار و وجها متعدد التعاريف . أبحث في السماء نفسها عن نجمتي الصفراء و عن موطن في حضنها أرسم عليه حكاية و أكتب صورة ترحل بها رياح الشمال و أمضي .
تشتهي النساء روائح العطر و التراب المغتسل بالمطر حين تمسك يديهن و تسير ملتبسا صورة العاشق المنتظر , لا أشتهي إلا رائحة الخبز و بعضا من حرائق الندى الصباحي . يهيم فكري عنك بعيدا و أتذكر أهرامات مصر أعدد أسمائها " خوفو , خفرع , منقرع " أضيع في بعض متاهاتها , ثم أغوص بين أعمدة " أطلانتس "و أتوه في عوالم طفولتي عندها .. ربما أنت رحلت عني الى هناك , إلى قرطبة و موشحات الأندلس , لا أحب قرطبة إلا في خيالها على عينيك . أحب اسم " اسبانيا " لكنك علمتني أن أسميها " الأندلس " . أشتهي روائح الخبز أكثر , الخبز المحترق هذه المرة , و أتذكّر " فلسطين " , الشرقية الملهمة , على أرضها ربما قلبي و قلبك يعزفان النوتات نفسها . ترفض في حركة رشيقة بفمك الفكرة و تهمس منزعجا : " فلسطين قبلة الكثيرين , لن تكون قبلتنا أنا و أنت . " .
" الخبز المحترق يذكرني بها .. قبلتنا في لبنان , ستكتشف سر الشفق الأزرق و أصلي أنا لله انتقاما . "
تبتسم ابتسامتك تلك مبتلعا خلالها ضحكة و مداعبة خفيفة , تشبه تلك الملامح وجهك بعد أن تقول لك فتاة جميلة أنها تحبك . للحب أشكال أخرى لم تمر عليها أجساد العشاق , لحظة عابرة على أرض " بشرّي " نلعن فيها " جبران (1)" بعمق المتعبّد كافية كي نقول أننا اكتشفنا منفذا جديدا للعشق و حضارة أخرى للحب .
ينطفئ كل هذا فجأة و نستفيق , نعود الى واقع أنك تمسك يدي و أننا نسير على الطريق نفسها , أحيانا الطريق نفسها لا تتشابه حين ننظر اليها . شجرة التوت تحييني على عتبة بابي و تطلق حكمة أخرى :" طرق الوداع الدائرية تأدي الى اللقاء ثانية , الأرواح المتعانقة تبني سبلها بمخططات دائرية ." . أتمتم الكلمات خلفها بعد أن شرعنا نترك أيادينا , علينا أن نتحرر من عبودية الأيادي المتشابكة من وقت لآخر كي يحافظ كلانا على نفسه .
" الى الملتقى " . أهمس و أستدير نحوك أرمقك بنظرة أولى . كما توقعت , في حدقتك شيء من التناقض و الضياع . تسألني :
"الملتقى ؟"
" لا أعلم للملتقى شكلا و لا تعريفا .. أيا كانت الطريق التي سنسلكها , ستكون أحد وجوهه. "
" الى الملتقى . " . و تمضي تفكّر في وطن يجمعك .
_________________
( 1) جبران خليل جبران .
________________

23/11/2013

فوضى الأبعادقصص لتهوسّ بها. اكتشف الآن