١٦١

754 44 52
                                        

خرج يوسف من البيت بخطوات واسعة متجها إلى رئيس الحرس بعد أن استدعاه.. خطر في باله سامر وزفر بانزعاج.. لو كان سامر موجودا، لم تكن هذه الأخطاء لتحصل قط؛ فقد كان سامر دقيقا ومتفانيا للغاية في عمله، ولم تكن الذبابة تمر حولهم دون أن يلحظها. كما أنه لم يكن مهتما فعلا بأي شيء في الدنيا، ولم تكن له عائلة أو حياة أو اهتمامات، وبذلك كانت حياته مكرسة ليوسف ومهامّه مئة بالمئة.. ومنذ تركه سامر وجد نفسه يعيّن أكثر من شخص مكانه، في محاولة لإيجاد أي إنسان بمهارته وحرصه وذكائه، ولكنه لم يستطع. وهذا الرئيس الحالي كان جديدا، لم يمض على وجوده معه إلا أشهر..

صافحه الحارس باحترام: أهلا بك يا سيدي.. هل أنت بحاجة لشيء؟

مرر يوسف كفه في شعره منزعجا بوضوح، لم يكن يحب هذه المواقف، لأنه كان يضطر لضبط غضبه كثيرا، حيث أنه كان يكره إساءة معاملة أي شخص يعمل تحته. قال بصوت حافظ على هدوئه بصعوبة: بلغَني أن ريان قد مر بمدرسة فارس منذ فترة قصيرة، كيف لم يصلني تقرير بذلك من طرفكم؟

بدا الحارس جاهزا للغاية لهذا السؤال.. قال بجدية: نحن لم نستطع التدخل بالطبع أو منعه من دخول المدرسة، ولكننا حرصنا على متابعة ما جرى في الداخل. وقد تكلمتُ مع رجُلي الموجود في المدرسة، وقال أن أخاك قد فوجئ حين عرف أن السيد الصغير فارس كان طالبا في تلك المدرسة، وانسحب بعدها مباشرة برفقة ابنته. وهكذا لم أجد داعيا لإزعاجك بالمسألة بحكم أنها كانت خطأً واضحا..

هز يوسف رأسه وقال بصرامة: اسمعني جيدا، يجب أن أعرف أي شيء يتعلق بهؤلاء الناس، سواءً كان ريان أو أي شخص آخر من تلك العائلة اللعينة. حتى لو تنفس أحدهم قرب عائلتي، سأعرف. هذه مسألة ضرورية للغاية. وبالنسبة لعدم معرفته بوجود فارس، فهذا هراءٌ محض. إنها تمثيلية لا أعرف هدفها. ولذلك، ستفعل كل ما بوسعك كي لا يتنفس هذا الحقير حتى نفس الهواء الذي يتنفسه فارس، وبمجرد أن تراه في محيطه ستهاتفني في اللحظة ذاتها.

ارتبك الحارس وأجاب: أعتذر، يا سيدي، أردتُ أن أريحك من عناء المسائل التافهة.

هدأ يوسف قليلا وأجاب: يمكنك أن تفعل هذا في أي شيء إلا فيما يتعلق بتلك العائلة. أي شيء يجري معهم سأعرفه، كبيرا كان أم صغيرا. ثم.. بمجرد أن رأيتم دخوله إلى المدرسة، كان عليكم أن تهاتفوني كي آمر بإخراج فارس منها فورا. لن تسمحوا لهما بالتواجد في نفس المكان. هذه قوانين أخبرتك بها في أول يوم انضممتَ به إلينا!

: أنت محق يا سيدي، أنا آسف.

ظل يوسف يرمقه لحظات، لم يكن واثقا لو أنه راضٍ عن النتيجة.. وأحس أنه يجب أن يعاود التواصل مع سامر، الذي رفض حتى الآن كل محاولة للصلح والتراضي، منذ ما شهده عند قبر أحمد من قبل.

ذهب يوسف إلى سيارته وهو يحس بصدره يضيق بسبب تلك الذكرى المزعجة، وعاود ذهنه وجه منال المكدوم والمحمرّ فيما كان يعتدي عليها أمام قبر أبيها..

يومٌ لا نهايةَ لهحيث تعيش القصص. اكتشف الآن