(عودة إلى الماضي: تكملة)
وقف يوسف عند باب الغرفة مسندا كتفه على دعامة الباب. وضع كفيه في جيبيه وراقب منال التي كانت تحاور المربية بجدّية بالغة وتعطيها تعليماتٍ مفصلة حتى أصغر وأدق التفاصيل.
زفر منزعجا وهو يسمع نبرتها الهادئة الفاترة الخالية من الحياة، ويرى عينيها الباهتتين، لقد اكتفى، سينتهي هذا اليوم.
ابتسمت المربية وهي تقول: سيدة منال، لا تقلقي، أنا معتادة على فارس، هذه ليست مرتي الأولى معه، أريدكِ أن تطمئني وتقضي ليلة هانئة.
زفرت منال التي كانت جالسة على الكنبة، في حضنها فارس الذي كان يلعب بلعبة قطنية ويثرثر بكلمات متداخلة غير مفهومة.
مررت كفها في شعره بكآبة وتأملت وجنتيه الورديّتين وعينيه الواسعتين وقبلته.. لم تكن تحس بالراحة.. لم تطمئن لتركه وحيدا.
اكتفى يوسف حين أحس بأن الأمر زاد عن حده.. اعتدل واقفا وقال بصرامة: يكفي، هيا، لنذهب.
نهضت منال باستسلام وهي تناول فارس برفق للمربية، اتسعت عينا فارس بهلع وبدأ يبكي وهو يحاول التملّص من يد المربية كي يعود إلى منال.
أحست منال بقلبها ينفطر وهي ترى الدموع تتفجر من عينيه.. تحركت بسرعة نحو المربية وأخذت فارس إلى حضنها من جديد وعانقته بشدة، سكت فارس عن البكاء مباشرة وأحاط عنقها بذراعيه.
شدّ يوسف على أسنانه بغضب.. قال بصوت خطِر يخفي وراءه انفعالا: منال، هلّا جئتِ لنتكلم لحظات؟
فهمت المربية الرسالة ونهضت وهي تقول بابتسامة: سأجهز الحليب وبقية الأغراض في المطبخ، استدعِني قبل مغادرتكما.
اختفت المربية حالا من الغرفة.. ونظر يوسف إلى منال.. اقترب منها بخطوات واسعة وقال بحدّة: ماذا تفعلين؟ هل تظنين أنكِ تنفعينه هكذا؟ هذا التعلق بكِ ليس صحيا له. اتركيه يتعلم أنكِ لن تكوني حوله من وقتٍ لآخر.
شدّت منال فارس إليها وهي تمسح دموعه بأطراف أصابعها.. قالت بصوت هادئ: ليس بهذه الطريقة.
ابتسم يوسف بسخرية: حقا؟ ما هي الطريقة إذن إذا كان ملتصقا بكِ طوال الوقت؟
سكتت منال.. كانت تريد أن تقول له أن الطريقة ببساطة تكمن في أن يكون يوسف أكثر انخراطا في حياته. سيخف تعلق فارس بها حين يكون حوله أبٌ يعتني به، ولا يكون معتمدا بالكامل عليها.
ولكن يوسف، حتى في تلك اللحظة، لم يكن ينظر إلى فارس، كان يركز عينيه عليها هي وكأنه يجاهد بكل قوته كي يتظاهر أن فارس ليس موجودا أصلا.
لم تعبر منال عما كان يجول في ذهنها.. قالت بصوت خافت: سنذهب بعد أن ينام..
عبس يوسف وقال بصرامة: لا. سنذهب الآن.
شدت منال ذراعيها حوله وقالت بصوت هادئ: يوسف، لن يستغرق الأمر وقتا طويلا. سأنيمه فقط ثم نذهب مباشرةً كي لا يبكي ويخاف مع مغادرتي.
احتد صوت يوسف أكثر: قلتُ لا. هذا المخلوق يستغرق ساعات كي يخلد إلى النوم، لا تتظاهري بالغباء.
أنت تقرأ
يومٌ لا نهايةَ له
Roman d'amourتعيش منال منذ طفولتها مع الوحش.. الوحش، والعائلة الوحيدة. هذه القصة محض خيال، ولا تشابه بينها وبين الواقع. فضلا، لا تنقل هذه القصة أو تنشرها في أي مكان. لا ينصح بقراءة القصة لمن هم دون ١٨ عاما. *مهم: لا تروج هذه القصة لأي شكل من أشكال العنف، وإنما...
