اعتدل فارس جالسا بحذر شديد، محاولا ألا تصدر عنه أي حركة.
يعرف أن أباه يفيق من أي شيء، حتى لو تنفس بصوت واضح، سيفيق يوسف فورا.
ظل جالسا بخمول وهو ينقل بصره بين والديه.. كان جالسا بينهما، كلاهما نائمان، بينما تكوّر بندق في طرف السرير.
الشمس كانت تتسلل بنعومة بين الستائر الثقيلة، والأغطية الخفيفة كانت مرمية بعشوائية على جسديهما.
تأمل فارس أباه النائم بعمق.. حاجباه مقطبان قليلا، وتنفسه منتظم.
أحس بخفقات قلبه تتسارع بعض الشيء.. هذه أول مرة منذ فترة طويلة يكون فيها يوسف موجودا وقت إفاقته..
مد يده الصغيرة وهز بخفة منال كي يوقظها.. فتحت منال عينيها مباشرة، فهي الأخرى كانت سهلة الاستيقاظ.
رمشت محاولة أن تستوضح ما يجري حولها.. نقلت بصرها بين النافذة وبين فارس محاولةً تحديد الوقت.
هزها فارس مرة أخرى وأشار بسبابته على فمه لها بإشارة للهدوء.
مررت كفها على جبينها بتعب وتمتمت بصوت غير مسموع: ماذا يجري؟
سكت فارس وأشار إلى أبيه وابتسم. تثاءبت منال وفهمت ماذا يجري، فارس كان متحمسا لوجود أبيه أخيرا حولهما في الصباح، دون أن يهرب كعادته.
اعتدلت جالسة بحركات في غاية البطء، وكأنها تفكّ قنبلة ما، محاولة ألا تصدر أي اهتزازات على سطح السرير.. مررت كفها في شعر فارس وهمست: لا تتفاءل يا فارس.. أظنه أسرف في النوم فحسب.
عبس فارس بضيق: لماذا تقولين ذلك؟ ربما قرر البقاء معنا اليوم.
أجابت بابتسامة وهي تنهض عن السرير وتقف: لا تنزعج، أنا فقط أحاول أن أكون صادقةً معك.
سكت فارس بامتعاض.. أمه مؤخرا تحاول بوضوح إعادة بناء الثقة بينهما، ولاحظ أنها باتت صريحة للغاية معه. كانت تقول له الحقائق بشكل مباشر مهما كان ذلك مخيفا أو جارحا، ولم تكن تحاول تجميل أي شيء أو تزييفه. مما كان يؤلمه، ولكنه كان يريحه ويرضيه.
فتح يوسف عينيه دفعةً واحدة ببعض الفزع حين أحس بحركة فارس وهو ينهض عن السرير.. لم يكن فارس يعرف كيف ينهض بهدوء وانضباط مثل منال التي درّبها يوسف على ذلك لسنين طويلة.
وقف فارس أمام السرير وابتسم بتردد: بابا.. أيقظتك؟ آسف.
تنهد يوسف بتعب عندما مرت في ذهنه فورا حالته النفسية قبل أن يعود إلى المنزل بالأمس.. فرك عينيه مجهدا وهو يهمس: لا، لا عليك يا صغيري.
انسحب فارس من الغرفة دون كلام وهو يحمل بندق بين يديه ويلاعبه. كلاهما، فارس ومنال كانا يعرفان طقوس يوسف. لم يكن يحب أن يتكلم أو يتفاعل قبل أن يأخذ دشّه الصباحي.
ظل يوسف مستلقيا للحظات وهو يتأمل السقف، شعور ثقيل بالكآبة كان يخيم عليه..
التفت إلى جهة منال من السرير ثم سحب وسادتها ورماها فوق وجهه دون تفكير.. استنشق رائحة عطرها وزفر براحة..
لم يكن يخطط للبقاء حتى هذه الساعة.. كل ما في الأمر أنه نام دون شعور بسبب الحبوب المنومة التي ابتلعها بالأمس قبل أن يخلد إلى السرير.
والآن أحس أنه كان في ورطة، لم يكن عليه أن يغادر فجأة، سيكون ذلك تصرفا عدوانيا أكثر مما يجب، ولكنه لم يكن يريد أن يبقى حولهما.
أنت تقرأ
يومٌ لا نهايةَ له
Romansaتعيش منال منذ طفولتها مع الوحش.. الوحش، والعائلة الوحيدة. هذه القصة محض خيال، ولا تشابه بينها وبين الواقع. فضلا، لا تنقل هذه القصة أو تنشرها في أي مكان. لا ينصح بقراءة القصة لمن هم دون ١٨ عاما. *مهم: لا تروج هذه القصة لأي شكل من أشكال العنف، وإنما...
